← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 36379

أصول الفقه الذي لا يسع الفقيه جهله

عياض السلمي

Полный текст (493 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

الحصر أنه متواتر، ولكن مثل هذا لا وجود له في الأحاديث النبوية، ولهذا نجدهم يمثلون له بالخبر بوجود مكة والمدينة ونحو ذلك مما لا يتصور فيه الخلاف. والذين عرّفوه بأنه ما أفاد القطع، لا بد أن يعترفوا أن الخبر قد يتواتر عند شخص ولا يتواتر عند غيره، فقد يقطع شخص بصدقه ولا يقطع الآخر، وحينئذ لا يمكن أن نرتب على هذا التقسيم تكفير المخالف للخبر إذا قال إن الحديث لم يتواتر عندي ولم أقطع بصحته عن الرسول ﷺ . وهذا قد دعا بعض العلماء إلى إنكار التقسيم من أساسه، وعدم التعويل عليه، وعدم التفريق بين ما سماه المحدثون متواترا وما سموه آحادا متى صح سنده، وقالوا: العبرة بصحة الخبر، فمتى صح وجب العمل به قطعا. وينقسم الخبر من حيث صحته إلى ثلاثة أقسام: صحيح، وحسن، وضعيف: ١ ـ الصحيح: وهو ما رواه عدل تام الضبط عن مثله إلى رسول الله ﷺ ، وسَلِم من الشذوذ والعلة القادحة. ومعنى قولهم: (عدل)، أي: مرضي في دينه وخلقه، وهو المواظب على الواجبات المجتنب للكبائر وما يخل بالمروءة من الصغائر. وقولهم: (تام الضبط)، أي: أنه يغلب عليه حفظ ما سمعه من الحديث وعدم مخالفة الثقات في ذلك. وقولهم: (عن مثله)، أي: أن رجال السند لا بد أن يكونوا كذلك من لدن الراوي الذي نقل لنا الحديث إلى رسول الله ﷺ . وقولهم: (وسلم من الشذوذ والعلة القادحة): الشذوذ: هو مخالفة الراوي للثقات الأثبات.

стр. 107

والعلة القادحة: وصف خفي يوجب رد الحديث. وهذا لم يضبطه المحدثون بضابط محدد، وإنما ذكروا أمثلة للأحاديث المعلة كما فعل الترمذي في علل الحديث، وفعله غيره من علماء الحديث. ويصرح كبار النقاد من المحدثين بأن نقد الحديث صناعة لا يتقنها إلا أهلها، ويدل على ذلك القصة المنقولة عن أبي حاتم الرازي حين أعل بعض الأحاديث، فقال له السائل: تدعي علم الغيب؟ قال: ما هذا ادعاء علم الغيب، قال: فما الدليل على ما تقول؟ قال: سل عما قلت من يحسن مثل ما أحسن، فإن اتفقنا علمت أنا لم نجازف ولم نقله إلا بفهم، فذهب السائل إلى أبي زرعة فسأله فوجد جوابه مطابقا لجواب أبي حاتم، ثم رجع إلى أبي حاتم وقال: ما أعجب هذا! تتفقان من غير مواطأة فيما بينكما (١). وأما الأصوليون فقد ذكروا صفات يُرَدّ لها خبر الآحاد عند بعض العلماء، وهذا من قبيل إعلال الحديث بعلة قادحة عند من رد الحديث لأجلها، ومن ذلك أن الحنفية قالوا إذا انفرد الراوي برواية ما تعم به البلوى فلا يقبل حديثه، ومثلوا له بحديث: الوضوء من مس الذكر، وحديث: إيجاب الوضوء من أكل لحم الإبل. وقالوا هم وغيرهم إذا انفرد بما تتوافر الدواعي على نقله من العدد الكثير لا تقبل روايته، وإذا خالف خبر الآحاد النص الصريح من القرآن لا يقبل، ومثلوا للأول بما يحتج به الشيعة على أن الرسول ﷺ عهد لعلي بن أبي طالب ﵁ بالخلافة بعده، وللثاني بما رواه عمر وابنه ﵄ أن النبي ﷺ قال: «إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه» متفق عليه. فإن عائشة ﵂ ردت

стр. 108

الحديث لمعارضته لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [فاطر١٨]، وقالت: يغفر الله لأبي عبد الرحمن، أما إنه لم يكذب ولكنه نسي أو أخطأ، إنما مَرّ رسول الله ﷺ على يهودية يُبكى عليها، فقال: «إنهم ليبكون عليها وإنها لتعذب في قبرها» (أخرجه مسلم، ونحوه في البخاري) وجمهور العلماء لم يتركوا الحديث بل تأولوه بما لا يتعارض مع الآية، وهو مراد عائشة ﵂. ٢ ـ الحسن: وقد اختلف المحدثون في تعريفه، فأدخله بعضهم في الصحيح، ومن أوضح ما قيل في تعريفه أنه: ما نقله عدل خفيف الضبط بسند متصل من غير شذوذ ولا علة قادحة (١). فيكون الفرق بينه وبين الصحيح في قوة الضبط وخفته. ٣ ـ الضعيف: وهو ما لم يجمع صفات الصحيح أو الحسن. وهناك تقسيمات أخرى عند المحدثين لا نطيل بذكرها. شروط الراوي الذي تقبل روايته: يشترط في الراوي عدة شروط بعضها محل وفاق وبعضها محل خلاف، وأهمها ما يلي: ١ ـ الإسلام: والدليل على اشتراطه أن الله أوجب التوقف في خبر الفاسق فالكافر أولى بذلك، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا

стр. 109

بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات٦]. كما أن الكافر متهم بالإضرار بالدين والكذب عليه فلا يقبل قوله فيه. وهذا الشرط محل وفاق، ولكن المراد اشتراط هذا الشرط عند الأداء لا عند التحمل، أي أن الكافر لو سمع حديثا من الرسول ﷺ حال كفره ثم رواه بعد إسلامه قبل منه. ٢ ـ البلوغ: والدليل على اشتراطه أن الصبي مرفوع عنه التكليف وهو آمن من العقوبة على الكذب فلا يبعد أن يكذب على الرسول ﷺ . ٣ ـ العدالة: وهي صفة راسخة في النفس تحمل المتصف بها على ملازمة التقوى وترك الكبائر، وما يخل بالمروءة من الصغائر (١)، ويعنون بما يخل بالمروءة الأعمال الخسيسة التي لا تناسب مكارم الأخلاق، كالغش في التوافه. والدليل على اشتراطها قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات٦]؛ حيث أوجب التوقف في خبر الفاسق وعدم الحكم به حتى يروى من طريق آخر رواته عدول. ولأن الفاسق متهم بالكذب فلا يقبل قوله. ٤ ـ الضبط: وهو الحفظ لما يسمعه أو يراه، وقلة الخطأ فيه.

стр. 110

والدليل على اشتراطه أن من كثر منه الغلط فيما ينقله ويرويه لا يغلب على الظن صدقه، ومن لا يغلب على الظن صدقه لا يقبل خبره في الدين. حجية السنة: السنة هي المصدر الثاني من مصادر التشريع الإسلامي، ولا يختلف المسلمون في حجية السنة الثابتة عن الرسول ﷺ ، ولهذا فالأخبار المتواترة عن الرسول ﷺ حجة باتفاق المسلمين. وأما أخبار الآحاد فقد خالف فيها بعض المتكلمين، فقال بعضهم إنها ليست حجة، وقال بعضهم يشترط في حجية خبر الآحاد أن يرويه عن النبي ﷺ اثنان ويرويه عن كل واحد منهما اثنان حتى يصل إلينا. وهذه المذاهب لم يعتنقها ـ والحمد لله ـ أحد من الأئمة المتبوعين، بل جميعهم اعتدوا بأخبار الآحاد إذا صحت واحتجوا بها. ومما استدلوا به على حجية أخبار الآحاد ما يلي: ١ - قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة١٢٢]. وجه الدلالة: أن الطائفة في اللغة تطلق على الواحد وعلى العدد القليل والكثير، وقد أوجب الله عليهم أن ينذروا قومهم، ولولا أن نذارتهم مقبولة لما كان لإيجاب النذراة عليهم فائدة. ٢ - أن النبي ﷺ كان يرسل رسله وأمراءه وقضاته وسعاته المأمورين بجمع الزكاة، وهم آحاد فلو لم يجب قبول خبرهم عنه لما أرسلهم، ولما حصل المقصود بإرسالهم.

стр. 111

٣ - إجماع الصحابة على قبول خبر الواحد والعمل به، ويدل على إجماعهم قضايا ووقائع لا يمكن تكذيبها مجتمعة، ومن ذلك: ـ ... أن أبا بكر ﵁ ورث الجدة السدس بعد أن ردها، وقال: ما علمت لك في كتاب الله حقا، ولا سمعت عن رسول الله ﷺ فيه شيئا فارجعي حتى أسأل الناس، فسأل الصحابة فشهد المغيرة بن شعبة أن رسول الله ﷺ أعطاها السدس، وشهد معه محمد بن مسلمة فأعطاها أبو بكر السدس (أخرجه أحمد وأصحاب السنن، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه). ـ ... وعمر ﵁ ورث المرأة من دية زوجها لما روي له أن النبي ﷺ ورث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها (رواه الترمذي وصححه)، وكان لا يرى ذلك قبل سماع الحديث. ـ ... ومن ذلك ما روي عن عمر ـ ﵁ ـ من استدلاله بالحديث الذي رواه عبد الرحمن بن عوف في دخول البلد الذي وقع فيها الطاعون (أخرجه مسلم)، وغير ذلك مما لا يحصى كثرة. ٤ـ إجماع العلماء على أن المستفتي مأمور بقبول قول المفتي وهو واحد، وإجماعهم على أن القاضي يجب عليه القضاء بشهادة عدلين مع أن خبرهما يحتمل الكذب. والذين اشترطوا لقبول خبر الآحاد أن يرويه اثنان عن النبي ﷺ ويرويه عن كل واحد منهما اثنان إلى أن يصل إلينا احتجوا بما يلي: ١ - قياس الرواية على الشهادة. ٢ - ما روي عن عمر ﵁ أنه طالب أبا موسى الأشعري ﵁ بمن يشهد معه حينما روى له حديث الاستئذان ولم يقبله حتى شهد له أبو سعيد الخدري

стр. 112

(متفق عليه)، وأبو بكر لم يقبل خبر المغيرة في ميراث الجدة حتى شهد معه محمد بن مسلمة كما تقدم. وأما الذين أنكروا الاحتجاج بما ليس بمتواتر فأهم ما احتجوا به ما يلي: ١ - قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء٣٦]. قالوا وخبر الآحاد لا يفيد العلم فلا يجوز اتباعه. ٢ـ ما روي عن بعض الصحابة من ردهم لبعض الأخبار كرد عائشة لخبر عمر وابنه في تعذيب الميت ببكاء أهله عليه، ورد ابن عباس خبر أبي هريرة في الميت: «من حمله فليتوضأ» (أخرجه أحمد والنسائي والترمذي وحسنه) وقال: لا يلزمنا الوضوء من حمل عيدان يابسة. والجواب عن أدلة المشترطين للقبول رواية اثنين كما يلي: قياسهم الرواية على الشهادة لا يصح؛ لأنه قياس مع الفارق، فالرواية خبر عام في الدين والشهادة إلزام لشخص بعينه فيتهم الشاهد الواحد بقصد الإضرار بالشخص المعين ولا يتهم الراوي المسلم العدل بالإضرار بالأمة عموما. وشهادة العبد مردودة عند الجمهور وروايته مقبولة باتفاق. وشهادة المرأة مردودة في بعض الوقائع وروايتها مقبولة باتفاق. وأما استدلالهم بما روي عن بعض الصحابة من طلب من يشهد للراوي الواحد فيجاب عنه بأنهم طلبوا ذلك لزيادة التثبت ولإشعار الناس بعظم الرواية عن النبي ﷺ حتى لا يتجرأ عليها كل أحد. وفي هذا يقول عمر ﵁ لأبي موسى: «أما أني لم أتهمك ولكن الحديث عن رسول الله ﷺ شديد» (أخرجه أبو داود)، وأبو بكر ﵁ قد يكون طلب من يشهد

стр. 113

للمغيرة لأن الله لم يذكر للجدة شيئا حين ذكر أصحاب الفروض فلا بد من زيادة التثبت لتوريثها. ومما يدل على أنهم لم يردوا خبر الواحد أنهم قبلوا أخبار الآحاد من غير أن تكون من رواية اثنين فأكثر، فقبل أبو بكر خبر: «إنّا معاشر الأنبياء لا نورث» (أخرجه النسائي بهذا اللفظ ومعناه في الصحيحين)، وقبل عمر حديث عبد الرحمن بن عوف في المجوس: «سنوا بهم سنة أهل الكتاب» (رواه مالك والشافعي والبيهقي، وهو معلول، ولكن قال البيهقي: إجماع أكثر المسلمين عليه يؤكده) وقبل خبر توريث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها، وخبره في الحكم إذا نزل الطاعون بأرض، وخبر دية الجنين (أخرجه مسلم)، ونحو ذلك. ثم إن خبر الاثنين كخبر الواحد لا يرتقي إلى درجة التواتر باتفاق المقسمين للخبر. وأما الذين منعوا الاستدلال بخبر الآحاد مطلقا فيجاب عن أدلتهم كما يلي: ١ - الآية دلت على النهي عن اقتفاء ما لا نعلم وجوب اتباعه؛ وخبر الآحاد قد أجمع الصحابة والتابعون على وجوب اتباعه، فالعلم بوجوب العمل به حاصل. أو يقال إن العلم المذكور في الآية ليس المراد به العلم اليقيني الذي لا يحتمل النقيض، بل هو ما يغلب على الظن، وهذا المعنى هو الذي يقصد بالعلم في القرآن كما قال تعالى: فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار، فإن العلم في هذه الآية لا يمكن أن يحمل على ما لا يحتمل النقيض. ٢ - وأما ما ذكروه عن بعض الصحابة من رد لأخبار الآحاد، فالثابت منه لم يكن الرد فيه لكونه خبر آحاد، بل لكونه معارضا لأدلة قطعية أقوى منه،

стр. 114

فعائشة ردت خبر تعذيب الميت بآية: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [النجم٣٨]. ولهذا فإن الذين قبلوه تأولوه على معنى لا يخالف هذه الآية. وكذلك ما روي عن ابن عباس ﵁ من رده لخبر أبي هريرة ﵁، له فيه عذر آخر غير كونه خبر آحاد، ولذا لم يحتج في رده بكونه خبر واحد، والذين قبلوا خبر أبي هريرة في الأمر بالوضوء من حمل الجنازة، منهم من حمله على الاستحباب، ومنهم من حمله على الوضوء قبل حمله حتى يكون على طهارة عند الصلاة عليه، وهذا معنى لطيف، والحديث يحتمله. منزلة السنة من القرآن: السنة بالنسبة للقرآن على ثلاثة أنواع: أـ ... سنة مبينة للقرآن، كالسنة التي تخصص القرآن أو تبين مجمله، مثل ما روي عن النبي ﷺ من صفة الصلاة وصفة الحج، فهذا بيان لما في القرآن من الأمر بالصلاة والحج. ب ـ سنة مؤكدة لما في القرآن من غير زيادة، كقوله ﷺ : «اتقوا الله في النساء؛ فإنهن عوان عندكم» الحديث، فهذا موافق لقوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء١٩]. وكذلك الأحاديث الواردة في تحريم القتل وأكل المال بالباطل مؤكدة لما ورد في القرآن من ذلك. ج ـ سنة زائدة على ما في القرآن: وهي السنة التي جاءت بأحكام زائدة على ما في القرآن، مثل السنة الواردة في ميراث الجدة وميراث الأخوات مع البنات: «اجعلوا الأخوات مع البنات عصبة» وتحريم الجمع بين المرأة وعمتها وبين المرأة وخالتها. وهذه الأنواع ذكرها الإمام الشافعي في الرسالة وتبعه عليها أكثر العلماء.

стр. 115

وقد أنكر الشاطبي وجود النوع الثالث، وقال إنه راجع إلى النوع الأول. شروط الحنفية لقبول خبر الواحد: اشترط أكثر علماء الحنفية لقبول خبر الآحاد الذي لم يبلغ درجة الشهرة عندهم شروطا خالفهم فيها جمهور العلماء، وفيما يلي نذكر هذه الشروط، ودليل اشتراطها، ورأي جمهور العلماء فيها: ١ـ أن لا يكون الخبر فيما تعم به البلوى، ومرادهم بما تعم به البلوى ما يحتاج إليه أكثر الناس حاجة متأكدة متكررة، فإذا كان الحكم الذي تضمنه خبر الواحد مما يحتاج أكثر الناس إلى بيانه لكثرة وقوعهم في سببه وتكرر حدوثه فلا بد أن ينقله عدد كبير يحصل بنقلهم العلم؛ لأن الرسول ﷺ لا بد أن يبين حكمه لعموم الناس، ولا يكتفي ببيانه لواحد أو اثنين. ومثلوا هذا بخبر بسرة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «من مس ذكره فليتوضأ» (أخرجه مالك وأحمد والترمذي والنسائي) وخبر جابر ﵁ في الأمر بالوضوء من لحم الإبل، (رواه مسلم) قالوا ليس من المعقول أن يسكت النبي ﷺ عن بيان نقض الوضوء بمس الذكر لعموم الناس مع أن أكثرهم لا يلبس السراويل مما يجعل إفضاءه بيده إلى ذكره كثير الحدوث، ثم كيف تختص بسماع هذا الحديث امرأة مع أن المقصود به في المقام الأول الرجال؟. وفي الحديث الثاني قالوا: إن عادة أكل لحوم الإبل منتشرة في عهد الصحابة، فلو كان أكل لحم الإبل ناقضا للوضوء لتكرر من الرسول ﷺ التنبيه عليه وإبلاغه إلى عامة الناس، ولو فعل لم يقتصر نقله على واحد أو اثنين من الصحابة. وجمهور العلماء يقولون إذا صح الحديث وجب قبوله والعمل به، سواء أكان مما تعم به البلوى أم لا، ونقل الحديث من واحد أو اثنين لا يدل على أن

стр. 116

البقية لم يسمعوه ولم يعلموا به؛ لأن الصحابة كان أكثرهم يتحرج من الرواية عن النبي ﷺ فإذا كفاه غيره رواية الحديث سلم من العهدة. وبعض العلماء حملوا هذين الحديثين وما جرى مجراهما على الندب دون الوجوب، وهم مطالبون ببيان الصارف للأمر عن الوجوب ولا حجة لهم سوى ما ذكره الحنفية. ٢ـ عدم مخالفة الخبر للأصول والقواعد الثابتة في الشريعة، وقد يعبر عنه بعضهم بعدم مخالفة الأصول أو عدم مخالفة القياس، ولا يعنون بالقياس معناه الضيق بل ما تقرر من قواعد الشريعة ودلت عليه أصولها وفروعها. ومثلوا لمخالف القياس بحديث المصراة الوارد في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لا تُصَرُّوا الأبلَ والغنمَ، فمن ابتاعها فهو بخيرِ النظَرَينِ بعد أن يحتلبَها، إن شاء أمسكها، وإن شاء ردها وصاعاً من تمر». ووجه مخالفة هذا الخبر للأصول: أن قواعد الشرع تقضي بأن ضمان المتلفات يكون بالمثل أو بالقيمة، وفي الحديث ضمان لبن المصراة بصاع من تمر، والصاع ليس مثلا للبن ولا مساويا لقيمته، فهو مخالف لقواعد الشرع. وحجة الجمهور أن الخبر إذا خالف غيره من الأصول صار أصلا بنفسه، فيجمع بينه وبين غيره بحمل كل من الأحاديث على معناه. ٣ـ أن يكون الراوي فقيها، وهذا الشرط ذكره بعضهم مطلقا، وقال بعضهم إنما يشترط هذا إذا كان الحديث مخالفا للقياس (١). والصحيح قبول خبر العدل سواء كان فقيها أو غيره إذا لم يعارض بما هو

стр. 117

أقوى منه. والدليل على ذلك أن الأدلة الدالة على قبول خبر الواحد لم تشترط الفقه في الراوي. ٤ـ أن لا يعمل الراوي من الصحابة بخلاف روايته، فإن عمل بخلاف ما رواه لم يقبل حديثه، ومثلوه بخبر أبي هريرة مرفوعا: «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعا» مع أن أبا هريرة كان يغسل الإناء من ولوغ الكلب ثلاثا، وعللوا هذا بأن الراوي عدْل فإذا خالف ما روى دل على نسخه؛ إذ لو تركه مع عدم نسخه لكان ذلك قادحا في عدالته. والجمهور قالوا إن العبرة بما ثبت عن الرسول ﷺ لا بما يفعله الصحابي، فالصحابي ليس معصوما من الخطأ والنسيان، فقد يكون ترك العمل به نسيانا أو تقصيراً.

стр. 118

أفعال الرسول ﷺ سنة الرسول ﷺ تنقسم ثلاثة أقسام كما تقدم: ١ـ السنة القولية ٢ـ السنة الفعلية ٣ـ السنة التقريرية. فالقولية سيأتي الكلام عنها في دلالات الألفاظ، وأما الفعلية فقد خصها بعض العلماء بتأليف مستقل، ومن أفضل ما كتب في أفعال الرسول كتاب أبي شامة المقدسي واسمه: «المحقَّق من علم الأصول فيما يتعلق بأفعال الرسول». وأفعال الرسول ﷺ على أنواع، لكل واحد منها دلالته، ويمكن اختصارها على النحو التالي: ١ ـ الأفعال الجبلية: وهي التي فعلها النبي ﷺ بمقتضى بشريته مما يحتاجه البشر عادة من حركة أو سكون أو نوم أو أكل أو شرب، مثل ما نقل عن الرسول ﷺ في طريقة مشيه وأكله القثاء بالرطب ولبسه الجبة الشامية ونحو ذلك. فهذا النوع يفيد الإباحة عند الجمهور ولا يتعلق به أمر ولا نهي؛ لأن الرسول ﷺ فعله من غير قصد إلى القربة به، ومن غير قصد إلى اختصاصه دون غيره في الغالب، بل فعله لكونه الأرفق به، فليفعل كل مكلف ما يناسبه. وقال بعض العلماء إنه يفيد الاستحباب استدلالا بما روي عن ابن عمر أنه كان يتبع آثار النبي ﷺ حتى إن النبي ﷺ نزل تحت شجرة فكان ابن عمر ﵄ يتعاهدها فيصب في أصلها الماء لئلا تيبس. نقله نافع مولى ابن عمر، ونقل عنه أيضا أنه كان يتوخى سلوك طريق النبي ﷺ في حجه ويقول لعل قدما أن تواطئ قدما.

стр. 119

٢ ـ الأفعال التي قام الدليل على كونها خصوصية له ﷺ : كزواجه بأكثر من أربع مجتمعات، فهذا لا خلاف في عدم جواز التأسي به فيه، وأما ما ثبت وجوبه عليه وحده دون الأمة فالاقتداء به فيه مندوب كقيام الليل والأضحية ونحو ذلك. ٣ ـ ما فعله بيانا لمجمل أو امتثالا للأمر الوارد في الكتاب أو في السنة القولية: كصلاته وصيامه وحجه بعد نزول الآيات الواردة في ذلك، وبعد قوله ﷺ : «صلوا كما رأيتموني أصلي» (أخرجه البخاري)، وقوله: «لتأخذوا عني مناسككم» (أخرجه مسلم). فهذا النوع لا خلاف في أنه لا يخرج عن الوجوب أو الندب، وحكمه حكم المبين، فما كان بيانا لواجب فهو واجب وما كان بيانا لمستحب فهو مستحب، هكذا نص أكثر الأصوليين (١). وفيه نظر؛ فإن الرسول ﷺ قد بين لنا الصلاة بفعله وليس كل ما فعله في الصلاة فرضا مع أن الصلاة فرض. والأولى أن يقال: إن الأفعال التي تدخل في حقيقة الصلاة وواظب عليها النبي ﷺ ولم يتركها ورواها كل من نقل صفة صلاته تعد واجبة كالركوع والسجود والجلوس بين السجدتين، وأما الأفعال التي ثبت أنه تركها أحيانا أو ترك ذكرها بعض من نقل صفة صلاته كتحريك أصبعه السبابة، وكذا ما لا يعلم إلا بالسؤال عنه من الأذكار الخفية فلا ترقى إلى الوجوب بل تكون مستحبة إلا أن يقترن بالفعل قول يدل على الوجوب.

стр. 120

٤ - الفعل المبتدأ المطلق الذي ليس امتثالا ولا بيانا ولا هو من الخواص ولا أفعال العادة الجبلية فهذا على ثلاثة أضرب: أـ أن يكون معلوم الصفة من وجوب أو ندب أو إباحة، وهذا يحمل على صفته ولا يحتمل خلافا. وإنما تعلم صفته بالقرائن أو اتفاق السلف على حكمه، مثل الاعتكاف فهو مستحب عند جميع الفقهاء، مع أنه لم يثبت فيه إلا فعل الرسول ﷺ . ب ـ أن يكون غير معلوم الصفة ولم يظهر فيه قصد القربة، فهذا يحمل على الإباحة؛ لأن الأصل عدم التعبد، وقيل على الندب مثل الترجل والتكحل. ج ـ أن يكون غير معلوم الصفة (الحكم) ولكن ظهر فيه قصد القربة، وهذا فيه خلاف قوي بين العلماء على أقوال: القول الأول: الوجوب: وهو قول الأكثر، فهو محكي عن الإمام مالك والشافعي وأحمد في المشهور عنه، واختاره أكثر أصحابه واختاره ابن السمعاني وقال هو أشبه بمذهب الشافعي، وهو مذهب أكثر المعتزلة (١). واستدل لهذا القول بأدلة منها: ١ - قوله تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف١٥٨].

стр. 121

ووجه الدلالة: أن الأمر في قوله: ﴿وَاتَّبِعُوهُ﴾ يحمل على الوجوب؛ لأنه الأصل في الأمر. ٢ - قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور٦٣]. وفعله من أمره. ٣ - قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ [آل عمران٣١]. ومحبة الله واجبة فما ترتب عليها كذلك. ٤ - ما رواه أبو سعيد الخدري ﵁ من أن النبي ﷺ خلع نعله في الصلاة فخلعوا نعالهم. أخرجه أحمد وأبو داود وصححه الحاكم. ووجه الدلالة من الحديث أن الصحابة فهموا وجوب المتابعة في الفعل المجرد. القول الثاني: الندب: وهو رواية ثانية عن الإمام أحمد وحكي عن الشافعي. واستدل لهذا بأن القربات التي يفعلها الرسول ﷺ لا تخرج عن الوجوب والندب، وأقل درجاتها الندب، وما زاد عليه يحتاج إلى دليل. القول الثالث: لا يفيد الوجوب ولا الندب بمفرده بل يحمل على الإباحة، وهو مذهب الكرخي واختاره السرخسي، وقال ابن عبد الشكور: «هو الصحيح عند أكثر الحنفية» (١). وهؤلاء يستدلون بأن الرسول ﷺ مأمور بالتبليغ، والتبليغ لا يكون إلا باللفظ، فالفعل يحتمل الوجوب والندب والإباحة فنجزم بالمتيقن وهو الإباحة وما زاد على ذلك لا بد من دليل آخر عليه.

стр. 122

القول الرابع: الوقف، وهو رواية عن الإمام أحمد اختارها أبو الخطاب، ويبدو أن سببه تعارض الأدلة. والراجح هو القول الثاني، وهو حمله على الندب. وما ذكره أصحاب القول بالوجوب لا دلالة فيه؛ فالأمر باتباع الرسول ﷺ أمر مطلق فلا يدل على اتباعه في كل فعل، وامتثال المطلق يتحقق بالاتباع فيما عرفنا أنه واجب. وفعل الصحابة لا دليل فيه على أنهم اعتقدوا الوجوب، بل يحتمل أنهم فعلوه على الندب، وقوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ [النور٦٣] ظاهره المخالفة فيما أمر به أمر إيجاب، وكلامنا في الفعل المجرد عن الأمر. وأما حديث أبي سعيد فهو دليل على عدم الوجوب لمجرد الفعل؛ حيث سألهم النبي ﷺ عن سبب خلع نعالهم سؤال إنكار، ولو كان فعله يقتضي الوجوب لما أنكر عليهم. وأما القائلون بحمله على الإباحة فيرد عليهم بأن ما يغلب على الظن كونه قربة لا يمكن حمله على الإباحة، وقولهم إن الرسول مأمور بالبلاغ يجاب بأن المندوب يكفي في تبليغه فعل الرسول إياه، بخلاف الواجب. وأما الوقف فمرده لتعارض الأدلة، وقد بينت رجحانَ أدلة القول الثاني. وقد حمل بعض العلماء القول بالوجوب على أن المراد بالوجوب وجوب التأسي بالرسول ﷺ ، فما فعله الرسول على جهة الوجوب عليه فهو واجب على غيره، وما فعله على جهة الاستحباب فهو مستحب لغيره، وهذا تأويل حسن يتفق مع صنيع الفقهاء في تفريعاتهم.

стр. 123

الدليل الثالث الإجماع تعريفه: الإجماع في اللغة: العزم المؤكد، يقال: أجمع أن يفعل كذا أي عزم عليه. وفي الاصطلاح: اتفاق مجتهدي الأمة الإسلامية في عصر من العصور على حكم شرعي. ويزيد بعضهم قيدا في التعريف فيقول: «بعد وفاة النبي ﷺ » وهذا القيد معروف لدى الجميع وهو غير داخل في حقيقة الإجماع ولكنه بيان للوقت الذي يكون فيه الإجماع المعتد به. ومحترزات التعريف واضحة. تصور وقوع الإجماع: اختلف العلماء في إمكان حصول الإجماع على ثلاثة أقوال: ١ ـ أنه ممكن الوقوع مطلقا في عهد الصحابة وبعدهم، وهو مذهب الجمهور. وحجتهم: أنه ليس بمحال في ذاته ولا يترتب على فرض وقوعه محال، وهذا حد الممكن، وزادوا على ذلك أنه لا يشترط أن يتكلم الجميع بالحكم الشرعي بل يكفي أن يتكلم به بعضهم ويسكت الباقون وهذا غير ممتنع. ثم زادوا على ذلك بضرب أمثلة للإجماع كإجماع الصحابة على جمع القرآن في مصحف واحد، والوقوع دليل الإمكان وزيادة.

стр. 124

٢ ـ وقال بعضهم هو غير ممكن؛ لأن بلاد الإسلام واسعة وعلماء الشريعة متباعدون في الأمصار، وهم إلى جانب ذلك مختلفون في الطباع والقرائح والفهوم، فالعادة تقضي بامتناع إجماعهم كما تقضي بامتناع اتفاق الناس في ساعة معينة على أكل طعام واحد. وقد لخص إمام الحرمين شبههم في ثلاث شبهات: الأولى: تعذر عرض مسألة واحدة على الكافة. والثانية: عسر اتفاقهم والحكم مظنون. والثالثة: تعذر النقل تواتراً عنهم (١). ٣ ـ وقال بعض العلماء هو ممكن في عصرالصحابة دون من بعدهم من العصور؛ لأن العلماء بعد عصر الصحابة تفرقوا في الأمصار تفرقا شديدا يصعب معه معرفة أقوالهم في المسألة. ٤ ـ التفصيل على النحو التالي: إن كانت المسألة من كليات الدين ووجدت الدواعي للنظر فيها فالإجماع عليها ممكن وإلا فلا، وهو اختيار إمام الحرمين في البرهان. والذي يظهر أن مراد الفريق الأول وهم الجمهور الرد على من أنكر إمكان الإجماع مطلقا فيكفي فيه التسليم بإمكانه ولو مع القيود التي ذكرها إمام الحرمين. وفي العصر الحاضر لا يمتنع أن يجتمع المجتهدون من علماء المسلمين ويتفقوا على حكم واحد وإن لم يكن في المسألة دليل قاطع، وذلك لتوافر وسائل الاتصال.

стр. 125

أنواع الإجماع: ينقسم الإجماع باعتبارات متعددة أهمها: أـ ... أقسامه من جهة تصريح المجتهدين بالحكم، وله من هذه الجهة ثلاثة أقسام: ١ - الإجماع الصريح: وهو ما صرح فيه أهل الإجماع بالحكم، وهذا نادر الوجود بل لو قيل بانعدامه لكان أولى، لكن لا يخرج عن الإمكان ولا يقال بامتناعه. ٢ - الإجماع السكوتي: وهو أن يصرح بعض المجتهدين بالحكم ويشتهر قوله ويسكت الباقون عن إنكاره. ٣ - الإجماع الضمني: وهو المستنتج من اختلاف أهل العصر على قولين أو أكثر، فيدل ذلك على اتفاقهم على أن ما خرج عن تلك الأقوال باطل. ب ـ تقسيمه من حيث قوة دلالته: وله بهذا الاعتبار قسمان: ١ - قطعي، وهو ما تحقق فيه شرطان وهما: التصريح بالحكم من أهل الإجماع، ونقله إلينا بطريق قطعي. ٢ - ظني، وهو ما اختل فيه أحد هذين الشرطين. حجية الإجماع: ١ـ ذهب جماهير العلماء إلى أن الإجماع حجة مطلقا. واستدلوا على ذلك بأدلة منها: أـ ... قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء١١٥].

стр. 126

وجه الاستدلال أن الله توعد من خالف سبيل المؤمنين بجهنم، ولا يتوعد بها إلا على فعل محرم، فدل ذلك على أن ترك سبيل المؤمنين محرم واتباعه واجب. ب ـ قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة١٤٣]. وجه الاستدلال: أن الله جعل الأمة شهداء على غيرهم من الأمم، وهذا يدل على قبول قولهم إذا اتفقوا؛ لأن الشاهد قوله مقبول، والشهادة تشمل الشهادة على أعمال الناس وأحكامها. ج ـ قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء٥٩]. وجه الاستدلال: أن الآية تدل بطريق مفهوم المخالفة على أن ما اتفقوا عليه ولم يتنازعوا فيه حق؛ لأنها نصت على رد المتنازع فيه إلى الله والرسول، ففهم من ذلك أن المتفق عليه حق. د ـ ... قوله ﷺ : «سألت ربي أن لا تجتمع أمتي على ضلالة فأعطانيها» وفي لفظ: «إن الله لا يجمع هذه الأمة على ضلالة أبدا، وإن يد الله مع الجماعة فاتبعوا السواد الأعظم فإنه من شذ شذ في النار» (أخرجه الترمذي وأحمد وابن ماجه والطبراني بألفاظ مختلفة، وهو مشهور المتن وله شواهد كثيرة. انظر: المقاصد الحسنة ص ٤٦٠، وكشف الخفاء ٢/ ٤٨٨). وجه الاستدلال: أن الله عصم الأمة إذا اجتمعت من الخطأ والضلالة، فثبت أن ما اجتمعت عليه الأمة صواب، والمعتبر قوله في أمور الشرع هم العلماء المجتهدون دون غيرهم فيكون إجماعهم معصوما من الخطأ، وهذا شرف عظيم لهذه الأمة ليس لغيرها من الأمم.

стр. 127

٢ـ وذهب بعض العلماء إلى أن الحجة في إجماع الصحابة وحدهم وهو رواية عن الإمام أحمد، ومذهب الظاهرية (١). واحتجوا بأن ما يحكى من إجماعات بعد عهد الصحابة غير صحيح؛ إذ لا يمكن جمع آرائهم في مسألة واحدة مع تفرقهم في الأمصار، ولذا نقل عن الإمام أحمد أنه قال: «من ادعى الإجماع فقد كذب، لعل الناس قد اختلفوا» (٢). ٣ـ وذهب النظام وطوائف من الرافضة إلى أن الإجماع ليس حجة. فأما النظام فحجته عدم تصور وقوعه، ولو تصور لم يتصور نقله إلينا بطريق صحيح متواتر، والآحاد لا يعتبر عنده. وأما الروافض فلأن الحجة عندهم في قول الإمام المعصوم دون غيره فإن كان في عصر الأئمة المعروفين لم يعتبر قول غيره، وبعدهم لا حجة في قول أحد حتى يأتي الإمام المعصوم الذي يزعمون أنه اختفى في سرداب وأنه الإمام المنتظر. وإذا أطلق أحد منهم حجية الإجماع في عصر الصحابة أو التابعين وتابعيهم فهو من باب التعمية على الناس؛ لأن العلماء إذا وافقوا إمامهم فالحجة عندهم في قوله وبقية العلماء تبع، وإن خالفوه فلا إجماع والحجة في قوله وحده (٣). فأما قول منكري الحجية مطلقا فظاهر البطلان؛ لأنهم عولوا على عدم إمكانه وقد بينا أنه ممكن في القديم والحديث، واحتجوا بعدم إمكان نقله متواترا، وعند الجمهور لا يشترط التواتر لنقله بل يكفي فيه خبر الآحاد. ثم لو اشترط فهو ممكن كما تواتر نقل اتفاق النصارى على صلب المسيح

стр. 128

وهو باطل فكيف لا يمكن نقل الاتفاق على الحق. ولكن إذا نظرنا إلى واقع الإجماعات المنقولة في كتب أهل العلم نجد أن أكثرها غير صحيح وإنما اعتمد ناقله على أنه لم يعلم مخالفا في هذه المسألة أو اكتفى بالمنقول عن الأئمة الأربعة، أو اكتفى بنقل واحد لم ينقل عن معاصريه بل عمن لم يعاصرهم، مما يدل على أنه معتمد على الشهرة بين أهل العلم، وربما اعتمد في نقل الإجماع على قيام الدليل القاطع الذي لا يمكن أن يخالفه أحد من العلماء. ولا شك أن هذا الطريق في نقل الإجماع لا يورث القطع بل غايته الظن بعدم وجود مخالف. وأما من اعتمد في نقل الإجماع على قيام الدليل القاطع فإن الحجة حينئذ تكون في الدليل القاطع، والإجماع فائدته دفع ما يتوهم من التأويل. ولا يقال بناء على هذا تكون فائدة الإجماع ضعيفة؛ لأننا نقول بل الإجماع دليل مهم فكثير من آيات القرآن وأحاديث الرسول ﷺ لو جردنا النظر إليها عما فهمه منها الصحابة والتابعون لما قطعنا بمقتضاها، ولأمكن حملها على احتمالات كثيرة، ولكن لما عرفنا اتفاق الصحابة والتابعين ومن بعدهم على تفسيرها لم يجز لنا أن نتأولها على خلافه. فهذه الأدلة لو خلت عن الإجماع لكانت ظنية، لكنها معه صارت قطعية. مثال ذلك: أن قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ [النساء١٢]. لو لم يتفق الصحابة على أن المراد بالأخ والأخت هنا الإخوة لأم لكانت معارضة لآية: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء١٧٦].

стр. 129

وهذه فائدة عظيمة. ومن فوائده: قطع النزاع في المسائل المستجدة، فإذا اتفق علماء العصر على حكمها لم يكن لأحد خلافهم، ولكن ينبغي أن لا تترك الأدلة الصحيحة لدعوى الإجماع، وأن لا تقبل دعوى الإجماع إلا ممن له إحاطة بأقوال العلماء واطلاع على صحيحها وضعيفها، ومشهورها وشاذها. حجية الإجماع السكوتي: اختلف العلماء في الإجماع السكوتي الذي عرف بتصريح بعض العلماء وسكوت الباقين، هل يعد حجة؟ فذهب الجمهور إلى حجيته، واستدلوا بما يلي: ١ـ أن سكوت العالم عن فتوى غيره يدل على موافقته إياه؛ إذ لو كان يعتقد بطلان تلك الفتوى لما سكت عن الإنكار؛ لأن السكوت عن إنكار الباطل محرم لا يقدم عليه العلماء المجتهدون. ٢ـ ما ثبت عن النبي ﷺ من قوله: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم». فالحديث يدل على أنه لا يمكن أن تخلو الأمة من قائم لله بالحجة وتكون بين مخطئ للحق وساكت عن الإنكار؛ إذ لو كانوا كذلك لم يتحقق ما في الحديث من الوعد ببقاء طائفة من الأمة ظاهرة على الحق؛ لأن ظهورها يقتضي إظهار ما هي عليه من الحق. وذهب الإمام الشافعي إلى أنه لا يمكن أن ينعقد إجماع مع سكوت بعض العلماء، بل لا بد من تصريح الكل. واستدل على ذلك بأنه لا ينسب إلى ساكت قول، وبأن العالم قد يسكت مع عدم موافقته لأسباب كثيرة منها: أـ ... أن يغلب على ظنه أن غيره قد كفاه مؤنة الإنكار على الفتوى.

стр. 130

ب ـ أن يسكت خوفا من سلطان أو نحوه. ج ـ أن يسكت لكونه لم ينظر في المسألة بعد، أو لتعارض الأدلة عنده. وذهب بعضهم إلى أنه يعد حجة ولكن ليس بإجماع. وهذا القول راجع إلى القول بالحجية؛ إذ إن مراد هذا القائل والله أعلم أن الإجماع السكوتي حجة ظنية بخلاف الإجماع الصريح فهو حجة قطعية، ولذلك لا ينبغي أن يعد هذا قولا جديدا في المسألة. وذهب بعضهم إلى أنه إن كان الذي تكلم في حكم المسألة حاكما فلا يكون سكوت الباقين دليلا على اتفاقهم، وإلا كان دليلا، وهو رأي ابن أبي هريرة من الشافعية، واستدل بأن العادة جارية بعدم الاعتراض على حكم الحاكم وإن كان غيره من العلماء لا يوافقونه، وأنه من عادة العلماء حضور مجالس الحكم وعدم الاعتراض على حكم القاضي وإن كان على خلاف مذهب الحاضرين، وهذه العادة لم تعهد في الفتاوى والآراء الصادرة من غير القضاة فوجب التفريق بينها على النحو السابق. والراجح: أن الإجماع السكوتي حجة، ولكنه حجة ظنية ليست في درجة الإجماع الصريح. وما استدل به الإمام الشافعي من أنه «لا ينسب إلى ساكت قول» يجاب عنه بأن السكوت في معرض الحاجة إلى البيان بيان، والعالم يلزمه أن ينكر المنكر، فإذا سكت عن الإنكار دل سكوته على موافقته على الفتوى. وما ذكر من الاحتمالات التي يمكن أن يحمل عليها سكوته كلها احتمالات ضعيفة؛ إذ لو تحقق بعضها لقامت عليه قرائن تدل عليه، ولما سكت عن الإنكار إلى وفاته، ثم إن عادة العلماء الجهر بالحق وعدم الخوف من سلطان أو غيره، وإذا سكت العالم عن الإنكار علانية فلن يسكت عن بيان الحق لطلابه

стр. 131

وخاصته وناقلي فقهه، وأما سكوته لعدم نظره في المسألة فلا ينافي الإجماع؛ لأنه حينئذ لا قول له في المسألة. وينبغي أن نعلم أننا لو اشترطنا تصريح كل عالم بالموافقة على الحكم لما أمكن أن نجد مسألة نقل إلينا فيها قول جميع المجتهدين، وكل ما نقله العلماء الذين ينقلون الإجماع هو من قبيل الإجماع السكوتي، فليتأمل. وأما الإجماع الضمني، فقد اختلفوا فيه على ثلاثة أقوال: القول الأول: أنه حجة، وهو مذهب أكثر الأصوليين، واستدلوا على ذلك بأن إحداث قول ثالث لا يخلو من أمرين: أحدهما أن يكون هذا القول المحدث خطأ وحينئذ لا يعتد به. والثاني أن يكون هذا القول صوابا فيكون القولان أو الأقوال التي ذهب إليها أهل العصر السابق كلها خطأ فتخلو الأمة في عصرهم عن قائم لله بالحجة، وهذا مستحيل دل على استحالته أدلة حجية الإجماع، فتبين أن كلا الاحتمالين باطل فيكون إحداث قول جديد باطلا. القول الثاني: أنه ليس بحجة ولا إجماع، واستدلوا على ذلك بأن الإجماع لا يمكن أن يؤخذ من الخلاف، وأصحاب العصر السابق قد اختلفوا فكيف يستدل باختلافهم على الإجماع. وأيضا فإن أصحاب القرن السابق قد اختلفوا في المسألة، فيستدل باختلافهم على أن المسألة خلافية، وأن الخلاف فيها سائغ، وإذا ساغ الخلاف فيها فلا مانع من إحداث قول جديد. القول الثالث: التفصيل، فإن كانت أقوال المختلفين بينها قدر مشترك والقول المحدث يرفع ما اتفقت عليه فهو باطل، وإن لم يرفع ما اتفقت عليه الأقوال فهو اجتهاد سائغ. ومثلوا للقول الذي يرفع ما اتفقت عليه الأقوال السابقة بأن الصحابة اختلفوا في ميراث الجد والإخوة فقال بعضهم: يشَرّك بينهم، وقال الآخرون

стр. 132

الميراث للجد، والإخوة محجوبون، والقدر المشترك بين القولين أن الجد لا يمكن أن يحرم من الإرث حينئذ، فلو قال المتأخر: الميراث للإخوة والجد يحجب بهم لكان قوله باطلا مخالفا للإجماع. ومثلوا للقول المحدث الذي لا يرفع ما اتفق عليه القولان السابقان بما إذا اختلف المتقدمون في العيوب هل يفسخ بها النكاح، فقال بعضهم: لا يفسخ النكاح بالعيوب، وقال بعضهم يفسخ بها، فلو ذهب ذاهب بعد عصرهم إلى أن بعض العيوب يفسخ بها دون بعض لما كان قوله مخالفا للإجماع. وكذلك مثلوه بالخلاف في متروك التسمية، فلو اختلفوا على قولين: أحدهما بتحريمه والآخر بحله، ثم جاء المتأخر وفرق بين متروك التسمية عمدا ومتروك التسمية سهوا؛ فحرم الأول دون الآخر، لما عد قوله مخالفا للإجماع. والذي يظهر لي أن قول القائلين إن اختلافهم على قولين إجماع على المنع من إحداث قول ثالث ليس بأولى من قول الآخرين: اختلافهم على قولين تسويغ للخلاف في المسألة وإقرار لكونها اجتهادية لا قطعية، ولهذا فلا يعد اختلافهم على قولين إجماعا على المنع من إحداث قول جديد، والمسائل التي اختلف فيها السابقون على قولين وفصل فيها المتأخرون أكثر من أن تحصى. والعصمة إنما ثبتت للأمة بشرط الاتفاق، أما مع الاختلاف فلم تثبت لهم العصمة، بل ربما أخطأ كل منهم في بعض ما قال وأصاب في بعضه الآخر فلا يمتنع أن يكون القول بالتفصيل هو الصواب. والأحاديث التي استدل بها من جعل إحداث القول الثالث مخالفا للإجماع، كحديث: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق» وما في معناه، لا دليل فيها على الدعوى؛ لأن المراد بالحديث ليس العصمة من الخطأ في كل مسألة وإن صغرت، وإنما المراد بقاء طائفة من المسلمين على الدين الحق، ووقوع الخطأ منهم في

стр. 133

مسألة جزئية لا ينفي كونهم على الحق؛ إذ لو لزم من الخطأ مجانبتهم الحق لما سلم من ذلك أحد، ولو سلمنا أن هذا مراد الحديث فإن خطأ الطوائف التي نقلت أقوالهم في هذه المسألة لا يمنع وجود طائفة قالت بالقول الحق فيها وإن لم يصل إلينا قولهم، ثم إن الحديث ليس فيه أنهم يعلنون قولهم، بل فيه أنهم على الحق، أي: في عملهم وسيرتهم. أهل الإجماع (الذين ينعقد بهم الإجماع): يعتد في الإجماع بالعلماء المجتهدين بغض النظر عن سنهم وطبقتهم وبلادهم، فلا ينعقد الإجماع إلا باتفاق علماء العصر المجتهدين وقت النظر في النازلة. والدليل على ذلك: أن الآية التي هي مستند الإجماع تدل على أن اللوم يحصل بترك سبيل المؤمنين، وإذا اختلف المؤمنون لم يصح أن يسمى ما قاله الأكثر سبيل المؤمنين، بل سبيل بعض المؤمنين. ولو أخذ بظاهر الآية لاعتد بالعوام، ولكن لما كان العوام مأمورين باتباع العلماء لقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل٤٣]. أصبح المعتد بقولهم العلماء المجتهدين. وينبني على ما تقدم أن التابعي إذا بلغ درجة الاجتهاد في حياة الصحابة، يعتد بقوله في المسائل التي لم يقم عليها إجماع قبل بلوغه درجة الاجتهاد، فلو خالف التابعي المعاصرين له من الصحابة لم يعد مخالفا للإجماع إذ لا إجماع حينئذ. وينبني على ذلك أيضا أن من حصَّل بعض العلوم التي لا بد منها لبلوغ درجة الاجتهاد دون بعضها لا يعتد بقوله، فالمحدث الذي لا يعرف أصول الفقه وقواعده، والفقيه الحافظ للفروع الذي لا يعرف أحاديث الأحكام، والأصولي

стр. 134

الذي لا يعرف أدلة الأحكام لا يعتد بقولهم في الإجماع، لكن الأصولي القادر على الاستنباط إذا عرف أدلة المسألة وأحاط بأكثرها اعتد بقوله فيها، والمحدث إذا عرف اللغة وأصول الفقه اعتد بقوله، والفقيه إذا عرف أصول الفقه واللغة وأدلة المسألة موضع البحث اعتد بقوله فيها. وهذا مبني على أن الاجتهاد يتجزأ فيكون العالم مجتهدا في بعض أبواب الفقه ومسائله دون غيرها. كما سيأتي في باب الاجتهاد. وهذا يجعلنا نجهل أهل الاجتهاد في كل مسألة، فلا نجزم بحصول الإجماع فيها، مع وجود مخالف وإن لم نره من أهل الاجتهاد، فالإجماع مع وجود مخالف لا يمكن الاحتجاج به على الغير؛ لأن الخصم ربما عد المخالف من أهل الاجتهاد فلا يتحقق الإجماع عنده. هل يشترط لتحقق الإجماع انقراض العصر: المراد بانقراض العصر موت العلماء المجمعين على حكم الواقعة قبل رجوعهم عن رأيهم. وليس المراد موت جميع علماء العصر، بل موت الذين أفتوا في المسألة. هذا الأمر اشترطه بعض العلماء واحتجوا عليه بأن العالم لا يمكن منعه من الرجوع عن رأي رآه ثم تبين له خطؤه، وبأن علي بن أبي طالب ﵁ قال: «اجتمع رأيي ورأي عمر في أمهات الأولاد أن لا يبعن، وأنا الآن أرى بيعهن» (أخرجه عبد الرزاق وابن أبي شيبة والبيهقي بسند صحيح) فرجع عن رأي اتفق عليه. والصحيح أن انقراض العصر ليس شرطا؛ لأن الأمة إذا اتفقت على حكم فهي معصومة من الخطأ؛ لحديث: «لا تجتمع أمتي على ضلالة» وما جاء في معناه من الأحاديث، فإذا حصل الإجماع وجب أن يكون على صواب وإذا كان

стр. 135

صوابا فما عداه خطأ؛ لأن الصواب لا يتعدد. وجواز رجوع العالم إنما هو في المسائل التي لم يحصل فيها إجماع. وما روي عن علي ﵁ لا دليل فيه؛ لأنه حكى اتفاقه مع عمر وحده ولم يحك اتفاق المسلمين جميعا، ومع هذا فقد أنكر عليه جابر بن زيد، وقال: رأيك في الجماعة أحب إلينا من رأيك وحدك، أو قال: من رأيك في الفرقة. ومما يؤيد القول بعدم اشتراط انقراض العصر أنه لو اشترط هذا الشرط لما تحقق إجماع أبدا؛ لأنه قبل أن ينقرض أهل العصر يبلغ درجة الاجتهاد علماء آخرون من الطبقة التي تليهم ومن حقهم أن يفتوا في تلك المسألة بخلاف ما اتفق عليه من سبقهم إذ لم ينعقد الإجماع بعد، فإن أفتوا بموافقتهم من قبلهم أصبحوا من أهل الإجماع فلا ينعقد حتى يموتوا ثم يأتي في عصرهم علماء من الطبقة الثالثة فيجوز لهم أن يخالفوا في تلك المسألة أو يوافقوا، وهكذا فلا يتحقق الإجماع أبدا. والمشترطون للانقراض يقولون إنه ممكن؛ لأن العبرة بموت المجمعين من الطبقة الأولى قبل وجود المخالف من الطبقة الثانية أو الثالثة، ولا يشترط موت من لحق بهم من الطبقة الثانية أو الثالثة. وهذا لا دليل عليه إذ كيف يجعل موت فلان من الناس دليلا على التحريم أو الإباحة أو غيرهما من الأحكام؟. الإجماعات الخاصة: يذكر الأصوليون خلافا في الاحتجاج بإجماع طائفة معينة من العلماء كإجماع أهل البيت الذي يحتج به الرافضة، وإجماع الخلفاء الأربعة، وإجماع أبي بكر وعمر، وإجماع أهل المدينة، وإجماع أهل البصرة، ونحو ذلك. والراجح عند الجمهور أن هذه الإجماعات لا حجة فيها؛ لأن الأدلة الدالة

стр. 136

على حجية الإجماع إنما دلت على حجية إجماع الأمة إذا اتفقت، وتأولوا الأحاديث الواردة في الأمر باتباع الخلفاء الراشدين واتباع أبي بكر وعمر على أنها تدل على لزوم طريقتهم في سياسة الدولة وتصريف شؤونها، أو لزوم طريقتهم في الاستدلال بالكتاب والسنة وما دلا عليه. وأشهر ما وقع فيه الخلاف من تلك الإجماعات إجماع أهل المدينة أو عمل أهل المدينة ، وكلام أكثر الأصوليين عنه مجمل يحتاج إلى تفصيل وبيان، فأقول: عمل أهل المدينة: عمل أهل المدينة ليس المقصود به عملهم في جميع الأعصار، بل في عصر الصحابة والتابعين وتابعي التابعين فحسب، وقد جعله القاضي عبد الوهاب بن نصر المالكي على ضربين: نقلي واستدلالي. والنقلي كنقلهم الصاع والمد والأذان والأوقات وترك أخذ الزكاة من الخضروات، وهذا حجة عند جمهور العلماء، وقال أبو العباس القرطبي إنه لا ينبغي الخلاف فيه. وأما الاستدلالي فهو ما ذهبوا إليه بطريق الاجتهاد، وهذا هو محل الخلاف بين المالكية وغيرهم، بل قال القاضي عبد الوهاب إن المالكية مختلفون فيه على ثلاثة أوجه هي: ١ - أنه ليس بحجة ولا مرجح، وهو قول القاضي أبي بكر الباقلاني والأبهري وأبي الفرج وغيرهم. ٢ - أنه مرجح عند التعارض ولا يستدل به منفردا.

стр. 137

٣ - أنه حجة (١). والذين رأوا حجيته من المالكية ونسبوه لإمامهم، أخذوه مما عرف عن الإمام مالك أنه كان يروي الخبر ثم يترك العمل به ويقول: «وليس على هذا العمل عندنا» يعني في المدينة كما فعل في خيار المجلس. ويشكل على هذا النقل أن الإمام مالكا ﵀ ذكر في الموطأ في باب العيب في الرقيق إجماع أهل المدينة على أن البيع بشرط البراءة لا يجوز ولا يبرأ من العيب لو اشترطه، ثم خالفهم، ولعل هذا هو ما جعل بعض علماء المالكية ينكرون احتجاج مالك بإجماع أهل المدينة إلا فيما سبيله النقل. وأظهر ما يستدل به للقول بحجية إجماع أهل المدينة: أن المدينة قد ضمت صحابة رسول الله ﷺ وأبناءهم وأبناء أبنائهم، وأن ما اتفقوا عليه لا بد أن يكون ظاهرا معلوما في عهد رسول الله ﷺ فيكون حجة. وكذلك ما تركوه مع قيام الداعي إليه لا يتركونه إلا بحجة عن رسول الله ﷺ . وأما الاستدلال بالأحاديث الواردة في فضل المدينة وفضل الأنصار ودعاء الرسول ﷺ لأهلها فلا دلالة فيها على حجية إجماعهم أو عملهم. واستدل الجمهور على عدم الحجية بأن أدلة الإجماع ما خصت أهل المدينة بل عمت الأمة. انعقاد الإجماع بعد الخلاف: إذا اختلف أهل العصر الواحد في مسألة على قولين فأكثر، ثم رجع بعضهم عن قوله واتفقوا، هل يعد هذا إجماعا؟:

стр. 138

الصحيح عند الأكثر أنه إجماع، وقال ابن الباقلاني والقاضي عبد الوهاب المالكي لا يكون إجماعا؛ لأن اختلافهم أولا إجماع على تسويغ الخلاف، فلا ينقضه رجوع بعضهم عن رأيه. وقال الجويني: إن قرب العهد كان اتفاقهم بعد الاختلاف إجماعا، وأما إن تمادى الزمان واستقر الخلاف فليس اتفاقهم بعد ذلك إجماعا. والصحيح: أنه يعد إجماعا؛ لأنه قول كل المجتهدين في هذا العصر، والقول الذي رجع عنه صاحبه لا عبرة به. وأما إذا اختلف أهل العصر السابق على قولين ثم اتفق الذين بعدهم على قول من القولين كما لو اختلف الصحابة على قولين ثم اتفق التابعون على أحدهما، فاختلف العلماء في ذلك هل يعد إجماعا؟: فذهب بعضهم إلى أنه إجماع؛ لأنه قول كل أهل العصر الثاني. وذهب بعضهم إلى أنه ليس إجماعا؛ لأن المذاهب لا تموت بموت أصحابها فيبقى جواز تقليدهم فيها بعد موتهم. والصحيح: أن هذا لا يعد إجماعا؛ لأن متبع القول الذي مات قائله لا يصدق عليه أنه اتبع غير سبيل المؤمنين، والمعتمد في الاستدلال هو الآية المذكورة سابقا، ولأن الأمة لم تجتمع على حكم واحد في تلك المسألة بل اختلفوا فلا يصدق على هذه الصورة حديث: «لا تجتمع أمتي على ضلالة». وأما حديث: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين» فالمقصود بالحديث ليس مسائل الفروع الاجتهادية، وإنما المقصود بقاء طائفة من الأمة على الدين الحق. ولو سلم أنه يعم كل مسائل الخلاف فإن المتبع لصاحب القول السابق المخالف لما أجمع عليه علماء العصر قد يكون هو الذي على الحق

стр. 139

وإن كان مقلدا، والحديث ليس فيه إلا بقاء طائفة على الحق فلا يشترط أن تكون تلك الطائفة من المجتهدين. مخالفة الواحد والاثنين هل تنقض الإجماع ؟: الجمهور على أن الإجماع لا يتحقق إلا باتفاق كل المجتهدين من أهل العصر، وأن مخالفة واحد أو أكثر تخرم الإجماع؛ لأن الأدلة الدالة على الحجية وعصمة الأمة تدل على ذلك. وقال ابن جرير الطبري: إن مخالفة الواحد والاثنين لا تخرم الإجماع؛ لحديث: «عليكم بالسواد الأعظم». وما ذهب إليه الجمهور هو الصحيح، ولكن ذلك لا يمنع أن يكون قول الأكثر من المرجحات عند تعادل الأدلة في نظر المجتهد، كما أنه من المرجحات عند العامي ومن يلحق به من صغار طلاب العلم، ولهذا فلا يستنكر على العالم تهيبه من مخالفة مذهب جماهير العلماء إلا إذا وجد نصا صريحا واضحا على خلاف قولهم، ومن النادر جدا أن يوجد دليل صحيح صريح يخالفه جمهور العلماء. حكم المخالف للإجماع: يكثر في كلام العلماء تكفير مخالف الإجماع أو تفسيقه، ولكن ذلك إنما يحمل على الإجماع الصريح المنقول بطريق التواتر والقطع، وقد قلنا فيما مضى إن هذا النوع من الإجماع غير موجود إلا على مسائل دلت عليها نصوص قطعية، وحينئذ يكون تكفير المخالف أو تفسيقه لمخالفة تلك النصوص لا لمخالفة الإجماع وحده. وأما ما عدا ذلك من الإجماعات فهي لا تعدو أن تكون أدلة ظنية لا يمكن

стр. 140

دعوى تكفير المخالف لها أو تفسيقه، وبخاصة حين يكون معه دليل من عموم كتاب أو سنة. والتكفير والتفسيق من الأمور التي يجب أن لا يتعجل فيها المفتي؛ إذ لا يستحقها إلا من أنكر ما علم من الدين بالضرورة، وقامت عليه الحجة، وانقطع عذره، كما هو معلوم في موضعه.

стр. 141

الدليل الرابع القياس تعريفه: القياس في اللغة: التقدير، يقال: قاس الطبيب الجرح، إذا قدر عمقه، وقاس البزاز القماش إذا قدره بالمتر. ويطلق على المساواة بين شيئين، كما يقال: فلان لا يقاس بفلان، أي: لا يساوى به. وفي الاصطلاح: نجد أن للأصوليين اتجاهين رئيسين في تعريفه: الأول: جعل القياس اسما لفعل المجتهد الذي ينظر في المسألة غير المنصوص على حكمها ليلحقها بالمنصوص عليها. الثاني: جعل القياس اسما للتساوي الواقع بين المسألتين، سواء تفطن له المجتهد فاستدل به على حكم غير المنصوص أم لم يتفطن له. وعلى هذا يمكن أن نعرفه بناء على الاتجاه الأول بأنه: إلحاق فرع بأصل في الحكم الشرعي الثابت له لاشتراكهما في علة الحكم. ومثله التعبير بلفظ: حمل فرع على أصل في حكم ... الخ. وكذا قولهم: حمل معلوم على معلوم ... الخ. وأما على الاتجاه الثاني فيمكن أن يعرف بأنه: مساواة فرع لأصل في حكم شرعي لاشتراكهما في علة الحكم. وكل من هذين التعريفين لم يسلم من الاعتراض، ولكن لما كان المقصود بالتعريف تمييز المعرف عن غيره أمكن الاكتفاء بأي منهما.

стр. 142

والقياس ينقسم إلى قياس طرد وقياس عكس، ولكن العلماء حين يعرفونه إنما يعرفون قياس الطرد لأنه الأصل، أما قياس العكس فقل من يراعيه عند تعريف القياس؛ إما لأنه لا يرى حجيته، وإما لقلة وروده في كلام الفقهاء، وإما لاختلاف الحقيقتين وتعذر الجمع بينهما في تعريف واحد. والمراد بالطرد هنا: ثبوت الحكم لثبوت الوصف المدعى عليته. والعكس: انتفاء الحكم لانتفاء الوصف المدعى عليته. وإذا نظرنا إلى تعريفات الأصوليين للقياس نجد أن غالبهم لا يلتفت إلى قياس العكس عند التعريف فلهذا يعبرون بلفظ إثبات أو إلحاق أو حمل أو مساواة، ويعبرون بلفظ: لاشتراكهما في العلة، أو لتساويهما في العلة، ومعلوم أن هذا إنما يصدق على قياس الطرد؛ إذ هو الذي يثبت به حكم للمسكوت عنه مساو لحكم المنطوق، لتساويهما في علة الحكم. وما جرى عليه جمهرة الأصوليين من قصر التعريف على قياس الطرد دون قياس العكس هو الأولى؛ لاختلاف الحقيقتين وعدم إمكان الجمع بينهما في تعريف واحد. ولهذا فسنذكر التعريف المختار لقياس الطرد لأنه المقصود بالقياس عند الإطلاق. فأقول: أحسن ما يعرف به القياس أن يقال: «هو إثبات مثل حكم الأصل للفرع لتساويهما في علة الحكم». شرح التعريف: لشرح التعريف لا بدّ من معرفة معاني الكلمات الآتية: الحكم، الأصل، الفرع، العلة. فالحكم سبق تعريفه، والمقصود به هنا: أي حكم من الأحكام الشرعية، كالوجوب والتحريم والندب.

стр. 143

الأصل: المقصود به هنا: المقيس عليه، أي: الصورة أو المسألة التي ثبت حكمها بنص أو إجماع، أو اتفق عليه الخصمان المتناظران. الفرع: المقصود به هنا: المقيس، أي الصورة أو المسألة التي يراد إثبات حكمها بالقياس. العلة: المراد بها هنا: المعنى الذي ثبت الحكم في المسألة المقيس عليها لأجله، سواء عرف ذلك بنص أو باجتهاد ونظر. فمعنى التعريف: أن القياس هو تسوية المجتهد في الحكم بين مسألتين: إحداهما ثبت حكمها بنص أو إجماع أو اتفاق من المتناظرين، والأخرى محل خلاف، فيقوم المجتهد بإلحاقها بالأولى المتفق على حكمها لأجل اشتراك المسألتين في الوصف الذي يغلب على الظن أنه علة ثبوت الحكم في المسألة المقيس عليها. مثاله: أن الخمر محرمة باتفاق المسلمين؛ للنصوص الكثيرة الواردة في تحريمها، والنبيذ الذي هو عصير الفواكه أو التمر أو الشعير ونحوه إذا طبخ حتى ذهب ثلثاه، اختلف في تحريمه. فذهب جمهور العلماء إلى تحريمه قياسا على الخمر. فالخمر هي الأصل في هذا القياس، والنبيذ فرع، والعلة الجامعة بينهما الإسكار، فكل منهما مسكر، والحكم الذي ثبت للفرع هو التحريم. وهذا المثال يذكره أكثر الأصوليين، مع أن تحريم النبيذ ثابت بقوله ﷺ : «وكل مسكر خمر»، فالقياس هنا لا حاجة إليه إلا للاستدلال به على من لا يرى صحة الحديث. مثال آخر: ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «البر بالبر مثلا بمثل» الحديث، فقاس جمهور العلماء الذرة على البر، وحكموا بتحريم بيعها بجنسها مع التفاوت في المقدار، ولم يخالف في هذا إلا الظاهرية، فالأصل في هذا المثال البر،

стр. 144

والفرع الذرة، والعلة الجامعة أن كلا منهما مكيل يمكن ضبط مقداره بالكيل، والحكم هو تحريم التفاضل إذا بيع بجنسه. وبعض العلماء عللوا ذلك بالطعم فقالوا: البر مطعوم، والذرة كذلك، فالذرة تأخذ حكم البر. وبعضهم علل بالاقتيات والادخار، فقال تقاس الذرة على البر ويثبت تحريم بيعها بجنسها مع التفاضل، والعلة الجامعة هي الاقتيات والادخار، فكل من البر والذرة يقتاته الناس ويدخرونه ولا يفسد بالادخار. أركان القياس: اتضحت أركان القياس من خلال التعريف والمثال، وتبين أن له أربعة أركان: ١ - الأصل، وهو المسألة المقيس عليها. هذا في الاصطلاح الأكثر استعمالا، ولكن قد يطلق الأصل على الدليل المثبت للحكم، وقد يطلق على الحكم نفسه. ٢ - الفرع، وهو الصورة المقيسة، أو المراد إثبات حكمها بالقياس. ٣ - الحكم، وهو حكم الشرع الذي ثبت في الأصل، سواء أكان تحريما أم وجوبا أم إباحة أم غير ذلك. ٤ ـ العلة، وهي الوصف الذي يشترك فيه الأصل والفرع، ويغلب على الظن أنه مناط الحكم ومتعلقه. وقد جريت على المشهور، مع أن الأولى أن نعبر بالوصف الجامع لا بالعلة؛ لأن الوصف الجامع أعم من العلة، فقد يكون علة وقد يكون وصفا شبهيا، وسيأتي تفصيل ذلك عند الكلام عن شروط العلة.

стр. 145

تعريف العلة: العلة في اللغة: المرض، أو هي تغير المحل. وفي الاصطلاح اختلف في تعريفها، وأحسن ما قيل في تعريف العلة، أنها: «وصف ظاهر منضبط دل الدليل على كونه مناطا للحكم». ومعنى قولهم: (وصف) أي: معنى من المعاني، ولهذا كثر في كلام الأصوليين والفقهاء إطلاق المعنى على العلة، بل إن المتقدمين لا يكادون يذكرون (العلة) بل (المعنى). وقولهم: (ظاهر): قيد يخرج الوصف الخفي الذي لا يطلع عليه إلا من قام به، مثل الرضى في البيع، فإنه لا يعلل به وإنما يعلل انعقاد البيع بقول الشخص بعت أو قبلت، فالنطق بالصيغة وصف ظاهر، ولهذا جعل هو العلة في انعقاد البيع. قولهم: (منضبط)، الوصف المنضبط هو الذي لا يختلف باختلاف الأفراد ولا باختلاف الأزمنة والأمكنة. ومثلوا لغير المنضبط بالمشقة إذا قيل: علة الفطر في السفر المشقة، فإن المشقة تختلف باختلاف الأفراد والأزمان والأمكنة. ومثلوا للمنضبط بالسفر إذا عللنا جواز الفطر به. وقولهم: (دل الدليل على كونه مناطا للحكم)، أي: قام دليل معتبر من الأدلة الدالة على العلة على أن هذا الوصف علة الحكم. ومعنى قولهم: (مناطا للحكم) أي: متعلَّقا للحكم، بمعنى أن الحكم يعلق على هذا الوصف فيوجد بوجوده ويعدم بعدمه. وهذا التعريف يصلح لجميع المذاهب مع اختلافهم في أثر العلة، وذلك أن
следующие страницы →