← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 36375

فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب

محمد نصر الدين محمد عويضة

Полный текст (6 619 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

وفي الفروع: مذهبه حنبلي غير جامد على تقليد الإمام أحمد، ولا من دونه؛ بل إذا وجد دليلاً أخذ به، وترك أقوال المذهب فهو مُستقل الفكر في العقيدة والفروع معاً. إلى أن قال: وكان قوي الحال ذا نفوذ شخصي وتأثير نفسي، ولذا كان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وهو متفرد عن عشيرته في البصرة) (١) [*] يقول فضيلة الشيخ علي الطنطاوي ﵀ بعدما ذكر فشو البدع قبل ولادة الإمام محمد: (واعتقد الناس النفع والضرر بالرسول والصالحين، وبالقبور والأشجار، والقباب والمزارات، فيطلبون منهم الحاجات، ويرجعون في الشدائد إليهم، وينذرون لهم، ويذبحون لهم، واشتد تعظيم الأموات. وكان حظ نجد في هذه الجاهلية الجديدة أكبر الحظوظ. فقد اجتمع على أهله الجهل والبداوة، والفقر، والانقسام في كل ناحية من نواحي نجد، من الأمراء بمقدار ما كان فيها من القرى. ففي كل قرية أمير، وفي كل ناحية جمعية أمم. وكان في كل إمارة قبر، عليه بناء، أو شجرة لها أسطورة. يقوم عليها سادن من شياطين الإنس، ويزين للناس الكفر ويدعوهم إلى الاعتقاد بالقبر والذبح له، والتبرك به، والدعاء عنده، إلى أن قال ﵀: وكان العلماء قلة، والحكام عتاة ظلمة، والناس فوضى يغزو بعضهم بعضاً، ويَعْدُو قويهم على ضعيفهم، في تلك البيئة نشأ محمد بن عبد الوهاب ﵀ فرأى شمس الإسلام إلى أفول، ورأى ظلمة الكفر إلى امتداد وشمول. وأراد الله له الخير فقدر له أن يكون أحد الذين أخبر الرسول أنهم يبعثون ليجددوا لهذا الأمة دينها، بل لقد كان أحق بهذا الوصف من كل من وصف به في تاريخنا. فقد حقق الله على يديه عودة نجد إلى التوحيد الصحيح، والدين الحق والألفة بعد الاختلاف، الوحدة بعد الانقسام. ولا أقول: إن الرجل كامل، فالكمال لله ولا أقول إنه معصوم فالعصمة للأنبياء. ولا أقول: إنه عار عن العيوب والأخطاء. ولكن أقول: إن هذه اليقظة، التي عمت نجداً، ثم امتدت حتى جاوزته إلى أطراف الجزيرة، ثم إلى ما حولها، ثم امتدت حتى وصلت إلى آخر بلاد الإسلام ليست إلا حسنة من حسناته عند الله إن شاء الله ا هـ.

стр. 1192

[*] رأي الأستاذ أحمد حسين ـ مؤسس حزب مصر الفتاة ـ في كتابه (مشاهداتي في جزيرة العرب) بعد أن وصف ما كان في جزيرة العرب من جهالة قبل ظهور الدعوة ما يلي: (وفي وسط هذا الجو ولد محمد بن عبد الوهاب. وكان أبوه الشيخ عبد الوهاب قاضي بلدة العيينة. وكان شيخاً عالماً جليلاً. فقرأ على أبيه الفقه. وسرعان ما ظهرت عليه علائم النجابة. وبدأ يدرك على الفور ما تردت به البادية من همجية وردة عن دين الإسلام. وبدأت تجيش به نفسه كل مصلح من عزم على تغيير هذه الحال. فلما بلغ من العمر عشرين ربيعاً. بدأ يستخدم فصاحته وعلمه في مناقشة أنداده وأضرابه. بل ومن هم أكبر منه سناً. في فساد الحال فلم يجد منهم أذناً صاغية. وبعد أن ذكر سفر الشيخ إلى الحجاز والبصرة - ورجوعه ثانية إلى نجد. واستقراره في الدرعية واتفاقه مع محمد بن سعود. ختم هذا البحث بقوله: تلك هي قصة الشيخ محمد بن عبد الوهاب كما بدأت. والتي لم تكمل حتى الآن. فلا يزال أحفاد محمد بن سعود. وأحفاد الشيخ محمد بن عبد الوهاب. يحملون لواء التوحيد. وينافحون عنه. وإذا كان العالم الإسلامي كله اليوم تحت تأثير النور والعرفان. قد بدأ يدرك بفطرته هذا الذين كانوا أول من نصره واستجاب له. اهـ [*] رأي الأستاذ الإمام محمد عبده مفتي مصر ـ نقلاً عن كتاب (٥٠عام في جزيرة العرب ـ للشيخ حافظ وهبة). أثنى على الإمام الشيخ محمد عبد الوهاب وكان يلقبه بالمصلح العظيم. [*] تناول الأستاذ أحمد أمين العالم المصري الشهير في كتابه (زعماء الإصلاح الإسلامي) فذكر أن: (الشيخ محمد بن عبد الوهاب في أثناء إقامته في الحجاز ورحلاته إلى كثير من بلاد العالم الإسلامي وجد أن التوحيد الذي هو مزية الإسلام الكبرى قد ضاع ودخله الكثير من الفساد ... فشغلت ذهنه فكرة التوحيد في العقيدة مجردة من كل شريك، وفكرة التوحيد في التشريع لا مصدر له إلا الكتاب والسنة).

стр. 1193

[*] قال الشيخ محمد حامد الفقي (١): (الوهابية نسبة إلى الإمام المصلح شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب مجدد القرن الثاني عشر. وهي نسبة على غير القياس العربي. والصحيح أن يقال المحمدية، إذ أن اسم صاحب هذه الدعوة والقائم بها هو محمد، لا عبد الوهاب، ثم قال بعد كلام: وإنهم لحنابلة متعصبون لمذهب الإمام أحمد في فروعه ككل أتباع المذاهب الأخرى، فهم لا يدعون، لا بالقول، ولا بالكتابة أن الشيخ بن عبد الوهاب أتى بمذهب جديد، ولا اخترع علماً غير ما كان عند السلف الصالح، وإنما كان علمه وجهاده لإحياء العمل بالدين الصحيح وإرجاع الناس إلى ما قرره القرآن في توحيد الإلهية والعبادة لله وحده ذلاً وخضوعاً، ودعاءاً، ونذراً وحلفاً، وتوكلاً، وطاعة لشرائعه ... )

стр. 1194

[*] قال أمين سعيد: في كتابه (سيرة الإمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب) إن سيرة الإمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب التميمي من أحفل السير بالعظات وأغناها بالفضائل وأحقها بالبحث والفصل، والتفسير والتعليل وهي سيرة مصلح من كرام المصلحين، ومجاهد من كبار المجاهدين وعالم من خيرة العلماء أنار الله بصيرته وهداه سبله وألهمه التقوى فدعا أمته للرجوع إلى الله والعمل بكتابه وسنة رسوله ونبذ سواهما ... ومن وسط الجو القاتم المربد جو الجهل والجمود، جو ضعف الوازع الديني وتسلط الحكام واستبداد الطغاة، أشرقت من جانب نجد أنوار الدعوة الوهابية التي حمل مشعلها الإمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب فأنارت للأمة السبيل وألهمتها رشدها فشقت طريقها واهتدت بهديها، وحققت الدعوة لنجد آمالها وقد بدأت في محيطها أول ما بدأت فأنشأت لها مجتمعاً إسلامياً سليماً يؤمن بالتوحيد ويعظم شأنه ويسير على هداه ولا يدعو مع الله أحدا ولا يزال هذا حالة لم يتبدل ولم يتغير منذ عهد الشيخ حتى يومنا هذا فهو يصدع بالحق ويؤمن به، وانبثقت عن هذا المجتمع دولة عربية كريمة نشأت في ظل الدعوة وآمنت بها فكانت أول دولة عربية كبرى يؤسسها العرب داخل جزيرتهم بعد دولة الخلفاء الراشدين فاتبعت طريقهم وترسمت خطاهم فسادت وشادت ووسعت حدودها وانتشرت الدعوة في بلاد الإسلام وسرى نورها في أرجائها وأقبل عليها الكثيرون وأخذوا بها وتفاعلوا معها واستجابوا لها فكانت الأمة الكبرى لهذه النهضات التي تعم بلاد العرب وبلاد المسلمين فأحييت ميت الهمم وأيقظت خامد النفوس، وضرب الشيخ الأمثال على تجرده ونزاهته وعلى أنه لم يرد من دعوته سوى وجه الله وحده وإصلاح حال أمته وإنقاذها من ظلمات الجهالة التي كانت تغمرها). [*] يقول الدكتور مصطفى صادق الرافعي الأديب المصري: (والسبب لتأليف هذا الكتاب (١) فمن أجل حركة توعية رائدة، ومن أجل تجهيز دعاة إسلاميين ذوي جدارة وأهلية، لمواجهة النكبات التي تتوالى على الإسلام والمسلمين منذ أكثر من خمسة قرون، أقدم هذه العجالة عن بعض الدعاة السابقين المؤهلين "رجال الإسلام" عسى أن يكون فيها بعض ما ينير الظلمات التي تكتنف حياتنا، وتلف مجتمعاتنا، وعسى أن تنشأ بوادر انتفاضة صحيحة تقوّم الاعوجاج، وتزيح أستار الضلالة، وتدفع بعربة الإسلام في طريق المجد والتقدم)

стр. 1195

ومن القدوات لأبناء هذا الجيل إمام الدعوة السلفية المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى ولنقف مع أديبنا د- مصطفى صادق الرافعي والإمام محمد بن عبد الوهاب .. حيث قال: الدعوة السلفية، عاش الشرق الإسلامي زهاء خمسة قرون من عمر الزمن، ينعم في بحبوحة ونعيم، وحضارة وارفة الظلال، بفضل نور الإسلام الوهاج الذي عمّم خيراته على كل أرض، ونشر هدايته لكل قبيل. بعدها اعتراه الوهن والضعف، فمر في عهود سوداء، وحاقت به ظلمات حالكة، فتقلصت هداية الإسلام عن أرضه أو أوشكت، وأصبح تراث المسلمين نهباً مقسماً بين شذاذ الأمم، وذئبان الشعوب، يستغلون علومه ويستأكلون حضارته، فسيطر على بلاده الغربيون، فأذاقوها من العذاب أقساه، ومن الألم أشده، حتى انحدرت بلاد المسلمين إلى هوة عميقة من الضعف والتخلف والانحطاط. ثم ما إن أطلّ القرن الثامن عشر، حتى انطلقت صيحة واعية مؤمنة من قلب الجزيرة العربية، تهيب بالمسلمين أن يتحرروا من الشوائب التي اعترت عقائدهم، والخرافات والأباطيل التي شوّهت دينهم، وأن يعودوا في جميع شؤون حياتهم إلى ما كان عليه حال السابقين الأولي من أسلافهم. وكان مرسل هذه الصيحة، الداعي إلى الله على بصيرة القائد الفذّ، محمد بن عبد الوهاب، وإليه تنسب "الحركة السلفية" التي دعت إلى إصلاح النفوس، واستعادة مجد الإسلام، فظهرت بظهورها تباشير صبح جديد، فيه كل معاني الصباح، من نور وضياء، وإشراق ولألاء، فأيقظ المسلمين من سباتهم العميق الذي رزخوا تحت وطأته حقباً طويلة من الزمن. [*] قال أحمد القطان: (استطاعت حركة الموحدين نشر العلم والمعرفة بين طبقات الشعب المختلفة, واستطاعت تكوين طبقة ممتازة من علماء الدين ورجال المعرفة فنشرت الحركة في الناس علوم الشريعة المطهرة وآلاتها , من التفسير والحديث , والتوحيد والفقه , والسيرة والتاريخ , وغير ذلك وأصبحت الدرعية قبلة العلوم والمعارف يفد إليها الطلاب من سائر النواحي والأرجاء , و انتشر العلم في جميع الطبقات) (١)

стр. 1196

[*] محمد كرد: كتب علامة الشام محمد كرد علي بحثا بعنوان (أصل الوهابية) اختتمه بقوله (وما محمد بن عبد الوهاب إلا داعية هداهم من الضلال وساقهم إلى الدين السمح , وإذا بدت من بعضهم فهي ناشئة من نشأة البادية , وقلما رأينا شعبا من أهل الإسلام يغلب عليه التدين والصدق والإخلاص مثل هؤلاء القوم , وقد اختبرنا عامتهم وخاصتهم سنين طويلة فلم نرهم حادوا عن الإسلام قيد غلوة ... إلخ) (١) [*] طه حسين: قال يصف دعوة محمد بن عبد الوهاب (قلت أن هذا مذهب جديد قديم معا , والواقع أنه ليس بجديد بالنسبة للمعاصرين , ولكنه قديم في حقيقة الأمر , لأنه ليس إلا الدعوة القوية إلى الإسلام الخالص النقي المطهر من شوائب الشرك والوثنية , وهو دعوة إلى الإسلام كما جاء به النبي ﷺ خالصا له , ملغيا كل واسطة بين الله وبين الناس) (٢) [*] قال حافظ وهبة في كتابه (جزيرة العرب) عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب (مصلح مجدد , داع إلى الرجوع إلى الدين الحق , فليس للشيخ محمد تعاليم خاصة , ولا أراء خاصة , وكل ما يطبق في نجد , هو طبق مذهب الإمام أحمد بن حنبل رحمة الله وأما في العقائد , فهم يتبعون السلف الصالح , ويخالفون من عداهم) [*] الزركلي: قال في كتابه (الأعلام الجزء السابع) عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب ((وكانت دعوته , الشعلة الأولى للنهضة الحديثة في العلم الإسلامي كله , تأثر بها رجال الإصلاح , في الهند ومصر , والعراق , والشام وغيرها) [*] محمد رشيد رضا: قال السيد محمد رشيد رضا عن محمد بن عبد الوهاب (قام يدعو إلى تجريد التوحيد , وإخلاص العبادة لله وحده , بما شرع الله في كتابه , وعلى لسان رسوله خاتم النبيين ﵊ , وترك البدع والمعاصي وإقامة شعائر الإسلام المتروكة وتعظيم حرماته المنتهكة)

стр. 1197

[*] رأي العقاد: تناول الأستاذ عباس العقاد في كتابه (الإسلام في القرن العشرين) دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب فقال (ظاهر من سيرة الشيخ محمد ابن عبد الوهاب الوهابية أنه لقي في رسالته عنتا , فاشتد كما يشتد من يدعو غير سميع ومن العنت أطباق الناس على الجهل والتوسل بما لا يضر ولا ينفع والتماس المصالح بغير أسبابها وآتيان الممالك من غير أبوابها وقد غبر البادية زمان كانوا يتكلمون فيه على التعاويذ والتمائم وأضاليل المشعوذين والمنجمين ويدعون السعي من وجوهه توسلا بأباطيل السحرة والدجالين حتى الاستشفاء ودفع الوباء فكان حقا على الدعاة أن يصرفهم عن هذه الجهالة وكان من أثر هذه الدعوة أنها صرفتهم عن ألوان البدع والخرافات) [*] يقول الدكتور الشيخ عائض بن عبد الله القرني حفظه الله في نونيته: ومجدد الإسلام في هذا الورى ... أعني التميمي ناصر الإيمانِ رحم الإلهُ محمداً في لحدهِ ... خضم الضلال مهدِّم الأوثان في نجد أشرق نورهُ متوهجاً ... بل شعَّ من هندٍ إلى تطوانِ فعلى عقيدتهم بنيتُ عقيدتي ... وعلى رسائلهم فتقت لساني أقفو طريقتهم ونهجي نهجهم ... دوماً وأبرأ من أخي كفرانِ أهل الضلالةِ هم خصومي دائماً ... لا يلتقي بمحبةٍ خصمان ولكل مبتدع أقول مجلجلاً ... أنا صارمٌ يفري الرقاب يماني أسلمت نفسي للذي برأ الورى ... وبرئت من شركٍِ ومن طغيان ورضيت بالقرآن والسنن التي ... جاءت بفهمِ صحابة العدناني أقوال المفكرين والمستشرقين في الإمام محمد ابن عبد الوهاب ﵀: [*] يقول المستشرق سيديو في كتابه (تاريخ العرب العام) الذي نقله إلى العربية (عادل زعيتر): قال في أثناء كلامه على ثورات العرب للتحرر من سيطرة الترك وسيطرة البرتغال في عمان بعد كلام. ومن ثم نرى أن جزيرة العرب استردت استقلالها التام تقريباً، منذ أوائل القرن الثامن عشر بفضل جدها، وضعف أعدائها، ولم يبق لها إلا أن تؤيد نصرها بمركز يلتف حوله جميع النفوس. وهذا ما حاولت صنعه، قبيلة ظهرت في نجد، حوالي سنة ١٧٤٩م. وهذا ما حاوله الوهابيون النافذون، حتى الآن، والذي سيكون لهم تأثير دائم، في مصير جزيرة العرب لا ريب. واسم واضع هذه السيطرة هو محمد عبد الوهاب التميمي، الذي أكب على دراسة آداب العرب وعلومهم، منذ صباه. والفقه أكثر ما عنى به. واطلع على آراء رجال المذهب، وقصد بغداد، والبصرة، وفارس سائحاً. فنمت مداركه، فأنعم النظر في حال بني قومه وميولهم وغرائزهم، وطبيعة قواهم.

стр. 1198

فرأى أنه إذا ما حمل المسلمين على مراعاة أحكام القرآن، رجعت إليهم تلك الحماسة التي تعودتها عظمة الماضين. ولم يكن للإصلاح الذي بدأ زعيماً له هدف سوى إعادة شريعة الرسول الخاصة إلى سابق عهدها. وحارب ابن عبد الوهاب كثير من المحرمات منها: تقديس قبور الأولياء، فحمل أنصاره على هدمها. وكذلك حارب ما كان يعيبه على الترك من فساد الأخلاق وتعاطي المسكرات. ومما ذكَّر الناس به هو أن الشريعة تأمر المسلمين بأن يؤتوا الزكاة، وتلزم القضاة بالنزاهة التامة. ومما عني به على الخصوص إبقاء روح الجهاد في قومه لما أدى إليه الجهاد من نصر عجيب منذ قرون. ولا يمكن أن تنعت أقوالهم بالإلحاد على العموم لما بدت تكراراً لسور القرآن. وهو لموافقته تعاليم الإسلام الصحيحة ـ كان بالغ الأثر لمبادئه قصار صناديد قبائل ينضمون إلى لوائه، أفراداً وأرسالاً. فيؤلفون جيشاً صغيراً بقيادة محمد بن سعود من عشيرة المساليخ وكان محمد قد اعتنق المذهب الجديد في الدرعية. فأبصر ابن عبد الوهاب فيه من المواهب الحربية، ما لم يجده في الغير، فزوجه بابنته، مفوضاً إليه أمر حكومة الوهابيين السياسية. فخلع على دين محمد رونقاً جديداً، وبدد الخرافات التي زالت مع الزمن فأظهر القرآن خالياً من جميع ما عزى إليه من الشوائب. وما لبثت النفوس التي أرهقتها شروح أئمة المسلمين المطولة الغامضة أن رجعت إلى بضعة مبادئ عامة بسيطة واضحة، فتقبلت خطط ابن عبد الوهاب الإصلاحية بقبول حسن. ودعا الوهابيون إلى الفضيلة خلافاً للقرامطة الذين تذرعوا بسيء المناحي، فلم يبالوا بغير قضاء المآرب. ا هـ [*] قال العالم الفرنسى برنادلوس في كتابه (العرب في التاريخ) ما يلي: وباسم الإسلام الخالي من الشوائب الذي ساد في القرن الأول. نادى محمد بن عبد الوهاب بالابتعاد عن جميع ما أضيف للعقيدة والعبادات من زيارات باعتبارها بدع خرافية غربية عن الإسلام الصحيح. [*] قال شيخ المستشرقين جولد سهير النمساوي في كتابه (العقيدة والشريعة) ما يلي: وإذا أردنا البحث في علاقة الإسلام السني بالحركة الوهابية نجد أنه مما يسترعي خاصة من وجهة النظر الخاصة بالتاريخ الديني الحقيقة التالية يجب على من ينصب نفسه للحكم عن الحوادث الإسلامية أن يعتبر الوهابيين أنصاراً للديانة الإسلامية على الصورة التي وضعها النبي والصحابة. فغاية الوهابية هي إعادة الإسلام كما كان.

стр. 1199

[*] قال المستشرق جب الإنجليزي في كتابه (المحمدية): وفي جزيرة العرب قام حوالي ١٧٤٤م ١١٥٧هـ محمد بن عبد الوهاب مع أمراء الدرعية آل سعود بتحقيق الدعوة إلى المدرسة - المذهب - الحنبلية التي دعا إليها ابن تيمية في القرن الرابع عشر - وقال أيضاً في كتابه الاتجاهات المدنية في الإسلام (أما مجال الفكر فإن الوهابية بما قامت به من الفتن ضد التدخلات العدوانية. وضد الأصول القائلة بوحدة الوجود. التي تريد تدنيس التوحيد في الإسلام. فقد كانت عاملاً مفيداً للخلاص الأبدي. وحركة تجديد أخذت تنجح في العالم الإسلام شيئاً فشيئاً). [*] جاء في دائرة المعارف البريطانية قولها: (أن الوهابية: اسم لحركة التطهير في الإسلام. والوهابية يتبعون تعاليم الرسول وحده. ويهملون كل ما سواها، وأعداء الوهابية هم أعداء الإسلام الصحيح) [*] قال الأستاذ المستشرق ويلفرد في كتاب (الإسلام في نظر الغرب - ألفه جماعة من المستشرقين): (كان محمد بن عبد الوهاب يقول قبل كل شيء يجب أن تعيشوا حسب الشرع الإسلامي وهذا هو معنى أن تكونوا مسلمين. لا ذاك الرغاء العاطفي. والتقى والحرارة التي يقدمها لكم الصوفيون فأساس الإسلام هو الشرع. وإذا كنتم تريدون أن تكونوا مسلمين فيجب أن تعيشوا حسب أوامر الشرع)

стр. 1200

[*] قال المؤرخ الألماني الدكتور داكبرت - في كتابه (عبد العزيز - وقد صدر في ألمانيا سنة ١٩٥٣م) ترجمه أمين رويحه. عن الحركة الوهابية: (وكان لآل سعود إلى جانب سيفهم الذي يستخدمونه في الفتح سلاح معنوي آخر. يدينون له بأعظم قسط من نجاحهم. ذلك السلاح من صنع الشيخ محمد بن عبد الوهاب أحد رجال الدين المطاردين في سبيل عقيدتهم. والذي لجأ إلى الدرعية عاصمة آل سعود في ذلك الحين. فلقي لديهم الحماية والأمان. وكانت تملأ قلب محمد بن عبد الوهاب فكرة تجديد القوى العربية على أساس ديني ناسباً إلى ابتعادهم عن سيرة السلف الصالح. وانقسامهم إلى شيع. وإلى ابتعادهم عن خُلقهم العربي الأصل. سبب تلاشيهم الذي - جعلهم في متناول النفوذ الأجنبي - إلى أن قال: ورأى الشيخ أن سبب الإنقاذ هو الرجوع إلى تعاليم الدين المشروعة. إلى تعاليم الرسول الصحيحة. فراح يبشر بوحي من ضميره وعقيدته. بمحاربة البدع التي أدخلت على الإسلام عبر العصور الغابرة. والضال المضل من تقارير علماء الدين غير مقيم وزناً إلا لما نص عليه القرآن صراحة. أو لما يمكن نسبته بصورة قاطعة للنبي محمد ﷺ وراح يحارب بكل قواه المستمدة من عقيدته الصلبة كل ما هو مخالف للدين الاسلامي الصحيح انتهى ملخصاً). [*] قال الأستاذ فيليب. في كتابه (تاريخ العرب) وهو مؤرخ ألباني (ولقد تأثر محمد بن عبد الوهاب بفكرة. هي أن الإسلام كما يمارسه معاصروه. قد انحرف كثيراً علمياً ونظرياً عن طريق السنة التي استنها القرآن. وقرر أن ينقيها هو بنفسه) لوثروب ستودارد: يقول (بلغ العالم الإسلامي في القرن الثاني عشر الهجري أعظم مبلغ من التضعضع و الانحطاط , فأربد جوه ,وطبقت الظلمة كل صعق من أصقاعه , ..... وبينما العالم الإسلامي مستغرق في هجعته , ومترنح في ظلمته , إذا بصوت يدوي في قلب الصحراء في شبه الجزيرة العربية , مهد الإسلام , فيوقظ المؤمنين ويدعوهم إلى الإصلاح والرجوع إلى سواء السبيل , والصراط المستقيم , فكان الصراخ بهذا الصوت إنما هو المصلح المشهور محمد بن عبد الوهاب الذي أشعل نار الوهابية واتقدت ثم أخذت هذا الداعي يحض المسلمين على إصلاح النفوس واستعادة المجد الإسلامي القديم) (١)

стр. 1201

المستشرق بروكلمان: (فلما آب محمد بن عبد الوهاب إلى بلده الأول سعى إلى أن يعيد العقيدة والحياة الإسلامية صفاءها الأصلي) (١) [*] قال ويلفرد كانتول: (سمعت - من أساتذة جامعة مكييل بكندا) كان محمد بن عبد الوهاب يقول قبل كل شيء , يحب أن تعيشوا حسب الشرع الإسلامي وهذا معنى أن تكونوا مسلمين , لا ذاك الرغاء العاطفي النقي الحرارة التي يقدمها الصوفيون , فأساس الإسلام هو الشرع. وإذا كنتم تريدون أن تكونوا مسلمين فيجب أن تعيشوا حسب أوامر الشرع. (٢) [*] مؤلفات محمد بن عبد الوهاب ومصنفاته العلميّة رحمه الله تعالى: ترك الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى مجموعة نفيسة من الكتب حُقَّ لها أن تُكْتَب بماء الذهب وهي كما يلي: (١) كتاب التوحيد فيما يجب من حق الله على العبيد. (٢) الأصول الثلاثة. (٣) كشف الشبهات. (٤) الكبائر. (٥) مختصر زاد المعاد. (٦) مختصر سيرة الرسول. (٧) تفسير الفاتحة. (٨) مسائل الجاهلية. (٩) أصول الإيمان. (١٠) آداب المشي إلى الصلاة. (١١) فضائل القرآن. (١٢) السيرة المختصرة، ومن ثمّ السيرة المطولة. (١٣) مجموع الحديث على أبواب الفقه. (١٤) مختصر الإنصاف والشرح الكبير. (١٥) مختصر الصواعق. (١٦) مختصر فتح الباري. (١٧) مختصر الهدي. (١٨) مختصر العقل والنقل. (١٩) مختصر المنهاج. (٢٠) مختصر الإيمان. (٢١) وله ﵀ رسائل وأجوبة في التوحيد والنصائح وأجوبة في الفقه كثيرة مفيدة، قد قامت جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بجمع وطباعة مؤلفاته في مجموع أسمته: مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب، في أحد عشر مجلدا. موقف العثمانيين من دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب:

стр. 1202

بعد وفاة الإمام محمد عبد الوهاب ﵀ ظلت الدعوة السلفيّة المباركة تنمو ويتسع نفوذها ويزداد أتباعها، وبلغ نفوذها أقصاه، وامتد سلطانها كل الجزيرة العربية، وحينئذ شعرت الدولة العثمانية بالخطر يقترب منها، وأن الحجاز يوشك ـ في ظل هذه الدعوة الفتية ـ أن يخرج من قبضتها، وهو أمر في غاية الخطورة والحساسية بالنسبة للدولة العثمانية، فالحجاز يمثل السيادة الروحية على العالم الإسلامي كله؛ نظرًا لوجود الحرمين الشريفين فيه، وفقده يعني زوال تلك السلطة الروحية والسيادة والزعامة الدينية التي يتمتع بها الخلفاء العثمانيون. فاستنجد العثمانيون بمحمد علي باشا ـ والي مصر ـ وطلبوا منه تجهيز جيش لمحاربة تلك الدعوة وأتباعها، وبعد عدة معارك تمكن " محمد علي باشا " عليّه من الله ما يستحق، من قتل وأسر وتشتيت ـ الدعوة السلفيّة المباركة ـ في ذلك الوقت ولكن (إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً) [الطلاق: ٣] وبالرغم من تلك الهجمة الشرسة التي قام بها أولئك الحاقدون على الدعوة الصحيحة النابعة من كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، إلا أن الله كتب لتلك الدعوة المباركة الانتشار والتأييد من جديد، فانتشرت في كثير من الأقطار الإسلامية: كالهند، والجزائر، واليمن، والحجاز من جديد وتأثر بها الكثير من المخلصين لله، والساعين لنشر سنة محمد بن عبد الله ﷺ في مصر، والأردن، وفلسطين، بل امتدت إلى المسلمين في الغرب وروسيا البيضاء، وأوربا، والعلامة الشيخ محمد ناصر الدين الألباني خير مثال على انتشار هذه الدعوة المباركة. وما تزال دعوة السلف الصالح تجتذب المزيد من الأتباع والأنصار كل يوم في مواجهة ذلك الطوفان الهائل من البدع والخرافات والتغريب. وفاة الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى: وفي يوم الإثنين نهاية ربيع الآخر (١٢٠٦هـ = ١٧٩٢م) توفي الإمام المجدد وشيخ الإسلام المُوحد والعالم الجهبذ "محمد بن عبد الوهاب" بعد أن قويت دعوته، وانتشرت بين القبائل. فرحمه الله رحمةً واسعة، وقدس روحه وطيب ثراه، آمين. سيرة محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله تعالى: اسم محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله تعالى: هو الإمام العلامة والبحر الفهامة سماحة الشيخ: محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن بن شيخ الإسلام محمد ابن عبد الوهاب التميمي.

стр. 1203

أبوه هو الشيخ القاضي إبراهيم ابن عبد اللطيف، وأمه هي (الجوهرة بنت عبد العزيز الهلالي) من (عرقة) من المزاريع من بني عمرو من تميم. مولد محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله تعالى: ولد رحمه الله تعالى يوم عاشوراء من عام ١٣١١هـ، حدثني الشيخ عبد الله بن إبراهيم رحمه الله تعالى - أخو الشيخ الأكبر- قال: كانت أمه صائمة عاشوراء يوم ولدته أهـ. نشأة محمد بن إبراهيم آل الشيخ وفقده لبصره رحمه الله تعالى: نشأ نشأة محمد بن إبراهيم آل الشيخ نشأة دينية علمية، في بيت علم و دين، فأدخل الكتّاب في صغره فحفظ القرآن مبكراً، ثم بدأ الطلب على العلماء مبكراً قبل أن يبلغ السادسة عشر، ثم أصيب رحمه الله تعالى بمرض في عينية وهو في هذه السن ولازمه سنة تقريباً حتى فقد بصره في حدود عام ١٣٢٨هـ وهو في سن السابعة عشر ـ كما حدثني هو رحمه الله تعالى بذلك ـ. وكان يعرف القراءة والكتابة قبل فقده لبصره، و يوجد له بعض الأوراق بخطه قبل أن يفقد بصره، وكان يعرف الكتابة حتى بعد فقده بصره وشاهدته رحمه الله تعالى يكتب بعض الكلمات على الأرض. زواج محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله تعالى وأولاده: حدثني الشيخ رحمه الله تعالى أنه تزوج ست مرات، وأول زواجٍ له كان في سنة ١٣٣٥هـ تقريباً وهو في الرابعة والعشرين من عمره، ومات وفي عصمته ثلاث زوجات: (١) أم عبد العزيز بنت عبد الرحمن آل الشيخ، وأنجب منها المشايخ: عبد العزيز وإبراهيم وأحمد. (٢) أم عبد الله بنت عبد الرحمن بن ناصر وأنجب منها الشيخ عبد الله وشقيقته. (٣) والثالثة من عائلة القفاري من بني تميم. أوصاف محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله تعالى: كان رحمه الله تعالى متوسط الطول، ملئ الجسم، متوسط اللون ليس بالأبيض ولا بالأسمر بل بين ذلك، خفيف شعر العارضين جداً، يوجد شعر قليل على ذقنه، إذا مشى يمشي بوقار وسكينة، وكان رحمه الله تعالى كثير الصمت وإذا تكلم لا يتكلم إلا بما يفيد. شيوخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله تعالى وطلبه للعلم: سبق أن ذكرت أنه أدخل الكتاب في صغره، فحفظ القرآن مبكراً، ثم بدأ بطلب العلم على مشايخ عصره قبل فقده لبصره، وهو في سن المراهقة قبل أن يفقد بصره رحمه الله تعالى، وبعد أن فقد بصره استمر في طلبه العلم حتى نبغ مبكراً، وتصدر للإفتاء والتدريس. ومن المشايخ الذين درس عليهم ما يلي:

стр. 1204

(١) الشيخ عبد الرحمن بن مفيريج: وقرأ عليه القرآن وهو صغير، وكان الشيخ محمد ﵀ يثني كثيراً على حفظ هذا الشيخ وسمعته يقول عنه: (إنه آية في حفظه لكتاب الله، وفي ضبطه للإعراب، و كان أثناء القراءة عليه يكتب فإذا أخطأ أحد في الحفظ أو القراءة يرد عليه، وكان يرد الخطأ في الحفظ والخطأ في الإعراب، وكان يفتح على الأئمة إذا أخطئوا من أول الآية أو التي قبلها) أهـ. (٢) عمه الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف: وبدأ في الدراسة عليه قبل أن يفقد بصره، وكان الشيخ عبد الله ﵀ يحب الشيخ محمداً ويقدره كثيراً رغم صغر سنه آنذاك، وقد سمعت الشيخ محمد رحمه الله تعالى يصفه ويقول: (كانت عيون الشيخ عبد الله ﵀ حسنة، وكنت إذا أتيت إليه يرحب بي ترحيباً كثيراً، ويقدمني في المجلس، وكان هذا الفعل من الشيخ رحمه الله تعالى يخجلني) أهـ. (٣) الشيخ سعد بن حمد بن عتيق: وكان الشيخ محمد يحبه ويقدره كثيراً، وكان إذا ذكره قال: (شيخنا الشيخ الكبير والعالم الشهير). (٤) الشيخ عبد الله بن راشد: سمعت الشيخ محمداً يقول: (درست عليه علم الفرائض وكان آية فيها). (٥) الشيخ محمد بن عبد العزيز بن مانع: رأيته مراراً إذا جاء للشيخ محمد ﵀ قام إليه واستقبله ورحب به وأجلسه مكانه، فسألت عن السبب في تقدير الشيخ له، فقيل لي إنه شيخ له، ولأنه يكبره بالسن. أعمال محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله تعالى: من أعماله التي تولاها ما يلي: (١) عين قاضياً في (الغطغط) واستمر في هذا العمل ستة أشهر، وتزوج الشيخ من أهلها أثناء إقامته هناك. (٢) كان إماماً لمسجد الشيخ عبد الرحمن ابن حسن ـ المسمى الآن مسجد الشيخ محمد بن إبراهيم ـ وقد حدثني الشيخ نفسه ﵀ أن اسم المسجد هو (مسجد الشيخ عبد الرحمن بن حسن)، وكان خطيباً للجامع الكبير، واستمر في الإمامة والخطابة إلى موته رحمه الله تعالى. (٣) التعليم: وكان ﵀ قبل انشغاله بالأعمال الكثيرة في مصالح المسلمين ـ له حلقة تدريس في مسجده بعد الفجر، وفي بيته في الضحى، وفي مسجده أيضاً بعد العصر أحياناً. (٤) وكذلك كان هو المفتي للبلاد، وكان قبل فتح (إدارة الإفتاء) رسمياً هو الذي يفتي، ثم افتتحت (إدارة الإفتاء) رسمياً في شهر شعبان من عام ١٣٧٤هـ تحت إشرافه. (٥) ولما افتتحت رئاسة المعاهد والكليات أيضاً كان هو الرئيس، وكان قد أناب عنه أخاه الشيخ عبد اللطيف.

стр. 1205

(٦) ولما تأسست رئاسة القضاء عام ١٣٧٦هـ عمد رسمياً برئاسة القضاء، ووضعت لها ميزانية خاصة، وعين ابنه الشيخ عبد العزيز نائباً له فيها، و الشيخ عبد الله بن خميس مديراً عاماً. (٧) ولما افتتحت رئاسة البنات عام ١٣٨٠هـ كان هو المشرف العام عليها، فوضع الشيخ عبد العزيز ابن ناصر بن رشيد رئيساً عليها، ثم عين بدلاً عنه الشيخ ناصر بن حمد الراشد. (٨) ولما افتتحت رابطة العالم الإسلامي كان هو رئيس المجلس التأسيسي لها، وكان الأمين للرابطة هو محمد سرور الصبان. (٩) ولما افتتحت الجامعة الإسلامية عام ١٣٨٠هـ كان هو المؤسس لها وعين نائباً له الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز. طريقة محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله تعالى في التعليم وتلاميذه: (١) كان إذا صلى الفجر استند على سارية مستقبلاً القبلة ـ في الصيف على الجدار الشرقي لمسجده، وفي الشتاء في خلوة المسجد ـ، ويتحلق عليه الطلبة، ثم يبدأون بالقراءة عليه من المتون حفظاً، ثم يبدأ بالشرح، لمدة ساعة أو أكثر، ثم يفترقون ويأتي آخرون عند الشيخ في البيت للدرس وقت الضحى. (٢) كان يطلب القراءة من بعض الطلبة الذين يمتازون بقوة الصوت أو حسنه ـ دون من في صوتهم ضعف ـ كالشيخ أحمد بن قاسم وأخوه الشيخ محمد والشيخ فهد بن حمين والشيخ عبد الرحمن بن فريان. (٣) كان يلزم طلبته بحفظ المتون، وكان حازماً في هذا الأمر، ويقول: إن الذي لا يحفظ المتون ليس بطالب علم، بل هو مستمع. (٤) وكان يلزم طلبته بالحضور للدرس دائماً ولا يرضى بغياب أحد منهم. (٥) كان طريقته في درس المطولات الاختصار في الشرح، فلا يشرح إلا مواضع قليلة تحتاج للشرح بخلاف المختصرات فإنه كان يطيل الشرح فيها. (٦) وكان لا يريد الأسئلة التي تكون خارج الدرس أو التي يراها قليلة الفائدة. (٧) كان في أول وقته يدرس طلبته جميع الدروس، ثم لما بدأت مسئولياته تكثر صار يأتي غيره في بعض العلوم كالشيخ أبي حبيب والشيخ حماد الأنصاري والشيخ إسماعيل الأنصاري ﵏. (٨) كان له درس عام قبل صلاة العشاء في مسجده في التفسير وكان الذي يقرأ عليه في هذا الدرس هو الشيخ (عبد العزيز بن شلهوب).

стр. 1206

(٩) وكان ﵀ يحضر دروسه بعد العشاء الآخر، وكان الذي يأتيه لهذه المهمة هو الشيخ أحمد ابن عبد الرحمن بن قاسم، فكان يأتيه بعد العشاء ويقرأ عليه دروس الغد، وكان يطلب منه أن يأتيه بحاشية أبيه (الشيخ عبد الرحمن) على الروض ـ قبل أن تطبع ـ ويطلب منه أن يقرأ فيه، وكان يقرأ من حاشية العنقري أيضاً وكان يقول: إن العنقري طالت مدته في القضاء لذلك فحاشيته عن علم وفهم وممارسة. (١٠) وكان يختبر طلبته دائماً بنفسه في جميع العلوم التي يدرسهم إياها، ويصحح اختباراتهم أيضاً، فلا يعين الطالب قاضياً أو مدرساً ونحو ذلك إلا بعد اجتيازه هذه الاختبارات. طلاب محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله تعالى تلاميذه: ينقسم الذين درسوا على الشيخ إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: من درسوا عليه قديماً ـ ولم أدرك وقت دراستهم ـ وهؤلاء كثيرون ومنهم: (١) الشيخ عبد الله بن حميد ﵀. (٢) الشيخ عبد العزيز بن باز. (٣) الشيخ سليمان بن عبيد ﵀. (٤) الشيخ صالح بن غصون ﵀. (٥) الشيخ محمد بن مهيزع ﵀. (٦) الشيخ عبد الرحمن بن سعد ﵀ وكان قاضياً في (الزلفي). (٧) الشيخ عبد الرحمن بن هويمل ﵀. (٨) الشيخ عبد الرحمن بن فارس ﵀. القسم الثاني: طلبته الذين أدركتهم، وكانوا ملازمين له دائماً، وهؤلاء عشرة طلاب هم: (١) الأخ الشيخ فهد بن حمين: وقد التحق بالشيخ من عام ١٣٧٠هـ ولازمه ملازمة تامة، وكان صوته جميلاً في القراءة فكان الشيخ محمد ﵀ يرتاح لقراءته فيجعله إذا قرأ يطيل أكثر من غيره. (٢) الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن قاسم: وكان يمتاز بحفظه للمتون وضبطه واستحضاره لها. (٣) الشيخ أحمد بن عبد الرحمن بن قاسم: وكان كثير القراءة على الشيخ، وهو الذي كان يأتي للشيخ لتحضير الدروس بعد العشاء، وهو الذي كان كثيراً ما يسافر مع الشيخ في رحلاته ويقرأ عليه فيها، وهو الذي قام بترتيب مكتبة الشيخ محمد. (٤) الشيخ محمد بن جابر ﵀ وكان كفيفاً وصار قاضياً في المحكمة المستعجلة. (٥) الشيخ عبد الرحمن بن عبد الله بن فريان. (٦) الشيخ عبد الله بن سليمان بن معيوف رحمه الله تعالى ولم يكمل. (٧) الشيخ محمد بن عبد الله السحيباني ﵀ وقد صار قاضياً. (٨) الشيخ عبد الله بن سعدان الجظعي وصار قاضياً.

стр. 1207

(٩) الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين. (١٠) الشيخ عبد الرحمن بن محمد بن مقرن ﵀. القسم الثالث: من لم يلازمه دائماً، بل كان يأتي لحلقة الدرس أحياناً، وهؤلاء كثيرون منهم: (١) الأمير محمد بن عبد العزيز بن سعود بن فيصل بن تركي رحمه الله تعالى، وكان رجلاً صالحاً، وكان يأتي لحلقة الشيخ أحياناً. (٢) الشيخ ناصر البكر. (٣) والشيخ عبد الله بن عقيل. (٤) والشيخ أحمد الحميدان. (٥) والشيخ عبد الرحمن بن محمد بن عبد اللطيف آل الشيخ. أخلاق محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله تعالى: (١) الذكاء: فقد كان ﵀ ذكياً، ولم يبلغ إلى ما بلغ إليه مع فقده بصره مبكراً إلا لذكاء باهر تميز به عن غيره. (٢) الحفظ: فقد كان ﵀ حافظاً للمتون، متقناً للقرآن فلا أذكر مرة ـ خلال ١٨سنة قضيتها معه ـ أنه قد رد عليه أحد أثناء قراءته للقرآن في المسجد أثناء الصلاة، وإن كان الشيخ ﵀ لا يتحدث مطلقاً عن سعة حفظه أو عن محفوظاته أو ما أشبه ذلك. (٣) الحزم والشدة: فكان ﵀ حازماً شديداً، فكان يلزم الطلبة بالحفظ للمتون ولا يرضى بأقل من ذلك، ولا يرضى بغياب أحد منهم. (٤) الزهد في الألقاب والمديح: وقد صحبته ثمانية عشر عاماً ما سمعته يوماً قال عن نفسه (الشيخ) أو (المفتي) حتى لو كان ينقل الخبر عن غيره بل كان إذا ذكر اسمه ذكره مجرداً إلا مرة واحدة فقط وذلك عندما استضاف أحد وجهاء الخليج الصالحين فأراد مني أن أتصل له على الفندق ليحجز له فيه، فلما كلم موظف الفندق ـ وكان مصرياً ـ قال له: معك محمد بن إبراهيم، فلم يعرفه، فقال: محمد بن إبراهيم آل الشيخ، فلم يعرفه، فردد عليه مراراً فلم يعرفه، فقال: المفتي، فلما انتهت المكالمة قال: هداه الله، ألزمني أن نقول هذه الكلمة. وكان إذا أثنى عليه أحد أو مدحه يقاطعه بقوله: الله يتوب علينا، الله يعفو عنا. (٥) الورع: فقد كان رحمه الله تعالى ورعاً خصوصاً في أمور العبادات إذا استفتي فيها، وأحياناً لا يقضي فيها بشيء بل يتوقف، وأحياناً يسأل عن المسألة فيتأملها يوماً أو يومين قبل الإجابة عليها ـ كما سيأتي بعض الأمثلة على ذلك إن شاء الله تعالى ـ. (٦) تقديره للعلماء والمشايخ والدعاة والقضاة:

стр. 1208

فكان يثني على مشايخه الذين درس عليهم ـ وقد سبق ذكر شيءٍ من ذلك ـ فكان يقول عن شيخه الشيخ سعد بن عتيق: شيخنا الشيخ الكبير والعالم الشهير، وكان إذا أتاه الشيخ محمد بن عبد العزيز ابن مانع قام له ورحب به وأجلسه مكانه. ومن ذلك أنه كان يحب الشيخ عبد الله القرعاوي رحمه الله تعالى ـ الداعية في (جيزان) ـ ويقدره، فكان إذا أتى إليه يكرمه كثيراً. ومن ذلك أنه كان يحب الشيخ حمود التويجري رحمه الله تعالى، وقد رأيت الشيخ حمود مرة أتى إلى الشيخ محمد يقرأ عليه أحد ردوده التي ألفها ضد بعض المبتدعة، فلما نهض الشيخ حمود وانصرف قال الشيخ محمد: الشيخ حمود مجاهد جزاه الله خيرا. ومن ذلك أنه كان يحب الشيخ أحمد شاكر والشيخ محمد حامد الفقي رحمهما الله تعالى، وقد رأيتهما عنده كثيراً إذا أتيا إلى المملكة، وكان يكرمهم ويجلهم. ومن ذلك احترامه وتقديره أيضاً للشيخ محمد الأمين الشنقيطي صاحب (أضواء البيان) والشيخ محمد المختار الشنقيطي. ومن ذلك أنه كان لا يرضى لأحد من العامة أن يتكلم في القضاة مطلقاً إذا كان بغير حقٍ أو اتهام لنية القاضي وقصده، ولو حدث ما يستدعي عزل القاضي لعزله ولا يتكلم عليه ولا يجعل أحداً يتكلم عليه إلا بحدود القضية. (٧) الغيرة على دين الله: وكان ﵀ صاحب غيرة شديدة على دين الله، وله حوادث كثيرة جداً في هذا الباب. ومن ذلك أنه أتاه في أحد الأيام خطاب ذكر له فيه بعض المنكرات، فأصبح من الغد مهموما، وسمعته يقول: لم أنم طول الليل من الضيق. (٨) الحرص على الوقت: فقد كان رحمه الله تعالى وقته كله معمور بالعلم والتعليم والسعي في مصالح المسلمين، وكان يأخذ جميع العرائض والأوراق التي تقدم إليه من عامة المسلمين في كل وقت، ويجعل أحد الذين معه يقرأها عليه ثم يحيل كل ورقة إلى الجهة المختصة.

стр. 1209

ومن حرصه على الاستفادة من الوقت أنه كان يحرص على الفائدة حتى في نزهاته، ومن ذلك أننا خرجنا معه مرة لـ (روضة نورة) في عام ١٣٧٤هـ وكان معه في تلك الرحلة أحمد ابن قاسم فكان يطلب منه أن يقرأ عليه بعض الكتب، وأذكر من تلك الكتب في تلك الرحلة: مسودة كتاب (دفع إيهام الاضطراب عن آي الكتاب) للشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله تعالى وكان قد أعطى الشيخ محمداً مسودتها ليراجعها فراجعها في تلك الرحلة، ومنه كتاب في (التعزير) لمؤلف مصري يدعى الشرباصي، وخرجنا معه أيضاً في رحلة عام ١٣٧٧هـ لروضة (أم حجول) قرب (رماح) وعام ١٣٨٣هـ لـ (بطين ضرمى) وفي كل هذه الرحلات كان يصطحب معه بعض تلاميذه الذين يقرؤون عليه بعض الكتب. (٩) الدعابة: كان رحمه الله تعالى ـ رغم شدته وحزمه وهيبة الناس له ـ صاحب دعابة ـ خصوصاً مع خاصته ـ، وأحفظ له ﵀ في ذلك حكايات كثيرة. (١٠) العبادة: كان رحمه الله تعالى لا يتحدث عن عبادته مطلقاً ولا يطلع أحداً عليها، وكان ﵀ يحج كثيراً خصوصاً في آخر عمره، وكان كثير الاعتمار في رمضان، وكان كثيراً ما يقرأ القرآن في سره. (١١) طهارة القلب وعدم الغيبة والنميمة واستصغار الناس: وكان لا يرضى أن يغتاب أحد في مجلسه، ولا أذكر مرة ـ طيلة صحبتي له ـ أنه تكلم على أحدٍ بسوء، بل كان إذا أحب شخصاً مدحه، وإن لم يحبه تركه فلم يذكره ولا يرضى أن يذكره أحد بسوء عنده. من فتاوى محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله تعالى وفوائده: (١) سألته عن العقل هل هو في الصدر أو في الرأس؟ فقال: قيل هذا، وقيل هذا، ولكن الذي يظهر أن الصدر يحضر، والرأس يجمع. (٢) و سمعته يقول: لابد في الوضوء من أقل جريان ولا يكفي مجرد البلل. (٣) وكان أحد أبنائه الصغار يتوضأ فبدأ باليسار قبل اليمين فأخبرت الشيخ بذلك، فضحك وقال: يجوز، ولكنه خلاف الأفضل. (٤) وسأله رجل وأنا أسمع عن التسوك هل يبدأ باليسار أو باليمين؟ فقال: بل باليسار لأنه إماطة أذى. (٥) وكان يقول في المسح على الجوارب أنه إذا كان فيه شق يسير فلا بأس بالمسح عليه خصوصاً إذا كان مما يلي باطن القدم. (٦) وكنت معه مرة فصلينا المغرب خارج الرياض، فلما انصرف خلع الخفين، فسألته عن السبب، فقال: انتهى وقت المسح عليهما والإمام ليس كالمأموم ـ يعني يخاف من نسيان المدة ـ.

стр. 1210

(٧) وسألته عن التيمم هل يجزئ بكل تراب له غبار أو لا، وهل يجزئ التيمم على الرمل ـ لأن منطقتي (الزلفي) كثيرة الرمل ـ، فقال: نعم يجوز. وقد رأيت الشيخ محمد مراراً يتيمم على الجدار وكان طينياً يضربه مرة واحدة ثم يمسح يديه ووجهه. (٨) وسمعته يقول: إن النبي ﷺ لما غزا تبوك في السنة التاسعة كان طريقه إلى (تبوك) أكثره رملي ولم ينقل عنه أنه حمل معه تراباً ليتيمم به، لو كان فعل ذلك لتوفرت الدواعي والهمم لنقله، فدل ذلك على جواز التيمم بالرمل وما أشبهه. (٩) وكان كثيراً ما يسأل عن تغسيل اليدين من أثر الأكل وسريان الغسالة في ماء المجاري هل يجوز؟ فكان ﵀ يقول: نعم، يجوز، وهل هو إلا وساخة من اليدين!!. (١٠) ورأيت مرة على (بشت) الشيخ دماً يسيراً بعد الصلاة فأخبرته، فقال: الشيء اليسير لا بأس به. (١١) وسأله رجل وأنا أسمع عن (الكولونيا) فقال الشيخ محمد: أما أنا فلا أستعمله، ولو أصاب ثوبي شئ منه ما غسلته. (١٢) وسمعته يوماً يتكلم عن الأذان ومشروعيته وأهميته، وقال: (إنه من شرائع الإسلام الظاهرة، وأن الرسول ﷺ كان إذا غزا قوماً انتظر حتى الصبح فإن سمع أذاناً و إلا أغار عليهم، وإنه لو صلى القوم ونسوا الأذان فإنهم يؤذنون و لا يعيدون الصلاة لأن الأذان للوقت وهو شريعة من شرائع الإسلام لا تترك، ثم قال: كنا عند الشيخ سعد بن عتيق ﵀ في درسه قبل العصر في (الجامع الكبير)، ثم إنه صلى العصر وقد نسوا الأذان، فلما انصرف من الصلاة سأل عن الأذان، فأخبر بأنهم لم يؤذنوا، فأمر أحد المأمومين أن يقوم ويؤذن، قال الشيخ محمد: فقام في وسط الصف فأذن بعد الفراغ من الصلاة). (١٣) وكان رجل من أهل (الزلفي) يعمل بالتجارة ويسافر إلى بعض دول الخليج ليأتي ببعض البضائع، فذكر لي أنه يسكن بجانب مسجد إمامه يحلق لحيته ويشرب الدخان، وطلب مني أن استفتي الشيخ محمداً عن الصلاة خلف ذلك الرجل، فسألت الشيخ، فسكت الشيخ قريباً من يومين، ثم أعدت عليه السؤال فقال: يبحث عن مسجدٍ آخر فإن لم يجد فلا يصلي خلف هذا الفاسق ما دام مسافراً. ٠١٤) وسمعته يقول: إذا جلس الإمام للتشهد الأول وقام ولم يكمل المأموم تشهده فلا يتبعه حتى يكمل.

стр. 1211

(١٥) وفي عام ١٣٧٧هـ أصيبت رجلي بمرضٍ فوضع فيها (الجبس) في مدينة (جدة)، وكنت لا أستطيع الحركة فكنت أتيمم وأصلي إلى غير القبلة، فلما جئت إلى الرياض سألت الشيخ عن صلاتي وهل هي صحيحة أو أقضيها؟ فمكث أياماً ينظر فيها ثم لم يفتني فيها بشيء. (١٦) ورأيت رجلاً أتى إليه وقال: إنني أسافر من (الخرج) إلى (الرياض) و تدركني صلاة المغرب في الطريق فهل يجوز لي أن أجمع معها العشاء مع العلم أنني سوف أصل إلى (الرياض) قبل صلاة العشاء، فقال: نعم يجوز. (١٧) وفي أحد أيام الشتاء نزلت أمطار غزيرة على مدينة (الرياض) قبل صلاة (الظهر)، فقام أحد الأئمة في أحد المساجد بالجمع بين (الظهر) و (العصر)، فلما علم الشيخ محمد رحمه الله تعالى تكلم في مسجده وأمر من صلى معهم بإعادة صلاة (العصر). (١٨) وتأخرت مرة عن صلاة (الجمعة) فوجدته ﵀ قد شرع في الركعة الأولى فصففت مع الذين يصلون في (ساحة الصفاة) بجانب (الساعة) ويقتدون بمكبر الصوت ـ بدون اتصال الصفوف ـ، فلما انتهينا من الصلاة سألته عن صلاتي هذه فأمرني بالإعادة. (١٩) وسألته عن صلاة (الكسوف) هل هي فرض عين أو فرض كفاية؟ فقال: إن ابن القيم ﵀ قال في كلامٍ له عنها إنه لو قيل بوجوبها لكان له وجه. (٢٠) وصلى مرة على جنازة فكبر خمس تكبيرات، فلما انصرف أخبرته فقال: لا بأس بذلك. (٢١) وكان يقول بعدم وجوب الزكاة في الحلي، ويقول ثبت عن خمسة من أصحاب محمد ﷺ القول بذلك. (٢٢) وكان هناك رجل من أهل (الزلفي) يعطي زكاته لقريبة منه وكانت تجمع هذه النقود ولا تشتري بها شيئاً مطلقاً، فطلب مني أن أسأل الشيخ: هل يجوز أن يشتري بالزكاة التي يريد دفعها لها ملابس و طعاماً ونحو ذلك ودفعه إليها؟ فسألت الشيخ فسكت ولم يجب قريباً من يومين، ثم قال: مادام الحال كما ذكر، فإنه يجوز هذا. (٢٣) وطلب مني رجل أن أسأله في مسألة حصلت له، فقال: عندي نقود وعلي دين فهل أخرج الزكاة عنها كلها، أو أزكي المال الذي لي وأترك الدين، فسألت الشيخ، فسكت الشيخ وقتاً ثم قال: بل زك مالك دون الدين. (٢٤) وسألته عن النقد الورقي: هل هو سند أو نقد بذاته؟ فتوقف في ذلك ولم يجب، والذي أعرفه عنه أنه مات ﵀ ولم يفت فيها بشيء.

стр. 1212

(٢٥) وكنت معه مرة في اليوم التاسع والعشرين من رمضان بعد العصر، فقال: يظهر أن الليلة يهل هلال شوال، ثم قال: إن ابن مسعود قال: صام رسول الله ﷺ تسع رمضانات كلها تسع وعشرون يوماً. (٢٦) وفي عام ١٣٧٦هـ كتب عبد الله بن زيد المحمود ﵀ كتاباً في المناسك أجاز فيه الرمي قبل الزوال و بالليل و لم يحدده بوقت فطلبه الشيخ للمباحثه، فكانت بينهما جلستان حضرهما جمع من المشايخ وقد حضرت عندهم، ومما دار في النقاش: أن المحمود ذكر في منسكه أن العاجز عن الرمي يسقط عنه الرمي ولا يوكل عن نفسه لأنه لا واجب مع العجز. فقال الشيخ محمد: أيهما أوجب الرمي أو المبيت بمنى؟ قال الشيخ المحمود: الرمي والمبيت واجبان. قال الشيخ محمد: سبحان الله!! الرمي أوجب، وإنما المبيت وسيلة للرمي. قال الشيخ المحمود ـ يعني بعض الحاضرين من تلاميذ الشيخ ـ: إنه يوافقني على ما قلته من جواز الرمي في الليل. فقال الشيخ ـ لهذا الذي أشار إليه المحمود ـ: ما دليلك على ما ذهبت إليه؟ فقال: قسته على يوم عرفة، فإن الحاج لو وقف في عرفة ليلة النحر لأجزأه لحديث عروة ابن مضرس الطائي. فقال الشيخ محمد: لا، هذا قياس مع الفارق، فإن الرمي أصل مستقل، واليوم ينتهي بغروب الشمس، والليلة تتبع اليوم الذي بعدها لا الذي قبلها. ثم بعد هذه الجلسات اعتذر الشيخ ابن محمود وقرر أن يكتب كتاباً ينقض فيه الذي قرره أولاً، ولكنه لم يف بما ذكره للشيخ فرد عليه الشيخ محمد بكتاب (تحذير الناسك مما أحدثه ابن محمود في المناسك). (٢٧) وكان رجل بدوي في (الزلفي) اسمه (نافع) حج ولم يسع ومضى على ذلك قريباً من ١٥سنة، ثم إن الشيخ محمد حج عام ١٣٧٦هـ وكنت معه، فلما ذهبت لأسلم على بعض الجماعة من أهل (الزلفي) وكان معهم (نافع) هذا، قالوا: إنه استفتى بعض أهل العلم ـ في الميقات من هذه السنة ـ وأفتاه بأن عليه دم، فقلت: الذي أعرفه أن السعي ركن والركن لا يجبر بدم، ثم أخبرتهم بأني سوف أسأل الشيخ محمداً عن هذا. فلما عدت إلى الشيخ أخبرته بالواقع وسألته، فسكت ـ وهذه عادته ﵀ فإنه كان ورعاً خصوصاً في العبادات ـ ولم يجبني إلا من الغد حيث ناداني وقال: إنه يحرم من مكانه ثم يسعى ويقصر ويلبس، وحجه تام إن شاء الله نظراً لجهله.

стр. 1213

(٢٨) وسألته مرة عن معنى قول صاحب الروض حيث قال في باب الخيار: (ويقبل قول قابضٍ في ثابتٍ في ذمة من ثمنٍ و قرضٍ وسلمٍ ونحوه إن لم يخرج من يده) فقال: إن قبضت شيئاً ثابتاً في ذمة آخر فإنه يقبل قولك بأنه ناقص مثلاً و أنك لم تستوفه، لأنه ثابت في ذمة الآخر، ولكن يقبل هذا بشرط أن لا يخرج هذا المقبوض من يدك، فإن خرج من يدك لآخر لم يقبل قولك. (٢٩) ومن ذلك أنه كان هناك قط مؤذ في بيتي، فاستفتيت الشيخ في قتله فأفتاني لأنه مؤذ. (٣٠) وكان يفتي بلزوم الطلاق الثلاث، فمن طلق ثلاثاً بلفظ واحد فإن الشيخ محمداً ﵀ يلزمه ويجعل امرأته تبين منه، وسمعته يقول: (إن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى لما أفتى بأن الطلاق الثلاث في مجلس واحد يعد طلقة واحدة لم يكن يقصد بذلك مخالفة الجمهور الذين يفتون بلزومه، ولكن لانتشار (نكاح التحليل) في زمنه بين المسلمين بسبب أيمان الطلاق هذه، رأى ﵀ أن مخالفة الجمهور أخف من مفسدة (نكاح التحليل) فأفتى بذلك). وسمعته يقول إن ابن عباس ﵁ الذي يحتج المخالفون بقوله ورد أن رجلاً طلق امرأته ثلاثاً فاستفتاه فقال: (عصيت ربك وبانت منك امرأتك). وسمعته يقول: (إن الشيخ محمد بن عبد الوهاب رخمه الله تعالى كان يوافق الجمهور في هذه المسألة، ولم يفت بخلاف ذلك إلا مرة واحدة لما طلق رجل امرأته ثلاثاً وكان له منها أولاد، ورأى أنهم سيفسدهم الافتراق فأفتى بقول شيخ الإسلام ابن تيمية). (٣١) وكنت معه مرة فأتت إليه امرأة من (الخرج) ومعها زوجها وأبوها وأخوها، وهي تطلب الطلاق، فحاول الشيخ الإصلاح بينهما ولكنه لم يستطع، فقال: (وإن يتفرقا يغن الله كلاً من سعته)، ففرض الشيخ على الزوجة أن تدفع ٣٠٠٠ريال ويكون خلعاً فوافقت فالتزمت بذلك، فقال للزوج: قل طلقت زوجتي فلانة، فطلقها. (٣٢) وحدث أن امرأة قتلت زوجها وقبض عليها واعترفت وحكم عليها القاضي بالقتل، ثم إن أولياء المقتول تنازلوا عن القصاص، فرفض الشيخ تنازلهم، وقال: إن قتلها حرابة لا قصاص لأنها قتلته غيلة فليس للأولياء حق في ذلك، وأمر بقتلها، فقتلت ـ وكنت من الحضور عند قتلها ـ.

стр. 1214

(٣٣) وحصلت قضية عند أحد القضاة ـ من طلبة الشيخ ـ وهو أن رجلاً قبض عليه بتهمة السرقة واعترف عند الشرطة بذلك، فلما أحيل إلى القاضي أنكر ما سبق أن أقر به، فسأله القاضي عن هذه القضية أثناء زيارةٍ للقاضي للشيخ في منزله وأنا أسمع، فقال الشيخ: أما الحد فيدرأ عنه، وأما المال الذي اعترف به فيلزم به. (٣٤) وسمعته يتكلم عن القضاء يوماً وأنه ابتلاء، ثم قال: لما كانت البينة على المدعي واليمين على من أنكر وبعض المدعين لا يأتي ببينة ولا يدري أن له حق اليمين على المدعى عليه فللقاضي أن يخبره بأن هذا حق له، و لا يكون هذا من باب تلقين الخصم حجته المنهي عنه. (٣٥) وسمعته يوماً يتكلم عن تزكية الشهود وأنه لا بد للمزكي من معرفة تامة بالمزكى، وقال: إن عمر لما طلب تزكية أحد الشهود فزكاه رجل، قال له عمر: هل جاورته؟ قال: لا، قال: هل تعاملت معه في بيع وشراء؟ قال: لا، قال: هل سافرت معه؟ قال: لا، قال: فأنت لا تعرفه. من أحاديث محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله تعالى: (١) سمعته يقول: (لما كبر الشيخ محمد ابن عبد الوهاب رحمه الله تعالى صار يؤم الناس في (التراويح) ابنه الشيخ عبد الله ﵀، فكان الشيخ محمد يسأل الناس عن ابنه فيثنون عليه فقال: (الحمد لله الذي أخرج من صلبي من يقوم بالواجب). (٢) وسمعته يقول: (كان الإمام محمد بن سعود رحمه الله تعالى ديناً عادلاً، وكانت له أكثر من امرأة وكان هناك قماش اسمه (المرود) فكان من عدله إذا أراد أن يقسم هذا القماش بين نسائه يزنه بالميزان). وسمعته يقول: (كان الشيخ سليمان ابن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى يقول: أنا أعرف رجال الحديث مثل معرفتي برجال الدرعية، ولو ذهب للنخيل ما فرق بين شجر (الجح) وشجر (القرع). (٣) وسمعته يقول: (كان الإمام فيصل ابن تركي رحمه الله تعالى شديد الخوف من الله ومن ذلك أنه استدعى أحد الرعية -لشكوى جاءته ـ فقال له ـ بعد أخذ ورد: خف الله يا طويل العمر، فبكى الإمام فيصل ﵀. (٤) وسمعته يقول: (كان الشيخ عبد الرحمن ابن حسن رحمه الله تعالى يقول عن نفسه أنه يذكر ثدي أمه لما كانت ترضعه).

стр. 1215

(٥) وسمعته يقول عنه أيضاً: (كان ﵀ حاد البصر، ولما كبر وثقل بقيت معه حدة البصر، فكانوا إذا تحروا الهلال حملوا الشيخ عبد الرحمن إلى سطح المسجد -وهو كبير- ليرى الهلال). (٦) وسمعته يقول عنه أيضاً: (إنه أسند التدريس لابنه عبد اللطيف ﵀، فكان ابنه لا يشرح مطلقاً وأبوه موجود، فكان أبوه يخرج من الحلقة حتى يشرح ابنه ثم يأتي وهو لا يعلم به حتى يستمع شرحه). (٧) وكان للمسجد الذي يؤمه الشيخ محمد ابن إبراهيم رحمه الله تعالى وقف قديم من وقت الشيخ عبد الرحمن بن حسن رحمه الله تعالى، فذكر للشيخ محمد أن البعض قد اعتدى على هذا الوقف فطلب ورقة الوقف ـ التي كتبها الشيخ عبد الرحمن ـ وكنت معهم، فلما قرئت عليه وكان فيها: "وقف على مسجد دخنة الكبير" قال الشيخ محمد ﵀: (الله أكبر، لم يقل وقف على مسجد الشيخ لأنه هو الشيخ المقصود). وسمعت الشيخ محمداً يذكر أن المسجد المسمى باسمه الآن إنما اسمه أصلاً (مسجد الشيخ عبد الرحمن ابن حسن)). (٨) وسمعته يقول: (دعانا بعض أهل (ضرمى) على وليمة مع (الشيخ سعد بن حمد بن عتيق) ﵀ وبعض الأخوة، فلما انتهينا من الغداء ـ وكان بعد العصر ـ استأذن الشيخ سعد ونهضنا معه ـ وكان هذا قبل السيارات ومعنا رواحل ـ فلما ظهرنا فوق عقبة (القدية) أردنا أن ننام فقيدنا الرواحل ـ ولم نعقلها ـ حتى تستطيع الرعي ولا تبتعد عنا، فلما أصبحنا ذهب الذين معنا للبحث عن الرواحل فوجدوها كلها إلا راحلة الشيخ سعد، فتفرقوا للبحث عنها، وكان الشيخ سعد في هذه الأثناء يدعو الله تعالى أن يأتيه براحلته، فأتى الذين ذهبوا للبحث عنها ولم يجدوها، قال الشيخ محمد: فأتى رجل إلينا من بعيد وهو يسوق راحلة الشيخ سعد معه حتى وصلت إلينا، ثم اختفى ولا ندري من هو، وكان الذين ذهبوا للبحث عنها كل واحدٍ منهم يحسب أن الآخر هو الذي يسوقها حتى أتوا وسأل بعضهم بعضاً فأنكر كل واحد ذلك، وهذه من كرامات الشيخ سعد ﵀. (٩) وسمعته يقول عن أبيه الشيخ إبراهيم:

стр. 1216

(عندما وضعت له زوجته ـ أم الشيخ محمد ـ العشاء في أحد الأيام وكان بعد العصر ـ في ذلك الوقت ـ، فلما بدأ بالأكل إذا الباب يطرق، فخرج فإذا رسول من الشيوخ ـ يعني الملك عبد العزيز وكان يسمى بذلك في ذلك الوقت ـ يخبره بتكليفه بالقضاء، قال الشيخ محمد نقلاً عن والدته: فدخل البيت مهموماً وترك العشاء وغسل يديه ـ ولم يتناول إلا اليسير ـ، ولحظت عليه في الليل عدم نومه، فلما أصبح سألته عن السبب فأخبرها بأنه ولي القضاء، وكان ورعاً ﵀. (١٠) وجئت يوماً إلى الشيخ فلاقاني الشيخ حمود التويجري رحمه الله تعالى ومعه مسودة كتاب له قرأها على الشيخ، فلما دخلت على الشيخ ـ وليس عنده أحد غيري ـ قال: إن رجلاً قرأ عليه قبل قليل ـ يعني الشيخ حموداً ـ كلاماً فيه بيت أعجبه وهو: هي الأرض تهتز ابتهاجاً من الحيا ... كما اهتزت العذرا ارتياحاً من البعل وفاة محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله تعالى:

стр. 1217

في صباح أحد أيام شعبان من عام ١٣٨٩هـ خرج الشيخ ﵀ إلى عمله كالعادة ووقف يوصيني ببعض الأعمال، ورأيت على وجهه أثر صفرة ظاهرة فسألته إن كان متعباً، أو لم ينم؟ فسأل عن سبب سؤالي، فقلت له عن أثر الصفرة في وجهه، فرجع إلى بيته فسأل أهل البيت فأخبروه فذهب إلى (المستشفى المركزي)، فأجروا له بعض التحاليل، فاكتشفوا فيه أحد الأمراض المستعصية فلم يخرج من (المستشفى) إلا عند تحري رؤية هلال رمضان حيث خرج إلى البيت فلما ثبت الشهر عاد إلى المستشفى، ثم صدر أمر ملكي بنقله إلى (لندن) لمواصلة العلاج، فلما وصل (لندن) أجروا له الفحوصات والتحاليل اللازمة فرأوا أن المرض بلغ غاية لا ينفع معها عملية أو علاج، ثم دخل في غيبوبة رحمه الله تعالى وهو هناك، فأتي به إلى (الرياض) على طائرة خاصة محمولاً على (نقالة) وبقي في غيبوبة حتى وافته المنية رحمه الله تعالى في الساعة الرابعة صباحاً ـ بالتوقيت العربي ـ من يوم الأربعاء الرابع والعشرين من شهر رمضان من عام ١٣٨٩، وصلي عليه بعد صلاة الظهر من نفس اليوم وأم الناس عليه الشيخ ابن باز وامتلأ المسجد وجميع الطرقات المؤدية إليه حتى أن كثيراً من الناس لم يدركوا الصلاة عليه من الزحام، وحمل على الأعناق إلى مقبرة (العود) وصلى عليه جماعات كثيرة في المقبرة ممن فاتهم الصلاة عليه في المسجد وأذكر أن أول جماعة صلت عليه في المقبرة كان إمامهم (الشيخ عبد الرحمن بن محمد بن فارس) ﵀ وهو من طلبة الشيخ ـ. رحم الله الشيخ رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم. سيرة عبد الرحمن السعدي رحمه الله تعالى:

стр. 1218

الفقيه المُفَسِر، العالِم الرباني، كان رحمه الله تعالى من أئمة الهدى وأعلام التقى ومصابيح الدجى، من حلية الأولياء وأعلام النبلاء وحراس العقيدة وحماة السنة وأشياع الحق وأنصار دين الله ، حاملُ لواء السنة وناصرها وقامع البدعة ودامغها، كان الكتاب والسنة له كالجناحين للطائر يتمسك بهما ويعضُ عليهما بالنواجذ، كان رحمه الله تعالى شهاباً ثاقباً ونجماً ساطعاً وبدراً طالعاً وسهماً نافذاً، وكان كوكبَ نُظَرَائه وزهرةَ إخوانه، تفوح منه علامات اليُمْنِ وأمارات الخير ورائحة التوفيق والسداد، واحد زمانه، وإمام عصره وأوانه، العالم الحبر، ذو الأحلام والصبر، العلم حليفه، والزهد أليفه، كان رحمه الله تعالى خزانة علم فكان علمه واسعاً مباركا كالغيث من السماء أينما حل نفع، يتفجَّرُ العلمُ من جوانبه، وتنطِق الحكمةُ من نواحيه، لا يُشَقُ له غُبارٌ في غزارة علمه ودقة استنباطه للفوائد والأحكام وسعة فقهه ومعرفته بأسرار اللغة العربية وبلاغتها، وكان ﵀ ذا همةٍ عاليةٍ تناطح السحاب في طلب العلم فكان يُقْبِلُ على طلب العلم إقبالَ الظامئ على الموردِ العذب فقد أفنى جلَّ عمره في طلب العلم فكان إماماً يقتدى به في ذلك وكان مناراً عظيماً من منارات العلم، مناراً راسي القواعد مُشَيَّدَ الأركان ثابتَ الوطائد، الإمام اللبيب، ذو اللسان الخطيب، الشهاب الثاقب، والنصاب العاقب، صاحب الإشارات الخفية، والعبارت الجلية، ذوالتصانيف المفيدة، والمؤلفات الحميدة، الصوَّام القوَّام، الزاهد في الدنيا الراغب في الآخرة، صاحب الأخلاق الرضية، والمحاسن السنية، العالم الرباني المتفق على علمه وإمامته وجلالته وزهده وورعه وعبادته وصيانته في أقواله وأفعاله وحالاته، كان رحمه الله تعالى سراج العباد، ومنار البلاد، رحمه الله تعالى رحمةً واسعةً تعمُ أرجائه، وتغمده برحمةٍ فوق ما يخطر ببال أو يدور في الخيال، وأنعم عليه برضا الكبير المتعال إنه وليُ ذلك والقادرُ عليه. اسم عبد الرحمن السعدي ونسبه ﵀: هو أبو عبد الله عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله بن ناصر بن حمد آل السعدي التميمي النجديّ الحنبلي. وترجع أسرة آل السعدي إلى بني عمرو، أحد البطون الكبيرة، من قبيلة تميم المشهورة، ويقع بعض مساكن بني عمرو بن تميم في بلدة قفار إحدى القرى المجاورة لمدينة حائل. (١)

стр. 1219

نشأة عبد الرحمن السعدي ومولده رحمه الله تعالى: ولد الشيخ عبد الرحمن ﵀ في مدينة العلم والعلماء (عنيزة - بالقصيم) في المملكة العربية السعودية، في اليوم الثاني عشر من شهر محرم من السنة السابعة وثلاثمائة بع الألف (١٣٠٧هـ) قبل وقعة المليدا الشهيرة بسنة واحدة. (١) نشأ الشيخ ﵀ يتيم الأبوين، إذ توفت والدته وعمره أربع سنين، ثم توفى والده وعمره سبع سنين، فكفلته زوجة والده ـ رحمها الله ـ وأحبته حباً جمّا أكثر من حبها لأولادها، فرعته حتى شب، ثم انتقل إلى بيت أخيه الأكبر (حمد) فقام برعايته وتربيته، وكان - حمد - رجلاً صالحاً وهو من حملة القرآن ومن المعمرين. (٢) طلب عبد الرحمن السعدي للعلم رحمه الله تعالى: نشأة الشيخ ﵀ في بيئة وبيت كله علم، مما جعله يبرز في طلب العلم منذ نعومة أظفاره، فوالده (ناصر الدين السعدي) كان من العلماء، وإماماً في مساجد مدينة عنيّزة. وأخيه (حمد) كما ذكرنا من حملة القرآن والصالحين ـ ولا نزكي على الله أحد. وبدأ شيخنا ﵀ طلب العلم فحفظ القرآن الكريم عن ظهر قلب قبل تمام الثانية عشر من عمره، واهتم بطلب العلم على علماء بلده ثم البلاد المجاورة، كما كان يستفيد من العلماء الذين يردون إلى بلده، فجعل جلّ وقته في تحصيل العلم، حفظاً وفهماً ودراسة ومراجعة واستذكارا، حتى أدرك في صباه من العلم مالا يدركه غيره في زمن طويل. (٣)

стр. 1220

وكان من حرصه على حلقات العلم والذكر ومجالسة أهل العلم والسماع لدروسهم ومواعظهم ما لا يوصف، فهو شديد الحرص والمتابعة وهذا يظهر منذ نعومة أظفاره كما هو حاله في (صباح سطوة آل سليم على بلده، وكان عمره آنذاك خمس عشرة سنة، وكان القصر فيه الرماة، والناس متحصنين في منازلهم خوفاً على أنفسهم، أما شيخنا ﵀ وثب في خُطَاً ثابتة إلى بيت الله لأداء صلاة الفجر. فقابله بعضهم فخاطبه: إلى أين تريد الذهاب؟! فقال - الشيخ: لصلاة الفجر!! فضربه حتى ألجأه إلى الانصراف إلى بيته، وعلى هذا كان حرصه على ألاّ تفوته صلاة واحدة في أشدّ الأزمات التي واجهته في عصره، وكذا كان حرصه على حضور دروس العلم. (١) وتعلم القراءة والكتابة في سن مبكرة، ثم انكب على العلم وانقطع له، ولم يشتغل بأي من الأعمال التجارية حرصاً على طلب العلم (٢). ولما لاحظ أقرانه في طلب العلم تقدمه عليّهم، ونبوغه المبكر تتلمذوا عليّه، وبدأوا يأخذون عنه العلم، وما لبثَ حتى فتح الله عليه آفاق العلم، فخرج عمّا اعتاد عليه علماء بلده من الاهتمام بالفقه الحنبلي فقط، إذ تطلع إلى كتب متعددة في التفسير والحديث والفقه، وعنيّ بشكل خاص بكتب شيخ الإسلام ابن تيميّة وتلميذه ابن القيّم وسار على نهجهما في إتباع الأدلة والاستنباط (٣). وخرج شيخنا ﵀ من مرحلة التقليد إلى مرحلة الاجتهاد المقيد، فصار يرجح من الأقوال ما يرجحه الدليل ويصدقه التعليل، وكان إذا عرض عليه مسائل متعددة يجيب عليها باختصار غير مخل، وكانت فتواه غير طويلة، تدل على أنه سريع البديهة، قويّ الذاكرة، سريع الكتابة بديع التحرير، ولهذا نجد في مؤلفاته الكثير مما يدل على ذلك من اتصافها بالأسلوب الشيق الذي تفهمه العامة والخاصّة.

стр. 1221

ميزة الرحمن السعدي في طلب العلم رحمه الله تعالى: كان من شدّة طلبه للعلم ﵀ أن قرأ على مشايخ عصره في علم الحديث والتفسير والمصطلح والأصول والفروع وأصول الدين وعلوم اللغة العربية، وأكب على المطالعة في المتون العلمية، كما كان واسع الإطلاع في كل جانب من جوانب الحياة التي تتعلق بحياته وحياة الناس من حوله، ليعرف حالاتهم، وليكون عنده الدراية الواعية التي يتمشى بها في حياته. وكان ﵀ يميل كثيراً إلى كتب شيخ الإسلام ابن تيميّة وتلميذه ابن القيم ـ كما ذكرت ـ ولهذا جاء من تأليفه في التفسير والحديث وغيّره وردٌ لا ينضب من العلم، ورفد لا يشح على متتبع لمؤلفاته) (١). صفات عبد الرحمن السعدي وأخلاقه (٢) رحمه الله تعالى: منذ أن تربى عبد الرحمن السعدي وترعرع، كان صالحاً محافظاً على قواعد الدين ومحباً للخير والإحسان إلى الفقراء والضعفاء، وكان ذكياً محباً للمناقشة ومتواضعاً ... طيب الخُلق والأخلاق في معاملته للصغير والكبير، الغني والفقير، وكان ورعاً زاهداً، عرض عليّه تولي القضاء سنة (١٣٦٠هـ) فرفض ذلك لانشغاله بطلب العلم. وكان ﵀ على جانب كبير من الأخلاق الطيبة الفاضلة، فهو عزيز النفس طلق الوجه لا ترى عليه سمات الغضب، محباً لأفعال الخير ... وكان كثير الاجتماع بالعامة والخاصة، يشتاق لحديثه جميع الناس لسهولة وبساطة تعامله مع الآخرين. ولقد وُصِفَ ﵀ بأنه أرق من النسيم وأعذب من السلسبيل، لا يعاتب على الهفوة، ولا يؤاخذ بالجفوة، ويتحبب إليه البعيد والقريب، وكان جواداً بماله ونفسه وعلمه وبكل ما يستطيع القيام به، فلا يبخل بشيء أبداً مهما كانت الظروف.

стр. 1222

كان يتكلم مع كل فرد بما يناسبه، ويبحث معه في المواضيع النافعة له، وكثيراً ما يحل المشاكل برضاء الطرفين في الصلح العادل، وهو على جانب كبير من الأدب والعفة والنزاهة والحزم في كل أعماله ... فقد وضع الله له القبول في الأرض، وأعطاه محبة في القلوب، فكان الناس يحبونه محبة لا تقدر بثمن، وكان له زعامة شعبية في النفوس، فكانت كلمته مسموعة وأمره مطاعاً في كل الأقوال والأعمال التي تصدر عنه ـ بحيث كان لا ينطق إلا حقاً وصدقاُ ويتحرى ذلك دائماً. كان مخلصاً للدين والعلم، حريصاً على مصالح المسلمين، راجياً من الله أن تكون مجتمعاتهم متمسكة بالدين، فكان كثيراً ما يتصل بالناس، ويتفقد أحوالهم، ويحل مشاكلهم، ويعلم الجاهل، ويرشد الضال، ويحقق لهم الخير ... فكان ﵀ لين الجانب متواضعاً، عليه وقار العلم والعبادة، تحس إذا جالسته كأنك مع أقرب الناس إليك لما تجده من الزهد والتواضع. ولم تقتصر أخلاقه على ذلك، بل كان لتلامذته وطلابه نصيب من ذلك. صفات عبد الرحمن السعدي الخَلقِيّة رحمه الله تعالى: صفات عبد الرحمن السعدي الخَلقِيّة رحمه الله تعالى: ذكر الشيخ محمد العثمان القاضي في روضة الناظرين عن مآثر علماء نجد، والشيخ عبد الرحمن السعدي في المختارات الجليّة عن صفات شيخنا ﵀ أنه كان (قصير القامة، ممتلئ الجسم، أبيض اللون مشرباً بالحمرة، مدور الوجه طلقة، كثيف اللحيّة البيضاء، وقد ابيضت مع رأسه وهو صغير ... وكانت الكثافة في شعر لحيته أقرب من رأسه، كان وجهه يتلألأ كأنه فضّة، عليه نور في غاية الحسن، نيّر لا يُرى إلا مبتسماً ... صفة عبد الرحمن السعدي في التدريس رحمه الله تعالى: كانت صفته في التدريس والتعليم ﵀ من أحسن الناس وأهل العلم تعليماً وابلغهم تفهماً ـ في زمانه ومكانه ـ فكان مرتباً لأوقات التعليم مستخدماً عدّة وسائل لتنشيط طلابه في حفظ المتون وغيرها ... يختار العلوم المثمرة والكتب النافعة، يشاور تلاميذه ويأخذ برأي الأكثرية منهم، وهم يحرصون على تلقيّ العلم عليه والانتفاع بمؤلفاته التي ألفّها. وكان ذا جلد وصبر وقوة على ملازمة الدروس وعدم الضجر، صبوراً على شدّة البرد وعلى شدّة الحر في الدروس والتعاليم، ولم يسمع عنه أنه تضجر مرّة واحدة.

стр. 1223

شيوخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله تعالى: درس الشيخ ﵀ على عدد من المشايخ، فأخذ العلوم والفنون المتنوعة منهم، سأذكر ما تيسر لي جمعه والإحاطة به من أصحاب الفضيلة العلماء الذين درسَ عليهم شيخنا ﵀ في كل فنّ: (١) أخذ عن الشيخ إبراهيم بن حمد الجاسر في الحديث عندما عين قاضياً وجلس للتدريس فيها (١)، وهو أول من قرأ عليه. (٢) قرأ القرآن الكريم وحفظه على الشيخ سليمان بن دامغ في مدرسته بأم خمار. (٣) قرأ على الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم في أكثر من فن من فنون الفقه وغيره (٤) قرأ على الشيخ علي بن ناصر أبو وادي، في الحديث والأمهات الست في الحديث وأجازه في ذلك. (٥) قرأ على الشيخ العلامة محمد الشنقيطي ـ نزيل الحجاز قديماً ـ التفسير والحديث ومصطلح الحديث أثناء وجوده بمدينة عنيزة، وأخذ عنه سنداً بالرواية. (٦) وأخذ من الشيخ العلامة محمد بن الشيخ عبد العزيز بن محمد المانع ـ مستشار المعارف بالمملكة العربية السعودية (المتوفي ١٣٨٥هـ ﵀ وقد قرأ عليه في عنيزة وأخذ من علمه الغزير. (٧) قرأ الفقه والنحو وعلوم العربية على الشيخ محمد بن عبد الكريم الشبل. (٨) قرأ على الشيخ صالح بن عثمان القاضي (قاضي عنيّزة) في التوحيد والتفسير والفقه وأصوله والنحو وهو أكثر من قرا عليّه ولازمه قرابة عشرين سنة، حتى توفي ﵀ (٢). (٩) وقرأ على الشيخ عبد الله بن عائض، والشيخ صعب بن عبد الله التويجري، والشيخ علي السناني وغيرهم ﵏ جميعاً. طلاب عبد الرحمن السعدي وتلاميذه (٣) رحمه الله تعالى:

стр. 1224

طلاب عبد الرحمن السعدي وتلاميذه (١) رحمه الله تعالى: فأما تلاميذه فهم ـ والحمد لله ـ كثر لا يعدون بالأصابع، وسأذكر بعضاً منهم ـ حسب ما توفر لي من المراجع، وحسب من اشتهر منهم بالعلم من بعده، وذكري لهم لا للحصر ولكن من باب تعداد فضائل شيخنا ﵀ ومدى تأثيره ومكانته عند طلاب العلم، ومن أشهرهم طلبة العلم الذين أخذوا عن الشيخ: (١) الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين، وهو الذي خلفه في التدريس والإفتاء في عنيزة، وهو إمام المسجد الكبيرة فيها، ومدرس في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالقصيم (٢). (٢) الشيخ العلامة عبد الله بن عبد العزيز عقيل، عضو هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية. (٣) الشيخ علي بن حمد الصالحي، وقد وكل إليه ـ الشيخ عبد الرحمن ـ تدريس صغار الطلبة. (٤) الشيخ العلامة عبد الله بن عبد الرحمن البسام، عضو هيئة التمييز بالمنطقة الغربية. (٥) الشيخ محمد بن منصور الزامل، المدرس بالمعهد العلمي بعنيزة (٦) الشيخ عبد الله بن محمد العوهلي، المدرس بالمعهد العلمي بمكة المكرمة (٧) الشيخ حمد بن محمد البسام، المدرس بالمعهد العلمي بعنيزة (٨) الشيخ سليمان بن صالح البسام (٩) الشيخ محمد بن عثمان القاضي (أبن أستاذ الشيخ السعدي ﵏ (١٠) الشيخ عبد العزيز بن محمد السلمان، المدرس بمعهد إمام الدعوة بالرياض (١١) الشيخ عبد الله بن محمد المطرودي، ويحفظ صحيح البخاري بأسانيده (١٢) الشيخ محمد بن سليمان بن عبد العزيز البسام، المدرس بالحرم المكي (١٣) الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن محمد البسام، وهو النائب عن شيخه في حياته في الإمامة والخطابة. (١٤) الشيخ ابراهيم المحمد العمود، تقلب في عدّة مناصب قضائية آخرها قضاء المنطقة الشرقية. (١٥) الشيخ صالح العبد الله الزغيبي أمام المسجد النبوي الشريف (١٦) الشيخ عبد العزيز بن سبيل قاضي البكيرية، ثم مدرس بالمسجد الحرام (١٧) الشيخ عبد الله الخضيري، قاضي بلدة عفيف ثم مدرس بمعهد المدينة المنورة

стр. 1225

(١٨) الشيخ عبد الرحمن المحمد المقوش، قاضي الرياض ثم أحيل الى التقاعد (١٩) الشيخ سليمان بن ابراهيم البسام، درس في المعهد العلمي، وعيّن قاضياً فرفض. (٢٠) الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن حنطي، قاضي الدرعية هذه نقطة من سيّل، وقلّة من كثرة، عدد يسير من جمٍّ غفير من طلاب الحق وأهل السنة والجماعة الذين تتلمذوا على شيخنا ﵀ وهناك عدد أكبر من طلبة شيخنا ﵀ ولكن خشية الإطالة لم يتسنى لي أن أذكرهم جميعهم، وهناك أعداد كثيرة درست عليه وانتفعت به ومن علمه وسلوكه في مجالات مختلفة ومتعددة، وهذا مما اقتصيّته وجمعته، والله أسأل أن ينفعنا بهم جميعاً (١). ثناء العلماء على عبد الرحمن السعدي رحمه الله تعالى: ومما يدل على مكانة الشيخ ﵀ ما قيل عنه من قبل أهل العلم المعاصرين واللاحقين له، ممن وقفوا على سيرته ونهلوا من علمه وقرؤوا مصنفاته، وتتبعوا مؤلفاته وكتبه، وسمعوا من فتواه أو خالطوه ... ومن تلك الأقوال: [*] قال فيه الشيخ العلامة ابن مانع (كان عالم عصرنا، وعلامة مَصرنا) [*] الشيخ العلامة عبد الرزاق العفيفي عميد معهد القضاء العالي في المصنف (فمن العلماء في هذا العصر كثير، ولكن قلّ منهم من يستقي الحكم من منبعه، ويسنده إلى أصله ويتبع القول العمل، ويتحرى الصواب في كل ما يأتي ويذر، وإن من ذلك القليل فيما أعتقد الشيخ الجليل عبد الرحمن بن ناصر السعدي ﵀ ... ) [*] قال الشيخ سليمان المشعلي (كان عالماً جليلاً وقاضياً مسدداً ... ولما علم بوفاته قال: مات اليوم عالم نجد وقد طاب الموت بعد هذه الشخصيّة الفذّة فانصدع ومات بعد وفاة الشيخ بتسعة عشر يوماً) (٢) مصنفات عبد الرحمن السعدي رحمه الله تعالى وكتبه (٣):

стр. 1226

لقد كتب الشيخ ﵀ في صنوف وفنون عدّة وبعضها طبع والبعض الآخر لم يطبع بعد، والناظر في مؤلفاته يجد سعة العلم وأصنافه وتعدد مجالاته لدى الشيخ ﵀ وسأذكر ما تيسر لي الوقوف عليه من مؤلفات شيخنا العلامة عبد الرحمن السعدي، وهي: (١) تيسير القرآن الكريم، وهو من أشهر كتب التفسير اليوم والمسمى أيضاً (تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان) ويقع في ثمانية مجلدات، وطبع عدّة طبعات. (٢) حاشية على الفقه أستدراكاً على جميع الكتب المتداولة والمؤلفة في المذهب الحنبلي - مخطوطة. (٣) الحق الواضح المبين في شرح توحيد الأنبياء والمرسلين ـ وهو توضيح لنونيّة ابن القيم ﵀. (٤) منهج السالكين وتوضيح الفقه في الدين ـ مطبوع (٥) طريق الوصول إلى العلم المأمول بمعرفة القواعد والضوابط والأصول - مطبوع (٦) الدين الصحيح يحل جميع المشاكل - مطبوع (٧) الفتاوى السعديّة (٣ مجلدات) مطبوع (٨) فتح الرب الحميد في أصول العقائد والتوحيد - مطبوع (٩) التنبيهات اللطيفة على ما احتوت عليه الواسطية من المباحث المنيفة أو المتينة (١٠) إرشاد أولي الألباب، لمعرفة الفقه بأقرب الطرق وأيسر الأسباب ـ سؤال وجواب ـ مطبوع (١٠) الإرشاد إلى معرفة الأحكام - طبعة جديدة بدل (إرشاد أولي الألباب) (١١) بهجت قلوب الأبرار وقرة عيون الأخيار في شرح جوامع الأخبار - وهو شرح لتسعة وتسعين حديثاً. (١٢) توضيح الكافية الشافيّة (نونيّة ابن القيم المشهورة) (١٣) الخطب على المناسبات - مطبوع (١٤) الخطب العصريّة القيّمة - مطبوع (١٥) الفواكة الشهيّة في الخطب المنبريّة ـ مطبوع (١٦) الدرة البهيّة ـ شرح القصيدة التائية لإبن تيميّة (١٧) رسالة لطيفة جامعة في أصول الفقه المهمة ـ مطبوع (١٨) فوائد مستنبطة من قصة يوسف ﵇ (١٩) القواعد والأصول الجامعة، والفروق والتقاسيم البديعة النافعة (٢٠) الدرّة المختصرة في محاسن الإسلام - مطبوع (٢١) القواعد الحسان لتفسير القرآن - مطبوع (٢٢) تنزيه الدين وحملته ورجاله، مما افتراه القصيمي في أغلاله - مطبوع (٢٣) وجوب التعاون بين المسلمين والجهاد الديني - مطبوع بالقاهرة (٢٤) القول السديد في مقاصد التوحيد ـ مطبوع (٢٥) تيسير اللطيف المنان في خلاصة تفسير القرآن ـ مطبوع (٢٦) الرياض الناضرة ـ مطبوع

стр. 1227

(٢٧) الأدلة القواطع والبراهين في إبطال أصول الملحدين ـ مطبوع (٢٨) التوضيح والبيان لشجرة الإيمان ـ مطبوع (٢٩) الوسائل المفيدة للحياة السعيدة ـ مطبوع (٣٠) فوائد قرآنية ـ مطبوع (٣١) انتصار الحق " محاورة دينية اجتماعية " (٣٢) المواهب الربانية من الآيات القرآنية (٣٣) سؤال وجواب في أهم المهمات (٣٤) المختارات الجليّة من المسائل الفقهية - مطبوع (٣٥) المناظرات الفقهية - مطبوع (٣٦) مجموعة فقه، رسالة في القواعد الفقهيّة (٣٧) منظومة مشتملة على أحكام الفقة، تعليق لطيف على منظومة في السير إلى الله والدار الآخرة وللشيخ ﵀ مؤلفات أكثر مما ذكرت ولكن هذا ما وفقت لجمعه والوقوف عليّه، وهناك أيضاً كتب للشيخ لم تطبع بعد. وفاة عبد الرحمن السعدي رحمه الله تعالى: في عام واحد وسبعين وثلاثمائة وألف هجرية (١٣٧١هـ) أصيب الشيخ ﵀ بمرض ضغط الدم وضيق الشرايين، فكان يعتريه المرّة بعد الأخرى وهو صابر عليّه مدّة خمس سنوات فزاد عليه المرض واشتد. فكانت أعراضه ظاهرة عليه أحياناً من خلال الكلام، فقد كان يقف أحياناً وهو يقرأ القرآن ثم يتكلم ويرجع إلى حالته الطبيعية، وفي عام (١٣٧٢هـ) وأرسلت له طائرة تحمل لجنة أطباء لتشخيص المرض، فرأوا أن يسافر الشيخ إلى لبنان ليتلقى العلاج هناك، إذ كان العلاج غير متوفر في السعودية آنذاك، فسافر إليها، وجلس فيها نحو شهر حتى شفاه الله.

стр. 1228

وكان ﵀ يستفيد من كل دقيقة ففي فترة علاجه تلك، تعرف على علمائها وفضلائها، ثم (عاد إلى عنيزة ليكمل علمه وتدريسه مع نصح الأطباء له بأن لا يجهد نفسه، وأن يعطي لنفسه الراحة، لكنه لم يصبر على ترك العلم، وبدأ بالتعليم والتأليف والبحث مرّة أخرى) (١). ولكن (ما لبث أن عاوده المرض مرّة ثانيّة أشدّ مما كان عليه من قبل وفي ليلة الأربعاء ٢٢ من شهر جمادى الآخرة سنة ١٣٧٦هـ أحس بشيء في جسمه مثل البرد والقشعريرة، وبعد أن أكمل الدرس للطلاّب أتم صلاة العشاء الآخر إماماً وبعد السلام أحس بثقل وضعف، فأشار إلى بعض تلاميذه أن يمسك بيده ويذهب به إلى بيته، ففزع لذلك أناس آخرون من الذين حضر للصلاة، وما إن وصل الشيخ إلى بيته حتى أغمي عليه، ثم أفاق بعد ذلك وذكر الله وأنثى عليه وحمده، وتكلّم مع الموجودين عنده بكلام حسن وبعد ذلك عاوده الإغماء مرّة أخرى فلم يتكلم) (٢) وفي صباح يوم الخميس سقط القلم من بين أصابع الشيخ، وذاب الصوت القوي النديّ اللطيف، الذي ملأ طباق الأرض علماً، وسكت اللسان الذي جالت الحكمة والآي من فوقه، وأطبقت الشفتان اللتان طالما تحركتا بالفقه والتأويل والتفسير، وحيل بين الثرى وبين الثُريا برحيله، وحزن الكثير ممن لم يكن لهم لقاء مع الشيخ في حِلَق الدرس والتلقي بين يديه ... فكان وفاته ـ يرحمه الله ـ قبيل الفجر يوم الخميس الموافق ٢٢ جمادى الآخرة سنة ست وسبعين وثلاثمائة وألف (١٣٧٦هـ). فسالت الدموع بفقده، وحزنت القلوب برحيله، وكان ذلك اليوم مشهوداً في تاريخ مدينة عنيزة، فكان يوماً لا يوصف، لما كان فيه الناس من الأحوال السيئة لوفاة عالمها الجليل. صليّ عليه بعد صلاة الظهر في الجامع الكبير بعنيّزة يوم الخميس، وكان الناس في حشد عظيم امتلأ الجامع بهم، وكان جمعٌ غفير من المصلين والمشيعين للصلاة عليه. ثم دفن ﵀ في مقبرة الشهوانيّة (شمالي عنيزة)، وبهذا قضى الشيخ ﵀ حياته في العلم تعلماً وتعليماً وإفتاءً وتأليفاً، وتوفي عن عمر يناهز تسعاً وستين سنة، غفر الله له ورحمه وعفا عنه وأدخله فسيح جنانه. سيرة عبد العزيز بن باز رحمه الله تعالى: اسم عبد العزيز بن باز ومولده ﵀:

стр. 1229

هو سماحة الشيخ العلامة، الفقيه المحدث عبد العزيز بن عبد الله بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله آل باز. ولد بمدينة الرياض في ذي الحجة سنة ١٣٣٠ هـ. كان بصير في أول الدراسة ثم أصابه المرض في عينيه عام ١٣٤٦ هـ. فضعف بصره بسبب ذلك. ونسأل الله جل وعلا أن يعوضه عنهما بالجزاء الحسن في الآخرة، كما وعد بذلك سبحانه على لسان نبيه محمد ﷺ . نشأة عبد العزيز بن باز وبداية طلبه للعلم ﵀: بدأ الدراسة منذ الصغر وحفظ القرآن الكريم قبل البلوغ في مدينة الرياض عاصمة نجد، وجوّده على الشيخ سعد وقاص البخاري بمكة المكرمة ثم بدأ في تلقي العلوم الشرعية والعربية على أيدي كثير من علماء الرياض. فأخذ من مشاهير علماء نجد، وكان أكثر ما تلقَّاه عن سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم وعليه تخرج في علوم الشريعة واللغة العربية ورأى أن من الغبن لنفسه أن يكتفي بما حصّله من تلك العلوم أيام طلبه وتلقيه عن مشايخه، لما في ذلك من هضمها حقها وحرمانها من الحظ الوافر في العلم والدين، فتابع الإطلاع والبحث ودأب في التحصيل وبذل جهده في تحقيق المسائل بالرجوع إلى نطاقها في أمهات الكتب كلما دعت الحاجة إلى ذلك في تدريسه وفيما يعرض له من القضايا المشكلة أيام توليه القضاء، وفي إجابته عما يوجه إليه من أسئلة تحتاج إلى بحث وتنقيب، وفي رده على ما ينشر من أقوال باطلة وآراء منحرفة فازداد بذلك تحصيله ورسوخه، ونبغ في كثير من علوم الشريعة وخاصة الحديث متنا وسندا، والتوحيد على طريقة السلف، والفقه على مذهب الحنابلة، حتى صار فيها من العلماء البارزين. شيوخ عبد العزيز بن باز رحمه الله تعالى:

стр. 1230

أخذ الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله تعالى عن عدة مشايخ ودرس على أيدي كثيرين أغلبهم من آل الشيخ. ومنهم الشيخ محمد بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ. ومنهم الشيخ صالح بن عبد العزيز بن عبد الرحمن آل الشيخ قاضي الرياض آنذاك. ومنهم الشيخ سعد بن حمد بن عتيق من آل عتيق قاضي الرياض آنذاك. ومنهم الشيخ حمد بن فارس وكيل بيت المال آنذاك، ومنهم الشيخ سعد وقاص البخاري بمكة المكرمة أخذ عليه التجويد خاصة. ومنهم سماحة المفتي الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله تعالى، وهو الذي درس عليه جميع الدروس وكان له الحظ الأوفر في تحقيق العلوم على يديه، فقد لازم درسه نحو عشر سنوات حيث بدأ الدراسة. على سماحته ابتداء من عام ١٣٤٧ هـ إلى عام ١٣٥٧ هـ إلى أن رشحه سماحته إلى القضاء. منهج الدراسة عند عبد العزيز بن باز رحمه الله تعالى: قد تتعدد الدراسة في عدة فنون على عدة مشايخ في وقت معا أو على شيخ واحد في دروس متعددة، وقد كانت دراسة الشيخ ﵀ لها نظامها الخاص، وهو نظام التدرج والبدء بالأهم. فأولًا: بدأ بدراسة العقائد وابتدأها بالأصول الثلاثة، ثم كشف الشبهات، ثم كتاب التوحيد، ثم العقيدة الواسطية، وهكذا في الفقه بالتدرج في المتون وكذلك الفرائض قرأها مرارا وكذلك في النحو في الأجرومية ثم الملحة، ثم القطر، إلخ ثانياً أوقات الدراسة ومكانها: كانت أوقات الدراسة مع سماحة المفتي كالآتي: في الصباح بعد صلاة الصبح إلى طلوع الشمس في المسجد، ثم صحوة النهار في مجلس سماحة المفتي في البيت، ثم بعد الظهر، وبعد العصر، وبعد المغرب، عقب الصلوات في المسجد. أبرز تلاميذ عبد العزيز بن باز رحمه الله تعالى: نظرًا لما تميز به سماحة الشيخ ﵀ من مكانة علمية عالية، ومنزلة رفيعة من العلم والهدى والتقى، أخذ العلم عنه عدد كبير وكثير، وسأذكر من وسعني أن أذكره منهم، معتذراً لمن نسيته سهواً، فإنني لم أتعمد إسقاطه، وذاك ليس بخلق حميد في أمر التراجم؛ ولكن ـ والحمد لله ـ لكثرة تلاميذ الشيخ وطلابه، وخوفاً من الإطالة اقتصر على هذا العدد الطيب منهم حسب ترتيب جلوسه للتدريس فأبدء بطلابه في الدلمم، ثم في المدينة ثم في الرياض. أولا في الدلمم: (١) معالي الشيخ راشد بن صالح المستشار بالديوان الملكي، وأحد أعضاء هيئة كبار العلماء، ومن أكثر الطلاب ملازمة له ومن أكثرهم كتابة له في مجلس القضاء.
следующие страницы →