أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: رأيت زيد بن عمرو بن نفيل قائما، مسندا ظهره إلى الكعبة، يقول: يا معاشر قريش، والله ما منكم على دين إبراهيم غيري. وكان يحيي الموءودة، يقول للرجل إذا أراد أن يقتل ابنته: لا تقتلها، أنا أكفيكها مؤونتها، فيأخذها، فإذا ترعرعت، قال لأبيها: إن شئت دفعتها إليك، وإن شئت كفيتك مؤونتها.
ولقد جاء في أسباب النزول ما أخرجه الواحد وأبو الفرج أن الآية الشريفة من سورة الزمر التي تقول: ((والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها وأنابوا إلى الله لهم البشرى فبشر عباد. الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب)) [سورة الزمر أية ١٧ - ١٨].
نزلت في ثلاثة نفر كانوا في الجاهلية يوحدون الله وهم:
١ - زيد بن عمرو بن نفيل
٢ - وأبو ذر الغفاري
٣ - وسلمان الفارسي أولئك الذين هداهم الله بغير كتاب ولا نبي!
هذا هو والد سعيد .. عرف ربه وملآ الإيمان قلبه .. فإذا شابه سعيد أباه وهداه الله .. وامتدت إلى النبي يداه وبشره النبي صلى الله عليه و سلم بالجنة فهل يكون ذلك عجيبا؟
وقد التقى زيد بن عمرو برسول الله ﷺ ولكنه لم يدرك مبعثه إذ مات قبل ذلك، ولكن سعيدًا ابنه أدرك رسالة النبي ﷺ وءامن به وكان من المبشرين العشرة.
- إسلام سعيدِ بن زيد ﵁ -:
[*] قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ:
كَانَ إِسْلَامُهُ قَدِيمًا قَبْلَ عُمَرَ وَبِسَبَبِ زَوْجَتِهِ كَانَ إِسْلَامُ عُمَرَ وَهَاجَرَ هُوَ وَامْرَأَتُهُ فَاطِمَةُ بِنْتُ الْخَطَّابِ وَتُوُفِّيَ بِالْعَقِيقِ فَحُمِلَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَدُفِنَ بِهَا سَنَةَ خَمْسِينَ، أَوِ إِحْدَى وَخَمْسِينَ وَكَانَ يَوْمَ مَاتَ ابْنَ بِضْعٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً.
*الولاية:
كان سعيد بن زيد موصوفاً بالزهد محترماً عند الوُلاة، ولمّا فتح أبو عبيدة بن
الجراح دمشق ولاّه إيّاها، ثم نهض مع مَنْ معه للجهاد، فكتب إليه سعيد: (أما بعد
، فإني ما كنت لأُوثرَك وأصحابك بالجهاد على نفسي وعلى ما يُدْنيني من مرضاة ربّي،
وإذا جاءك كتابي فابعث إلى عملِكَ مَنْ هو أرغب إليه مني، فإني قادم عليك وشيكاً
إن شاء الله والسلام.
*البيعة:
стр. 597
كتب معاوية إلى مروان بالمدينة يبايع لإبنه يزيد، فقال رجل من أهل الشام لمروان: ما يحبسُك؟) ... قال مروان: حتى يجيء سعيد بن زيد يبايع، فإنه سيد أهل البلد، إذا بايع بايع الناس ... قال: (أفلا أذهب فآتيك به؟) ... وجاء الشامي وسعيد مع أُبيّ في الدار، قال: (انطلق فبايع) ... قال: (انطلق فسأجيء فأبايع) ... فقال:
لتنطلقنَّ أو لأضربنّ عنقك) ... قال: (تضرب عنقي؟ فوالله إنك لتدعوني إلى قوم وأنا
قاتلتهم على الإسلام ..
فرجع إلى مروان فأخبره، فقال له مروان: (اسكت) ... وماتت أم المؤمنين (أظنّها
زينب) فأوصت أن يصلي عليها سعيد بن زيد، فقال الشامي لمروان: (ما يحبسُك أن تصلي على أم المؤمنين؟) ... قال مروان: (أنتظر الذي أردت أن تضرب عنقه، فإنها أوصت أن يُصلي عليها) ... فقال الشامي: (أستغفر الله ...
[*] مناقب سعيد بن زيد ﵁:
لسَعِيدِ بْنِ زَيْدِ ﵁ مناقب عظيمة وفضائل جسيمة وهاك غيضٌ من فيض ونقطةٌ من بحر مما ورد في ذلك جملةً وتفصيلاً:
أولاً مناقب سعيد ابن زيد ﵁ - جملة ً:
(١) أحد العشرة المشهود لهم بالجنة ومن السابقين الأولين البدريين:
(٢) مستجاب الدعوة:
(٣) شهادة النبي له بالشهادة:
(٤) إيثاره للخمول وإنكار الذات:
(٥) غضبه على من سب الصحابة:
ثانياً مناقب سعيد ابن زيد ﵁ تفصيلا ً:
(١) أحد العشرة المشهود لهم بالجنة ومن السابقين الأولين البدريين:
(حديث عبد الرحمن بن عوف ﵁ الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال: أبو بكر في الجنة وعمر في الجنة وعثمان في الجنة وعليٌ في الجنة وطلحة في الجنة والزبير في الجنة وعبد الرحمن بن عوف في الجنة وسعدُ ابن أبي وقاص في الجنة وسعيدُ ابن زيد في الجنة وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة.
ومن أعظم مناقب سعيد بن زيد أنه من أهل بدر:
أهل بدر:
أهل بدر هم الذين قاتلوا في غزوة بدر من المسلمين، وعددهم ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا. والفضيلة التي حصلت لهم أن الله اطلع عليهم وقال: (اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم) ومعناه أن ما يحصل منهم من المعاصي يغفره الله بسبب الحسنة الكبيرة التي نالوها في غزوة بدر، ويتضمن هذا بشارة بأنه لن يرتد أحد منهم عن الإسلام.
стр. 598
(حديث رفاعة بن رافع الزُرْقِي ﵁ الثابت في صحيح البخاري) قال: جاء جبريل إلى النبي ﷺ فقال: ما تعدون أهل بدر فيكم؟ قال: (من أفضل المسلمين). أو كلمة نحوها، قال: وكذلك من شهد بدرا من الملائكة.
(حديث علي بن أبي طالب ﵁ الثابت في الصحيحين) قال: بعثني رسول الله ﷺ أنا والزبير والمقداد، فقال: (انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ، فإن بها ظعينة معها كتاب، فخذوه منها). فذهبنا تعادى بنا خيلنا حتى أتينا الروضة، فإذا نحن بالظعينة، فقلنا: أخرجي الكتاب، فقالت: ما معي من كتاب، فقلنا: لتخرجن الكتاب أو لنلقين الثياب، فأخرجته من عقاصها، فأتينا به النبي ﷺ فإذا فيه: من حاطب ابن أبي بلتعة إلى أناس من المشركين ممن بمكة، يخبرهم ببعض أمر النبي ﷺ ، فقال النبي ﷺ : (ما هذا يا حاطب). قال: لا تعجل علي يا رسول الله، إني كنت امرأ من قريش، ولم أكن من أنفسهم، وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها أهليهم وأموالهم بمكة، فأحببت إذ فاتني من النسب فيهم، أن أصطنع إليهم يدا يحمون قرابتي، وما فعلت ذلك كفرا، ولا ارتدادا عن ديني. فقال النبي ﷺ : (إنه قد صدقكم). فقال عمر: دعني يا رسول الله فأضرب عنقه، فقال: (إنه شهد بدرا، وما يدريك؟ لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم).
مسألة: لماذا أخرج عمر ﵁ سعيد بن زيد من أهل الشورى؟
[*] قال الذهبي ﵀ في سير أعلام النبلاء:
قلت لم يكن سعيدا متأخرا عن رتبة أهل الشورى في السابقة والجلالة وإنما تركه عمر ﵁ لئلا يبقى له فيه شائبة حظ لأنه ختنه وابن عمه ولو ذكره في أهل الشورى لقال الرافضي حابى ابن عمه فأخرج منها ولده وعصبته فكذلك فليكن العمل لله.
[*] أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن محارب بن دثار قال كتب معاوية إلى مروان والي المدينة ليبايع لابنه يزيد فقال رجل من جند الشام ما يحبسك قال حتى يجيء سعيد بن زيد فيبايع فإنه سيد أهل البلد وإذا بايع بايع الناس قال أفلا أذهب فآتيك به.
(٢) مستجاب الدعوة:
стр. 599
كان ﵁ مُجاب الدعوة، وقصته مشهورة مع أروى بنت أوس، فقد خاصمت أروى بنت أويس سعيد بن زيد ﵁ عند مروان ابن الحكم أمير المدينة وادَّعت عليه أنه أخذ من أرضها، فقال: أنا كنت آخذ من أرضها شيئاً بعد الذي سمعته من رسول الله ﷺ ؟ قال: وما سمعت من رسول الله ﷺ ؟ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من أخذ شبراً من الأرض بغير حقه طُوِّقه إلى سبع أرضين"
ثم قال: اللهم إن كانت كاذبة فأعم بصرها، واجعل قبرها في دارها، قال: فرأيتها عمياء تتلمس الجدر تقول: أصابتني دعوة سعيد بن زيد، فبينما هي تمشي في الدار مرت على بئر في الدار فوقعت فيها فكانت قبرها (١).
[*] وقال ابن أبي حازم في حديثه سألت أروى سعيدا أن يدعو لها وقالت قد ظلمتك فقال لا أرد على الله شيئا أعطانيه.
(٣) شهادة النبي له بالشهادة:
(حديث سعيد بن زيد ﵁ الثابت في صحيحي الترمذي وابن ماجة) أن النبي ﷺ قال: اثبت حراء فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد، وعدهم رسول الله ﷺ أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وابن عوف وسعيد بن زيد.
стр. 600
ومن مناقبه أيضًا إنكاره على الذين كانوا يسبّون الإمام علي بن أبي طالب ﵁، ففي "حلية الأولياء" للحافظ أبي نُعَيم أن المغيرة بن شعبة كان في المسجد الأكبر وعنده أهل الكوفة عن يمينه وعن يساره، فجاء سعيد بن زيد ﵁ فأجلسه على السرير، ثم جاء رجل من أهل الكوفة فسَبَّ، فقال سعيد بن زيد ﵁: من يسب هذا يا مغيرة؟ قال: يسب علي بن أبي طالب ﵇، فقال سعيد ﵁: يا مغيرة بن شعبة أعادها ثلاثًا ألا أسمع أصحاب رسول الله ﷺ يُسَبّون عندك فلا تنكر ولا تغير وأنا أشهد على رسول الله ﷺ مما سمعت أذناي ووعاه قلبي من رسول الله، فإني لم أكن أروي عنه كذبًا يسألني عنه إذا لقيته، أنه قال: "أبو بكر في الجنة وعمر في الجنة وعثمان في الجنة وعلي في الجنة وطلحة في الجنة والزبير في الجنة وعبد الرحمن بن عوف في الجنة وسعد في الجنة، وتاسع المؤمنين في الجنة"، قال فرَجّ أهل المسجد يناشدونه: يا صاحب رسول الله من التاسع؟ قال: ناشدتموني بالله، والله عظيم، أنا تاسع المؤمنين، ثم أتبع ذلك يمينًا فقال: لمشهَدٌ شَهِدَهُ رجل مع رسول الله ﷺ يغبر وجهه مع رسول الله ﷺ ، أفضل من عمل أحدكم ولو عُمّر عُمر نوح، فانظر بعين البصيرة كيف ضرب سعيدِ ابن زيد ﵁ أروع المثل في توقير ورحمة جماعة المؤمنين، والذود عن كبار الصحابة رضوان الله عليهم، وحفظ حقوقهم.
(٤) إيثاره للخمول وإنكار الذات:
[*] ... قال أبو نعيم في الحلية: رغب عن الولاية وتشمر في الرعاية! قمع نفسه وأخفى عن المنافسة في الدنيا شخصه! وبلغة العصر نقول: هو جندي مجهول!
(٥) غضبه على من سب الصحابة:
стр. 601
أخرج أبو نعيم في الحلية عن رباح بن الحارث أن المغيرة ﵁ كان في المسجد الأكبر وعنده أهل الكوفة عن يمينه وعن يساره، فجاء رجل يدعى سعيد بن زيد فحياه المغيرة وأجلسه عند رجليه على السرير، فجاء رجل من أهل الكوفة فاستقبل المغيرة فسب، فقال: من يسب هذا يا مغيرة؟ قال: سبَّ علي بن أبي طالب، فقال: يا مغيرة بن شعبة ـ ثلاثاً ـ ألا أسمع أصحاب رسول الله ﷺ يُسبون عندك لا تنكر ولا تغيِّر وأنا أشهد على رسول الله ﷺ مما سمعت أذناني ووعاه قلبي من رسول الله ﷺ فإني لم أكن أروي عنه كذباً يسألني عنه إذا لقيته ـ أنه قال: "أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، (وعبد الرحمن في الجنة)، وسعد بن مالك في الجنة" وتاسع المؤمنين في الجنة، ولو شئت أن أسميه لسميته، قال فرجَّ أهل المسجد يناشدونه: يا صاحب رسول الله من التاسع؟ قال: ناشدتموني بالله والله عظيم؛ أنا تاسع المؤمنين ورسول الله العاشر. ثم أتبع ذلك يميناً فقال: لمشهد شهده رجل مع رسول الله ﷺ يغبر وجهه مع رسول الله ﷺ أفضل من عمل أحدكم ولو عُمِّر عمر نوح.
وعنده أيضاً عن عبد الله بن ظالم المازني قال: لما خرج معاوية ﵁ من الكوفة استعمل المغيرة بن شعبة ﵁، قال: فأقام خطباء يقعون في علي وأنا إلى جنب سعيد بن زيد. قال: فغضب فقام فأخذ بيدي فتبعته، فقال: ألا ترى إلى هذا الرجل الظالم لنفسه الذي يأمر بلعن رجل من أهل الجنة فأشهد على التسعة أنهم في الجنة ولو شهدت على العاشر لم آثم. وأخرجه أحمد وأبو نُعيم في المعرفة وابن عساكر عن رباح نحو ما تقدم؛ كما في منتخب الكنز.
وفاة سعيد بن زيد:
توفي ﵁ بالعقيق، فحُمل إلى المدينة المنورة فدفن بها، وذلك سنة خمسين، وقيل إحدى وخمسين، وكان يومها ابن بضع وسبعين سنة.
[*] أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن عائشة بنت سعد قالت مات سعيد بن زيد بالعقيق فغسله سعد بن أبي وقاص وكفنه وخرج معه.
[*] أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن مالك قال مات سعيد بن زيد وسعد بن أبي وقاص بالعقيق.
стр. 602
[*] أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن الواقدي توفي سعيد بن زيد سنة إحدى وخمسين وهو ابن بضع وسبعين سنة وقبر بالمدينة نزل في قبره سعد وابن عمر وكذا قال أبو عبيد ويحيى بن بكير وشهاب.
[*] أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن الزهري مات سنة اثنتين وخمسين ﵁.
قال الذهبي: مات سعيد بن زيد وكان يَذْرَب، فقالت أم سعيد لعبد الله بن عمر: أتُحَنطه بالمسك فقال: وأيُّ طيب أطيب من المسك، فناولته مسكًا. والذَرَب هو داء يصيب المعدة فلا تهضم الطعام ولا تمسكه.
وقال ابن الجوزي في "صفة الصفوة": ونزل في حفرته سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر. وصلى عليه المغيرة بن شُعبة وهو يومئذٍ والي الكوفة لمعاوية بن أبي سفيان.
﵃ أجمعين- ...
ثانياً: صورٌ مشرقة من زهد سعيدِ ابن زيد ﵁ -:
لقد فهم سعيد ابن زيد ﵁ من خلال معايشته للقرآن الكريم، ومصاحبته للنبي الأمين ﷺ ومن تفكره في هذه الحياة بأن الدنيا دار اختبار وابتلاء، وعليه فإنها مزرعة للآخرة، ولذلك تحرر من سيطرة الدنيا بزخارفها، و زينتها، وبريقها، وطلقها ثلاثة ونفض يديه منها، وخضع وانقاد وأسلم نفسه لربه ظاهرا وباطنا، فكانت الدنيا في يده ولم تقترب من قلبه الشريف، وقد وصل إلى حقائق استقرت في قلبه ساعدته على الزهد في هذه الدنيا ومن هذه الحقائق ما يلي:
(١) اليقين التام بأننا في هذه الدنيا أشبه بالغرباء، أو عابري سبيل كما قال النبى ﷺ : كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ.
(حديث بن عمر ﵄ الثابت في صحيح البخاري) قال: أخذ رسول الله ﷺ بمنكبي فقال: (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل). وكان ابن عمر يقول: إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك.
(٢) أن هذه الدنيا لا وزن لها ولا قيمة عند رب العزة إلا ما كان منها طاعة لله ﵎:
(حديث سهل بن سعد ﵁ الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال: لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء.
(حديث أبي هريرة في صحيح ابن ماجة) أنَّ رسول الله ﷺ قال: الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه وعالماً أو متعلما.
(٣) أن عمرها قد قارب على الانتهاء:
стр. 603
(حديث أنس ﵁ الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: بعثت أنا والساعة كهاتين قال وضم السبابة والوسطى.
(٤) أن الآخرة هى الباقية، وهى دار القرار:
كما قال مؤمن آل فرعون:
(يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ * مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ) [غافر: ٣٩، ٤٠]
كانت هذه الحقائق قد استقرت في قلب أبي بكر، فترِفَّع ﵁ عن الدنيا وحطامها وزهد فيها،
وهاك بعض صور زهده ﵁:
كان سعيد بن زيد ﵁ محبوباً من النبي ﷺ . وظل يجاهد معه ﵊ حتى لحق النبي بالرفيق الأعلى فواصل جهاده مع الخلفاء الراشدين حتى وافته المنية في عهد معاوية بن أبي سفيان. وفي عهد عمر بن الخطاب شهد موقعة اليرموك وفتح دمشق وأبلى في المعارك بلاءً حسناً. وحين سأل عمر بن الخطاب أبا عبيدة بن الجراح عن أحواله بعث إليه بكتاب جاء فيه: أما عن أخويك سعيد بن زيد ومعاذ بن جبل فكما عهدت. إلا أن السواد زادهما في الدنيا زهداً وفي الآخرة رغبة.
ويصف سعيد بن زيد معركة اليرموك قائلاً: لما كان يوم اليرموك كنا أربعة وعشرين ألفاً ونحواً من ذلك. فخرجت لنا الروم بعشرين ومائة ألف. وأقبلوا علينا بخطى ثقيلة كأنهم الجبال تحركها أيد خفية. وسار أمامهم الأساقفة والبطاركة والقسيسون يحملون الصلبان وهم يجهرون بالصلوات فيرددها الجيش من ورائهم وله هزيم كهزيم الرعد. فلما رآهم المسلمون على حالهم هذه هالتهم كثرتهم وخالط قلوبهم شيء من خوفهم. عند ذلك قام أبو عبيدة فخطب في الناس وحثهم على القتال. عند ذلك خرج رجل من صفوف المسلمين وقال لأبي عبيدة: إني أزمعت على أن أقضي أمري الساعة. فهل لك من رسالة تبعث بها إلى رسول الله؟ فقال أبو عبيدة: نعم. تقرئه مني ومن المسلمين السلام وتقول له: يا رسول الله إنا وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً.
стр. 604
قال سعيد: فما إن سمعت كلامه ورأيته يمتشق حسامه ويمضي إلى لقاء أعداء الله حتى اقتحمت إلى الأرض وجثوت على ركبتي وأشرعت رمحي وطعنت أول فارس أقبل علينا. ثم وثبت على العدو وقد انتزع الله كل ما في قلبي من الخوف. فثار الناس في وجوه الروم، ومازالوا يقاتلونهم حتى كتب الله للمؤمنين النصر.
ولما دانت دمشق بالولاء للمسلمين جعل أبو عبيدة بن الجراح قائد جيوش المسلمين والياً عليها. فكان أول من ولي إمرة دمشق من المسلمين. غير أنه كان زاهداً في الحكم كما هو زاهد في المال. فكتب إلى أبي عبيدة وهو في الأردن يعتذر عن عدم الاستمرار في المنصب ويطلب اللحاق به للجهاد. فلما بلغ الكتاب أبا عبيدة استجاب لرغبته.
ومن صور زهده إيثاره للخمول وإنكار الذات:
[*] ... قال أبو نعيم في الحلية: رغب عن الولاية وتشمر في الرعاية! قمع نفسه وأخفى عن المنافسة في الدنيا شخصه! وبلغة العصر نقول: هو جندي مجهول!
[*] سيرة أبي عبيدة بن الجراح ﵁ و صورٌ من زهده:
وسوف نتناول شيئين أساسيين في هذه السيرة العطرة وهما:
أولاً: لمحات من سيرة أبي عبيدة بن الجراح ﵁:
ثانياً: صورٌ مشرقة من زهد أبي عبيدة بن الجراح ﵁:
وهاك تفصيل ذلك:
أولاً: لمحات من سيرة أبي عبيدة بن الجراح ﵁:
[*] قال عنه الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء:
الأمين الرشيد، والعامل الزهيد، أمين الأمة أبو عبيدة. كان للأجانب من المؤمنين وديداً، وعلى الأقارب من المشركين شديدا، فيه نزلت: (لاّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ يُوَآدّونَ مَنْ حَآدّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوَاْ آبَآءَهُمْ أَوْ أَبْنَآءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلََئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيّدَهُمْ بِرُوحٍ مّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ أُوْلََئِكَ حِزْبُ اللّهِ أَلاَ إِنّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [المجادلة: ٢٢]. صبر على الاقتصار على القليل، إلى أن حان منه النقلة والرحيل.
[*] وقال عنه الذهبي في سير أعلام النبلاء:
стр. 605
عامر بن عبد الله بن الجراح بن هلال بن أهيب بن ضبة بن الحارث بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان القرشي الفهري المكي أحد السابقين الأولين ومن عزم الصديق على توليته الخلافة وأشار به يوم السقيفة لكمال أهليته عند أبي بكر يجتمع في النسب هو والنبي ﷺ في فهر، شهد له النبي ﷺ بالجنة وَسَمَّاه أمين الأمة ومناقبه شهيرة جمة روى أحاديث معدودة وغزا غزوات مشهودة حدث عنه العرباض بن سارية وجابر بن عبد الله وأبو أمامة الباهلي وسمرة بن جندب وأسلم مولى عمر وعبد الرحمن بن غنم وآخرون.
اسم أبي عبيدة بن الجراح ﵁ ونسبه:
أبو عبيدة بن الجراح أمين هذه الأمة، عامر بن عبد الله بن الجراح القرشي الفهري المكي، أحد السابقين الأولين ومن عزم الصدِّيق على توليته الخلافة وأشار به يوم السقيفة لكمال أهليته عند أبي بكر لأن أبا بكر في السقيفة قال " وأرضى لكم أحد الرجلين" - يقصد بذلك عمر أو أبو عبيدة بن الجراح -. يجتمع أبو عبيدة في النسب مع النبي ﷺ في فهر، وشهد له النبي ﷺ بالجنة وسماه أمين الأمة. ومناقبه شهيرة جمة، روى أحاديث معدودة وغزا غزوات مشهودة.
إسلام أبي عبيدة بن الجراح ﵁:
أبو عبيدة ابن الجراح من السابقين إلى الإسلام فقد أسلم على يد أبي بكر الصديق ﵁ في الأيام الأولى للإسلام، قبل أن يدخل الرسول ﷺ دار الرقم،
[*] فعن يزيد بن الرومان قال: ﴿انطلق بن مظعون وعبيدة بن الحارث وعبد الرحمن بن عوف وأبو سلمة بن عبد الأسد وأبو عبيدة بن الجراح حتى أتوا رسول الله ﷺ فعرض عليهم الإسلام وأنبأهم بشرائعه فأسلموا في ساعة واحدة وذلك قبل دخول رسول الله ﷺ دار الأرقم﴾، فكان من السابقين إلى الإسلام وهاجر إلى الحبشة في الهجرة الثانية، ثم عاد منها ليقف إلى جوار رسوله في بدر، وأحد، وبقيّة المشاهد جميعها، ثم ليواصل سيره القوي الأمين بعد وفاة الرسول ﷺ في صحبة خليفته أبي بكر، ثم في صحبة أمير المؤمنين عمر، نابذا الدنيا وراء ظهره مستقبلا تبعات دينه في زهد، وتقوى، وصمود وأمانة.
- مناقب أبي عبيدة ابن الجراح:
стр. 606
لأبي عبيدة ابن الجراح ﵁ مناقب عظيمة وفضائل جسيمة وهاك غيضٌ من فيض ونقطةٌ من بحر مما ورد في ذلك جملةً وتفصيلاً:
أولاً مناقب أبي عبيدة ابن الجراح ﵁ - جملة ً:
(١) أبو عبيدة أمين هذه الأمة:
(٢) أبو عبيدة من أحب الناس للنبي ﷺ :
(٣) مكانته بين الصحابة:
(٤) تواضع أبي عبيدة:
(٥) إيثاره الخمول وإنكار الذات:
(٦) ومن مناقبه ﵁ أنه كان رجلا حسن الخلق لين الشيمة ينئ بنفسه عن الخلاف وَيُغَلِّب المصلحة الراجحة التي تجمع كلمة المسلمين وتنئ بهم عن الخلاف والشقاق:
(٧) إنفاقه في سبيل الله تعالى:
(٨) خوف أبي عبيدة بن الجراح ﵁ وبكاؤه على بسط الدنيا:
ثانياً مناقب أبي عبيدة ابن الجراح ﵁ تفصيلا ً:
(١) أبو عبيدة أمين هذه الأمة:
(حديث حذيفة ﵁ الثابت في الصحيحين) قال جاء أهل نجران إلى رسول الله ﷺ فقالوا * يا رسول الله ابعث إلينا رجلا أمينا فقال لأبعثن إليكم رجلا أمينا حق، أمين حق أمين قال فاستشرف لها الناس قال فبعث أبا عبيدة بن الجراح.
فاستشرف لها الناس: تطَّلع لها الناس وتمنى كل منهم لو يكون هو الذي يقع اختيار الرسول عليه، فتصير هذه الشهادة الصادقة من حظه ونصيبه ..
[*] قال عمر بن الخطاب ﵁:
" ما أحببت الإمارة قط، حبّي إياها يومئذ، رجاء أن أكون صاحبها، فرحت إلى الظهر مهجّرا، فلما صلى بنا رسول الله ﷺ الظهر، سلم، ثم نظر عن يمينه، وعن يساره، فجعلت أتطاول له ليراني ..
فلم يزل يلتمس ببصره حتى رأى أبا عبيدة بن الجرّاح، فدعاه، فقال: أخرج معهم، فاقض بينهم بالحق فيما اختلفوا فيه .. فذهب بها أبا عبيدة؟ .. !!
(حديث أنس ﵁ الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: (لكل أمة أمين، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح).
[*] قال الحافظ ابن حجر ﵀ في الفتح:
стр. 607
والأمين هو الثقة الرضي وهذه الصفة وان كانت مشتركة بينه وبين غيره لكن السياق يشعر بأن له مزيدا في ذلك لكن خص النبي ﷺ كل واحد من الكبار بفضيلة ووصفه بها فأشعر بقدر زائد فيها على غيره كالحياء لعثمان والقضاء لعلي ونحو ذلك تنبيه اورد الترمذي وابن حبان هذا الحديث من طريق عبد الوهاب الثقفي عن خالد الحذاء بهذا الإسناد مطولا وأوله ارحم أمتي بامتي أبو بكر واشدهم في أمر الله عمر واصدقهم حياء عثمان وأقرأهم لكتاب الله أبي وافرضهم زيد واعلمهم بالحلال والحرام معاذ الا وان لكل امة أمينا الحديث وإسناده صحيح الا ان الحفاظ قالوا ان الصواب في أوله الإرسال والموصول منه ما اقتصر عليه البخاري والله اعلم
[*] قال الإمام النووي ﵀ في شرح صحيح مسلم:
الأمين فهو الثقة المرضي، قال العلماء: والأمانة مشتركة بينه وبين غيره من الصحابة لكن النبي ﷺ خص بعضهم بصفات غلبت عليهم وكانوا بها أخص.
(حديث أنس بن مالك ﵁ الثابت في صحيحي الترمذي وابن ماجة) أن النبي ﷺ قال: أرحم أمتي بأمتي أبو بكر وأشدهم في دين الله عمر وأصدقهم حياء عثمان وأقضاهم علي بن أبي طالب وأقرؤهم لكتاب الله أبي بن كعب وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل وأفرضهم زيد بن ثابت ألا وإن لكل أمة أمينا وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح.
(٢) أبو عبيدة من أحب الناس للنبي ﷺ :
(حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ ﵁ الثابت في صحيح الترمذي) قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ أَيُّ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ كَانَ أَحَبَّ إِلَيْهِ قَالَتْ أَبُو بَكْرٍ قُلْتُ ثُمَّ مَنْ قَالَتْ ثُمَّ عُمَرُ قُلْتُ ثُمَّ مَنْ قَالَتْ ثُمَّ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ قُلْتُ ثُمَّ مَنْ فَسَكَتَتْ.
(حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال: نِعْمَ الرَّجُلُ أَبُو بَكْرٍ نِعْمَ الرَّجُلُ عُمَرُ نِعْمَ الرَّجُلُ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ.
وقد استعمل النبي ﷺ أبا عبيدة غير مرة منها المرة التي جاع فيها عسكره وكانوا ثلاثمائة وألقى لهم البحر الحوت الذي يُقال له العنبر: كما في الحديث الآتي:
стр. 608
(حديث جابر ﵁ الثابت في صحيح البخاري) قال: غزونا جيش الخَبَطِ، وأميرنا أبو عبيدة، فجعنا جوعاً شديداً، فألقى البحر حوتاً ميتاً لم يُرَ مثله، يقال له العنبر، فأكلنا منه نصف شهر، فأخذ أبو عبيدة عظماً من عظامه، فمر الراكب تحته.
(٣) مكانته بين الصحابة:
كان لأبي عبيدة مكانة عظيمة عند الصحابة ﵃ فكانوا يُجلونه ويقدرونه أيما تقدير لشهادة النبي ﷺ له أنه أمين هذه الأمة وهاك غيضٌ من فيض وقليلٌ من كثير مما ورد في ذلك:
قال الذهبي ﵀ في سير أعلام النبلاء:
[*] ولما تفرغ الصديق من حرب أهل الردة وحرب مسيلمة الكذاب جهز أمراء الأجناد لفتح الشام، فبعث أبا عبيدة ويزيد بن أبي سفيان وعمرو بن العاص وشرحبيل بن حسنة فتمت وقعة أجنادين بقرب الرملة ونصر الله المؤمنين فجاءت البشرى والصديق في مرض الموت، ثم كانت وقعة فِحْل ووقعة مرج الصُّفَّر وكان قد سير أبو بكر خالدا لغزو العراق ثم بعث إليه لجند الشام، فقطع المفاوز حتى برية السماوة، فأمَّره الصديق على الأمراء كلهم وحاصروا دمشق وتُوفي أبو بكر، فبادر عمر بعزل خالد، - وهذا الذي تبناه عمر دائماً أنه يعزل خالد بن الوليد ولكنه عاتب نفسه بعد ذلك حتى أنه بكى وقال رحم الله أبا بكر كان يعرف الرجال عني -، واستعمل على الكل أبا عبيدة فجاءه التقليد فكتمه مدة وكل هذا من دينه وحلمه - يعني عمر بن الخطاب عزل خالد وأمَّر أبا عبيدة ولكن أبو عبيدة حتى لا يفشل الجند وحتى لا تكون المسألة هوى في نفسه وأنه الأمير ويأتمرون بأمره ترك الكتاب جانبا نحا الكتاب جانبا وجعل الإمارة كما هي حتى انتهت المعركة فأبلغ خالد بما فعل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -. فكتم هذا الكتاب وكل هذا من دينه ولينه وحلمه وتواضعه وزهده وايثاره الخمول وإنكار الذات، فكان فتح دمشق على يده فعند ذلك أظهر التقليد ليعقد الصلح للروم ففتحوا له باب الجابية صلحا، وإذا بخالد قد افتتح البلد عنوة من الباب الشرقي فأمضى لهم أبو عبيدة الصلح فعن المغيرة أن أبا عبيدة صالحهم على أنصاف كنائسهم ومنازلهم، ثم كان أبو عبيدة رأس الإسلام يوم وقعة اليرموك، التي استأصل الله فيها جيوش الروم، وقُتِلَ منهم خلق عظيم. وتُوفي أبو عبيدة ﵁ وأرضاه ونسأل الله جل في علاه أن يجمعنا به في جنات ونهر في مقعد صدقٍ عند مليكٍ مقتدر.
стр. 609
وذات يوم، وأمير المؤمنين عمر الفاروق يعالج في المدينة شئون عالمه المسلم الواسع، جاءه الناعي، أن قد مات أبو عبيدة ..
وأسبل الفاروق جفنيه على عينين غصّتا بالدموع ..
وغاض الدمع، ففتح عينيه في استسلام ..
ورحّم على صاحبه، واستعاد ذكرياته معه ﵁ في حنان صابر ..
وأعاد مقالته عنه:
" لو كنت متمنيّا، ما تمنيّت إلا بيتا مملوءا برجال من أمثال أبي عبيدة" ..
[*] قال عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه في مرض موته: لو كان أبو عبيدة حيا لوليته عليكم أو لاستخلفته عليكم فإن النبي ﷺ قال إن لكل أمة أمينا وأمين هذه الأمة هو أبو عبيدة بن الجراح.
وقال أيضاً وهو يجود بأنفاسه:
" لو كان أبو عبيدة بن الجرّاح حيا لاستخلفته فان سألني ربي عنه قلت: استخلفت أمين الله، وأمين رسوله" .. ؟؟
[*] قال بن المبارك عن هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: بلغ عمر أن أبا عبيدة حُصِرَ في الشام ونال منه العدو فكتب إليه عمر: أما بعد فإنه ما نزل بعبد مؤمن شدة إلا جعل الله بعدها فرجاً وإنه لا يغلب عسر يسرين يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا)، قال فكتب إليه أبو عبيدة: أما بعد فإن الله يقول (اعْلَمُوَاْ أَنّمَا الْحَيَاةُ الدّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأمْوَالِ وَالأوْلاَدِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفّارَ نَبَاتُهُ ثُمّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الاَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مّنَ اللّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدّنْيَآ إِلاّ مَتَاعُ الْغُرُورِ) [الحديد: ٢٠] قال فخرج عمر بكتابه فقرأه على المنبر فقال يا أهل المدينة إنما يُعرِّض بكم أبو عبيدة أو بي، راغبوا في الجهاد. كأنه يبين أن هذه الدنيا التي تمسكتم بها هي زائلة انفروا ثبات أو انفروا جميعا انفروا أو استحقوا العذاب، فلذلك عمر بن الخطاب يأخذ منه هذا " إنما الحياة الدنيا لعب ولهو " فقال إما يُعرِّض بي أو يُعرِّض بكم اخرجوا إلى الجهاد.
стр. 610
[*] أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن طارق أن عمر كتب إلى أبي عبيدة في الطاعون إنه قد عرضت لي حاجة ولا غنى بي عنك فيها فعجل إلي فلما قرأ الكتاب قال عرفت حاجة أمير المؤمنين إنه يريد أن يستبقي من ليس بباق فكتب إني قد عرفت حاجتك فحللني من عزيمتك فإني في جند من أجناد المسلمين لا أرغب بنفسي عنهم فلما قرأ عمر الكتاب بكى فقيل له مات أبو عبيدة قال لا وكأن قد قال فتوفي أبو عبيدة وانكشف الطاعون قال أبو الموجه محمد بن عمرو المروزي زعموا أن أبا عبيدة كان في ستة وثلاثين ألفا من الجند فلم يبق منهم إلا ستة آلاف رجل.
سبحان الله - هو عمر كان يحب جداً أبا عبيدة بن الجراح وكان يرى فيه أمانة الأمة كلها مجتمعة في هذا الرجل فلما علم أن الطاعون نزل بأرض الشام علم أنه لابد أن يهلك والأمة تحتاج لمثله فانظروا إلى فقه عمر ثم انظروا إلى ما أروع من ذلك فقه أبي عبيدة بن الجراح، عمر بن الخطاب لما علم أن الطاعون قد نزل في الأرض التي فيها أبو عبيدة قال: إني قد عرضت لي حاجة ولا غنى بي عنك - يعني أريدك أن تأتي حتى يُنقذه الله من الطاعون - وهذا كان خلاف السنة كما في الحديث الآتي:
(حديث أسامة ﵁ الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: الطاعون رجس، أرسل على طائفة من بني إسرائيل، أو: على من كان قبلكم، فإذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه).
فلما قرأ هذا الكتاب قال: عرفت حاجة أمير المؤمنين إنه يريد أن يستبقي من ليس بباقٍ، فكتب: إني قد عرفت حاجتك فحلّلِني من عزيمتك - يعني أنا في حلٍّ من أمرك - فإني في جند من أجناد المسلمين لن أرغب بنفسي عنهم، فلما قرأ عمر الكتاب بكى فقيل له مات أبو عبيدة؟ قال: لا وكأن قد، قال فتُوفي أبو عبيدة وانكشف الطاعون.
[*] قال عمر لبعض جلسائه تمنوا فتمنوا كل واحد أمنية - وانظروا كيف تمنى عمر بن الخطاب ما يتمنى لنفسه ولا لشخصه يتمنى لله يتمنى لنفع هذه الأمة - قال: تمنوا، فتمنوا، فقال عمر: لكني أتمنى بيتاً ممتلئاً رجالاً مثل أبي عبيدة بن الجراح. الأمة كلها تفوز وتنتصر بمثل وجود أبي عبيدة بن الجراح.
وكان أبو بكر رضي الله وأرضاه أمَّر أبا عبيدة بيت المال لأمانته ولقول النبي ﷺ أمين هذه الأمة هو أبو عبيدة بن الجراح.
стр. 611
[*] قال ابن مسعود ﵁: أخلائي من أصحاب رسول الله ﷺ ثلاثة أبو بكر وعمر وأبو عبيدة.
(٤) تواضع أبي عبيدة:
[*] أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن عمران بن نمران أن أبا عبيدة كان يسير في العسكر فيقول ألا رب مبيض لثيابه مدنس لدينه ألا رب مكرم لنفسه وهو لها مهين بادروا السيئات القديمات بالحسنات الحديثات وقال ثابت البناني قال أبو عبيدة يا أيها الناس إني امرؤ من قريش وما منكم من أحمر ولا أسود يفضلني بتقوى الا وددت أني في مسلاخه.
[*] أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن قتادة قال أبو عبيدة بن الجراح وددت أني كنت كبشا فيذبحني أهلي فيأكلون لحمي ويحسون مرقي وقال عمران بن حصين وددت أني رماد تسفيني الريح.
(٥) إيثاره الخمول وإنكار الذات:
[*] لما تفرغ الصديق من حرب أهل الردة وحرب مسيلمة الكذاب جهز أمراء الأجناد لفتح الشام، فبعث أبا عبيدة ويزيد بن أبي سفيان وعمرو بن العاص وشرحبيل بن حسنة فتمت وقعة أجنادين بقرب الرملة ونصر الله المؤمنين فجاءت البشرى والصديق في مرض الموت، ثم كانت وقعة فِحْل ووقعة مرج الصُّفَّر وكان قد سير أبو بكر خالدا لغزو العراق ثم بعث إليه لجند الشام، فقطع المفاوز حتى برية السماوة، فأمَّره الصديق على الأمراء كلهم وحاصروا دمشق وتُوفي أبو بكر، فبادر عمر بعزل خالد، - وهذا الذي تبناه عمر دائماً أنه يعزل خالد بن الوليد ولكنه عاتب نفسه بعد ذلك حتى أنه بكى وقال رحم الله أبا بكر كان يعرف الرجال عني -، واستعمل على الكل أبا عبيدة فجاءه التقليد فكتمه مدة وكل هذا من دينه وحلمه - يعني عمر بن الخطاب عزل خالد وأمَّر أبا عبيدة ولكن أبو عبيدة حتى لا يفشل الجند وحتى لا تكون المسألة هوى في نفسه وأنه الأمير ويأتمرون بأمره ترك الكتاب جانبا نحا الكتاب جانبا وجعل الإمارة كما هي حتى انتهت المعركة فأبلغ خالد بما فعل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -. فكتم هذا الكتاب وكل هذا من دينه ولينه وحلمه وتواضعه وزهده وايثاره الخمول وإنكار الذات.
(٦) ومن مناقبه ﵁ أنه كان رجلا حسن الخلق لين الشيمة ينئ بنفسه عن الخلاف وَيُغَلِّب المصلحة الراجحة التي تجمع كلمة المسلمين وتنئ بهم عن الخلاف والشقاق:
стр. 612
[*] قال موسى بن عقبة في مغازيه غزوة عمرو بن العاص في غزوة ذات السلاسل - وهذه كانت بعد إسلام عمرو بن العاص بأشهر قليلة وقد أمَّره الرسول ﷺ على جيش أو على سرية ثم طلب عمرو بن العاص من رسول الله ﷺ في مدد فبعث إليه - ليأتي الغزوة التي كانت في مشارق الشام - خاف عمرو من جانبه ذلك فاستمد رسول الله ﷺ فانتدب رسول الله أبا بكر وعمر وثلة من المهاجرين، فأمَّر نبي الله ﷺ عليهم أبا عبيدة بن الجراح - أبو عبيدة كان أميراً على أبي بكر وعمر - فلما قدموا - كان يحذر الاختلاف متأسياً بالنبي ﷺ كما في الحديث الآتي:
(حديث ابن مسعود في صحيح البخاري) أن النبي ﷺ قال: لا تختلفوا فإنه من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا.
أي لابد أن تجتمعوا على كلمة واحدة ولا تختلفوا، فلما قدموا على عمرو بن عاص قال أنا أميركم، فقال المهاجرون بل أنت أمير أصحابك وأميرنا أبو عبيدة بن الجراح، فقال عمرو بن العاص إنما أنتم مدد أُمددت بكم، فلما رأى ذلك أبو عبيدة كأنه تذكر قول النبي ﷺ في الحديث السابق (لا تختلفوا فإنه من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا) وهو الذي يسمع لرسول الله ويطيع، فلما رأى أبو عبيدة بن الجراح ذلك وكان رجلا حسن الخلق لين الشيمة مستمع لأمر رسول الله ﷺ وعهده سَلَّمَ الإمارة لعمرو بن العاص ﵃ أجمعين، وهذا الذي جعل عمرو بن العاص يقول: أنا في جيش فيه أبو بكر وعمر وأبو عبيدة وأنا أمير عليهم بخ بخ فإني لذو مكانة عند رسول الله ﷺ ، ولذلك ذهب إلى رسول الله فقال له يا رسول الله إني سائلك، قال: سل، قال: من أحب الناس إليكِ؟ - هو يتوقع أن يقول عمرو بن العاص لأنه أمَّرة على أبي بكر وعلى عمر وعلى أبي عبيدة بن الجراح أكارم و أماجد وأفاضل الصحابة - فقال: عائشة، فقال: لست على النساء أسأل عن الرجال أسأل؟ فقال: أبو بكر أو قال أبوها، فقال: ثم من؟ قال: عمر، قال لعلي الثالث، قال: ثم من؟، قال: عثمان وفي رواية قال أبو عبيدة بن الجراح فسكت عمرو بن العاص.
(٧) إنفاقه في سبيل الله تعالى:
стр. 613
أخرج الطبراني في الكبير عن مالك الدار ﵁ أن عمر بن الخطاب ﵁ أخذ أربعمائة دينار فجعلها في صرة، فقال للغلام: إذهب بها إلى أبي عبيدة بن الجراح ثم تَلَهَّ في البيت ساعة حتى تنظر ما يصنع؟ فذهب بها الغلام إليه فقال: يقول لك أمير المؤمنين: إجعل هذه في بعض حاجتك، فقال وصله الله ورحمه، ثم قال: تعالَي يا جارية، إذهبي بهذه السبعة إِلى فلان، وبهذه الخمسة إلى فلان، وبهذه الخمسة إلى فلان، حتى أنفدها. ورجع الغلام إلى عمر فأخبره فوجده قد أعدّ مثلها لمعاذ بن جبل ﵁، فقال: إذهب بها إلى معاذ بن جبل وتَلَهَّ في البيت حتى تنظر ما يصنع؟ فذهب بها إليه فقال: يقول لك أمير المؤمنين: إجعل هذه في بعض حاجتك، فقال: ﵀ ووصله، تعالَي يا جارية، إذهبي إلى بيت فلان بكذا، إذهبي إلى بيت فلان بكذا، فاطَّلعت إمرأة معاذ وقالت: ونحن ـ والله ـ مساكين فأَعطِنا، فلم يبقَ في الخرقة إلا ديناران، فدحى بهما إليها؛ ورجع الغلام إلى عمر فأخبره فسر بذلك فقال إنهم إخوة بعضهم من بعض. ورواته إلى مالك الدار ثقات مشهورون، ومالك الدار لا أعرفه؛ كذا في الترغيب. وقال الهيثمي: رواه الطبراني في الكبير، ومالك الدار لم أعرفه، وبقية رجاله ثقات. انتهى.
[*] أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن مالك أن عمر أرسل إلى أبي عبيدة بأربعة آلاف أو بأربع مئة دينار وقال للرسول انظر ما يصنع بها قال فقسمها أبو عبيدة ثم أرسل إلى معاذ بمثلها قال فقسمها الا شيئا قالت له امرأته نحتاج إليه فلما أخبر الرسول عمر قال الحمد لله الذي جعل في الإسلام من يصنع هذا.
(٨) خوف أبي عبيدة بن الجراح ﵁ وبكاؤه على بسط الدنيا:
стр. 614
أخرج أحمد عن أبي حَسَنة مسلمِ بن أكْيَس مولى عبد الله بن عامر عن أبي عبيدة بن الجراح ﵁ قال: ذَكَر من دخل عليه فوجده يبكي، فقال: ما يبكيك يا أبا عبيدة؟ قال: نبكي أنَّ رسول الله ﷺ ذكر يوماً ما يفتح الله على المسلمين ويفيء عليهم حتى ذكر الشام، فقال: "إن يُنسأ في أجلك يا أبا عبيدة فحسبك من الخدم ثلاثة: خادم يخدمك، وخادم يسافر معك، وخادم يخدم أهلك ويرد عليه. وحسبك من الدواب ثلاثة: دابة لرَحْلك، ودابة لنقلك، ودابة لغلامك"؛ ثم هذا أنا أنظر إلى بيتي قد امتلأ رقيقاً، وانظر إلى مربطي قد امتلأ رقيقاً، وانظر إلى مربطي قد امتلأ دوابَّ وخيلاً، فكيف ألقى رسول الله ﷺ بعد هذا؟ وقد أوصانا رسول الله ﷺ "إنَّ أحبكم إليَّ وأقربكم مني من لقيني على مثل الحال الذي فارقني عليها". قال الهيثمي رواه أحمد وفيه راوٍ لم يُسمَّ وبقية رجاله ثقات. انتهى. وأخرجه ابن عساكر نحوه، كما في المنتخب.
وصية أبي عبيدة بن الجراح ﵁ للمسلمين عند وفاته بالأردن:
عن سعيد بن المسيِّب قال: لما طُعِن أبو عبيدة ﵁ بالأردن دعا من حضره من المسلمين وقال: "إنِّي موصيكم بوصية إن قبلتموها لن تزالوا بخير: أقيموا الصلاة، وصوموا شهر رمضان، وتصدَّقوا، وحجُّوا، واعتمروا، وتواصَوا، وانصحوا لأمرائكم ولا تَغَشوهم؛ ولا تلهكمم الدنيا، فإنَّ أمرأ لو عُمِّر ألف حول ما كان له بدٌّ من أن يصير إلى مصرعي هذا الذي ترون، إن الله تعالى كتب الموت على بني آدم فهم ميتون، فأكْيَسهم أطوعهم لربه، وأعملهم ليوم معاده. والسلام عليكم ورحمة الله. يا معاذ بن جبل صلِّ بالناس".
ومات ﵀. فقام معاذ ﵁ في الناس فقال:
"أيها الناس، توبوا إلى الله من ذنوبكم، فأيُّما عبدٍ يلقى الله تعالى تائباً من ذنبه إلا كان على الله حقاً أن يغفر له. من كان عليه دَيْن فليقضِه، فإنَّ العبد مُرْتَهنٌ بدَيْنه. ومن أصبح منكم مهاجراً أخاه فليلقه فليصالحه، ولا ينبغي لمسلم أن يهجر أخاه أكثر من ثلاثة أيام. أيها المسلمون، قد فُجعتم برجل ما أزعم أني رأيت بعداً أبرَّ صدراً لا أبعد من الغائلة ولا أشد حباً للعامة ولا أنصح منه. فترحَّموا عليه. واحضروا الصلاة عليه".
كذا في الرياض النضرة في مناقب العشرة للمحب الطبري.
وفاة أبي عبيدة ﵁:
стр. 615
[*] أخرج الذهبي في سير أعلام النبلاء عن أبي حفص الفلاس قال: توفي أبو عبيدة في سنة ثمان عشرة وله ثمان وخمسون سنة وكان يخضب بالحناء والكتم وكان له عقيصتان وقال كذلك في وفاته جماعة وانفرد ابن عائذ عن أبي مسهر أنه قرأ في كتاب يزيد إبن عبيدة أن أبا عبيدة توفي سنة سبع عشرة.
ثانياً: صورٌ مشرقة من زهد أبي عبيدة بن الجراح ﵁ -:
لقد فهم أبي عبيدة ابن الجراح ﵁ من خلال معايشته للقرآن الكريم، ومصاحبته للنبي الأمين ﷺ ومن تفكره في هذه الحياة بأن الدنيا دار اختبار وابتلاء، وعليه فإنها مزرعة للآخرة، ولذلك تحرر من سيطرة الدنيا بزخارفها، و زينتها، وبريقها، وطلقها ثلاثة ونفض يديه منها، وخضع وانقاد وأسلم نفسه لربه ظاهرا وباطنا، فكانت الدنيا في يده ولم تقترب من قلبه الشريف، وقد وصل إلى حقائق استقرت في قلبه ساعدته على الزهد في هذه الدنيا ومن هذه الحقائق ما يلي:
(١) اليقين التام بأننا في هذه الدنيا أشبه بالغرباء، أو عابري سبيل كما قال النبى ﷺ : كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ.
(حديث بن عمر ﵄ الثابت في صحيح البخاري) قال: أخذ رسول الله ﷺ بمنكبي فقال: (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل). وكان ابن عمر يقول: إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك.
(٢) أن هذه الدنيا لا وزن لها ولا قيمة عند رب العزة إلا ما كان منها طاعة لله ﵎:
(حديث سهل بن سعد ﵁ الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال: لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء.
(حديث أبي هريرة في صحيح ابن ماجة) أنَّ رسول الله ﷺ قال: الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه وعالماً أو متعلما.
(٣) أن عمرها قد قارب على الانتهاء:
(حديث أنس ﵁ الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: بعثت أنا والساعة كهاتين قال وضم السبابة والوسطى.
(٤) أن الآخرة هى الباقية، وهى دار القرار:
كما قال مؤمن آل فرعون:
стр. 616
(يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ * مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ) [غافر: ٣٩، ٤٠]
كانت هذه الحقائق قد استقرت في قلب أبي بكر، فترِفَّع ﵁ عن الدنيا وحطامها وزهد فيها،
وهاك بعض صور زهده ﵁:
[*] كتب عمر إلى أبي عبيدة في الطاعون إنه قد عرضت لي حاجة ولا غنى بي عنك فيها فعجل إليَّ، فلما قرأ الكتاب قال: عرفت حاجة أمير المؤمنين إنه يريد أن يستبقي من ليس بباقٍ.
سبحان الله - هو عمر كان يحب جداً أبا عبيدة بن الجراح وكان يرى فيه أمانة الأمة كلها مجتمعة في هذا الرجل فلما علم أن الطاعون نزل بأرض الشام علم أنه لابد أن يهلك والأمة تحتاج لمثله فانظروا إلى فقه عمر ثم انظروا إلى ما أروع من ذلك فقه أبي عبيدة بن الجراح، عمر بن الخطاب لما علم أن الطاعون قد نزل في الأرض التي فيها أبو عبيدة قال: إني قد عرضت لي حاجة ولا غنى بي عنك - يعني أريدك أن تأتي حتى يُنقذه الله من الطاعون - وهذا كان خلاف السنة كما في الحديث الآتي:
(حديث أسامة ﵁ الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: الطاعون رجس، أرسل على طائفة من بني إسرائيل، أو: على من كان قبلكم، فإذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه).
فلما قرأ هذا الكتاب قال: عرفت حاجة أمير المؤمنين إنه يريد أن يستبقي من ليس بباقٍ، فكتب: إني قد عرفت حاجتك فحلّلِني من عزيمتك - يعني أنا في حلٍّ من أمرك - فإني في جند من أجناد المسلمين لن أرغب بنفسي عنهم، فلما قرأ عمر الكتاب بكى فقيل له مات أبو عبيدة؟ قال: لا وكأن قد، قال فتُوفي أبو عبيدة وانكشف الطاعون.
فانظر بعين البصيرة حرصه على تطبيق السنة بحذافيرها وعدم التفاته إلى الدنيا لأنها لا وزن لها عنده فلم تخطر له ببال ولا تدور في الخيال ولا يشغله إلا الموت على رضا الكبير المتعال، فقد وَعَى حقيقة الزهد بحذافيره وضرب أروع المثل في الزهد في الدنيا والعزوف عنها والرغبة في الآخرة والإقبال عليها ولا عجب فإنه أمين هذه الأمة بنص السنة الصحيحة.
стр. 617
[*] ولما تفرغ الصديق من حرب أهل الردة وحرب مسيلمة الكذاب جهز أمراء الأجناد لفتح الشام، فبعث أبا عبيدة ويزيد بن أبي سفيان وعمرو بن العاص وشرحبيل بن حسنة فتمت وقعة أجنادين بقرب الرملة ونصر الله المؤمنين فجاءت البشرى والصديق في مرض الموت، ثم كانت وقعة فِحْل ووقعة مرج الصُّفَّر وكان قد سير أبو بكر خالدا لغزو العراق ثم بعث إليه لجند الشام، فقطع المفاوز حتى برية السماوة، فأمَّره الصديق على الأمراء كلهم وحاصروا دمشق وتُوفي أبو بكر، فبادر عمر بعزل خالد، - وهذا الذي تبناه عمر دائماً أنه يعزل خالد بن الوليد ولكنه عاتب نفسه بعد ذلك حتى أنه بكى وقال رحم الله أبا بكر كان يعرف الرجال عني -، واستعمل على الكل أبا عبيدة فجاءه التقليد فكتمه مدة وكل هذا من دينه وحلمه - يعني عمر بن الخطاب عزل خالد وأمَّر أبا عبيدة ولكن أبو عبيدة حتى لا يفشل الجند وحتى لا تكون المسألة هوى في نفسه وأنه الأمير ويأتمرون بأمره ترك الكتاب جانبا نحا الكتاب جانبا وجعل الإمارة كما هي حتى انتهت المعركة فأبلغ خالد بما فعل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -. فكتم هذا الكتاب وكل هذا من دينه ولينه وحلمه وتواضعه وزهده وايثاره الخمول وإنكار الذات، فكان فتح دمشق على يده فعند ذلك أظهر التقليد ليعقد الصلح للروم ففتحوا له باب الجابية صلحا، وإذا بخالد قد افتتح البلد عنوة من الباب الشرقي فأمضى لهم أبو عبيدة الصلح فعن المغيرة أن أبا عبيدة صالحهم على أنصاف كنائسهم ومنازلهم، ثم كان أبو عبيدة رأس الإسلام يوم وقعة اليرموك، التي استأصل الله فيها جيوش الروم، وقُتِلَ منهم خلق عظيم.
فانظر بعين البصيرة كيف امتثل حقيقة الزهد وهو " ترك ما لا ينفعُ في الآخرة " فقد نئى بنفسه عن الاختلاف وعمل بأمانة وهو أمين حق أمين على جمع كلمة المسلمين نابذاً الدنيا وحظوظها وراء ظهره، فلم يحرص على أن يكون له المكانة ولا أن يمون هو الأمير لأنه آيةٌ في الزهد فلا يحرص على سلطان الدنيا بل ويفر منه فرار المجذوم من الأسد، وللأنه يعلم أن الحرص على المكانة والجاه والشرف في الدين يضر دينه ويفسده فساداً كبيراً أكبر من الفساد الحاصل من إطلاق ذئبان جائعان على غنم وتأمل في الحديث الآتي بعين الاعتبار:
(حديث كعب بن مالك في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال: ما ذئبان جائعان أُرسلا في غنم بأفسدَ لها من حرص المرء على المال و الشرف لدينه.
стр. 618
[*] قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير:
(ما) بمعنى ليس
(ذئبان جائعان) صفة له وفي رواية عاديان والعادي الظالم المتجاوز للحد
(أرسلا في غنم) الجملة في محل رفع صفة
(بأفسد) خبر ما والباء زائدة أي أشد فساداً والضمير في
(لها) للغنم واعتبر فيه الجنسية فلذا أنث وقوله
(من حرص المرء على المال والشرف) عطف على المال والمراد به الجاه والمنصب
(لدينه) اللام فيه للبيان، نحوها في قوله ﴿لمن أراد أن يتم الرضاعة﴾ فكأنه قيل هنا بأفسد لأي شيء؟ قيل لدينه، ذكره الطيبي،
فمقصود الحديث أن الحرص على المال والشرف أكثر إفساداً [ص ٤٤٦] للدين من إفساد الذئبين للغنم لأن ذلك الأشر والبطر يستفز صاحبه ويأخذ به إلى ما يضره وذلك مذموم لاستدعائه العلو في الأرض والفساد المذمومين شرعاً، قال الحكيم: وضع اللّه الحرص في هذه الأمة ثم زمه في المؤمنين بزمام التوحيد واليقين وقطع علائق الحرص بنور السبحات فمن كان حظه من نور اليقين ونور السبحات أوفر كان وثاق حرصه أوثق والحرص يحتاجه الآدمي لكن بقدر معلوم وإذا لم يكن لحرصه وثاق وهبت رياحه استفزت النفس فتعدى القدر المحتاج إليه فأفسد وعرف بعضهم الحرص بأنه مدد القوة الموضوعة في الآدمي ومثيرها وعمادها.
ومن الصور المشرقة من زهد أمين هذه الأمة أبي عبيدة بن الجراح:
أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب زار الشام، وسأل مستقبليه:
أين أخي .. ؟
فيقولون من .. ؟
فيجيبهم: أبو عبيدة بن الجراح
ويأتي أبو عبيدة، فيعانقه أمير المؤمنين عمر .. ثم يصحبه إلى داره، فلا يجد فيها من
الأثاث شيئا .. لا يجد إلا سيفه، وترسه ورحله ..
ويسأله عمر وهو يبتسم:
" ألا اتخذت لنفسك مثلما يصنع الناس" .. ؟
فيجيبه أبو عبيدة:
" يا أمير المؤمنين، هذا يبلّغني المقيل" .. !!
[*] أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن ابن عمر أن عمر حين قدم الشام قال لأبي عبيدة اذهب بنا إلى منزلك قال وما تصنع عندي ما تريد إلا أن تعصر عينيك علي قال فدخل فلم ير شيئا قال أين متاعك لا أرى إلا لبدا وصحفة وشنا وأنت أمير أعندك طعام فقام أبو عبيدة إلى جونة فأخذ منها كسيرات فبكى عمر فقال له أبو عبيدة قد قلت لك إنك ستعصر عينيك علي يا أمير المؤمنين يكفيك ما يبلغك المقيل قال عمر: غَيَّرَتْنا الدنيا كلنا غيرك يا أبا عبيدة.
قال الذهبي ﵀: وهذا والله هو الزهد الخالص لا زهد من كان فقيرا معدما.
стр. 619
[*] أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن مالك أن عمر أرسل إلى أبي عبيدة بأربعة آلاف أو بأربع مئة دينار وقال للرسول انظر ما يصنع بها قال فقسمها أبو عبيدة ثم أرسل إلى معاذ بمثلها قال فقسمها الا شيئا قالت له امرأته نحتاج إليه فلما أخبر الرسول عمر قال الحمد لله الذي جعل في الإسلام من يصنع هذا.
ومن الصور المشرقة من زهد أمين هذه الأمة أبي عبيدة بن الجراح:
أنه سار تحت راية الإسلام أنذى سارت، جنديّا، إن كان في الحراسة كان في الحراسة وإن كان في الساقة كان في الساقة، كأنه بفضله وبإقدامه الأمير .. وأميرا، كأن بتواضعه وبإخلاصه واحدا من عامة المقاتلين ..
وعندما كان خالد بن الوليد .. يقود جيوش الإسلام في إحدى المعارك الفاصلة الكبرى .. واستهل أمير المؤمنين عمر عهده بتولية أبي عبيدة مكان خالد ..
لم يكد أبا عبيدة يستقبل مبعوث عمر بهذا الأمر الجديد، حتى استكتمه الخبر، وكتمه هو في نفسه طاويا عليه صدر زاهد، فطن، أمين .. حتى أتمّ القائد خالد فتحه العظيم ..
وآنئذ، تقدّم إليه في أدب جليل بكتاب أمير المؤمنين!!
ويسأله خالد:
" يرحمك الله يا أبا عبيدة. و ما منعك أن تخبرني حين جاءك الكتاب" .. ؟؟
فيجيبه أمين الأمة:
" إني كرهت أن أكسر عليك حربك، وما سلطان الدنيا نريد، ولا للدنيا نعمل، كلنا في الله إخوة".!!!
ويصبح أبا عبيدة أمير الأمراء في الشام، ويصير تحت إمرته أكثر جيوش الإسلام طولا وعرضا .. عتادا وعددا
فما كنت تحسبه حين تراه إلا واحدا من المقاتلين .. وفردا عاديا من المسلمين ..
وحين ترامى إلى سمعه أحاديث أهل الشام عنه، وانبهارهم بأمير الأمراء هذا .. جمعهم وقام فيهم خطيبا ..
فانظروا ماذا قال للذين رآهم يفتنون بقوته، وعظمته، ومكانته ..
" يا أيها الناس: إني مسلم من قريش ..
وما منكم من أحد، أحمر، ولا أسود، يفضلني بتقوى إلا وددت أني في إهابه" .. ّّ
ثالثاً: نماذج من سير الزاهدين من أئمة التابعين رحمهم الله تعالى:
إن النفوس البشرية يصيبها الملل والسآمة والفتور، فكلل عن العمل وفتور عن الطاعة، لكنها ما إن يحدوها الحادي ويقودها الساعي ويذكرها الذاكر سير أولئك الأفذاذ وأخبار الأتقياء وإخبات الصالحين وخشوع الناسكين إلا وتنشط. ويبدأ عملها من جديد.
стр. 620
فإذا الفتور يصبح حماساً، والكلل يصير عملاً، ولذلك قال أبو حنيفة النعمان بن ثابت: لسير الصالحين أحب إلينا من كثير من الفقه، ذلك لأن الفقه وحده ودراسة العلوم وحدها دون مواعظ تلين لها القلوب أو تذكرة ترق لها الأسماع. تصبح القلوب أوعية للعلم ولا عمل، تصبح القلوب قاسية كالحجارة أو أشد قسوة فما أحوجنا أيها الأخوة وخاصة طلبة العلم لسير الصالحين وآدابهم واتباع سيرهم والاقتداء بسمتهم ودلّهم.
ولله درُّ من قال:
كرر علي حديثهم يا حادي ... فحديثهم يجلو الفؤاد الصادي.
، وإن حياة التابعين فيها مواقف عظيمة تدل على مدى قوة إيمان هؤلاء الناس فلقد ملأوا الدنيا نورا بعلمهم وبأخلاقهم واستطاعوا أن يغتنموا كل وقتهم في طاعة الله تعالى والتقرب إليه، وهاك سير كوكبة مباركة منهم فتأمل بعين في سِيَرِهِم بعينِ البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
سيرة أويس القرني خير التابعين:
أويس القرني خير التابعين، من أئمة الهدى وأعلام التقى ومصابيح الدجى، من حلية الأولياء وأعلام النبلاء، من الأضواء اللامعة والنجوم الساطعة.
اسم أويس القرني ونسبه:
أويس بن عامر بن جزء بن مالك بن عمرو بن سعد بن عصوان بن قرن المذحجي المرادي.
وقرن بطن من مراد.
﴿تنبيه﴾: أويس القرني: أبو عمرو: أويس، بن عامر، بن جزء، بن مالك، القرني، المرادي اليماني، من سادات التابعين، والأولياء الصالحين، أدرك زمن النبي ﷺ وأسلم ولكنه لم يلقه، منعه من السفر إليه بره بأمه كما حكى ذلك الحافظ أبو نعيم في " حلية الأولياء " (٢/ ٨٧) عن أصبغ بن زيد، فليس هو من الصحابة، وإنما هو من التابعين، ولد ونشأ في اليمن.
[*] مناقب أويس القرني ﵀:
[*] قال عنه الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء:
سيد العباد، وعلم الأصفياء من الزهاد؛ أويس بن عامر القرني. بشر النبي ﷺ به، وأوصى به أصحابه.
[*] قال عنه الإمام الذهبي في " سير أعلام النبلاء " (٤/ ١٩):
" القدوة الزاهد، سيد التابعين في زمانه، كان من أولياء الله المتقين، ومن عباده المخلصين".
وهاك غَيْضٍ من فيض ونقطةٍ من بحر مما ورد في مناقب أويس القرني رحمه الله تعالى جملةً وتفصيلاً:
أولاً مناقب أويس القرني جملةً:
(١) أويس القرني خير التابعين بنص السنة الصحيحة:
стр. 621
(٢) بحث عمر ﵁ عن أويس القرني وسؤاله أن يستغفر له:
(٣) زهد أويس القرني:
(٤) منزلة أويس القرني:
(٥) شهادة أويس القرني:
ثانياً مناقب أويس القرني تفصيلاً:
(١) أويس القرني خير التابعين بنص السنة الصحيحة:
(حديث جابر ﵁ الثابت في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: إن خير التابعين رجل يقال له أويس وله والدة وكان به بياض فمروه فليستغفر لكم.
(٢) بحث عمر ﵁ عن أويس القرني وسؤاله أن يستغفر له:
(حديث جابر ﵁ الثابت في صحيح مسلم) أن أهل الكوفة وفدوا إلى عمر وفيهم رجل ممن كان يسخر بأويس فقال عمر هل ها هنا أحد من القرنيين فجاء ذلك الرجل فقال عمر إن رسول الله ﷺ قد قال إن رجلا يأتيكم من اليمن يقال له أويس لا يدع باليمن غير أم له قد كان به بياض فدعا الله فأذهبه عنه إلا موضع الدينار أو الدرهم فمن لقيه منكم فليستغفر لكم.
стр. 622
(حديث جابر ﵁ الثابت في صحيح مسلم) قال * كان عمر بن الخطاب إذا أتى عليه أمداد أهل اليمن سألهم أفيكم أويس بن عامر حتى أتى على أويس فقال أنت أويس بن عامر قال نعم قال من مراد ثم من قرن قال نعم قال فكان بك برص فبرأت منه إلا موضع درهم قال نعم قال لك والدة قال نعم قال سمعت رسول الله ﷺ يقول يأتي عليكم أويس بن عامر مع أمداد أهل اليمن من مراد ثم من قرن كان به برص فبرأ منه إلا موضع درهم له والدة هو بها بر لو أقسم على الله لأبره فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل فاستغفر لي فاستغفر له فقال له عمر أين تريد قال الكوفة قال ألا أكتب لك إلى عاملها قال أكون في غبراء الناس أحب إلي قال فلما كان من العام المقبل حج رجل من أشرافهم فوافق عمر فسأله عن أويس قال تركته رث البيت قليل المتاع قال سمعت رسول الله ﷺ يقول يأتي عليكم أويس بن عامر مع أمداد أهل اليمن من مراد ثم من قرن كان به برص فبرأ منه إلا موضع درهم له والدة هو بها بر لو أقسم على الله لأبره فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل فأتى أويسا فقال استغفر لي قال أنت أحدث عهدا بسفر صالح فاستغفر لي قال استغفر لي قال أنت أحدث عهدا بسفر صالح فاستغفر لي قال لقيت عمر قال نعم فاستغفر له ففطن له الناس فانطلق على وجهه قال أسير وكسوته بردة فكان كلما رآه إنسان قال من أين لأويس هذه البردة.
(٣) زهد أويس القرني:
كان أويس زاهداً معرضاً عن ملذات الدنيا وزخارفها، وروي أنه كان لديه رداء يلبسه، إذا جلس مسَّ الأرض، وكان يردد قول (اللهم إني أعتذر إليك من كبد جائعة، وجسد عارٍ، وليس لي إلا ما على ظهري وفي بطني).
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم في الحلية عن الشعبي قال: مر رجل من مراد على أويس القرني، فقال: كيف أصبحت، قال: أصبحت أحمد الله، قال: كيف الزمان عليك، قال: كيف الزمان على رجل لو أصبح ظن أن لا يمسي، وإن أمسى ظن أن لا يصبح، فمنشر بالجنة، أو مبشر بالنار. يا أخا مراد إن الموت وذكره لم يدع لمؤمن فرحاً، وإن علمه بحقوق الله لم يترك له في ماله فضة ولا ذهباً، وإن قيامه بالحق لم يترك له صديقاً.
(٤) منزلة أويس القرني:
كانت لأويس منزلة رفيعة عند النبي والأئمة وهاك غيضٌ من فيض وقليلٌ من كثير مما ورد في ذلك:
стр. 623
(حديث جابر ﵁ الثابت في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: إن خير التابعين رجل يقال له أويس وله والدة وكان به بياض فمروه فليستغفر لكم.
بحث عمر ﵁ عن أويس القرني وسؤاله أن يستغفر له:
(حديث جابر ﵁ الثابت في صحيح مسلم) أن أهل الكوفة وفدوا إلى عمر وفيهم رجل ممن كان يسخر بأويس فقال عمر هل ها هنا أحد من القرنيين فجاء ذلك الرجل فقال عمر إن رسول الله ﷺ قد قال إن رجلا يأتيكم من اليمن يقال له أويس لا يدع باليمن غير أم له قد كان به بياض فدعا الله فأذهبه عنه إلا موضع الدينار أو الدرهم فمن لقيه منكم فليستغفر لكم.
(حديث جابر ﵁ الثابت في صحيح مسلم) قال * كان عمر بن الخطاب إذا أتى عليه أمداد أهل اليمن سألهم أفيكم أويس بن عامر حتى أتى على أويس فقال أنت أويس بن عامر قال نعم قال من مراد ثم من قرن قال نعم قال فكان بك برص فبرأت منه إلا موضع درهم قال نعم قال لك والدة قال نعم قال سمعت رسول الله ﷺ يقول يأتي عليكم أويس بن عامر مع أمداد أهل اليمن من مراد ثم من قرن كان به برص فبرأ منه إلا موضع درهم له والدة هو بها بر لو أقسم على الله لأبره فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل فاستغفر لي فاستغفر له فقال له عمر أين تريد قال الكوفة قال ألا أكتب لك إلى عاملها قال أكون في غبراء الناس أحب إلي قال فلما كان من العام المقبل حج رجل من أشرافهم فوافق عمر فسأله عن أويس قال تركته رث البيت قليل المتاع قال سمعت رسول الله ﷺ يقول يأتي عليكم أويس بن عامر مع أمداد أهل اليمن من مراد ثم من قرن كان به برص فبرأ منه إلا موضع درهم له والدة هو بها بر لو أقسم على الله لأبره فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل فأتى أويسا فقال استغفر لي قال أنت أحدث عهدا بسفر صالح فاستغفر لي قال استغفر لي قال أنت أحدث عهدا بسفر صالح فاستغفر لي قال لقيت عمر قال نعم فاستغفر له ففطن له الناس فانطلق على وجهه قال أسير وكسوته بردة فكان كلما رآه إنسان قال من أين لأويس هذه البردة.
[*] قال عنه الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء:
سيد العباد، وعلم الأصفياء من الزهاد؛ أويس بن عامر القرني. بشر النبي ﷺ به، وأوصى به أصحابه.
[*] قال عنه الإمام الذهبي في " سير أعلام النبلاء " (٤/ ١٩):
стр. 624
" القدوة الزاهد، سيد التابعين في زمانه، كان من أولياء الله المتقين، ومن عباده المخلصين".
[*] وقال عنه أحمد بن عبد الله الخزرجي الأنصاري في كتاب خلاصة تهذيب الكمال: أويس القرني سيد التابعين، وله مناقب مشهورة.
[*] عقد الإمام النووي ﵀ في شرح صحيح مسلم بابا في فضائله، وأورد تحته ما أخرجه الإمام مسلم ﵀ من أحاديث في فضله، منها حديث رقم (٢٥٤٢):
عنْ أُسَيْرِ بْنِ جَابِرٍ قَالَ:
(كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ إِذَا أَتَى عَلَيْهِ أَمْدَادُ أَهْلِ الْيَمَنِ سَأَلَهُمْ: أَفِيكُمْ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ؟ حَتَّى أَتَى عَلَى أُوَيْسٍ فَقَالَ: أَنْتَ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: مِنْ مُرَادٍ، ثُمَّ مِنْ قَرَنٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَكَانَ بِكَ بَرَصٌ فَبَرَأْتَ مِنْهُ إِلَّا مَوْضِعَ دِرْهَمٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ لَكَ وَالِدَةٌ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (يَأْتِي عَلَيْكُمْ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ مَعَ أَمْدَادِ أَهْلِ الْيَمَنِ، مِنْ مُرَادٍ، ثُمَّ مِنْ قَرَنٍ، كَانَ بِهِ بَرَصٌ فَبَرَأَ مِنْهُ إِلَّا مَوْضِعَ دِرْهَمٍ، لَهُ وَالِدَةٌ هُوَ بِهَا بَرٌّ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ، فَإِنْ اسْتَطَعْتَ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَكَ فَافْعَلْ) فَاسْتَغْفِرْ لِي. فَاسْتَغْفَرَ لَهُ. فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قَالَ: الْكُوفَةَ. قَالَ: أَلَا أَكْتُبُ لَكَ إِلَى عَامِلِهَا؟ قَالَ: أَكُونُ فِي غَبْرَاءِ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيَّ.
قَالَ: فَلَمَّا كَانَ مِنْ الْعَامِ الْمُقْبِلِ حَجَّ رَجُلٌ مِنْ أَشْرَافِهِمْ، فَوَافَقَ عُمَرَ، فَسَأَلَهُ عَنْ أُوَيْسٍ قَالَ: تَرَكْتُهُ رَثَّ الْبَيْتِ قَلِيلَ الْمَتَاعِ.
قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (يَأْتِي عَلَيْكُمْ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ مَعَ أَمْدَادِ أَهْلِ الْيَمَنِ، مِنْ مُرَادٍ ثُمَّ مِنْ قَرَنٍ، كَانَ بِهِ بَرَصٌ فَبَرَأَ مِنْهُ إِلَّا مَوْضِعَ دِرْهَمٍ، لَهُ وَالِدَةٌ هُوَ بِهَا بَرٌّ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ، فَإِنْ اسْتَطَعْتَ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَكَ فَافْعَلْ)
стр. 625
فَأَتَى أُوَيْسًا فَقَالَ: اسْتَغْفِرْ لِي. قَالَ: أَنْتَ أَحْدَثُ عَهْدًا بِسَفَرٍ صَالِحٍ فَاسْتَغْفِرْ لِي. قَالَ: اسْتَغْفِرْ لِي. قَالَ: أَنْتَ أَحْدَثُ عَهْدًا بِسَفَرٍ صَالِحٍ فَاسْتَغْفِرْ لِي. قَالَ: لَقِيتَ عُمَرَ؟ قَالَ: نَعَمْ فَاسْتَغْفَرَ لَهُ، فَفَطِنَ لَهُ النَّاسُ، فَانْطَلَقَ عَلَى وَجْهِهِ.
قَالَ أُسَيْرٌ: وَكَسَوْتُهُ بُرْدَةً، فَكَانَ كُلَّمَا رَآهُ إِنْسَانٌ قَالَ: مِنْ أَيْنَ لِأُوَيْسٍ هَذِهِ الْبُرْدَةُ؟)
[*] كما عقد الإمام الحاكم في " المستدرك " (٣/ ٤٥٥) بابا في مناقبه، وقال عنه: " أويس راهب هذه الأمة " انتهى.
ولعل من أعظم ما روي في مناقبه الأحاديث الواردة في شفاعة رجل من أمة محمد ﷺ لأناس كثيرين، وقد جاءت من روايات كثيرة، أصحها حديث عبد الله بن أبي الجدعاء مرفوعا:
(حديث عبد الله بن أبي الجدعاء ﵁ الثابت في صحيحي الترمذي وابن ماجه) أن النبي ﷺ قال: ليدخلن الجنة بشفاعة رجل من أمتي أكثر من بني تميم.
[*] فقد صح عن الحسن البصري أن هذا الشافع هو أويس القرني.
[*] قد ذكر العلماء في ترجمته بعض القصص التي تدل على صلاحه وزهده ﵀، ومن أشهر مَن روى ذلك الحافظ أبو نعيم في كتابه العظيم " حلية الأولياء "، فكان مما جاء فيه بسنده (٢/ ٧٩) عن أبي نضرة عن أسير بن جابر قال: " كان محدث بالكوفة يحدثنا، فاذا فرغ من حديثه يقول: تفرقوا. ويبقى رهط فيهم رجل يتكلم بكلام لا أسمع أحدا يتكلم بكلامه، فأحببته، ففقدته، فقلت لأصحابي: هل تعرفون رجلا كان مجالسنا كذا وكذا؟ فقال: رجل من القوم: نعم أنا أعرفه، ذاك أويس القرني. قلت: أفتعرف منزله؟ قال: نعم. فانطلقت معه حتى جئت حجرته، فخرج إلي فقلت: يا أخي ما حبسك عنا؟ قال: العري. قال: وكان أصحابه يسخرون به ويؤذونه. قال: قلت: خذ هذا البرد فالبسه. قال: لا تفعل، فإنهم إذًا يؤذونني إذا رأوه. قال: فلم أزل به حتى لبسه، فخرج عليهم، فقالوا: مَن ترون خدع عن برده هذا. فجاء فوضعه فقال: أترى!
قال: فأتيت المجلس فقلت: ما تريدون من هذا الرجل! قد آذيتموه، الرجل يعرى مرة ويكتسي مرة. قال: فأخذتهم بلساني أخذا شديدا " انتهى.
وكان لأويس القرني كثير من الكلمات النورانية التي تفيض بالحكمة والموعظة:
[*] قال سفيان الثوري: كان لأويس القرني رداء إذا جلس مس الأرض وكان يقول:
стр. 626
" اللهم إني أعتذر إليك من كل كبد جائعة، وجسد عار، وليس لي إلا ما على ظهري وفي بطني " انتهى. رواه الحاكم في " المستدرك " (٣/ ٤٥٨)
ومن كلامه أيضا ﵀ في الحث على الخوف من الله ودوام مراقبته:
" كن في أمر الله كأنك قتلت الناس كلهم " انتهى.
رواه الحاكم في " المستدرك " (٣/ ٤٥٨)
[*] وأخرج الحافظ أبو نعيم في الحلية عن أصبغ بن زيد قال:" كان أويس القرني إذا أمسى يقول: هذه ليلة الركوع، فيركع حتى يصبح، وكان يقول إذا أمسى: هذه ليلة السجود، فيسجد حتى يصبح. وكان إذا أمسى تصدق بما في بيته من الفضل من الطعام والثياب ثم يقول: اللهم من مات جوعا فلا تؤاخذني به، ومن مات عريانا فلا تؤاخذني به " انتهى.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم في الحلية عن الشعبي قال: الشعبي قال: مر رجل من مراد على أويس القرني، فقال: كيف أصبحت، قال: أصبحت أحمد الله، قال: كيف الزمان عليك، قال: كيف الزمان على رجل لو أصبح ظن أن لا يمسي، وإن أمسى ظن أن لا يصبح، فمنشر بالجنة، أو مبشر بالنار. يا أخا مراد إن الموت وذكره لم يدع لمؤمن فرحاً، وإن علمه بحقوق الله لم يترك له في ماله فضة ولا ذهباً، وإن قيامه بالحق لم يترك له صديقاً.
(٥) شهادة أويس القرني:
قاتل أويس القرني ﵀ بين يدي أمير المؤمنين على بن أبي طالب في وقعة صفين حتى استشهد أمامه، فلما سقط نظروا إلى جسده الشريف، فإذا به أكثر من أربعين جرح بين طعنة وضربة ورمية.
وكانت شهادته ﵀ في سنة (٣٧ هـ.)
وفاة أويس القرني ﵀:
وأكثر أهل العلم يذهبون إلى أن وفاته كانت يوم صفين سنة (٣٧هـ)، حيث قاتل مع علي بن أبي طالب ﵁ واستشهد هناك، أسند ذلك الحاكم في " المستدرك " (٣/ ٤٦٠) إلى شريك بن عبد الله وعبد الرحمن بن أبي ليلى وغيرهما.
وذكر آخرون أنه غزا أذربيجان فاستشهد هناك. انظر: " حلية الأولياء " (٢/ ٨٣).
والأول عليه الأكثر، والله أعلم.
سيرة الربيع بن خثيم ﵀:
اسم الربيع بن خثيم ونسبه:
الإمام القدوة العابد أبو يزيد الربيع بن خثيم الثوريُّ الكوفيُّ
تلميذ عبد الله بن مسعود ﵁، كان إذا رآه قال: " يا أبا يزيد لو رآك رسول الله ﷺ لأحبك، وما رأيتك إلا ذكرت المخبتين ".
وكفى بهذا شهادة من الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود رضى الله عنه.
[*] مناقب الربيع بن خثيم ﵀:
стр. 627
كان الربيع بن خثيم ﵀ من أئمة التابعين، من أئمة الهدى وأعلام التقى ومصابيح الدجى، من حلية الأولياء وأعلام النبلاء، من الأضواء اللامعة والنجوم الساطعة.
وهاك غَيْضٍ من فيض ونقطةٍ من بحر مما ورد في مناقبه رحمه الله تعالى جملة ً وتفصيلا:
أولاً مناقب الربيع بن خثيم جملة:
(١) ثناء العلماء على الربيع بن خثيم ﵀:
(٢) خشية الربيع بن خثيم لله تعالى:
(٣) إنشغال الربيع بن خثيم بنفسه عن عيوب الناس:
(٤) وصية الربيع بن خثيم عند موته:
(٥) من دُررِ مواعظ الربيع بن خثيم:
(٦) ترك الربيع بن خثيم لفضول المخالطة:
(٧) تواضع الربيع بن خثيم ﵀:
(٨) حفظ الربيع بن خثيم للسانه:
(٩) حرص الربيع بن خثيم على صلاة الجماعة:
(١٠) اجتهاد الربيع بن خثيم في قيام الليل:
(١١) إخفاء الربيع بن خيثم للعمل:
ثانياً مناقب الربيع بن خثيم تفصيلا:
(١) ثناء العلماء على الربيع بن خثيم ﵀:
[*] قال عنه الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء:
ومنهم المخبت الورع، المتثبت القنع، الحافظ لسره، الضابط لجهره، المعترف بذنبه، المفتقر إلى ربه، أبو يزيد الربيع بن خثيم، أحد الثمانية من الزهاد.
[*] وقال عنه الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء:
الربيع بن خيثم ابن عائذ الإمام القدوة العابد أبو يزيد الثوري الكوفي أحد الأعلام أدرك زمان النبي ﷺ وأرسل عنه وروى عن عبد الله بن مسعود وأبي أيوب الأنصاري وعمرو بن ميمون وهو قليل الرواية إلا أنه كبير الشأن حدث عنه الشعبي وإبراهيم النخعي وهلال بن يساف ومنذر الثوري وهبيرة بن خزيمة وآخرون وكان يعد من عقلاء الرجال روى عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود قال كان الربيع بن خثيم إذا دخل على ابن مسعود لم يكن له إذن لأحد حتى يفرغ كل واحد من صاحبه فقال له ابن مسعود يا أبا يزيد لو راك رسول الله ﷺ لأحبك وما رأيتك إلا ذكرت المخبتين فهذه منقبة عظيمة للربيع أخبرني بها إسحاق الأسدي.
стр. 628
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود، قال: كان الربيع بن خثيم إذا دخل على عبد الله بن مسعود لم يكن عليه إذن لأحد حتى يفرغ كل واحد من صاحبه، قال: فقال عبد الله: يا أبا يزيد لو رآك رسول الله ﷺ لأحبك، وما رأيتك حتى رأيت المخبتين.
[*] وأخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن ياسين الزيات، قال: جاء ابن الكواء إلى الربيع بن خثيم، قال: دلني على من هو خير منك، قال: نعم من كان منطقه ذكراً، وصمته تفكراً وسيره تدبراً، فهو خير مني.
[*] وأخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن علقمة بن مرثد، قال: انتهى الزهد إلى ثمانية من التابعين فأما الربيع بن خثيم فقيل له حين أصابه الفالج: لو تداويت، فقال: لقد علمت أن الدواء حق ولكن ذكرت عاداً وثموداً وأصحاب الرس وقروناً بين ذلك كثيراً كانت فيهم الأوجاع وكانت لهم الأطباء فلا المداوي بقي ولا المداوى، فقيل له: ألا تذكر الناس؟ قال: ما أنا عن نفسي براض فأتفرغ من ذمها إلى ذم الناس، إن الناس خافوا الله تعالى في ذنوب الناس وأمنوا على ذنوبهم، وقيل له: كيف أصبحت؟ قال: أصبحنا مذنبين، نأكل أرزاقنا، وننتظر آجالنا. وكان ابن مسعود إذا رآه قال: وبشر المخبتين، أما إن محمداً ﷺ لو رآك لأحبك. وكان الربيع يقول: أما بعد فأعد زادك، وخذ في جهادك، وكن وصي نفسك.
[*] وأخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن سفيان، قال: أخبرتني سرية الربيع بن خثيم، قالت: كان عمل الربيع كله سراً، إن كان ليجيء الرجل وقد نشر المصحف فيغطيه بثوبه.
[*] وأخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن عن الشعبي وذكر أصحاب عبد الله فقال: أما الربيع فأورعهم ورعاً.
[*] وأخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن منذر الثوري، قال: كان الربيع إذا أتاه الرجل يسأله، قال: اتق الله فيما علمت، وما استؤثر عليك فكله إلى عالمه، لأن عليكم في العمد أخوف مني عليكم في الخطأ، وما خيرتكم اليوم بخير، ولكنه خير من آخر شر منه، وما تتبعون الخير حق اتباعه، وما تفرون من الناس حق فراره، ولا كل ما أنزل إلى محمد ﷺ أدركتم، ولا كل ما تقرءون تدرون ما هو؟ ثم يقول: السرائر السرائر اللاتي تخفين من الناس وهن لله تعالى بواد، التمسوا دواءهن، ثم يقول: وما دواؤهن إلا أن تتوب ثم لا تعود.
стр. 629
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن نسير بن ذعلوق، قال: كان الربيع بن خثيم يبكي حتى تبل لحيته دموعه فيقول: أدركنا أقواماً كنا في جنبهم لصوصاً.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن فضيل بن عياض، يقول: كان الربيع بن خثيم يقول في دعائه: أشكو إليك حاجة لا يحسن بثها إليك، وأستغفر منها وأتوب إليك.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن أبي يعلى، قال: كان الربيع إذا قيل له: كيف أصبحتم، يقول: ضعفاء مذنبين نأكل أرزاقنا وننتظر آجالنا.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن ابن سيرين، عن الربيع بن خثيم، قال: أقلوا الكلام إلا بتسع: تسبيح، وتكبير، وتهليل، وسؤالك الخير، وتعوذك من الشر، وأمرك بالمعروف، ونهيك عن المنكر، وقراءة القرآن.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن سفيان، قال: صحبنا الربيع بن خثيم عشرين سنة فما تكلم إلا بكلمة تصعد. وقال آخر صحبته سنتين فما كلمني إلا كلمتين.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن سفيان الثوري، عن رجل من بني تيم الله. قال: جالست الربيع عشر سنين فما سمعته يسأل عن شيء من أمر الدنيا إلا مرتين، قال مرة: والدتك حية؟ وقال مرة: كم لكم مسجداً.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن مبارك بن سعيد، عن أبيه، قال: قيل لأبي وائل: أأنت أكبر أم الربيع بن خثيم؟ قال: أنا أكبر منه سناً، وهو أكبر مني عقلاً.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن عن رجل من أسلم من المبكرين إلى المسجد، قال: كان الربيع بن خثيم إذا سجد كأنه ثوب مطروح، فتجيء العصافير فتقع عليه.
[*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن الشعبي حدثنا الربيع وكان من معادن الصدق.
[*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن ياسين الزيات قال جاء ابن الكواء إلى الربيع بن خثيم فقال دلني على من هو خير منك قال نعم من كان منطقه ذكر وصمته تفكرا ومسيره تدبرا فهو خير مني.
(٢) خشية الربيع بن خثيم رحمه لله تعالى:
стр. 630
كان الربيع بن خثيم رحمه لله تعالى مثلاً أعلى في خشيته لله تعالى ولعل من أبرز المواقف التي تُظهرُ ذلك ظهوراً جلياً موقفه الشريف عندما تعرضت له امرأةٌ بارعة الجمال، فكان موقفه منها موقف الرجل التقي النقي العفيف الحيي الحر الأبيِّ وليس موقف الفاجر الشقي العتي الغوي الذي يسير أسيراً ذليللاً وراء شهواته وهاك الموقف فتأمله بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
أمرَ قومٌ امرأةً ذات جمال بارع أن تتعرض للربيع ابن خيثم لعلها تفتنه، وجعلوا لها إن فعلت ذلك ألف درهم!
فلبست أحسن ما قدرت عليه من الثياب، وتطيبت بأطيب ما قدرت عليه، ثم تعرضت له حين خرج من مسجده. فنظر إليها، فراعه أمرها، فأقبلت عليه وهي سافرة.
فقال لها الربيع: كيف بك لو قد نزلت الحمى بجسمك، فغيرت ما أرى من لونك وبهجتك؟ أم كيف بك لو قد نزل بك ملك الموت، فقطع منك حبل الوتين؟
أم كيف بك لو سألك منكر ونكير؟
فصرخت المرأة صرخة، فخرت مغشيا عليها، فوالله لقد أفاقت، وبلغت من عبادة ربها ما أنها كانت يوم ماتت كأنها جذع محترق.
﴿تنبيه﴾: للافتتان بالمرأة شرطان متلازمان:
(١) أن تخضع بالقول
(٢) أن يكون الرجل في قلبه مرض مصداقاً لقوله تعالى: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا﴾ (سورة الأحزاب/٣٢)
فالمرأةُ خضعت بالقول لكن الربيع ابن خيثم لم يكن في قلبه مرض كحال الذين يسيل لعابهم وراء الشهوات والعياذ بالله فحصل له النجاة لذلك.
ودونك ما تيسر من المواقف الأخرى الدالة على مدى خشية الربيع بن خثيم رحمه لله تعالى:
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن بكر بن ماعز، قال: انطلق الربيع بن خثيم وعبد الله بن مسعود إلى شاطئ الفرات فمر بتلك الحدادين فلما رأى تلك النيران خر مغشياً عليه، فرجع إليه فقال: يا ربيع، فلم يجبه، فانطلق فصلى بالناس العصر ثم رجع إليه، فقال: يا ربيع يا ربيع، فلم يجبه، ثم انطلق فصلى بالناس المغرب ثم رجع، فقال: يا ربيع يا ربيع، فلم يجبه، حتى ضربه برد السحر.
стр. 631
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن أبي وائل، قال: خرجنا مع عبد الله بن مسعود ومعنا الربيع بن خثيم، فمررنا على حداد فقام عبد الله ينظر حديدة في النار، فنظر ربيع إليها فتمايل ليسقط، فمضى عبد الله حتى أتينا على أتون على شاطئ الفرات فلما رأى عبد الله والنار تلتهب في جوفه قرأ قوله تعالى: (إِذَا رَأَتْهُمْ مّن مّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُواْ لَهَا تَغَيّظاً وَزَفِيراً * وَإَذَآ أُلْقُواْ مِنْهَا مَكَاناً ضَيّقاً مّقَرّنِينَ دَعَوْاْ هُنَالِكَ ثُبُوراً) [الفرقان ١٢: ١٣]. قال: فصعق الربيع فاحتملناه فجئنا به إلى أهله، قال: ثم رابطه إلى المغرب قلم يفق، ثم أنه أفاق فرجع عبد الله إلى أهله.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن مالك بن دينار يقول: قالت ابنة الربيع للربيع: يا أبت لما لا تنام والناس ينامون؟ فقال: إن البيات النار لا تدع أباك أن ينام.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن غسان بن المفضل الغلابي، قال: سمعت من يذكر أن الربيع بن خثيم كان بالأهواز ومعه صاحب له، فنظرت إليه امرأة فتعرضت له فدعته إلى نفسها، فبكى الشيخ، فقال له صاحبه: ما يبكيك؟ قال: إنها تطمع في شيخين ألا رأت شيوخاً مثلنا.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن عبد الرحمن بن عجلان، قال: بت عند الربيع بن خثيم ذات ليلة فقام يصلي. فمر بهذه الآية: (أَمْ حَسِبَ الّذِينَ اجْتَرَحُواْ السّيّئَاتِ أَن نّجْعَلَهُمْ كَالّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصّالِحَاتِ سَوَآءً مّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ) [الجاثية: ٢١]. فمكث ليلته حتى أصبح ما جاوز هذه الآية إلى غيرها ببكاء شديد.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن حماد الأصم الحماني، عمن حدثه، عن بعض أصحاب الربيع، قال: ربما علمنا شَعَرَهُ عند المساء وكان ذا وفرة ثم يصبح والعلامة كما هي، فيعرف أن الربيع لم يضع جنبه ليلة على فراشه.
стр. 632
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن سفيان، قال: بلغنا أن أم الربيع بن خثيم كانت تنادي ابنها الربيع فتقول: يا بني يا ربيع ألا تنام؟ فيقول: يا أمه من جن عليه الليل وهو يخاف البيات حق له أن لا ينام. قال: فلما بلغ ورأت ما يلقى من البكاء والسهر نادته فقالت: يا بني لعلك قتلت قتيلا؟ فقال: نعم يا والدة قد قتلت قتيلاً. قالت: ومن هذا القتيل يا بني حتى يتحمل على أهله فيعفون؟ والله لو يعلمون ما تلقى من البكاء والسهر بعد لقد رحموك، فيقول: يا والدة هي نفسي.
(٣) إنشغال الربيع بن خثيم بنفسه عن عيوب الناس:
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن عبد الله بن محمد الكواء، أنه قال للربيع: ما تراك تعيب أحداً ولا تذمه؟ فقال: ويلك يا ابن الكواء ما أنا عن نفسي براض فأتفرغ من ذنبي إلى حديث، إن الناس خافوا الله تعالى على ذنوب الناس وآمنوه على نفوسهم.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن عن بكر بن ماعز، قال: قال الربيع بن خثيم: الناس رجلان مؤمن وجاهل، فأما المؤمن فلا تؤذه، وأما الجاهل فلا تجاهله.
(٤) وصية الربيع بن خثيم عند موته:
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن ربيع بن خيثم أنه أوصى عند موته، فقال: هذا ما أوصى به الربيع على نفسه وأشهد الله عليه وكفى به شهيداً، وجازياً لعباده الصالحين ومثيباً، إني رضيت بالله رباً، وبمحمد نبياً، وبالإسلام ديناً، ورضيت لنفسي ومن أطاعني بأن أعبد الله في العابدين، وأحمده في الحامدين، وأنصح لجماعة المسلمين.
(٥) من دُررِ مواعظ الربيع بن خثيم:
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن عبد الملك بن الأصبهاني، عن جدته، عن الربيع بن خثيم، أنه قال لأصحابه: تدرون ما الداء والدواء والشفاء؟ قالوا: لا، قال: الداء الذنوب، والدواء الاستغفار، والشفاء أن تتوب ثم لا تعود.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن سفيان يقول: قال الربيع بن خثيم: أريدوا بهذا الخير الله تنالوه لا بغيره، وأكثروا ذكر هذا الموت الذي لم تذوقوا قبله مثله، فإن الغائب إذا طالت غيبته وجبت محبته، وانتظره أهله، وأوشك أن يقدم عليهم.
стр. 633
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الربيع بن المنذر، عن أبيه، قال: قال الربيع: يا منذر، قلت: لبيك، قال: لا يغرنك كثرة ثناء الناس من نفسك فإنه خالص إليك عملك.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن أبي يعلى، عن الربيع بن خثيم، قال: ما غائب ينتظره المؤمن خير من الموت.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن عن بكر بن ماعز، قال: كان الربيع يقول: أكثروا ذكر هذا الموت الذي لم تذوقوا قبله مثله.
(٦) ترك الربيع بن خثيم لفضول المخالطة:
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن حسن يعني ابن صالح قال: قيل للربيع بن خثيم: لو جالستنا؟ فقال: لو فارق ذكر الموت قلبي ساعة فسد علي.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الشعبي، قال: ما جلس الربيع في مجلس منذ تأزر، وقال: أخاف أن يظلم رجلاً فلا أنصره، أو يعتدي رجل على رجل فأكلف عليه الشهادة، ولا أغض البصر، ولا أهدي السبيل أو يقع الحامل فلا أحمل عليه.
(٧) تواضع الربيع بن خثيم ﵀:
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن منذر، عن الربيع بن خثيم: أنه كان يكنس الحش بنفسه، فقيل له: إنك تكفي هذا، قال: إني أحب أن آخذ نصيبي من المهنة.
[*] وأخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن ياسين الزيات، قال: جاء ابن الكواء إلى الربيع بن خثيم، قال: دلني على من هو خير منك، قال: نعم من كان منطقه ذكراً، وصمته تفكراً وسيره تدبراً، فهو خير مني.
(٨) حفظ الربيع بن خثيم للسانه:
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن بلال بن المنذر، قال: قال رجل: إن لم أستخرج اليوم سيئة من الربيع لأحد لم أستخرجها أبداً، قال: قلت: يا أبا يزيد قتل ابن فاطمة ﵉، قال: فاسترجع ثم تلا هذه الآية: قل اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا يختلفون. قال: قلت: ما تقول؟ قال: ما أقول: إلى الله إيابهم وعلى الله حسابهم.
(٩) حرص الربيع بن خثيم على صلاة الجماعة:
стр. 634
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن أبو حيان، قال: حدثني أبي، قال: كان الربيع بعد ما سقط شقه يهادى بين رجلين إلى مسجد قومه، وكان أصحاب عبد الله يقولون: يا أبا يزيد لقد رخص الله لك لو صليت في بيتك، فيقول: إنه كنا تقولون، ولكني سمعته ينادي حي على الفلاح، فمن سمع منكم ينادي حي على الفلاح فليجبه ولو زحفاً، ولو حبوا.
[*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن أبي حيان عن أبيه قال كان الربيع بن خثيم يقاد إلى الصلاة وبه الفالج فقيل له قد رخص لك قال إني أسمع وحي على الصلاة فإن استطعتم أن تأتوها ولو حبوا.
(١٠) اجتهاد الربيع بن خثيم في قيام الليل:
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن عبد الرحمن بن عجلان، قال: بت عند الربيع بن خثيم ذات ليلة فقام يصلي. فمر بهذه الآية: (أَمْ حَسِبَ الّذِينَ اجْتَرَحُواْ السّيّئَاتِ أَن نّجْعَلَهُمْ كَالّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصّالِحَاتِ سَوَآءً مّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ) [الجاثية: ٢١]. فمكث ليلته حتى أصبح ما جاوز هذه الآية إلى غيرها ببكاء شديد.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن حماد الأصم الحماني، عمن حدثه، عن بعض أصحاب الربيع، قال: ربما علمنا شَعَرَهُ عند المساء وكان ذا وفرة ثم يصبح والعلامة كما هي، فيعرف أن الربيع لم يضع جنبه ليلة على فراشه.
[*] وأورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن ابنة الربيع قالت كنت أقول يا أبتاه ألا تنام فيقول كيف ينام من يخاف البيات.
(١١) إخفاء الربيع بن خيثم للعمل:
كان الربيع بن خيثم آيةًً في إخفاء العمل بمتثل قول النبي ﷺ في الحديث الآتي:
(حديث سعد ابن أبي وقاص في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي.
الغني: الغني عن الناس
الخفي: من لا يريد علواً في الأرض ولا مناصب ولا جاه. الخامل المنقطع إلى العبادة والانشغال بأمور نفسه.
[*] وأخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن سفيان، قال: أخبرتني سرية الربيع بن خثيم، قالت: كان عمل الربيع كله سراً، إن كان ليجيء الرجل وقد نشر المصحف فيغطيه بثوبه.
стр. 635
﴿تنبيه﴾: عمل الخلوة كان أحب إلى السلف من عمل الجلوة، وكان السلف يستحبون أن يكون للرجل خبيئة من عمل صالح لا يعلم عنها زوجة ولا غيرها، امتثالاً للحديث الآتي:
(حديث الزبير بن العوام في صحيح الجامع أن النبي ﷺ قال: من استطاع منكم أن يكون له خَبِءٌ من عمل صالح فليفعل.
خَِبٌِء من عمل صالح: أي من الأعمال الخفيّة التي لا يطّلع عليها أحد من الناس, خالية من الرياء, فتكون خالصة لله تبارك و تعالى مثل صلاة النافلة في جوف الليل أو صدقة السر أو أي عمل آخر من الأعمال الصالحة.
وفاة الربيع بن خيثم:
[*] قال الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء: قيل توفي الربيع بن خيثم سنة خمس وستين.
سيرة أبي مسلم الخولاني ﵀:
اسم أبي مسلم الخولاني ونسبه:
[*] قال الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء:
اسمه على الأصح عبد الله بن ثوب وقيل اسمه عبد الله بن عبد الله وقيل عبد الله بن ثواب وقيل ابن عبيد ويقال اسمه يعقوب بن عوف قدم من اليمن وقد أسلم في أيام النبي ﷺ فدخل المدينة في خلافة الصديق.
مناقب أبي مسلم الخولاني رحمه الله تعالى:
كان من أئمة التابعين، من أئمة الهدى وأعلام التقى ومصابيح الدجى، من حلية الأولياء وأعلام النبلاء، من الأضواء اللامعة والنجوم الساطعة.
وهاك غَيْضٍ من فيض ونقطةٍ من بحر مما ورد في مناقب أبي مسلم الخولاني جملةً وتفصيلا:
أولاً مناقب أبي مسلم الخولاني جملةً:
(١) ثناء العلماء على أبي مسلم الخولاني:
(٢) نصح أبي مسلم الخولاني للولاة:
(٣) زهد أبي مسلم الخولاني في الدنيا:
(٤) اجتهاد أبي مسلم الخولاني في العبادة:
(٥) النار لم تضر أبو مسلم الخولاني حين طُرِح فيها:
(٦) أبو مسلم الخولاني مستجاب الدعوة:
ثانياً مناقب أبي مسلم الخولاني تفصيلا:
(١) ثناء العلماء على أبي مسلم الخولاني:
[*] قال عنه الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء:
ومنهم المتخلي عن الهموم والكرب، المتسلي بالأوراد والنوب، الخولاني أبو مسلم عبد الله بن ثوب، حكيم الأمة وممثلها، ومديم الخدمة ومحررها.
[*] قال عنه الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء: