← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 36379

أصول الفقه الذي لا يسع الفقيه جهله

عياض السلمي

Полный текст (493 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

الدليل الرابع القياس تعريفه: القياس في اللغة: التقدير، يقال: قاس الطبيب الجرح، إذا قدر عمقه، وقاس البزاز القماش إذا قدره بالمتر. ويطلق على المساواة بين شيئين، كما يقال: فلان لا يقاس بفلان، أي: لا يساوى به. وفي الاصطلاح: نجد أن للأصوليين اتجاهين رئيسين في تعريفه: الأول: جعل القياس اسما لفعل المجتهد الذي ينظر في المسألة غير المنصوص على حكمها ليلحقها بالمنصوص عليها. الثاني: جعل القياس اسما للتساوي الواقع بين المسألتين، سواء تفطن له المجتهد فاستدل به على حكم غير المنصوص أم لم يتفطن له. وعلى هذا يمكن أن نعرفه بناء على الاتجاه الأول بأنه: إلحاق فرع بأصل في الحكم الشرعي الثابت له لاشتراكهما في علة الحكم. ومثله التعبير بلفظ: حمل فرع على أصل في حكم ... الخ. وكذا قولهم: حمل معلوم على معلوم ... الخ. وأما على الاتجاه الثاني فيمكن أن يعرف بأنه: مساواة فرع لأصل في حكم شرعي لاشتراكهما في علة الحكم. وكل من هذين التعريفين لم يسلم من الاعتراض، ولكن لما كان المقصود بالتعريف تمييز المعرف عن غيره أمكن الاكتفاء بأي منهما.

стр. 142

والقياس ينقسم إلى قياس طرد وقياس عكس، ولكن العلماء حين يعرفونه إنما يعرفون قياس الطرد لأنه الأصل، أما قياس العكس فقل من يراعيه عند تعريف القياس؛ إما لأنه لا يرى حجيته، وإما لقلة وروده في كلام الفقهاء، وإما لاختلاف الحقيقتين وتعذر الجمع بينهما في تعريف واحد. والمراد بالطرد هنا: ثبوت الحكم لثبوت الوصف المدعى عليته. والعكس: انتفاء الحكم لانتفاء الوصف المدعى عليته. وإذا نظرنا إلى تعريفات الأصوليين للقياس نجد أن غالبهم لا يلتفت إلى قياس العكس عند التعريف فلهذا يعبرون بلفظ إثبات أو إلحاق أو حمل أو مساواة، ويعبرون بلفظ: لاشتراكهما في العلة، أو لتساويهما في العلة، ومعلوم أن هذا إنما يصدق على قياس الطرد؛ إذ هو الذي يثبت به حكم للمسكوت عنه مساو لحكم المنطوق، لتساويهما في علة الحكم. وما جرى عليه جمهرة الأصوليين من قصر التعريف على قياس الطرد دون قياس العكس هو الأولى؛ لاختلاف الحقيقتين وعدم إمكان الجمع بينهما في تعريف واحد. ولهذا فسنذكر التعريف المختار لقياس الطرد لأنه المقصود بالقياس عند الإطلاق. فأقول: أحسن ما يعرف به القياس أن يقال: «هو إثبات مثل حكم الأصل للفرع لتساويهما في علة الحكم». شرح التعريف: لشرح التعريف لا بدّ من معرفة معاني الكلمات الآتية: الحكم، الأصل، الفرع، العلة. فالحكم سبق تعريفه، والمقصود به هنا: أي حكم من الأحكام الشرعية، كالوجوب والتحريم والندب.

стр. 143

الأصل: المقصود به هنا: المقيس عليه، أي: الصورة أو المسألة التي ثبت حكمها بنص أو إجماع، أو اتفق عليه الخصمان المتناظران. الفرع: المقصود به هنا: المقيس، أي الصورة أو المسألة التي يراد إثبات حكمها بالقياس. العلة: المراد بها هنا: المعنى الذي ثبت الحكم في المسألة المقيس عليها لأجله، سواء عرف ذلك بنص أو باجتهاد ونظر. فمعنى التعريف: أن القياس هو تسوية المجتهد في الحكم بين مسألتين: إحداهما ثبت حكمها بنص أو إجماع أو اتفاق من المتناظرين، والأخرى محل خلاف، فيقوم المجتهد بإلحاقها بالأولى المتفق على حكمها لأجل اشتراك المسألتين في الوصف الذي يغلب على الظن أنه علة ثبوت الحكم في المسألة المقيس عليها. مثاله: أن الخمر محرمة باتفاق المسلمين؛ للنصوص الكثيرة الواردة في تحريمها، والنبيذ الذي هو عصير الفواكه أو التمر أو الشعير ونحوه إذا طبخ حتى ذهب ثلثاه، اختلف في تحريمه. فذهب جمهور العلماء إلى تحريمه قياسا على الخمر. فالخمر هي الأصل في هذا القياس، والنبيذ فرع، والعلة الجامعة بينهما الإسكار، فكل منهما مسكر، والحكم الذي ثبت للفرع هو التحريم. وهذا المثال يذكره أكثر الأصوليين، مع أن تحريم النبيذ ثابت بقوله ﷺ : «وكل مسكر خمر»، فالقياس هنا لا حاجة إليه إلا للاستدلال به على من لا يرى صحة الحديث. مثال آخر: ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «البر بالبر مثلا بمثل» الحديث، فقاس جمهور العلماء الذرة على البر، وحكموا بتحريم بيعها بجنسها مع التفاوت في المقدار، ولم يخالف في هذا إلا الظاهرية، فالأصل في هذا المثال البر،

стр. 144

والفرع الذرة، والعلة الجامعة أن كلا منهما مكيل يمكن ضبط مقداره بالكيل، والحكم هو تحريم التفاضل إذا بيع بجنسه. وبعض العلماء عللوا ذلك بالطعم فقالوا: البر مطعوم، والذرة كذلك، فالذرة تأخذ حكم البر. وبعضهم علل بالاقتيات والادخار، فقال تقاس الذرة على البر ويثبت تحريم بيعها بجنسها مع التفاضل، والعلة الجامعة هي الاقتيات والادخار، فكل من البر والذرة يقتاته الناس ويدخرونه ولا يفسد بالادخار. أركان القياس: اتضحت أركان القياس من خلال التعريف والمثال، وتبين أن له أربعة أركان: ١ - الأصل، وهو المسألة المقيس عليها. هذا في الاصطلاح الأكثر استعمالا، ولكن قد يطلق الأصل على الدليل المثبت للحكم، وقد يطلق على الحكم نفسه. ٢ - الفرع، وهو الصورة المقيسة، أو المراد إثبات حكمها بالقياس. ٣ - الحكم، وهو حكم الشرع الذي ثبت في الأصل، سواء أكان تحريما أم وجوبا أم إباحة أم غير ذلك. ٤ ـ العلة، وهي الوصف الذي يشترك فيه الأصل والفرع، ويغلب على الظن أنه مناط الحكم ومتعلقه. وقد جريت على المشهور، مع أن الأولى أن نعبر بالوصف الجامع لا بالعلة؛ لأن الوصف الجامع أعم من العلة، فقد يكون علة وقد يكون وصفا شبهيا، وسيأتي تفصيل ذلك عند الكلام عن شروط العلة.

стр. 145

تعريف العلة: العلة في اللغة: المرض، أو هي تغير المحل. وفي الاصطلاح اختلف في تعريفها، وأحسن ما قيل في تعريف العلة، أنها: «وصف ظاهر منضبط دل الدليل على كونه مناطا للحكم». ومعنى قولهم: (وصف) أي: معنى من المعاني، ولهذا كثر في كلام الأصوليين والفقهاء إطلاق المعنى على العلة، بل إن المتقدمين لا يكادون يذكرون (العلة) بل (المعنى). وقولهم: (ظاهر): قيد يخرج الوصف الخفي الذي لا يطلع عليه إلا من قام به، مثل الرضى في البيع، فإنه لا يعلل به وإنما يعلل انعقاد البيع بقول الشخص بعت أو قبلت، فالنطق بالصيغة وصف ظاهر، ولهذا جعل هو العلة في انعقاد البيع. قولهم: (منضبط)، الوصف المنضبط هو الذي لا يختلف باختلاف الأفراد ولا باختلاف الأزمنة والأمكنة. ومثلوا لغير المنضبط بالمشقة إذا قيل: علة الفطر في السفر المشقة، فإن المشقة تختلف باختلاف الأفراد والأزمان والأمكنة. ومثلوا للمنضبط بالسفر إذا عللنا جواز الفطر به. وقولهم: (دل الدليل على كونه مناطا للحكم)، أي: قام دليل معتبر من الأدلة الدالة على العلة على أن هذا الوصف علة الحكم. ومعنى قولهم: (مناطا للحكم) أي: متعلَّقا للحكم، بمعنى أن الحكم يعلق على هذا الوصف فيوجد بوجوده ويعدم بعدمه. وهذا التعريف يصلح لجميع المذاهب مع اختلافهم في أثر العلة، وذلك أن

стр. 146

العلماء اختلفوا في أثر العلة في الحكم على ثلاثة مذاهب: ١ـ مذهب المعتزلة: أن العلة لها أثر في ثبوت الحكم، فهي المثبتة للحكم، كما أن العلة العقلية هي المثبتة لحكمها، فكما نقول: التسويد علة لكون المحل أسود، والأكل علة للشبع، والشرب علة للري، نقول: اختلاف الوزن علة لتحريم بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة مع التفاضل، وهكذا. ٢ - مذهب الأشاعرة: أن العلة ليس لها أثر في وجود الحكم، وإنما هي علامة مجردة عليه، والحكم يسند لله وحده لا للعلل. ٣ - المذهب الثالث: أن العلة لها أثر في الحكم، ولكن ليست مؤثرة بذاتها، بل الله جل وعلا هو الذي جعلها مؤثرة، وهذا القول هو اللائق بمذهب السلف؛ لأنه مقتضى نصوص القرآن والسنة، كقوله تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [المائدة٣٢] وقوله: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [الحشر٧] وقوله: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ [الزخرف٥٥]. وهذا خلاف نقل إلى أصول الفقه من خلافهم في علم الكلام؛ فإن المعتزلة يثبتون الأسباب ويجعلونها مؤثرة بنفسها، أو يسندون التأثير إليها، والأشعرية ينكرون أثر الأسباب ويجعلون المؤثر هو الله وحده، والأسباب والعلل عندهم ليست إلا علامات على أن الله أراد وجود المسبب، فالمعتزلة يقولون: النار محرقة بذاتها، إلا إن أراد الله أن يسلبها هذه الخاصية فإنه على كل شيء قدير، والأشعرية يقولون: النار لا تكون محرقة إلا إذا أراد الله لها ذلك. والقول الحق في ذلك هو الجمع بين القولين، فلا ننكر أثر الأسباب والسنن التي جعلها الله في الكون لعمارته وبقائه، وفي الوقت نفسه لا نقول إن ذلك يكون بغير إرادةالله وتدبيره، بل نقول: العلل والأسباب لها تأثير، ولكن

стр. 147

تأثيرها ليس بذاتها، بل الله جل وعلا هو الذي جعلها كذلك، وبهذا لا نكون أثبتنا خالقا مع الله، بل الله خالق كل شيء فهو خالق الأسباب والمسببات. ومذهب المعتزلة والماتريدية أقرب إلى مذهب السلف من مذهب الأشاعرة في هذه المسألة. وقد بنى الأشاعرة مذهبهم في كون العلة مجرد علامة، على مذهب فاسد وهو عدم تعليل أفعال الله، وهذا يناقض كثيراً من نصوص القرآن والسنة، كقوله تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة٣٢] وقوله تعالى: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ [الحديد٢٣] وقوله: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [الحشر٧]. وهو أيضا يناقض ما ذكروه في مواضع من باب القياس. وقد نبه الرازي على تناقض الأشاعرة فقال: «وأما الفقهاء فإنهم يصرحون بأنه تعالى إنما شرع هذا الحكم لهذا المعنى، ولأجل هذه الحكمة، ولو سمعوا لفظ الغرض لكفّروا قائله مع أنه لا معنى لتلك اللام إلا الغرض» (١).

стр. 148

شروط القياس عرفنا أن أركان القياس أربعة، فينبغي أن نعرف شروط كل واحد من هذه الأركان. أولا: شروط الأصل: يذكر علماء الأصول القدماء والمحدثون للأصل شروطا كثيرة، وإذا تأملناها وجدناها شروطا لحكم الأصل، وإذا أردنا أن نذكرها تحت شروط الأصل فلا بد أن نسبقها بقولنا: أن يكون حكمه كذا ... وبعضهم يذكرها تحت شروط الحكم؛ لأن المراد بالحكم هنا الحكم الثابت في الأصل الذي يراد إثبات مثله في الفرع. ولهذا نقول: إن الأصل هو المقيس عليه، وشرطه: أن يكون له حكم شرعي ثابت بنص، أو إجماع، أو اتفاق الخصمين المتناظرين. مثال ما له حكم ثابت بنص: بيع البر بالبر متفاضلا، ثبت تحريمه بحديث: «لا تبيعوا البر بالبر إلا مثلا بمثل». فيجوز أن يقاس عليه العدس. ومثال ما له حكم ثابت بالإجماع: الأفيون والحشيس، يقاس عليه القات، فتحريم الحشيش ثابت بالإجماع فيقاس عليه القات. ومثال ما له حكم اتفق عليه الخصمان وليس محل إجماع: قتل الحر بالمكاتب، اتفق الشافعية والحنفية على عدم قتل الحر بالمكاتب، وقاس الشافعية العبد على المكاتب، ورد الحنفية هذا القياس، مع أنهم يوافقون على حكم الأصل؛ لأنهم يخالفون في علته.

стр. 149

ثانيا: شروط الفرع: ١ ـ أن يكون غير منصوص على حكمه؛ لأنه إذا نص على حكمه أو دخل في عموم النص الدال على حكم الأصل فلا حاجة للقياس، هكذا قالوا، مع أنه لا مانع أن يتضافر على الحكم أكثر من دليل، فقد يكون الحكم دل عليه النص والقياس، والممنوع هو معارضة النص بالقياس. ٢ ـ أن تكون علة الأصل موجودة فيه؛ لأن شرط تعدية الحكم من الأصل إلى الفرع وجود العلة في الفرع. ٣ ـ اشترط بعض العلماء في الفرع أن لا يكون متقدما على الأصل، فإن كان متقدما على الأصل لم يجز قياس المتقدم على المتأخر، ومثلوا ذلك بالوضوء مع التيمم، فإن مشروعية الوضوء سابقة لمشروعية التيمم فلا يقاس الوضوء على التيمم، وبذلك أبطلوا قياس الشافعية الوضوء على التيمم في إيجاب النية بجامع أن كلا منهما عبادة مشروعة. ولا يخفى أن هذا الشرط لا يستقيم إلا في الأسماء الشرعية التي عرفت من قبل الشرع، أما في الأسماء اللغوية فلا يستقيم؛ إذ لا يعرف متى وضعت العرب هذا اللفظ لهذا المعنى. والراجح في هذا جواز قياس المتقدم على المتأخر؛ لأن القياس مظهر للحكم الشرعي وكاشف عنه وليس مثبتا له حتى نقول كيف يثبت حكم المتقدم بما هو متأخر عنه. ثم إن إضافة شروط وقيود على حكم سابق ليس مستغربا في الشريعة، فلا يمتنع أن تكون النية ليست شرطا في الوضوء في أول الإسلام ثم اشترطت بعد نزول آية التيمم.

стр. 150

ثالثا: شروط الحكم: المراد بالحكم هنا: الحكم الثابت في الأصل المقيس عليه، وله شروط أهمها: ١ ـ أن يكون حكما شرعيا عمليا، لا عقليا ولا لغويا؛ لأن الحكم العقلي لا يثبت بالقياس، واللغوي وإن أمكن ثبوته بالقياس لكنه ليس القياس الشرعي المصطلح عليه عند العلماء. ومعنى قولهم عمليا: أي ليس من الأحكام الاعتقادية، كاعتقاد وجود الله واتصافه بصفات الكمال، وثبوت الجنة والنار والبعث والجزاء، فهذه أحكام عقدية لا مدخل للقياس في إثباتها، وإنما تثبت بالتوقيف. ٢ ـ أن يكون باقيا غير منسوخ، فالحكم المنسوخ لا يجوز إثبات مثله في الفرع بطريق القياس. وقول بعض العلماء: «الحكم المنسوخ لا يجوز القياس عليه» فيه تساهل في العبارة؛ فإن الحكم ليس مقيسا عليه، بل الأصل هو المقيس عليه، وهذا التعبير ناشئ من عدم الالتزام بالمصطلح، فالأصل يطلق على المقيس عليه، ويطلق على حكم الأصل، ولكن ينبغي أن يسير المؤلف على أحد هذه الإطلاقات ولا يعبر بهذا اللفظ مرة عن المعنى الأول ومرة عن المعنى الثاني، فيوقع القارئ في الحيرة. ونقل عن بعض الحنفية أنهم أجازوا القياس على ما نسخ حكمه، ولكن ليس في إثبات الحكم المنسوخ نفسه للفرع، بل لإثبات بعض شروطه أو قيوده أو صفاته الأخرى، ومثلوه بقياس صيام رمضان على صيام عاشوراء في جواز صحته بنية من النهار قبل الزوال، وصيام عاشوراء كان واجبا ونسخ وجوبه برمضان، ومع ذلك قاسوا صوم رمضان الذي هو فرض على صيام عاشوراء

стр. 151

ـ الذي كان فرضا ـ في صحته بنية من النهار. وأنكر الجمهور هذا القياس، وتمسكوا بحديث: «لا صيام لمن لم يجمع الصيام من الليل». ٣ ـ أن يكون ثابتا بنص أو إجماع أو اتفاق من الخصمين المتناظرين. فإن كان ثابتا بنص فيجوز القياس عليه وإن خالف فيه من خالف، مثل قياس سؤر الخنزير على سؤر الكلب في النجاسة ووجوب غسله سبعا، وسؤر الكلب ثبت حكمه بحديث صحيح، وخالف فيه الإمام مالك وقال: إن الأمر بغسل الإناء من ولوغ الكلب تعبدي لا لأجل نجاسته، وكذلك قياس الإجارة على البيع في ثبوت خيار المجلس وهو ثابت بنص صحيح، وخالف فيه الإمام مالك وخلافه في حكم المقيس عليه لا يمنع غيره من القياس عليه. وإن كان ثابتا بالإجماع، فقال بعض العلماء: لا يقاس عليه ما لم يعرف مستند الإجماع؛ لأن القياس لا بد فيه من معرفة العلة، ولا تعرف إلا بمعرفة النص الوارد في حكم الأصل. والصحيح: جواز القياس على ما ثبت بالإجماع؛ لأنه لا يمكن أن يثبت الإجماع إلا لنص صريح واضح أو لعلة معتبرة شرعا. وأما إذا كان حكم الأصل متفقا عليه بين الخصمين، ولا يعرفان له دليلا من كتاب ولا سنة، فقيل يصح القياس على هذا الأصل بين الخصمين ليقنع أحدهما الآخر برأيه، كما يحصل بين المقلدين لمذهب واحد إذا عرفوا نص إمامهم في مسائل فأراد أحدهم أن يقيس على تلك المسائل فيمكنه ذلك لإقناع خصمه المتفق معه في حكم الأصل، وكذا بين مقلدي المذاهب المختلفة إذا اتفقت مذاهبهم على حكم الأصل المقيس عليه ولم يعرفوا دليله.

стр. 152

والصحيح: أن القياس نوع من الاجتهاد، ولا يجوز أن يشتغل به من لم يبلغ رتبة الاجتهاد، فالذي يعرف مذهب إمامه ولا يعرف دليله، ليس له أن يقيس على أصل لا يعرف دليله إلا أن يكون قياسا بنفي الفارق مما يشترك فيه جميع العقلاء. وأما إذا كان حكم الأصل قد ثبت بالقياس واتفق الخصمان على ذلك الحكم وهما مجتهدان فهل يجوز لهما القياس عليه؟ اختلفوا في ذلك، والصحيح عدم جواز القياس على ما ثبت بالقياس؛ لأنه إذا عرف دليل الأصل في القياس الأول فينبغي أن يقيس عليه مباشرة بلا واسطة، وإن لم يعرف دليل الأصل في القياس الأول فلا يجوز القياس. وأيضا فإن العلة التي لأجلها ثبت الحكم في الأصل في القياس الأول، إن كانت موجودة في الفرع في القياس الثاني، فينبغي أن يقاس هذا الفرع على الأصل الأول بلا واسطة، وإن لم تكن موجودة، فلا يصح القياس حينئذ. وقد بنى الماوردي هذا الخلاف على اختلافهم في تعليل الحكم بعلتين، فمن أجازه أجاز القياس على ما ثبت حكمه بالقياس مع اختلاف العلة. ومثاله: قياس الأرز على البر في تحريم التفاضل بعلة الكيل، ثم يقيس الموز على الأرز بعلة كونه نبتا لا ينقطع عنه الماء (١)، أو بعلة كونه مطعوما. فالعلة الأولى غير موجودة في البر، والثانية موجودة. ٤ ـ أن يكون حكم الأصل معقول المعنى، أي: معروف العلة. فإن كان فيما لا يدخله التعليل فلا يجوز القياس حينئذ، ولهذا قال العلماء: الأحكام

стр. 153

التعبدية لا يجري فيها القياس (١). ومثال ما ليس معقول المعنى: أن الصلاة فرض عند غروب الشمس فلا نقول إنها فرض عند طلوعها، وصلاة الجنازة على القبر جائزة فلا نقيس عليها صلاة النافلة. رابعا: شروط العلة: أكثر الأصوليين يعبرون عن الوصف الجامع بالعلة، ثم يذكرون من شروط العلة أن تكون وصفا مناسبا، وهذا لا يستقيم على قول من يرى جواز الاستدلال بقياس الشبه وقياس الدلالة؛ لأن الوصف الجامع في هذين القياسين هو الشبه في الأول ودليل العلة في الثاني، ولا يشترط لهما ظهور المناسبة، فالوصف الجامع الذي هو ركن من أركان القياس قد يكون علة، وقد يكون دليل العلة، وقد يكون وصفا شبهيا، كما سيأتي. والشروط التي تشترك فيها هذه الثلاثة هي: ١ ـ أن يكون وصفا ظاهرا لا خفيا، مثل الإسكار علة لتحريم الخمر، وكون العبد لا يجبر على ابتداء النكاح يعلل به عدم إجباره على فسخه، وكون

стр. 154

العبد يصح نكاحه يستدل به على صحة طلاقه وظهاره، وكون الوضوء قربة فيستدل به على اشتراط النية فيه. ٢ ـ أن يكون الوصف منضبطا، أي: لا يختلف باختلاف الأشخاص والأزمان والأمكنة اختلافا كبيرا. فإن كان غير منضبط، فلا يصح التعليل به كالمشقة في الفطر في السفر، فإن الناس يختلفون في قدرة تحملهم، فمنهم من يشق عليه السفر وإن كان قصيرا، ومنهم من لا يشق عليه السفر، والشرع من مقاصده التساوي بين الناس في الحكم الشرعي، فلهذا جعل السفر مناط الحكم لأنه مظنة المشقة. هكذا قال كثير من العلماء، والصواب أن المشقة علة للتخفيف، ولكن ليس كل ما فيه مشقة يكون علة للتخفيف، بل المشقة الخارجة عن المعتاد هي التي تصلح علة للتخفيف. وأما التعليل لجواز الفطر للمسافر بالسفر فهو تعليل بعلة قاصرة على المحل لا تتعداه إلى غيره وهي قليلة الفائدة؛ إذ لا يبنى عليها قياس وإنما هي قصر للنص على محله. ومع أن كثيرا من العلماء قالوا بقاعدة: المشقة تجلب التيسير، إلا أنهم لم يجعلوا الفطر في السفر مقصورا على من لحقته مشقة، بل عملوا بعموم النص الوارد في جواز الفطر للمسافر وإن كان منهم من حدد السفر المبيح للفطر بيوم وليلة أو بفراسخ محددة؛ لظنه أن ما دون ذلك لا توجد فيه مشقة. ولم يقولوا: إن من لم يشق عليه السفر لا يجوز له الفطر والجمع والقصر، وذلك لعدم التجرؤ على مخالفة النص، فإن النص عام في كل مسافر فلم يقيدوه بالمشقة. ولا يختلفون في أن من شق عليه الصيام مشقة تفضي به إلى الهلاك أو الضرر الذي لا يتحمل، جاز له الفطر وإن كان مقيما في بيته، وهذه

стр. 155

المشقة تختلف من شخص لآخر فما يشق على فلان من الناس ويلجئه إلى الفطر ربما لا يشق على غيره. ٣ ـ أن يكون الوصف متعديا، أي: يوجد في غير الأصل كوجوده في الأصل، فإن كان الوصف المعلل به قاصرا، أي: لا يتعدى محل الأصل الذي ثبت حكمه بالنص فتسمى العلة القاصرة، وقد أنكر التعليل بها الحنفية وأثبتها الشافعية، والجميع متفقون على أن العلة القاصرة لا يبنى عليها قياس، فلا تكون ركنا من أركانه. مثال التعليل بالعلة القاصرة: تعليل جواز الفطر في السفر بالسفر، فإن هذه علة قاصرة لا تتعدى إلى غير المنصوص عليه. ٤ ـ ثبوت العلية قطعا أو ظنا، والوصف الجامع يثبت كونه علة بطرق بعضها محل وفاق وبعضها محل خلاف. وستأتي مفصلة إن شاء الله. ٥ ـ الاطراد، والمراد به: وجود الحكم كلما وجد الوصف المدعى كونه علة. وعكسه: الانتقاض، وهو وجود الوصف مع تخلف الحكم. والنقض هو: إبداء صورة أو أكثر وجد فيها الوصف المدعى عليته، مع تخلف الحكم. مثاله، لو علل القصاص بالقتل، فإن هذه العلة منتقضة؛ لأن القتل خطأ لا قصاص فيه باتفاق، ولأن القاتل يقتل ولا قصاص في قتله، الخ. وأما إذا علل القصاص بالقتل عمدا عدوانا فإن هذه العلة مطردة غير منقوضة، فكل من قتل مسلما معصوما يستحق القتل. واختلف في هذا الشرط، فذهب أكثر الأصوليين إلى أنه شرط لصحة العلة

стр. 156

مطلقا، سواء أكانت منصوصة أم مستنبطة. وذهب بعضهم إلى أنه شرط للعلة المستنبطة فقط. والصحيح: أنه ليس بشرط لصحة العلة مطلقا؛ لأن العلة يكتفى فيها بالظن الغالب، وتخلف الحكم عن العلة في موضع لا يلغي الظن الغالب إذا شهد لهذا الظن شواهد أخرى، فإن تخلف الحكم في هذا الموضع قد يكون لفوات شرط من شروط العلة أو لوجود مانع، ولكن إذا اعترض على العلة بالنقض فلا بد للمستدل أن يبين سبب تخلف الحكم في هذا الموضع، فإن عجز عن بيان الفرق بين الصورة التي اعترض بها المعترض ومحل النزاع سقط استدلاله. وهناك شروط أخرى مختلف فيها، وهي تذكر في كتب الأصول في مسائل خاصة، مثل مسألة التعليل بالحكم، أو التعليل بالاسم المجرد، أو عدم التركيب من أكثر من وصف، أو التعليل بالعدم، ونحو ذلك. فهذه المسائل تشير إلى شروط مختلف فيها، اشترطها بعض العلماء في العلة فقال: يشترط أن تكون العلة وصفا وألا تكون اسما مجردا أو مركبة من أوصاف متعددة، أو عدمية (منفية). وحيث إن الراجح عدم اشتراطها فنكتفي بضرب أمثلة للتعليل بتلك العلل المختلف في توافر شروط العلة فيها. مثال التعليل بالحكم: قول الفقهاء في تكبيرة الإحرام: ركن من أركان الصلاة فلا يقوم غيرها مقامها كالركوع. فالعلة التي عللوا بها هي كون تكبيرة الإحرام ركنا في الصلاة، وهو حكم شرعي؛ إذ معنى الركن عندهم الفرض. وتعليلهم عدم قضاء الرمل في الأشواط الثلاثة الأولى من طواف القدوم

стр. 157

بكونه سنة فات محلها، وهو تعليل بعلة ذات وصفين: أحدهما حكم شرعي وهو قولهم سنة؛ إذ المقصود بالسنة هنا المندوب، ويدخل في هذا كثير مما يسمى بقياس الدلالة، كقولهم في الذمي: صح طلاقه فيصح ظهاره، فعلة صحة الظهار هنا هي صحة الطلاق. وكقولهم في المحرمات: حرم أكله فيحرم بيعه، أو حرم أخذه فحرم إعطاؤه، ونحو ذلك. والصحيح من هذه الأقيسة يرجع إلى قياس الدلالة الذي يكون الجمع فيه بين الأصل والفرع بدليل العلة. مثال التعليل بعلة مركبة من وصفين فأكثر: قولهم في علة القصاص: إنها القتل عمدا عدوانا، فهي مركبة من ثلاثة أوصاف، وفي علة قطع يد السارق: إنها سرقة نصاب من حرز مثله. وقولهم في قياس الوضوء على التيمم في وجوب النية: طهارة حكمية فوجبت لها النية كالتيمم. مثال التعليل بالاسم المجرد: قولهم في تعليل جواز التيمم بالجبس: تراب فيصح التيمم به كسائر ما يطلق عليه الاسم. وكقولهم في الرماد: ليس بتراب فلا يصح التيمم به، فهذا تعليل بنفي الاسم المجرد. مثال التعليل بالوصف العدمي: قولهم: عدم الملك علة لوجود حرمة الانتفاع، وعدم الطهارة علة لبطلان الصلاة، ويدخل في هذا، التعليلُ بعدم الشرط. والظاهر لي أن الوصف العدمي لا يصلح أن يكون علة في القياس لإثبات حكم وجودي، والذين استدلوا على جواز تعليل الوجودي بالعدمي قصدوا التعليل المجرد الذي لا يرجع إلى قياس فرع على أصل. وأما تعليل العدم بالعدم، والعدم بالوجود، فجائز بلا خلاف يعتد به.

стр. 158

مثال الأول: التعليل بعدم السبب، مثل: عدمت القرابة والنكاح والولاء فانعدم الإرث، ومثال الثاني: التعليل بوجود المانع، كقولهم: وجد الرق فانعدم الإرث، وليس من عادتهم أن يذكروه في القياس إلا نادرا.

стр. 159

طرق معرفة العلة يتعرف المجتهد على العلة بعدة طرق، بعضها محل وفاق وبعضها محل خلاف، أهمها ما يلي: ١ ـ النص: والمقصود به أن يرد بيان العلة في النص من قرآن أو سنة، وهو أقوى الطرق لمعرفة العلة. والنص على العلة قسمان: أـ نص صريح، مثل قوله تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة٣٢]. ومثل قوله ﷺ : «إنما جعل الاستئذان من أجل البصر» (متفق عليه). ب ـ النص غير الصريح، ويقصد به الظاهر في التعليل الذي يحتمل غيره. ومن أمثلته قوله ﷺ في الهرة: «إنها ليست بنجس، إنها من الطوافين عليكم والطوافات» (أخرجه الخمسة)، فقوله إنها من الطوافين، يفيد أن علة طهارتها كونها من الطوافين، وصعوبة التحرز منها فيلحق بها الفأرة ونحوها من سواكن البيوت. ٢ ـ الإجماع: الإجماع طريق صحيح من الطرق التي تعرف بها العلة عند جماهير العلماء، وقد استشكل ذلك بعضهم فقال: كيف يكون الإجماع على العلة دليلا على

стр. 160

صحتها، مع أن المخالفين للقياس لا يقولون بالتعليل وهم بعض الأمة؟. وقد أجاب عن ذلك إمام الحرمين فقال: الذي ذهب إليه ذوو التحقيق أنا لا نعد منكري القياس من علماء الأمة وحملة الشريعة؛ فإنهم مباهتون أولا على عنادهم فيما ثبت استفاضة وتواترا، ومن لم يزعه التواتر ولم يحتفل بمخالفته لم يوثق بقوله ومذهبه، وأيضا فإن معظم الشريعة صدر عن الاجتهاد، والنصوص لا تفي بالعشر من معشار الشريعة، وهؤلاء ملتحقون بالعوام، وكيف يدعون مجتهدين ولا اجتهاد لهم؟» (١). ومثال العلة المجمع عليها: الصغر علة للولاية على مال اليتيم، فيقاس عليه الولاية في النكاح. والتعدي على المال علة لوجوب الضمان على الغاصب، فيقاس عليه ضمان المسروق. ولا يلزم من الإجماع على العلة الإجماع على كل قياس تكون ركنا فيه، فقد يتفقون على علة حكم الأصل ولكن يختلفون في وجودها في الفرع، أو في صحة قياس الفرع عليه؛ لوجود نص يخص الفرع، ونحو ذلك. ٣ ـ الإيماء: وهو في اللغة: الإشارة باليد أو بالرأس ونحو ذلك. وفي الاصطلاح: فهم التعليل من لازم النص لا من وضعه للتعليل. وله أنواع يصعب حصرها، وأهمها: أـ ... أن يرتب الحكم على الوصف بالفاء، مثل قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة٣٨]، وقوله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا

стр. 161

مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور٢]، وقوله ﷺ : «من أحيا أرضا ميتة فهي له»، وقد عد بعض العلماء هذا النوع من النص الظاهر على العلة (١). ب ـ أن يأتي الحكم جوابا على سؤال سائل، فيجعل ما في السؤال علة للحكم كما في سؤال الأعرابي الذي قال: هلكت يا رسول الله، قال: «ما أهلكك؟» قال: وقعت على أهلي وأنا صائم، قال: «فهل تجد ما تعتق رقبة؟» الحديث (متفق عليه) فما ذكره الرسول ﷺ بعد سؤال السائل يدل على أن الحكم سببه المذكور في السؤال وهو الجماع من الصائم في رمضان. ج ـ أن يعلق الشارع الحكم على وصف لو لم يجعل علة لما كانت له فائدة، وكلام الشارع يجب أن يصان عن العبث. مثاله: أن النبي ﷺ سئل عن بيع الرطب بالتمر، فقال: «أينقص الرطب إذا جف؟» قالوا: نعم، قال: «فلا إذن» (أخرجه مالك وأصحاب السنن) فقوله: «أينقص الرطب إذا جف»، إيماء إلى أن العلة في التحريم هي النقصان. د ـ أن يذكر الشارع مع الحكم وصفا مناسبا لأن يكون علة لذلك الحكم، كقوله ﷺ : «لا يقضي القاضي وهو غضبان» (أخرجه الترمذي صححه وابن ماجه)، وقد ذكره بعضهم مثالا للنوع الثالث الوارد في فقرة ج. هـ ـ ترتيب الحكم على الوصف بصيغة الشرط والجزاء، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق٢ - ٣]. فالتقوى علة للخروج من المحن، وعلة للرزق.

стр. 162

٤ ـ المناسبة والإخالة: المناسبة في اللغة: المشاكلة، يقال: بينهما مناسبة أي مشاكلة، وبمعنى المشاركة في النسب، يقال: ناسبه إذا شاركه في نسبه، وبمعنى الملاءمة، يقال: هذا اللباس يناسب الشتاء، أي: يلائمه. والإخالة: الظن، مأخوذة من قولهم خلت هذا الغلام ابني، أي: ظننته كذلك، أو من الخيال، وهو الظل. وفي الاصطلاح: تعرف المناسبة بأنها: ملاءمة الوصف المعلل به للحكم الثابت في الأصل. والإخالة: غلبة الظن بعلية الوصف. والوصف المناسب هو: الوصف الظاهر الذي يحصل من ترتب الحكم عليه مصلحة أو تندفع به مفسدة. وقيل: ما لو عرض على العقول لتلقته بالقبول. وقيل: الملائم لأفعال العقلاء في العادات (١). وقال ابن الحاجب: هو وصف ظاهر منضبط يحصل من ترتب الحكم عليه ما يصلح أن يكون مقصودا للعقلاء من حصول مصلحة دينية أو دنيوية أو دفع مفسدة (٢). وهذه التعريفات متقاربة المعنى.

стр. 163

٥ ـ الدوران: وهو في اللغة: مصدر دار يدور، وهو يعني: عدم الاستقرار. وفي الاصطلاح: ثبوت الحكم عند وجود الوصف وانتفائه عند انتفائه. مثاله: التحريم يوجد في الخمر عند وجود الإسكار ويرتفع عند تخلل الخمر وعدم كونها مسكرة، فيستدل به على أن السكر هو علة التحريم. ووجوب الزكاة مع تمام النصاب وعدمه مع عدمه، فيدل على أن علة الوجوب ملك النصاب. والوصف يسمى الْمَدار، والحكم هو الدائر. والدوران يسميه بعض الأصوليين بالطرد والعكس، أي: أنه مجموع الطرد والعكس، فالطرد هو الوجود مع الوجود، والعكس هو العدم مع العدم، والدوران هو مجموع ذلك. وقد اختلف في إفادته العلية على أقوال، أهمها قولان: القول الأول: أنه يفيد العلية، وهو رأي الأكثر، ومنهم من جعله مفيدا للعلية قطعا، وأكثرهم قالوا يفيدها ظنا، ومنهم إمام الحرمين ونقله عن القاضي. وقال ابن السمعاني إليه ذهب كثير من أصحابنا. وقال القاضي أبو الطيب الطبري إن هذا المسلك من أقوى المسالك. ودليلهم: أنا إذا رأينا شخصا يقوم عند دخول شخص ويجلس عند خروجه، وتكرر ذلك مرارا، كان ذلك دليلا على أن علة قيامه دخول ذلك الرجل، وإن كنا لا نجزم بذلك وقد نجزم به إذا تكرر مرارا كثيرة أو حفت به قرائن أخرى.

стр. 164

قالوا: كذلك إذا وجدنا حكما يدور مع وصف ما فيوجد بوجوده ويعدم بعدمه، يصح أن نستدل بذلك على علِّية الوصف وكونه مدار الحكم. والقول الثاني: عدم إفادة الدوران العلية، وهو مذهب كثير من الأصوليين وهو اختيار ابن السمعاني والغزالي وأبي إسحاق، ونقله ابن برهان عن القاضي الباقلاني، مع أن إمام الحرمين نقل عنه المذهب الأول. واختار هذا القول الآمدي. دليله: أن الاطراد وحده ليس دليلا على العلة، والانعكاس ليس معتبرا في العلل الشرعية، فمجموعهما لا يكون دليلا على العلة. وهذا باطل؛ لأن كون الاطراد وحده لا يصلح دليلا على العلة، والانعكاس وحده كذلك، لا يدل على أنهما إذا اجتمعا لا يصلحان دليلا على العلة، كما أن العلة المركبة من أوصاف إذا أخذنا كل واحد من الأوصاف وحده لا يصلح علة، وإذا اجتمعت صلحت علة، مثل قولنا: علة القصاص القتل عمدا عدوانا، وكل واحد من الأوصاف بمفرده لا يصلح علة. وعلى ذلك يكون الراجح جواز الاستدلال على علية الوصف بدوران الحكم معه، ولكن ينبغي أن نعلم أنه لكي تكون العلة المستنبطة بهذا الطريق متعدية لا بد أن يتكرر دوران الحكم معها في أكثر من موضع، وقد نقل القرافي عن النقشواني قوله: «الدوران عين التجربة، وقد تكثر التجربة فتفيد القطع وقد لا تصل إلى ذلك» (١).

стр. 165

٦ ـ السبر والتقسيم: السبر في اللغة: الاختبار، ومنه سمي المسبار وهو الميل الذي تختبر به الجراح. والتقسيم في اللغة: التجزئة. وفي الاصطلاح: يطلق مجموع اللفظين على مسلك من مسالك العلة، وهو يعني: حصر الأوصاف التي توجد في الأصل وتصلح للعلية في بادئ الرأي، ثم إبطال ما لا يصلح منها فيتعين الباقي (١). والمعنى: أن المجتهد ينظر في الأصل المقيس عليه الذي قام الدليل على حكمه، ثم يبحث في أوصافه التي يمكن أن يعلل الحكم بها، وليس بالضرورة أن يكون المجتهد قد حصر جميع الأوصاف التي يمكن التعليل بها فعلا، بل يكفي أن يكون عد منها ما يراه كذلك. وهذه هي المرحلة الأولى. والمرحلة الثانية أن ينظر في تلك الأوصاف فيبين بطلان التعليل بكل واحد منها حتى لا يبقى إلا واحد فيكون هو العلة. والتقسيم في الواقع هو حصر الأقسام وذكرها، والسبر هو اختبارها وإبطالها كلها إلا واحدا. ولهذا أورد على التسمية أن التقسيم متقدم فلماذا أخر فقيل السبر والتقسيم، وأجيب بأن تقديم السبر في الاسم لأهميته في الدلالة على العلية. مثاله: أن يقول حرم النبي ﷺ بيع البر بالبر متفاضلا، والعلة إما أن تكون الطعم، أو الكيل، أو القوت والادخار، ثم يبطل الأخيرين ويقول فلم يبق إلا

стр. 166

الطعم، أو يبطل الأولين ثم يقول: فلم يبق إلا الاقتيات والادخار. شروط صحة هذا المسلك: ١ - أن يكون التقسيم حاصرا، أي: لا يترك المستدل شيئا من الأقسام الممكنة، ولا يلزم أن يكون مترددا بين النفي والإثبات. ٢ - أن يكون إبطال ما عدا الوصف المعلل به بدليل مقبول. ٣ - أن يكون الحكم متفقا على تعليله بين الخصمين. حجيته: السبر والتقسيم مسلك صحيح من مسالك العلة، وقد يؤدي إلى ثبوت العلة قطعا إذا كان التقسيم حاصرا قطعا، وأُبطل التعليل بما عدا الوصف المبقى قطعا، والإجماع قائم على تعليل الحكم. وفيما عدا ذلك يكون ثبوت العلة ظنيا. وأما إذا كان الاتفاق على تعليل الحكم بين الخصمين فحسب فيكون هذا المسلك حجة لإثبات العلة على من وافق على انحصار الأقسام في المذكورات دون غيره. وقد استدل على كونه دليلا لإثبات المدعى بقوله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور٣٥]. ووجه الدلالة: أن الله جل وعلا قد ساق الآية في معرض الاستدلال على من أنكر وجود الخالق، فذكر القسمين الباطلين والقسم الثالث هو الواقع، وفي ذلك تنبيه على حجية مثل هذا الدليل، وإلا لما ساقه في معرض إقامة الحجة علىمنكري وجود الخالق.

стр. 167

ولو أردنا أن ننظم ما في الآية من الاستدلال على نمط كلام الفقهاء لقلنا: لا يخلو الأمر من ثلاثة احتمالات: إما أن يكون الناس خلقوا هكذا من غير خالق، أو يكونوا قد خلقوا أنفسهم، أو يكون خالقهم هو الله. فالأولان باطلان عقلا، فلم يبق إلا الثالث. والقرآن حين يستدل على وجود الله وإثبات أنه الخالق لا يكون ذلك غاية مقصوده ونهايتها؛ لأن العرب الذين بعث فيهم الرسول ﷺ كانوا يؤمنون بأن الله هو الخالق، ولكن يؤكد لهم هذه الحقيقة ليصل منها إلى أن الله وحده هو المستحق للعبادة. وهذا التقرير يدل على أن الاستدلال بالسبر والتقسيم لا يقتصر على إثبات العلة، بل يصلح استعماله للدلالة على أي مدعى متى أمكن حصر الاحتمالات واتفق عليها. وهو راجع إلى القياس الاستثنائي؛ لأن المستدل يذكر الاحتمالات التي لا يخرج عنها موضع النزاع ثم يبين بطلانها كلها إلا واحدا، ويستعمل في إثبات بطلانها القياس الاستثنائي، فيقول لو كان كذا لكان كذا، لكن لم يكن فثبت بطلان هذا الاحتمال. مثال توضيحي: أن يقول الشافعي: تحريم التفاضل في بيع البر بالبر معلل باتفاق، والعلة إما أن تكون الكيل أو الاقتيات والادخار أو الطعم، لا يصلح أن تكون العلة هي الكيل؛ إذ لو كان الكيل علة لما وقع الربا في القليل مما لا يكال، كالحفنة بحفنتين، لكنه واقع بدليل عموم الأدلة الدالة على تحريم الربا، وموافقة أكثر الخصوم عليه، ولو كان الاقتيات لما كان الملح من الربويات لكنه منها بنص الحديث: «والملح بالملح»، فلم يبق إلا أن يكون الطعم هو العلة.

стр. 168

أقسام القياس يقسم الأصوليون القياس بعدة اعتبارات، أذكر منها ما يلي: ١ - تقسيمه من حيث ذكر الوصف المعلل به إلى ثلاثة أقسام: أ ـ ... القياس في معنى الأصل: وهو القياس الذي لا يحتاج إلى ذكر وصف جامع بين الأصل والفرع، وذلك لانتفاء الفارق المؤثر بينهما، ومثلوه بقياس العبد على الأمة في تنصيف حد الزنى، فإن القائس لا يحتاج إلى ذكر الوصف الجامع، بل يكفيه نفي الفارق المؤثر بينهما، وكذلك قياس الذرة على البر في تحريم الربا. ب ـ قياس العلة: وهو القياس الذي يحتاج إلى ذكر الوصف المعلل به لينظر فيه المخالف فيوافق على صحة العلة أو يبطلها، وأمثلته كثيرة في كلام الفقهاء، ومنها قياس النبيذ على الخمر بعلة الإسكار. ج ـ قياس الدلالة: وهو الجمع بين الأصل والفرع بدليل العلة، ومثاله: قولهم في عدم إجبار العبد على النكاح: لا يجبر على إبقائه فلا يجبر على ابتدائه كالحر. فالأصل في هذا القياس الحر، والفرع العبد، والوصف الجامع بينهما قولهم: لا يجبر على إبقائه، وهذا الوصف في حقيقته ليس هو العلة، ولكنه دليل على العلة التي هي كون النكاح حقا خالصا للعبد، وإذا كان حقا خالصا له لم يجبر عليه، والحكم المراد إثباته عدم الإجبار على ابتداء النكاح، فهذا القياس لم يذكر فيه القائس العلة الجامعة، وإنما جمع بين الأصل والفرع بدليل العلة. ومن أمثلته: قولهم في ظهار العبد: صح طلاقه فيصح ظهاره كالحر،

стр. 169

فالوصف الجامع هنا هو: صحة الطلاق منه، وهو دليل على مؤاخذته على ما يقول، فيكون مؤاخذا بالظهار، كما أن الحر يؤاخذ على طلاقه وظهاره. ٢ـ تقسيمه من حيث مناسبة الوصف المعلل به للحكم إلى ثلاثة أقسام: ١ ـ قياس العلة أو المعنى: ويعنى به هنا: ما كانت مناسبة الوصف المعلل به ظاهرة فيه، مثل قياس النبيذ على الخمر بجامع الإسكار، فالإسكار علة مناسبة للتحريم لما فيها من إفساد العقل. ٢ ـ قياس الشبه: وهو الذي يكون التعليل فيه بوصف يوهم الاشتمال على المناسبة ولكن لا تظهر مناسبته ولا عدم مناسبته. والوصف الشبهي هو: الوصف الذي لا تظهر مناسبته ولكنه يوهم المناسبة. وهناك من عرف قياس الشبه بتعريف آخر فقال: هو القياس الذي يكون فيه الفرع مترددا بين أصلين فيلحق بأكثرهما شبها به. مثل قياس المذي على البول مع أنه يشبه المني الطاهر، ولكن لما رأوه أكثر شبها بالبول في كونه لا يتكون منه الولد ألحقوه به. والتعريف الأول أسلم، وهذا المثال يدخل فيه من جهة أن الوصف الذي ذكروه، وهو كونه لا يتكون منه الولد ليس ظاهرا في المناسبة. ولما كان ظهور علية الوصف وعدمه راجعا إلى تقدير المجتهد أصبح هذا القسم مترددا بين الأول والثالث، فقد نجد من يمثل له بمثال مع أن غيره يذكره مثالا للأول أو للثالث. وهو قسمان: شبه حسي، وشبه حكمي. فإن كان التشابه بين الأصل والفرع في الصورة المحسوسة كقياس الجلوس الأول في الصلاة على الثاني سمي

стр. 170

شبها حسيا. وإن كان التشابه بينهما في الحكم كقياس ركن على ركن أو شرط على شرط أو ممسوح على ممسوح كقولهم: الخف ممسوح في طهارة فلا يسن له التثليث كالرأس، فهذا قياس شبه حكمي. ٣ ـ قياس الطرد: وهو ما كان فيه الوصف الجامع مقطوعا بعدم مناسبته وعدم التفات الشرع إليه. وهذا يذكر استكمالا للقسمة وإلا فهو ليس بقياس صحيح عند جماهير العلماء، وإن كان قد نقل عن بعضهم الاستدلال به، ولكن الذين يستدلون به لا يوافقون على أنه مقطوع بعدم مناسبته وعدم إفضائه إلى المناسب فهم يجعلونه كقياس الشبه. وفي واقع الأمر لا خلاف في عدم حجية مثل هذا القياس، إذا قطعنا بأن العلة التي علق عليها الحكم لا يلتفت إلى مثلها. ومن أمثلته المضحكة: قول بعض الحنفية ـ في الاستدلال على عدم نقض الوضوء بمس الذكر ـ: طويل مشقوق أشبه البوق فلا ينتقض الوضوء بلمسه، فكونه طويلا مشقوقا وصف لا يمكن أن يعلق عليه الشرع حكما. وأما قول بعضهم في الاستدلال على أن النبيذ لا يجوز الوضوء به: النبيذ مائع لا تبنى علىمثله القناطر فلا يجوز الوضوء به كاللبن. فهذا قد جعله بعضهم من قياس الدلالة؛ لأن كونه لا تبنى على مثله القناطر دليل على قلته وعدم توافره، والشرع يبني على قلة الشيء وندرته أحكاما كما في التيمم، فإن الشرع جعله بالتراب لتوافره ولم يجعله بالمسك مثلا أو بغيره مما يشبه التراب ولا يتيسر لكل أحد. وقال آخرون: بل هذا المثال من قياس الطرد الباطل؛ فكون الشيء لا تبنى علىمثله القناطر، وصف طردي، لا مناسبة بينه وبين الحكم الذي رتب

стр. 171

عليه وهو عدم جواز الوضوء به. ومن العلماء من جعل قياس الشبه قسما من قياس الدلالة (١). وهناك تقسيمات أخرى للقياس لا أطيل بذكرها.

стр. 172

حجية القياس القياس حجة عند جماهير العلماء ومنهم الأئمة الأربعة، ولم يخالف في ذلك سوى الظاهرية وبعض المعتزلة وبعض الرافضة. والدليل على كون القياس حجة من وجوه كثيرة، نكتفي منها بما يلي: ١ - قوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر٢]. وجه الاستدلال أن الله أمر بالاعتبار بحال الكفار، والمراد بالاعتبار أن يقيس المرء حاله بحالهم ليعلم أنه إن فعل مثل فعلهم استحق جزاء مثل جزائهم، وما أمر الله به فهو واجب. ٢ - قوله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء١٠٤]. وجه الاستدلال: أن الله سبحانه قد نبه إلى وجوب القياس؛ حيث قاس البعث على الخلق الأول، فبين أنه قادر على البعث كما أنه قادر على الخلق من العدم. ٣ ـ ما روي أن أعرابيا أتى إلى النبي ﷺ فقال: إن امرأتي ولدت غلاما أسود ـ وهو يُعَرِّض لنفيه ـ فقال له رسول الله ﷺ : «هل لك من إبل؟» قال: نعم، قال: «فما ألوانها؟» قال: حمر، قال: «فهل فيها من أورق؟» قال: إن فيها لورقا، قال: «فأنى ترى ذلك جاءها؟» فقال الرجل لعل عرقا نزعه، فقال ﵇: «وهذا لعل عرقا نزعه» (متفق عليه من حديث أبي هريرة). وجه الاستدلال: أن الرسول ﷺ قاس الغلام الأسود من أبوين أبيضين على الجمل الأورق من الإبل الحمر، فكما أن ذلك الجمل يحتمل أن يكون

стр. 173

نزعه عرق من عروق أجداده، فكذلك الغلام. ٤ ـ حديث ابن عباس ﵄ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله: إن أمي ماتت وعليها صوم شهر، أفأقضيه عنها؟ قال: «لو كان على أمك دين أكنت قاضيه عنها؟» قال: نعم، قال: «فدَينُ الله أحق أن يقضى» (متفق عليه). وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ قاس الصوم على الدين في وجوب قضائه. ٥ ـ أن الصحابة ـ ﵃ ـ كانوا يقيسون ويلحقون النظير بنظيره، فمن ذلك أنهم أدخلوا العول على أنصبة الورثة إذا كانت سهامهم أكثر من سهام المسألة، قياسا على إدخال النقص على الغرماء إذا كانت ديونهم أكثر من مال المدين، وقاسوا العبد على الأمة في تنصيف الحد، وقاسوا سائر المطعومات المكيلة على البر في تحريم بيعه بجنسه متفاضلا. وقال علي ﵁ حين استشاره عمر في عقوبة شارب الخمر: أرى أن تجلده ثمانين فإنه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى. (أخرجه مالك في الموطأ). وقال عمر لأبي موسى الأشعري في الكتاب الذي بعثه إليه: الفهمَ الفهمَ فيما يختلج في صدرك مما لم يبلغك في الكتاب أو السنة، اعرف الأمثال والأشباه ثم قس الأمور عند ذلك فاعمد إلى أحبها عند الله وأشبهها بالحق فيما ترى. (أخرجه الدارقطني في سننه والبيهقي في المعرفة). ٦ ـ أنه لو لم يشرع العمل بالقياس لأفضى ذلك إلى خلو كثير من الوقائع عن الأحكام الشرعية؛ لأن النصوص محصورة والوقائع تتجدد، وخلو الوقائع عن الأحكام يؤدي إلى قصور الشريعة ونقصانها وهو محال.

стр. 174

بعض أدلة منكري القياس والجواب عنها: أولاً: أن الصحابة ﵃ نقل عنهم ذم العمل بالرأي، فمن ذلك: أ ـ ... قول عمر بن الخطاب ﵁: إياكم وأصحاب الرأي؛ فإنهم أعداء السنن، أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها فقالوا بالرأي فضلوا وأضلوا. (أخرجه الدارقطني في سننه وفيه ضعف). ب ـ قول علي ﵁: لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه، وقد رأيت رسول الله ﷺ يمسح على ظهر خفيه. (أخرجه أبو داود والدارقطني). ج ـ قول ابن مسعود ﵁: لا يأتي عام إلا وهو شر من الذي قبله، أما أني لست أعني عاما أخصب من عام ولا أميرا خير من أمير، ولكن علماؤكم وخياركم وفقهاؤكم يذهبون ثم لا تجدون منهم خلفا ويجيء قوم يقيسون الأمور برأيهم. (أخرجه الدارمي في سننه). والجواب عن هذا من وجهين: ١ - أن الصحابة ﵃ ذموا من استعمل الرأي والقياس في غير موضعه أو بدون شرطه، فذمُّ عمر ﵁ ينصرف إلى من قال بالرأي مع جهله بالنصوص من الكتاب والسنة، ألا تراه يقول: أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها، أي: عجزوا عن حفظ الأحاديث. وذم علي ينصرف إلى من استعمل الرأي فيما لا يدرك بالرأي وهو الأمور التعبدية كالمسح على الخفين. ٢ - أنهم ذموا الرأي الصادر من الجاهل الذي ليس أهلا للاجتهاد، وهذا هو المفهوم من الأثر المروي عن ابن مسعود ﵁، ولا شك أن رأي الجاهل مهلكة، ولا سيما إذا كان في أمور الدين.

стр. 175

ومما يدل على أن الرأي المذموم هو ما ذكرناه أن أولئك الصحابة الذين نقل عنهم ذم الرأي كانوا أكثر الصحابة عملا بالرأي والقياس، والمتتبع لسيرتهم يدرك ذلك. ثانيا: قوله تعالى: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء١٠٥]. وجه الاستدلال: أن الله أمر نبيه أن يحكم بما أراه الله لا بما يراه هو، فإذا كان الرسول ليس له أن يحكم برأيه فغيره من باب أولى. والجواب عن ذلك: أن القياس قد ثبت بالأدلة النقلية والعقلية التي سبق ذكرها فيكون العمل به من العمل بما أمر الله به فلا يكون ممنوعا، بل هو مما مَنّ الله به عليه وهداه إليه وأراه إياه.

стр. 176

مسائل تتعلق بحجية القياس يذكر الأصوليون مسائل تتعلق بحجية القياس، من أهمها: ١ - مسألة الاحتجاج بالقياس في الحدود. ٢ - ومسألة القياس في الرخص والتقديرات. ٣ - ومسألة القياس في الكفارات. فالمسألة الأولى خالف فيها الحنفية وقالوا الحدود لا قياس فيها، واستدلوا بأن الحدود تدرأ بالشبهات، والقياس فيه شبهة فلا يصلح لإثبات حد من حدود الله. والجمهور أجازوا القياس في الحدود واستدلوا بأنها أحكام لا تختلف عن غيرها من الأحكام الشرعية، فما جاز في غيرها جاز فيها، وبأن الأدلة الدالة على حجية القياس عامة لم تخصص بعض الأحكام دون بعض، ثم إن الصحابة قاسوا شرب الخمر على القذف فأوجبوا فيه ثمانين جلدة لكونه يفضي إلى القذف: «إذا سكر هذى وإذا هذى افترى». وأجابوا عن استدلال الحنفية بأن الشبهة التي تدرأ بها الحدود ليست موجودة في القياس؛ إذ المراد بها وجود الظن بكون مرتكب المحرم معذورا، والقياس لا شبهة فيه إلا كونه ظنيا، وهذا ليس مانعا من العمل به في الحدود؛ بدليل أن الحدود تثبت بشهادة اثنين والشهادة لا توجب العلم القطعي وإنما تورث ظنا غالبا، فتبين أن الظن الغالب كاف لإثبات الحدود وهو يحصل بالقياس، ولهذا قضى الجمهور بقطع النباش قياسا على السارق عند بعضهم، وعند آخرين لكونه سارقا حقيقة، وكذلك جلد اللوطي عند بعضهم قياسا على الزاني غير المحصن ورجمه إذا كان محصنا، والذين قضوا بقتله مطلقا استدلوا بأدلة نقلية ليس هذا موطن ذكرها.

стр. 177

وأما القياس في الرخص فقد منعه بعض العلماء. والصحيح جوازه مع وضوح الشبه والاشتراك في المناسبة، ومثاله: قياس الوحل والريح الشديدة والثلج على المطر، في الترخص لأجلها في الجمع، وقياس المريض على الممطور في الجمع بين الصلاتين في الحضر. وأما القياس في الكفارات فإن أريد بالقياس إثبات كفارة جديدة بمجرد الرأي فلا يصح ذلك. وأما قياس فعل على فعل في كونه موجبا للكفارة مثله فهذا صحيح، وهو الذي ينبغي أن يحمل عليه كلام العلماء الذين أجازوا القياس في الكفارات حيث قاس المالكية الأكل والشرب عمدا في رمضان على الوطء في وجوب الكفارة. وقاس الشافعي قتل العمد على قتل الخطأ في وجوب الكفارة. والحنفية نقل عنهم منع القياس في الكفارات، واعتذروا عن إلحاق الأكل عمدا بالوطء بأنه ليس قياسا بل من باب تنقيح المناط وهو عندهم ليس من القياس، فلا يكون بينهم وبين غيرهم من الجمهور خلاف حقيقي؛ لأنهم حين منعوا القياس في الكفارات قصدوا منع تحديد كفارة على عمل محرم بطريق القياس والاجتهاد؛ لأن العقل مهما بلغ لا يمكن أن يعرف القدر الذي يحصل عنده تكفير الذنب وإنما يعرف ذلك بالنص وما في معناه. والذين أجازوا القياس في الكفارات لم يمثلوا له إلا بقياس اليمين الغموس على اليمين الحانثة، وقتل العمد على قتل الخطأ. والحنفية لهم مأخذ آخر لرد هذا القياس، وهو أنه زيادة على النص؛ فإن القرآن نص على الكفارة في قتل الخطأ دون العمد، واليمين الحانثة وهي التي تكون على أمر مستقبل كأن يحلف أن يفعل كذا أو أن لا يفعل كذا ثم لا يبر بيمينه، دون اليمين الغموس وهي اليمين الكاذبة على إثبات شيء أو نفيه.

стр. 178

التعليل بالحكمة الحكمة تطلق عند الأصوليين على أحد معنيين: أحدهما: مقصود الشارع من شرعية الحكم من تحقيق مصلحة أو تكميلها، أو دفع مفسدة أو تقليلها. أي: أنها تطلق على جلب المصلحة أو دفع المفسدة. الثاني: إطلاق الحكمة على المصلحة نفسها أو المفسدة نفسها، فيقال مثلا: الحكمة من إيجاب العدة على المطلقة حفظ الأنساب، والحكمة من إباحة الفطر في السفر المشقة، فهنا أطلقت الحكمة على المصلحة والمفسدة. وهذا المعنى هو المراد هنا. والحكمة اختلف الأصوليون في جواز التعليل بها على ثلاثة أقوال مشهورة، هي: ١ ـ منع التعليل بها؛ لأنها لا يمكن ضبطها، فهي تختلف من شخص لآخر، ومن مكان لآخر، وتعليق الحكم عليها يفضي إلى اختلاف الناس وتفاوتهم فلا يتحقق التساوي بينهم في أحكام الشريعة، ولا يمكن التحقق من حصول الحكمة حتى يرتب الحكم عليها. وليس قولهم: لا يصح التعليل بالحكمة، على إطلاقه كما ظن بعض المحدثين، فأخذ يستدل بما ورد في القرآن والسنة من تعليل بالحكمة، وإنما مرادهم عدم جواز التعليل الذي يبنى عليه قياس، وجعلوا تلك التعليلات الواردة في الكتاب والسنة قاصرة غير متعدية، فلا يمكن أن يبنى عليها حكم جديد. ٢ ـ جواز التعليل بالحكمة مطلقا، ويبدو أن مرادهم جواز بناء الأحكام على الْحِكَم، سواء جاءت في صورة أوصاف ظاهرة منضبطة، أو قام دليل من

стр. 179

الشرع على اعتبارها علة لجنس الحكم أو عينه في كل موضع، أو جاء التعليل بتلك الحكمة في موضع ما مع عدم ضبطها بوصف ظاهر. وهؤلاء هم الذين يجيزون الاستدلال بالمصلحة المرسلة، كما سيأتي بيان ذلك. وهم يعللون سقوط الواجبات بالمشقة مطلقا، بغض النظر عن سبب المشقة، ويعللون الوجوب بالمصلحة الحقيقية العامة أو الحاجة أو الضرورة. ٣ ـ جواز التعليل بالحكمة المنضبطة دون غيرها، وهؤلاء مع ما يظهر في قولهم من التوسط إلا أن بعضهم يقول: لو انضبطت الحكمة جاز التعليل بها لكنها لا تنضبط. والحقُّ: أنها إن انضبطت بضابط معين نص الشرع عليه، أو قام عليه إجماع، أو دل عليه دليل مقبول من أدلة ثبوت العلة، فلا خلاف في جواز التعليل بها. فهذا القول خارج عن محل النزاع، وليس في التعليل بالحكمة إلا قولان؛ لأن المنضبطة ليست محل خلاف، فالجميع يقول بجواز التعليل بها إلا الظاهرية المنكرين للقياس مطلقا. وهذا الموضع من المواضع التي لم تحرر في كتب التراث، وقد حاول تحريرها بعض المتأخرين (١)، ولعل فيما ذكرته ما يعين على تصورها على حقيقتها. ويبدو أن الذين تناولوها بالبحث من القدماء كانوا متأثرين بنظرة الأشعرية إلى التعليل في علم الكلام، فتكلموا عن التعليل مطلقا، والكلام هنا ينبغي أن يقصر على تعليل يبنى عليه قياس، أو يبنى عليه تعدية الحكم إلى غير المنصوص عليه بطريق الاستصلاح.

стр. 180

فأما بناء القياس على الحكمة غير المنضبطة فغير ممكن عند جماهير العلماء، وأما إثبات الحكم بطريق الاستصلاح فالصواب جوازه كما سيأتي في بابه. وقد تكرر إطلاق الانضباط والحكمة المنضبطة، ولعل بعض الدارسين لا يدرك المقصود به على حقيقته. ولإيضاح ذلك أقول: الحكمة: معنى من المعاني يقوم بذهن الفقيه، يفهمه من نص واحد أو نصوص متعددة، فيقول مثلا: الحكمة من قتل القاتل حفظ النفوس؛ لأن المقدم على القتل إذا عرف أنه لو قَتَل قُتِل امتنع عن القتل. وهذه الحكمة (حفظ النفوس) إذا لم يوضع لها ضابط معين يحدد الوصف أو الأوصاف التي يكون القتل فيها وسيلة لحفظ النفوس فربما قال قائل: ينبغي أن نقتل من هَمَّ بالقتل أو حث عليه أو شجع القاتل على فعله، أو ناوله سلاحا ليقتل به غيره، أو نمنع صناعة الآلات الحادة القاتلة، وهكذا. أقول: لو تركت هذه الحكمة بلا ضابط لأدّى ذلك إلى ما ذكرنا وزيادة، ولكن الفقهاء وضعوا ضابطا لهذه الحكمة، فقصروا القتل الذي يؤدي إلى حفظ النفوس على القاتل عمدا عدوانا، فهذا الضابط يسمى العلة، وهي مشتملة على الحكمة ولكنها مقيدة ومحددة بما يؤدي إلى حفظ النفوس من القتل، ولهذا قالوا علة القصاص: القتل عمدا عدوانا، ولم يقولوا حفظ النفوس، بل جعلوا حفظ النفوس هو الحكمة التي لأجلها شرع القصاص، وهذه الحكمة ليست على إطلاقها، بل ضبطت بضابط وهو اقتصار القتل على من قَتَلَ عمدا عدوانا، فلا تحفظ النفوس بقتل من همَّ بالقتل أو شجع عليه أو رضيه، وإنما تحفظ بقتل القاتل، كما قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة١٧٩]. والعلة يدور الحكم معها وجودا وعدما، فإذا وجدت وجد الحكم وإذا عدمت عدم الحكم إذا لم يكن له علة سواها، فإن كان للحكم علة أخرى فلا
следующие страницы →