← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 36379

أصول الفقه الذي لا يسع الفقيه جهله

عياض السلمي

Полный текст (493 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

مسائل تتعلق بحجية القياس يذكر الأصوليون مسائل تتعلق بحجية القياس، من أهمها: ١ - مسألة الاحتجاج بالقياس في الحدود. ٢ - ومسألة القياس في الرخص والتقديرات. ٣ - ومسألة القياس في الكفارات. فالمسألة الأولى خالف فيها الحنفية وقالوا الحدود لا قياس فيها، واستدلوا بأن الحدود تدرأ بالشبهات، والقياس فيه شبهة فلا يصلح لإثبات حد من حدود الله. والجمهور أجازوا القياس في الحدود واستدلوا بأنها أحكام لا تختلف عن غيرها من الأحكام الشرعية، فما جاز في غيرها جاز فيها، وبأن الأدلة الدالة على حجية القياس عامة لم تخصص بعض الأحكام دون بعض، ثم إن الصحابة قاسوا شرب الخمر على القذف فأوجبوا فيه ثمانين جلدة لكونه يفضي إلى القذف: «إذا سكر هذى وإذا هذى افترى». وأجابوا عن استدلال الحنفية بأن الشبهة التي تدرأ بها الحدود ليست موجودة في القياس؛ إذ المراد بها وجود الظن بكون مرتكب المحرم معذورا، والقياس لا شبهة فيه إلا كونه ظنيا، وهذا ليس مانعا من العمل به في الحدود؛ بدليل أن الحدود تثبت بشهادة اثنين والشهادة لا توجب العلم القطعي وإنما تورث ظنا غالبا، فتبين أن الظن الغالب كاف لإثبات الحدود وهو يحصل بالقياس، ولهذا قضى الجمهور بقطع النباش قياسا على السارق عند بعضهم، وعند آخرين لكونه سارقا حقيقة، وكذلك جلد اللوطي عند بعضهم قياسا على الزاني غير المحصن ورجمه إذا كان محصنا، والذين قضوا بقتله مطلقا استدلوا بأدلة نقلية ليس هذا موطن ذكرها.

стр. 177

وأما القياس في الرخص فقد منعه بعض العلماء. والصحيح جوازه مع وضوح الشبه والاشتراك في المناسبة، ومثاله: قياس الوحل والريح الشديدة والثلج على المطر، في الترخص لأجلها في الجمع، وقياس المريض على الممطور في الجمع بين الصلاتين في الحضر. وأما القياس في الكفارات فإن أريد بالقياس إثبات كفارة جديدة بمجرد الرأي فلا يصح ذلك. وأما قياس فعل على فعل في كونه موجبا للكفارة مثله فهذا صحيح، وهو الذي ينبغي أن يحمل عليه كلام العلماء الذين أجازوا القياس في الكفارات حيث قاس المالكية الأكل والشرب عمدا في رمضان على الوطء في وجوب الكفارة. وقاس الشافعي قتل العمد على قتل الخطأ في وجوب الكفارة. والحنفية نقل عنهم منع القياس في الكفارات، واعتذروا عن إلحاق الأكل عمدا بالوطء بأنه ليس قياسا بل من باب تنقيح المناط وهو عندهم ليس من القياس، فلا يكون بينهم وبين غيرهم من الجمهور خلاف حقيقي؛ لأنهم حين منعوا القياس في الكفارات قصدوا منع تحديد كفارة على عمل محرم بطريق القياس والاجتهاد؛ لأن العقل مهما بلغ لا يمكن أن يعرف القدر الذي يحصل عنده تكفير الذنب وإنما يعرف ذلك بالنص وما في معناه. والذين أجازوا القياس في الكفارات لم يمثلوا له إلا بقياس اليمين الغموس على اليمين الحانثة، وقتل العمد على قتل الخطأ. والحنفية لهم مأخذ آخر لرد هذا القياس، وهو أنه زيادة على النص؛ فإن القرآن نص على الكفارة في قتل الخطأ دون العمد، واليمين الحانثة وهي التي تكون على أمر مستقبل كأن يحلف أن يفعل كذا أو أن لا يفعل كذا ثم لا يبر بيمينه، دون اليمين الغموس وهي اليمين الكاذبة على إثبات شيء أو نفيه.

стр. 178

التعليل بالحكمة الحكمة تطلق عند الأصوليين على أحد معنيين: أحدهما: مقصود الشارع من شرعية الحكم من تحقيق مصلحة أو تكميلها، أو دفع مفسدة أو تقليلها. أي: أنها تطلق على جلب المصلحة أو دفع المفسدة. الثاني: إطلاق الحكمة على المصلحة نفسها أو المفسدة نفسها، فيقال مثلا: الحكمة من إيجاب العدة على المطلقة حفظ الأنساب، والحكمة من إباحة الفطر في السفر المشقة، فهنا أطلقت الحكمة على المصلحة والمفسدة. وهذا المعنى هو المراد هنا. والحكمة اختلف الأصوليون في جواز التعليل بها على ثلاثة أقوال مشهورة، هي: ١ ـ منع التعليل بها؛ لأنها لا يمكن ضبطها، فهي تختلف من شخص لآخر، ومن مكان لآخر، وتعليق الحكم عليها يفضي إلى اختلاف الناس وتفاوتهم فلا يتحقق التساوي بينهم في أحكام الشريعة، ولا يمكن التحقق من حصول الحكمة حتى يرتب الحكم عليها. وليس قولهم: لا يصح التعليل بالحكمة، على إطلاقه كما ظن بعض المحدثين، فأخذ يستدل بما ورد في القرآن والسنة من تعليل بالحكمة، وإنما مرادهم عدم جواز التعليل الذي يبنى عليه قياس، وجعلوا تلك التعليلات الواردة في الكتاب والسنة قاصرة غير متعدية، فلا يمكن أن يبنى عليها حكم جديد. ٢ ـ جواز التعليل بالحكمة مطلقا، ويبدو أن مرادهم جواز بناء الأحكام على الْحِكَم، سواء جاءت في صورة أوصاف ظاهرة منضبطة، أو قام دليل من

стр. 179

الشرع على اعتبارها علة لجنس الحكم أو عينه في كل موضع، أو جاء التعليل بتلك الحكمة في موضع ما مع عدم ضبطها بوصف ظاهر. وهؤلاء هم الذين يجيزون الاستدلال بالمصلحة المرسلة، كما سيأتي بيان ذلك. وهم يعللون سقوط الواجبات بالمشقة مطلقا، بغض النظر عن سبب المشقة، ويعللون الوجوب بالمصلحة الحقيقية العامة أو الحاجة أو الضرورة. ٣ ـ جواز التعليل بالحكمة المنضبطة دون غيرها، وهؤلاء مع ما يظهر في قولهم من التوسط إلا أن بعضهم يقول: لو انضبطت الحكمة جاز التعليل بها لكنها لا تنضبط. والحقُّ: أنها إن انضبطت بضابط معين نص الشرع عليه، أو قام عليه إجماع، أو دل عليه دليل مقبول من أدلة ثبوت العلة، فلا خلاف في جواز التعليل بها. فهذا القول خارج عن محل النزاع، وليس في التعليل بالحكمة إلا قولان؛ لأن المنضبطة ليست محل خلاف، فالجميع يقول بجواز التعليل بها إلا الظاهرية المنكرين للقياس مطلقا. وهذا الموضع من المواضع التي لم تحرر في كتب التراث، وقد حاول تحريرها بعض المتأخرين (١)، ولعل فيما ذكرته ما يعين على تصورها على حقيقتها. ويبدو أن الذين تناولوها بالبحث من القدماء كانوا متأثرين بنظرة الأشعرية إلى التعليل في علم الكلام، فتكلموا عن التعليل مطلقا، والكلام هنا ينبغي أن يقصر على تعليل يبنى عليه قياس، أو يبنى عليه تعدية الحكم إلى غير المنصوص عليه بطريق الاستصلاح.

стр. 180

فأما بناء القياس على الحكمة غير المنضبطة فغير ممكن عند جماهير العلماء، وأما إثبات الحكم بطريق الاستصلاح فالصواب جوازه كما سيأتي في بابه. وقد تكرر إطلاق الانضباط والحكمة المنضبطة، ولعل بعض الدارسين لا يدرك المقصود به على حقيقته. ولإيضاح ذلك أقول: الحكمة: معنى من المعاني يقوم بذهن الفقيه، يفهمه من نص واحد أو نصوص متعددة، فيقول مثلا: الحكمة من قتل القاتل حفظ النفوس؛ لأن المقدم على القتل إذا عرف أنه لو قَتَل قُتِل امتنع عن القتل. وهذه الحكمة (حفظ النفوس) إذا لم يوضع لها ضابط معين يحدد الوصف أو الأوصاف التي يكون القتل فيها وسيلة لحفظ النفوس فربما قال قائل: ينبغي أن نقتل من هَمَّ بالقتل أو حث عليه أو شجع القاتل على فعله، أو ناوله سلاحا ليقتل به غيره، أو نمنع صناعة الآلات الحادة القاتلة، وهكذا. أقول: لو تركت هذه الحكمة بلا ضابط لأدّى ذلك إلى ما ذكرنا وزيادة، ولكن الفقهاء وضعوا ضابطا لهذه الحكمة، فقصروا القتل الذي يؤدي إلى حفظ النفوس على القاتل عمدا عدوانا، فهذا الضابط يسمى العلة، وهي مشتملة على الحكمة ولكنها مقيدة ومحددة بما يؤدي إلى حفظ النفوس من القتل، ولهذا قالوا علة القصاص: القتل عمدا عدوانا، ولم يقولوا حفظ النفوس، بل جعلوا حفظ النفوس هو الحكمة التي لأجلها شرع القصاص، وهذه الحكمة ليست على إطلاقها، بل ضبطت بضابط وهو اقتصار القتل على من قَتَلَ عمدا عدوانا، فلا تحفظ النفوس بقتل من همَّ بالقتل أو شجع عليه أو رضيه، وإنما تحفظ بقتل القاتل، كما قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة١٧٩]. والعلة يدور الحكم معها وجودا وعدما، فإذا وجدت وجد الحكم وإذا عدمت عدم الحكم إذا لم يكن له علة سواها، فإن كان للحكم علة أخرى فلا

стр. 181

يلزم أن يعدم عند عدم إحدى العلتين، فوجوب القتل قد يكون لأجل الردة، وقد يكون لأجل الزنى بعد الإحصان، فإذا عدمت الردة فقد يوجد القتل بالعلة الأخرى. وأما الحكمة فلا يمكن تعليق الحكم بها دائما؛ إذ لا يجوز أن نقول: كل قتل يغلب على الظن أنه يحفظ النفوس يكون مشروعا، ولكنها قد تكون مما ضبطه الشارع بضابط خاص أو عام فيصلح التعليل بها، وقد تكون غير مضبوطة بضابط محدد فلا يعلل بها إلا ما ورد فيه النص، وما كان أولى منه أو مساويا له في الإفضاء إلى الحكمة جزما من غير أن يترتب عليه مفسدة أخرى أو يخالف نصا أو إجماعا. فما ضبطه الشرع بضابط خاص يسمى علة في القياس الشرعي، وما ضبطه بضابط عام يكون قاعدة كلية شهدت لها جزئيات كثيرة في الشريعة بالاعتبار أخذ من مجموعها هذه القاعدة، ويدخل في ذلك مقاصد الشارع والقواعد الضابطة لها. وما كان مساويا للمنصوص أو أولى منه في تحقيق مقصود الشرع هو مفهوم الموافقة، وهو عند الأكثر في معنى النص فلا يسمى قياسا.

стр. 182

القسم الثالث من الأدلة قسمنا الأدلة فيما مضى إلى أدلة متفق عليها في الجملة وهي الكتاب والسنة، وأدلة فيها خلاف ضعيف وهي الإجماع والقياس، وأدلة فيها خلاف قوي وهي بقية الأدلة. وتشمل: قول الصحابي، وشرع من قبلنا، والاستحسان، والاستصحاب، والاستصلاح، وسد الذرائع. وسوف نتحدث فيما يلي عن كل واحد من هذه الأدلة، فنذكر حقيقته وأمثلته وحجيته، مع توخي الاختصار.

стр. 183

قول الصحابي تعريفه: الصحابي عند الأصوليين: من صحب النبي ﷺ مؤمنا به مدة تكفي عرفا لوصفه بالصحبة، ومات على الإسلام. وعند المحدثين: من رأى النبي ﷺ مؤمنا به ومات على ذلك. والسر في اختلافهم في المراد بالصحابي أن المحدثين يعنون الصحابي الراوي لحديث النبي ﷺ ، فكل من رأى النبي ﷺ وهو مؤمن به ومات على إسلامه وجب قبول روايته والحكم بصحة سماعه من رسول الله ﷺ ، وقد وجدوا بالاستقراء والتتبع أن الذين ثبت لهم ذلك كلهم عدول، فقرروا أنه لا حاجة للبحث في عدالتهم، وأن روايتهم مقبولة، سواء أكانوا ممن لازموا النبي ﷺ أو من الأعراب الذين رأواه مرة واحدة بعد إسلامهم. وأما الأصوليون فإنهم يتكلمون عن الصحابي الذي له اجتهاد في الأحكام الشرعية وله فقه بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ويمكن تقليده واتباع رأيه، وهذا لا يحصل إلا لمن لازم النبي ﷺ فترة طويلة وأخذ عنه وأفاد من علمه وخلقه وسيرته، وأما من رأى النبي ﷺ مرة فإنه لا يكتسب بهذه الرؤية فقها وعلما يجعله من أهل الاجتهاد في الشريعة، ولذلك لا يمكن أن يقال إن رأيه حجة، وهم إنما عرفوا الصحابي الذي وقع الخلاف في حجية قوله. والمراد بقول الصحابي: مذهبه الذي قاله أو فعله ولم يروه عن النبيصلى الله عليه وسلم.

стр. 184

أقسامه: ينقسم قول الصحابي إلى أربعة أقسام: ١ ـ قول الصحابي فيما لا مجال للرأي فيه، كالعبادات والتقديرات ونحوها. وهذا القسم حجة عند الأئمة الأربعة لأنه لابد أن يكون سمعه الصحابي من النبي ﷺ ؛ إذ لا اجتهاد في الأمور التي لا تعرف إلا بتوقيف، ولكن الأئمة يختلفون في مدى الاحتجاج به قلة وكثرة لعدم الاتفاق على ضابط معين يحدد ما لا مجال للرأي فيه. فقد يرى بعضهم أن هذه المسألة مما لا مجال للرأي فيها فيعمل بقول الصحابي فيها، ويرى الآخر أنها مما يدخله الاجتهاد فلا يعمل بقول الصحابي فيها. ومن هذا النوع قضاء الصحابة في النعامة إذا اصطادها المحرم ببدنةٍ، وفي الغزال بعنز (١). فقد أخذ الأئمة بذلك. وكونه من التقديرات يدل على أنه مما سمع من النبي ﷺ وليس مما قضي فيه بالاجتهاد. وقد يقول قائل إن تقدير المثل في جزاء الصيد متروك للاجتهاد فيكون قضاؤهم هذا من باب الاجتهاد. ٢ ـ قول الصحابي الذي اشتهر ولم يخالفه غيره فيه، وهذا هو المسمى بالإجماع السكوتي وقد تقدم الكلام فيه. والشهرة قد يستدل عليها بكثرة خوض الصحابة في المسألة، وقد يستدل عليها بكون الصحابي من الخلفاء الأربعة والمسألة مما تعم به البلوى ويقع لكثير من الناس. مثل جعل عمر ﵁ طلاق الثلاث بلفظ واحد ثلاثا

стр. 185

توجب البينونة الكبرى. ٣ ـ قول الصحابي الذي خالفه فيه غيره من الصحابة، فإنه ليس بحجة، ولكن لا يخرج الفقيه عن أقوالهم إلى قول آخر، بل يتخير من أقوالهم ماهو أقرب للدليل. هكذا قال كثير من الأصوليين، والذي يظهر من صنيع الفقهاء أن منهم من يستدل بقول الصحابي ولو خالفه غيره إذا رأى رجحانه بقياس أو غيره. وقولهم: لا يخرج عن أقاويلهم إلى غيرها يؤيد ذلك؛ لأن هذا حال الفقيه عند تعارض أحاديث الرسول ﷺ فإنه لا يخرج عما دلت عليه، فإن أمكنه الجمع بينها جمع، وإلا أخذ بما يسنده النظر وتعضده أدلة أخرى. ويمكن أن يحمل قول الأصوليين: إن قول الصحابي إذا خالفه صحابي آخر ليس بحجة، على أنه لا يكتفى به، ومن اكتفى به فهو مقلد للصحابي لا مستدل بقوله. والله أعلم. ٤ ـ قول الصحابي فيما للرأي فيه مجال ولم ينتشر ولم يعرف له مخالف من الصحابة، وهذا هو محل النزاع. فمن العلماء من يرى حجيته، وهو قول أبي حنيفة ومالك وأحمد وقول الشافعي القديم. ومنهم من يرى أنه ليس بحجة، وإلى هذا ذهب الشافعي في قوله الجديد، وجماعة من أتباع المذاهب الأخرى، ولابن القيم كلام في رد هذه النسبة وتقرير أن مذهب الشافعي لا يختلف عن مذاهب الأئمة الثلاثة في ذلك. ولكن علماء الشافعية كلامهم صريح في نقل مذهب الشافعي المتقدم، وهم أعلم برأي إمامهم، علاوة على ما في الرسالة والأم من تصريح بحصر الأدلة في الكتاب

стр. 186

والسنة والإجماع والقياس. والدليل على حجية قول الصحابي إذا لم يعلم له مخالف من الصحابة، من وجوه: أ ـ ... قول الرسول ﷺ : «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» (أخرجه البخاري ومسلم). فهذه شهادة لهم بالفضل على من سواهم، وهي تقتضي تقديم اجتهادهم على اجتهاد غيرهم. ب ـ أن قول الصحابي الذي لم يعلم له مخالف يحتمل أن يكون نقلا عن رسول الله ﷺ فيقدم على الرأي المحض. ج ـ أن الصحابة شاهدوا الرسول ﷺ وحضروا نزول الوحي وهم أعرف الناس بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، فلا بد أن يكون قولهم مقدما على قول غيرهم. وأما الذين رأوا عدم الحجية فقد استدلوا بعدة أدلة منها: أ ـ أن الصحابة غير معصومين من الخطأ إذا لم يجمعوا، وقول من لم تثبت عصمته لا يكون حجة. ب ـ أن التابعين قد أثر عنهم مخالفة آحاد الصحابة، ولو كان قول الصحابي حجة لما صحت مخالفته من التابعي، ولأنكر الصحابي على من خالفه من التابعين، وإذا جاز للتابعي مخالفة الصحابي جاز لغيره ذلك. والراجح: أن مذهب الصحابي وحده لا يعد حجة إلا إذا غلب على الظن اشتهاره بين الصحابة وعدم إنكاره، كأن يكون من الخلفاء الراشدين الذين هم في موضع القدوة لغيرهم، أو كانت المسألة مما يكثر وقوعه وتعم به البلوى.

стр. 187

وأما إذا اختلف الصحابة على أقوال فالخروج عن أقاويلهم يقتضي تخطئتهم جميعا، وهي بعيدة، فالواجب أن يختار من أقوالهم ما يسنده النظر والدليل. والاستدلال بحديث: «خير الناس قرني» لا يكفي؛ لأن الخيرية لا توجب حجية قول كل واحد إذا انفرد، بدليل أن التابعين أيضا مشهود لهم بالخيرية في الحديث، ولم يقل أحد إن رأي التابعي حجة يترك لها القياس الصحيح. وكذلك الاستدلال باحتمال كون ما قاله رواية لا يدل على الحجية؛ لأن الدليل إذا تطرق إليه الاحتمال سقط به الاستدلال. وأما مشاهدتهم الرسول ﷺ ونزول الوحي بلغتهم فلا شك أنها ميزة لهم ولكنها لا تكفي لأن يعد قول الواحد منهم دليلا. وهنا دقيقة ينبغي التنبه لها، وهي أن القول بعدم حجية قول الصحابي لا يدل على المنع من تقليده لمن لا قدرة له على الاجتهاد، أو لمن لم ينظر في المسألة بعدُ وحضره وقت العمل. والله أعلم بالصواب.

стр. 188

شرع من قبلنا بعث الله محمدا ﷺ بدين الحق، وجعله خاتم النبيين، وجعل شريعته خاتمة الشرائع، والأحكام في كل شريعة قسمان: أصول، وفروع: فالأصول هي الإيمان بالله وأسمائه وصفاته، والإيمان بالبعث والجزاء وبالجنة والنار، والاستسلام لله وحده وإفراده بالعبادة. وهذا القسم قد اتفقت عليه شرائع الأنبياء جميعا، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران١٩]، وقال: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران٨٥]. وأما الفروع فقد اختلفت فيها الشرائع، وهي المقصودة في هذا الباب. والمراد بشرع من قبلنا: ما نقل إلينا بطريق صحيح من الشرائع السماوية السابقة. والطريق الصحيح لمعرفة شرع من قبلنا هو نقل القرآن والسنة النبوية الثابتة، ولا عبرة بما في الكتب التي في أيدي اليهود والنصارى اليوم؛ لأنها قد طرأ عليها التحريف والتبديل. وما حكي في القرآن والسنة من شرائع الأنبياء السابقين، يمكن تقسيمه إلى الأقسام التالية: ١ـ ما حكاه الله عنهم أو حكاه رسوله ﷺ وورد في شريعتنا ما يبطله: وهذا لا خلاف في أنه ليس بحجة، ومثاله قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ

стр. 189

هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ [الأنعام١٤٦]. ٢ - ما حكاه الله عنهم ووجد في شريعتنا ما يؤيده: وهذا لا خلاف في أنه شرع لنا، ولكن الدليل على ثبوته هو ما ورد في شريعتنا لا ما ورد في شرائع الأنبياء السابقين. ومثاله: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة١٨٣] فهذه الآية تدل على أن الصيام كان مشروعا على من قبلنا من الأمم ثم فرض علينا. ٣ - ما نقل إلينا ولم يقترن بما يدل على نسخه أو مشروعيته في حقنا: فهذا هو محل الخلاف بين العلماء، أهو شرع لنا يلزمنا العمل به أم لا؟. ومثاله: ما جاء في قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ [يوسف٧٢]، فهذه الآية تدل على مشروعية الجعالة (١) في شريعة يوسف ﵇. وقوله تعالى في قصة ناقة صالح: ﴿وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾ [القمر٢٨]. فهذه الآية تدل على مشروعية قسمة الماء مهايأة (٢)، فهل يجوز الاستدلال بالآية على جواز ذلك في شرعنا؟

стр. 190

ذهب أكثر العلماء إلى الاحتجاج بشرع من قبلنا ما لم يرد في شرعنا نسخه، وهذا المذهب هو المشهور عند الحنفية والمالكية والحنابلة، وهو أحد القولين عند الشافعية. والقول الثاني للشافعية أنه لا يحتج به. والدليل على أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم ينسخه شرعنا ما يلي: ١ - قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام٩٠]. وجه الاستدلال: أن الله أمر نبينا ﷺ بالاقتداء بالأنبياء الذين سبقوه، وأمر الرسول أمر لأمته. ٢ - قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل١٢٣]. وجه الاستدلال: أن الله أمر الرسول ﷺ باتباع ملة إبراهيم ﵇، وملته دينه وشرعه. ٣ - قوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ [الشورى١٣]. وجه الاستدلال: أن الله بين أنه قد شرع لنا ما شرعه لنوح ﵇، فثبت أن شرعه شرع لنا ما لم ينسخ. أمثلة على الاستدلال بشرع من قبلنا: ١ - الاستدلال على الجعالة بقوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ [يوسف٧٢] وقد ذكر هذا في أكثر كتب الحنابلة الفقهية، وذكره الزركشي في البحر المحيط. ٢ - الاستدلال على مشروعية الضمان بقوله تعالى: ﴿وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾

стр. 191

[يوسف٧٢] أي: كفيل وضامن. وهذا ذكره الزركشي في البحر المحيط ونسبه للشافعي، وهو مذكور في أكثر كتب الفقه الحنبلي. ٣ - الاستدلال على جواز مصانعة السلطان ببعض مال اليتيم حتى يسلم الباقي إذا خشي ولي اليتيم أن يأخذ السلطان المال كله أو يتلفه؛ لقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا﴾ [الكهف٧١] فإن الخضر خرق السفينة لعلمه أن الملك الظالم كان يأخذ السفينة الصالحة، فرأى أن انتفاعهم بها بعد إصلاحها أفضل من ذهابها ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف٧٩] والمعنى: كل سفينة صالحة (١). ٤ - الاستدلال على عدم تضمين الراعي إذا ذكى الشاة المشرفة على الهلاك، بالقياس على خرق الخضر السفينة لينتفع بها أهلها مرقوعة (٢).

стр. 192

الاستحسان تمهيد: ظهرت كلمة الاستحسان بكثرة على لسان الإمام أبي حنيفة، وهو في الغالب يذكرها في مقابلة القياس فيقول: القياس كذا ولكن الاستحسان كذا، وقال محمد بن الحسن: كان أبو حنيفة يناظر أصحابه في المقاييس فينتصفون منه ويعارضونه حتى إذا قال: أستحسن لم يلحقه أحد منهم لكثرة ما يورد في الاستحسان من مسائل. ونقل عن الإمام مالك وتلاميذه الأخذ بالاستحسان حتى قال مالك: الاستحسان تسعة أعشار العلم (١). ومع ذلك فلم نجد عند أولئك الأئمة تعريفا للاستحسان، ولذلك أنكره الإمام الشافعي أشد الإنكار، وقال: من استحسن فقد شرع، وألف كتاب إبطال الاستحسان، وبين فيه انحصار الأدلة في الكتاب والسنة والإجماع والقياس، وأن من قال بالاستحسان فقد جعل عقله مشرعا، وكذلك فعل داود الظاهري فأنكر الاستحسان كما أنكر القياس. وأما الإمام أحمد فهو يعتمد على السنة والأثر، ولا يلجأ إلى القياس إلا عند انعدام الدليل من الكتاب والسنة والإجماع وأقوال الصحابة، ولكن الأصوليين من أتباع الإمام أحمد ذكروا أنه يحتج بالاستحسان، نص على ذلك ابن قدامة وصفي الدين البغدادي وغيرهما.

стр. 193

ولما ألف الإمام الشافعي إبطال الاستحسان والرسالة وغيرهما من كتبه اضطر علماء الحنفية للدفاع عن إمامهم فلم يبحثوا عن أدلة تؤيد الاستحسان الذي أنكره الشافعي، وإنما لجأوا إلى تفسير الاستحسان الذي عمل به إمامهم بما لا يجعله مجرد ميل نفسي لا يمكن إقامة دليل عليه، أو «دليل ينقدح في ذهن المجتهد يعسر التعبير عنه» (١)، كما فسره بذلك بعضهم. ولهذا عرف الحنفية الاستحسان بأنه: كل دليل في مقابلة القياس الظاهر (٢). أو أنه: ترك القياس والأخذ بما هو أوفق للناس (٣). وجعله السرخسي في أصوله نوعين رئيسين هما: ١ - العمل بالاجتهاد وغالب الرأي في تقدير ما لم يقدره الشارع، كالنفقة والمتعة. ٢ - الدليل الذي يكون معارضا للقياس الظاهر الذي تسبق إليه الأوهام قبل إنعام التأمل فيه، وبعد إنعام التأمل في حكم الحادثة وأشباهها من الأصول يظهر أن الدليل الذي عارضه فوقه في القوة (٤). ومما ذكروه في تعريف الاستحسان وأنواعه وأمثلته يتبين أنه ليس بدليل مستقل، وإنما هو راجع إلى أحد الأدلة الأخرى، أو أنه ترجيح لدليل على دليل آخر.

стр. 194

أنواع الاستحسان عند الحنفية: يتنوع الاستحسان بحسب ما يستند إليه إلى ستة أنواع: ١ - استحسان سنده النص: وهو ترك الحكم الذي يقتضيه القياس أو النص العام، والعمل بمقتضى نص خاص. مثاله: أن الأصل أن لا يبيع الإنسان ما ليس عنده، هذا مقتضى النص والقياس، أما النص فقوله ﷺ لحكيم بن حزام ﵁: «لا تبع ما ليس عندك» (رواه الخمسة وحسنه الترمذي وصححه ابن حزم والألباني في إرواء الغليل). وأما القياس فلأن بيع ما ليس عنده مثل بيع حبل الحبلة أي: ولد الحمل الذي لم يولد بعد، لأن كلا منهما غير معلوم الوصف للبائع والمشتري. ولكن ورد الدليل بإباحة السلم، وهو عقد على موصوف في الذمة مؤجل بثمن مقبوض بمجلس العقد، مثل أن يبيع المزارع مائة صاع من التمر الموصوف تسلم بعد شهر أو شهرين بمائتي ريال مدفوعة حالا في مجلس العقد، فينتفع المزارع بالنقد فإذا حل الأجل دفع التمر للمشتري. فهذا النوع من البيوع يسمى السلم، وقد رخص فيه النبي ﷺ فقال: «من أسلف في تمر فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم» (أخرجه الشيخان من حديث ابن عباس، واللفظ لمسلم، ولفظ البخاري: من أسلف في شيء ففي كيل معلوم ... ). وتسمية هذا النوع استحسانا غير مسلمة عند من ينكر العمل بالاستحسان؛ لأن هذا عمل بالنص الخاص، وترك لمقتضى العموم، فهو ترك نص لنص

стр. 195

أقوى منه. ٢ - استحسان سنده الإجماع: وهو ترك مقتضى القياس أو العموم في مسألة جزئية لأجل الإجماع. مثاله: الإجماع على جواز عقد الاستصناع، وجواز شرب الماء من أيدي السقاة من غير تحديد قيمته، ودخول الحمام من غير تحديد مدة البقاء فيه ولا مقدار الماء المستعمل ولا الأجرة، فالإجماع منعقد على جوازه مع أن القياس يقتضي عدم جوازه. ٣ - استحسان سنده الضرورة: ومثاله: الحكم بطهارة الآبار بنزحها حتى يذهب أثر النجاسة من لون أو طعم أو ريح، وطهارة الحوض بصب الماء فيه حتى يذهب أثر النجاسة أيضا. ووجه الاستحسان في ذلك أن الآبار والحياض لو قيس تطهيرها علىتطهير الآنية لما أمكن؛ لأنه لا يمكن غسل البئر والحوض كما يغسل الإناء والثوب. فكل ماء يصب في البئر أو الحوض يتنجس بملاقاة الماء النجس، وكذا لو أريد نزحه فإن الماء الذي ينبع من القاع يلاقي النجاسة فيتنجس. ولأجل الضرورة قلنا إن البئر تطهر بالنزح منها حتى يذهب أثر النجاسة من لون أو طعم أو رائحة، والأحواض تطهر بالمكاثرة أي بإضافة الماء إليها حتى يذهب أثر النجاسة. ٤ ـ استحسان سنده القياس الخفي: مثاله: الحكم بطهارة سؤر سباع الطير المحرمة كالحدأة والصقر، مع أن القياس الظاهر يقتضي نجاسته كسؤر سباع البهائم، مثل الذئب، والأسد، والنمر.

стр. 196

ووجه الاستحسان: أن القياس الظاهر على سباع البهائم معارض بقياس خفي أولى بالاعتبار، وهو أن سباع البهائم حكم بنجاسة سؤرها لاختلاطه بلعابها، ولعابها نجس، وسباع الطير تشرب الماء بمناقيرها والمناقير لا رطوبة فيها فلا تلوث الماء فهي كالدجاج السائب الذي ربما أكل النجاسة بمنقاره فلا يحكم بنجاسة سؤرها وإن كان قد يقال بكراهة استعماله. ٥ - استحسان سنده المصلحة: ومثاله: الحكم بتضمين الأجير المشترك، وهو الذي لا يعمل لشخص بعينه، بل يقدم خدمة لكل من يحتاجه مقابل أجرة معينة كالصباغ والغسال والخياط. فالأصل أن الغسال إذا أعطي الثوب ليغسله فتلف عنده من غير تفريط لا ضمان عليه؛ لأن هذا مقتضى عقد الإجارة، ولأنه قبضه بإذن صاحبه فهو مؤتمن عليه، ولكنهم عدلوا عن مقتضى ذلك القياس وقالوا يضمن ما تلف عنده إلا أن يكون تلف بقوة قاهرة ظاهرة كالحريق ونحوه. وسند هذا الاستحسان المصلحة، وهي المحافظة على أموال الناس من الضياع؛ نظرا لكثرة الخيانة بين الناس وقلة الأمانة. ولو لم يضمن الأجير لامتنع كثير من الناس من دفع أمتعتهم إليه خوفا عليها من الضياع أو التلف أو الخيانة. ٦ - استحسان سنده العرف: ومثاله: أن الأصل أن من حلف لا يأكل اللحم يحنث بأكل السمك لأنه لحم، فالله قد سماه لحما فقال: ومن كل تأكلون لحما طريا، ولكن قالوا: لا يحنث استحسانا؛ لأن العرف جرى على التفريق بين اللحم والسمك، وأن السمك لا يسمى لحما في العرف، ولا يفهم من إطلاق لفظ اللحم دخول السمك فيه.

стр. 197

حكم العمل بالاستحسان: إذا نظرنا إلى التعريف المختار للاستحسان، وعرفنا أنواعه، يتبين لنا أن الأنواع الثلاثة الأولى منه لا خلاف فيها بين العلماء، غير أن منهم من لا يسميها استحسانا. وأما النوع الرابع فمن خالف فيه فإنما يخالف في رجحان القياس الخفي على القياس الظاهر، فهو عنده من باب تعارض الأقيسة والترجيح بينها. وأما النوع الخامس فالنزاع فيه مبني على النزاع في مستنده وهو المصلحة المرسلة هل تعد دليلا؟ وكذا الشأن في النوع السادس. والاستدلال بالاستحسان بأنواعه المتقدمة مذهب جمهور العلماء من الحنفية والمالكية والحنابلة. وأما الشافعي فقد نقل عنه إنكاره، وأنه كان يقول: من استحسن فقد شرع، أي: جعل نفسه مشرّعا. والظاهر أن الشافعي لا ينكر الاستحسان بمعناه الذي ذكرناه، بل ينكر الاستحسان بمجرد الهوى من غير دليل، أو ينكر الاستحسان الذي مستنده المصلحه المرسلة والعرف فقط. والله أعلم.

стр. 198

الاستصحاب تعريفه: الاستصحاب في اللغة: طلب الصحبة. وفي الاصطلاح: هو الحكم بثبوت أمر في الزمان الثاني بناء على أنه كان ثابتا في الزمان الأول. ومعنى التعريف: أنه إذا ثبت حكم بدليل معين في وقت معين يبقى ذلك الحكم ثابتا حتى يرد دليل يرفعه. ووجه تسميته استصحابا: أن المجتهد يستصحب الحكم الأول حتى يرد ما يدل على ارتفاعه. مثال ذلك: إذا توضأ ثم شك في وجود ما ينقض الوضوء فإنه يستصحب الحكم السابق، وهو كونه طاهرا حتى يثبت خلافه. أنواع الاستصحاب: يتنوع الاستصحاب إلى أربعة أنواع هي: ١ـ استصحاب البراءة الأصلية: أي: براءة ذمة الإنسان من التكاليف الشرعية والحقوق المالية، حتى يقوم دليل على شغلها بشيء من ذلك. فالحكم بعدم فرضية صلاة سادسة، وبعدم وجوب صوم شعبان معلوم بالبراءة الأصلية، وكذا الحكم ببراءة ذمته من الديون التي لم يقم دليل على تعلقها بها.

стр. 199

٢ ـ استصحاب الحكم الذي دل الدليل على ثبوته ولم يقم دليل على تغييره: مثل الحكم بثبوت الزوجية بناء على عقد النكاح الصحيح من غير أن يطالَب الزوج بدليل على بقاء العقد؛ لأن الأصل بقاؤه ما لم يرد دليل يغير ذلك الأصل، فلو ادعت الزوجة الطلاق فالأصل عدمه وعليها البينة. ٣ ـ استصحاب الدليل مع احتمال المعارض: مثل استصحاب حكم الدليل العام حتى يرد ما يخصصه، واستصحاب النص حتى يرد ما يدل على نسخه. وقد منع بعض العلماء تسمية هذا النوع استصحابا؛ لأن العمل به عمل بالنص لا بدليل الاستصحاب، وخالف بعضهم في العمل بالعام قبل البحث عن المخصص كما سيأتي بيانه في العام. ٤ ـ استصحاب الحكم الثابت بالإجماع في محل الخلاف: مثاله: إذا تيمم من فقد الماء ثم شرع في صلاته وفي أثنائها رأى الماء أو قدم به خادمه، هل تصح صلاته إذا استمر فيها؟ فمن قال بصحة صلاته استدل باستصحاب الإجماع في موضع الخلاف فقال: صحة صلاة من تيمم لفقد الماء ثابتة بالإجماع حتى يدل دليل على أن رؤية الماء في أثناء الصلاة مبطلة لها، ولا دليل على ذلك. فصحة الصلاة قبل رؤية الماء متفق عليها، وبعد رؤية الماء مختلف فيها، والمستدل استصحب الإجماع في محل الخلاف، أي: استدل بالإجماع في الصورة المتفق عليها علىالصورة المختلف فيها. ومن أمثلة هذا النوع قول الظاهرية ومن وافقهم: يجوز بيع أم الولد لأن الإجماع منعقد على جواز بيع هذه الجارية قبل أن يطأها سيدها وتنجب منه،

стр. 200

فنستصحب هذا الحكم الثابت بالإجماع بعد الاستيلاد إلى أن يدل دليل على تغييره. حكم العمل بالاستصحاب: الأنواع الثلاثة الأولى من الاستصحاب حجة عند جمهور العلماء، وما وقع من خلاف بينهم فهو في مسائل جزئية اختلف في صحة الاستدلال به فيها. وذهب الحنفية في المذهب المشهور عندهم إلى أن الاستصحاب يصلح الاستدلال به في النفي لا في الإثبات، فهو لا يصلح لإثبات حكم مبتدأ، بل يصلح لإبقاء ما كان على ما كان إلى أن يثبت دليل التغيير. ولأجل ذلك قال الحنفية: إن المفقود الذي لا يعرف أنه حي أو ميت يحكم بحياته استصحابا للأصل، فإن الأصل فيه الحياة؛ لأنها آخر العهد به، وبناء على ذلك فإن ما يملكه من مال يبقى مملوكا له ولا ينتقل إلى الورثة، وزوجته لا تتزوج بغيره، وإجارته لا تنفسخ، وهكذا كل الحقوق التي كانت ثابتة له تبقى كما هي إلى أن يحكم بموته حاكم بعد الانتهاء من مدة الانتظار، ولكن لو مات ابنه أو زوجته مثلا في تلك المدة فإنه لا يرثهما؛ لأن الحكم بحياته حكم اعتباري فلا يثبت له الإرث بمقتضى استصحاب الحال السابقة، وهذا معنى قولهم إن الاستصحاب يصلح حجة للدفع فقط. وعند الجمهور أنه في مدة الانتظار يوقف له نصيبه حتى يرجع فإن لم يرجع كان كبقية ماله يأخذه ورثته، وقيل يرد إلى ورثة الميت الأول. والدليل على حجية الأنواع الثلاثة الأولى من الاستصحاب ما يلي: ١ ـ قوله ﷺ في الرجل يخيل إليه أنه أحدث في الصلاة: «لا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا» (متفق عليه من حديث عبد الله بن زيد ﵁).

стр. 201

وجه الاستدلال: أن الرسول ﷺ حكم باستصحاب حكم الوضوء مع الشك في وجود الناقض حتى يدل الدليل على انتقاضه يقينا. ٢ ـ حديث ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ قضى أن اليمين على المدعى عليه (متفق عليه). وجه الاستدلال: أن الرسول ﷺ جعل الأصل براءة ذمة المدعى عليه حتى يثبت شغلها بالبينة الصحيحة، وهذا عمل باستصحاب الحال السابقة حتى يثبت تغيرها. ٣ ـ أن العمل بالاستصحاب عمل بالظاهر، والعمل بالظاهر حتى يثبت خلافه مما اتفق عليه الصحابة والتابعون والأئمة بعدهم. وأما النوع الرابع وهو استصحاب الإجماع في محل الخلاف فالمحققون على أنه ليس بحجة؛ لأنه يؤدي إلى التسوية بين موضع الاتفاق وموضع النزاع وهما مختلفان. ولأن الإجماع على صحة الصلاة بالتيمم مشروط بعدم الماء، فإذا انتفى هذا الشرط انتفى الإجماع، وكذا في بيع الأمة، الإجماع على جوازه مشروط بعدم الاستيلاد فإذا وجد الاستيلاد انتفى الإجماع. قواعد مبنية على الاستصحاب: تدور على ألسنة الفقهاء وفي كتبهم قواعد فقهية مبنية على الاستصحاب، منها: ١ - قاعدة: اليقين لا يزول بالشك، وهي من القواعد العظمى التي تدخل في جميع أبواب الفقه، ويندرج تحتها مسائل وقواعد كثيرة. ٢ - قاعدة: الأصل بقاء ما كان على ما كان، أي: إذا ثبت للشيء صفة معينة

стр. 202

فالأصل بقاؤها حتى يرد ما يدل على تغيرها. ٣ - قاعدة: الأصل براءة الذمة، أي: عدم انشغالها بشيء من التكاليف والحقوق إلا بدليل. ٤ - قاعدة: الأصل في الصفات العارضة العدم، أي: الصفات التي تعرض للأشياء وليست ثابتة لها في الأصل، لا يحكم بوجودها إلا بدليل، فمن اشترى سلعة وقبضها ثم ادعى بعد زمن أنها كانت معيبة فلا يقبل قوله إلا ببينة تشهد له؛ لأن العيب من الصفات العارضة والأصل عدمها، وكذا لو ادعى المشتري أنه شرط الخيار لا تقبل دعواه إلا ببينة. ٥ - قاعدة: الأصل إضافة الحادث إلى أقرب أوقاته. وهي قريبة من التي قبلها، ومثالها: إذا اختلف المتبايعان في عيب طارئ حديث، هل وقع قبل البيع أو بعده، فيحكم بأنه حدث في أقرب زمن للزمن الذي اطلعنا عليه فيه.

стр. 203

الاستصلاح تعريفه: الاستصلاح في اللغة: العمل على إصلاح شيء ما. وفي الاصطلاح: بناء الأحكام على المصلحة المرسلة. والمصلحة في اللغة: المنفعة، سواء أكانت دنيوية أم أخروية، بجلب نفع أو بدفع ضرر. والعلماء متفقون على أن الشرع جاء بحفظ المصالح وتكميلها ودرء المفاسد وتقليلها، وأن الله جل وعلا قد راعى في أحكامه مصالح العباد، وأن الشريعة ليست نكاية بالخلق ولا تعذيبا لهم، وإنما هي رحمة وتزكية، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء١٠٧] وقال: ﴿يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة١٥١] وقال في صفة رسوله ﷺ : ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة١٢٨]. وأهل السنة يرون أن مراعاة الشارع لمصالح العباد تفضل منه وكرم وليس بواجب عليه، وأكثر المعتزلة يرون أن مراعاة مصالح العباد واجب على الله أوجبه على نفسه؛ لأنه من لوازم حكمته وعدله.

стр. 204

أقسام المصلحة من حيث اعتبار الشرع لها: والمصلحة من حيث اعتبار الشرع لها وبناء الأحكام عليها وعدمه تنقسم ثلاثة أقسام: ١ـ مصلحة ملغاة: وهي كل منفعة دل الشرع على عدم الاعتداد بها وعدم مراعاتها في الأحكام الشرعية، وذلك لانطوائها على مفسدة أعظم منها، أو لأنها تفوّت مصلحة أكبر. ومثال المصلحة الملغاة ما في الزنى من لذة قضاء الشهوة، وما في ترك قطع السارق من مصلحة تمتعه بأعضائه، وما في التسوية بين الرجال والنساء في الميراث من مصلحة ترغيب النساء في الإسلام، وغير ذلك. والضابط الذي به نعرف أن المصلحة ملغاة هو مخالفتها لنص أو إجماع أو قياس جلي. فالمنافع المشار إليها قبل قليل مصادمة لنصوص الشرع الصحيحة الصريحة، وإذا دققنا النظر فيها نجد أنها مصالح جزئية لو روعيت لفوتت مصالح كلية. ٢ـ مصلحة اعتبرها الشارع بعينها وراعاها في أصل معين يمكن أن يقاس عليه ما يشبهه: وهذه هي المصلحة التي تتضمنها العلة في القياس، ويسميها بعضهم المناسبة، ومثالها: مصلحة حفظ العقل التي تضمنها تحريم الخمر، فيقاس على الخمر كل ما يذهب العقل من المخدرات والحشيش ونحو ذلك. وهذه لا يختلف القائلون بحجية القياس في مراعاة الفقيه لها في اجتهاده، ولكنهم لا يعدونها دليلا مستقلا غير القياس.

стр. 205

٣ـ مصلحة اعتبر الشارع جنسها، ولا يشهد لعينها أصل معين بالاعتبار: بمعنى أن نصوص الشرع العامة تدل على مراعاة جنس هذه المصلحة، ولكننا لا نجد نصا خاصا على تحقيق هذه المصلحة بهذا الحكم المعين بخصوصه؛ إذ لو وجدنا أصلا خاصا وأمكن القياس عليه لكانت من النوع الثاني. ومثال هذا النوع: المصلحة الناشئة من جمع القرآن في مصحف واحد، فهذا العمل فيه مصلحة حفظ الدين، ولكن لم نجد نصا يدل على حفظ الدين بهذه الطريقة بخصوصها، ولا بشيء يشبهها شبها يمكن معه قياسها عليه. ومن ذلك المصلحة الناشئة عن وضع إشارات المرور في الشوارع العامة، ومعاقبة من لا يراعيها، فإن هذا العمل فيه مصلحة ظاهرة للناس؛ حيث إن الالتزام بهذه الإشارات يحفظ أرواح الناس وأموالهم، وعدمه يؤدي إلى التصادم وتعطيل الحركة وهلاك الأنفس والأموال، فهذه المصلحة من حيث جنسها قد جاء بها الشرع، ولا يشك مسلم في أن الإسلام يدعو إلى حفظ الأنفس والأموال، ولكن لا نجد نصا خاصا يدل على حفظها بهذه الطريقة (أي: بوضع إشارات المرور) ولا بطريقة تشبهها شبها بينا يمكن قياسها عليها. وهذه المصلحة هي التي تسمى المصلحة المرسلة، وهي التي اختلف في حكم الاحتجاج بها على إثبات الأحكام الشرعية. ولا يصح أن نفسر المصلحة المرسلة بالمهملة أو المسكوت عنها؛ فإن الشرع لم يهمل شيئا من المصالح الحقيقية، وإنما أهمل المصالح المتوهمة، والظاهر أن قولهم: المرسلة، لإخراج المقيدة، وهي التي شهد لها أصل خاص بالاعتبار، وأمكن القياس عليها.

стр. 206

حكم العمل بالمصلحة المرسلة: ذهب جمهور الفقهاء إلى الاستدلال بالمصلحة المرسلة في إثبات الأحكام الشرعية، وأكثر الإمام مالك من العمل بها حتى ظن بعض الناس اختصاصه بها. والأصوليون يذكرون خلافا قويا في عدها من الأدلة، وينقلون عن الإمام الشافعي إنكار الاحتجاج بالمصلحة التي لا ينتظم منها قياس صحيح، ورأى الغزالي أن ما يقع منها في مرتبة الضروريات يمكن الاحتجاج به وإن لم يشهد له أصل معين، بخلاف ما يقع في رتبة الحاجيات والتحسينيات، وأنكر ابن قدامة الاحتجاج بها في روضة الناظر، ولكنه في كتبه الفقهية يعلل بالمصلحة المرسلة أحيانا. وفي المقابل نجد الطوفي يرى أن المصلحة إذا كانت ضرورية تقدم على النص، وقد أنكر عليه هذا من جاء بعده واستبشع قوله. والحق أن المصلحة الضرورية القطعية لا يمكن أن يوجد في النصوص ما يعارضها. فهذا القول وإن كان في ظاهره شناعة، إلا أنه لا يترتب عليه عمليا ما يحملنا على اتهام الطوفي في عقيدته، كما فعل بعض من رد عليه؛ لأنه لا يوجد مثال صحيح تتعارض فيه مصلحة ضرورية مع نص شرعي صحيح. وخلاصة القول أن الذين خالفوا في الاحتجاج بالمصلحة المرسلة إنما خالفوا في عدها دليلا مستقلا أو في تقديمها على النصوص أو في المصالح المعارضة بمثلها أو بما هو أعظم منها.

стр. 207

أدلة العمل بالمصلحة المرسلة: يستدل للعمل بالمصلحة المرسلة بأدلة كثيرة، ومنها: ١ - أن الصحابة ﵃ عملوا بالمصالح المرسلة فيما طرأ لهم من الحوادث، فمن ذلك: ـ ... جمع القرآن في مصحف واحد. ـ ... وإيقاع عمر الطلاق الثلاث بكلمة واحدة. ـ ... وقتل الجماعة بالواحد، وهذا يعد إجماعاً منهم. ٢ - الآيات الدالة على أن الشريعة جاءت لمصالح العباد والتيسير عليهم، كقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء١٠٧] وقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة١٨٥] وقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ [النساء٢٨] وقوله: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج٧٨]. فهذه الايات تدل على أن من مقاصد الشرع التيسير على الناس ورفع الحرج، والعمل بالمصالح المرسلة فيه تيسير على الناس؛ إذ لو كلفنا الرجوع إلى النصوص الخاصة لخلت كثير من الوقائع عن الأحكام، ولو لم يلتفت الشرع إلى مصالح العباد ويبني عليها الأحكام التي تحفظها لوقع الناس في الضيق والحرج.

стр. 208

شروط العمل بالمصلحة المرسلة: يشترط للعمل بالمصلحة المرسلة ما يلي: ١ - أن تكون المصلحة حقيقية لا متوهمة، فالمصلحة المتوهمة لا ينظر إليها، ومثالها: ما يتوهمه بعض الناس من أن التسوية بين الرجل والمرأة في الإرث فيه مصلحة، وهي ترغيب الكفار في الإسلام، ومن ذلك: ما يتوهمه البعض من أن العمل بالقوانين الوضعية المستوردة فيه مصلحة وهي التسوية بين الناس في الحقوق والواجبات. وهؤلاء وأولئك غفلوا عن أن خالق الناس أعلم بما يصلحهم وما يناسبهم، وأن ترغيب الكفار في الإسلام بترك فرض من فرائضه مفاسده أعظم مما يتوخى فيه من مصلحة، وما في القوانين الوضعية من المصالح يمكن تحصيلها من الشريعة على وجه أكمل. ٢ - أن لا تعارض نصا من كتاب أو سنة، أو إجماعاً صحيحاً، فإن عارضت شيئا من هذه الأدلة فهي مصلحة ملغاة؛ إما لانطوائها على مفسدة أعظم، أو لتفويتها مصلحة أعظم. ٣ - أن لا تعارض مصلحة مساوية لها أو أعظم منها، فإن تعارضت المصالح رجحنا أقواها أثرا وأعمها نفعا وأكثرها دفعا للمفسدة، وإذا تعارضت مصلحة فرد أو فئة مع المصلحة العامة قدمنا المصلحة العامة. ٤ - أن تكون في مواضع الاجتهاد لا في المواضع التي يتعين فيها التوقيف، كأسماء الله وصفاته، والبعث والجزاء، وكأصول العبادات، فإن المصلحة المرسلة لا يمكن أن يستدل بها على ثبوت عبادة أو زيادة فيها أو نقص شيء منها.

стр. 209

أمثلة تطبيقية للعمل بالاستصلاح: ١ - ضرب العملة السائرة في كل بلد، فهذا العمل لو طبقنا عليه دليلا من النص لم نجده؛ إذ ليس في القرآن أمر بذلك، ولم يفعله الرسول ﷺ ولم يأمر به، ولكن الحاجة ماسة إليه ليتعامل الناس بعملة مقبولة عند جميعهم، تمكنهم من مبادلتها بما يحتاجونه من مأكول ومشروب وملبوس ومركوب وخدمات ينتفعون بها، ولذا وجب على الدولة أن تقوم بضرب عملة وتحميها من التزوير حتى تحتفظ بقيمتها. ٢ - وضع الإشارات التي تنظم السير في الطرقات، ووجوب الوقوف عندها، فوضعها في المدن الكبيرة من الضروريات التي يؤدي الإخلال بها إلى تلف الأنفس والأموال، فيجب على ولي الأمر وضعها، ويجب على الناس الالتزام بها. ٣ - تسجيل الأنكحة والمواليد في سجلات خاصة، فهذا من الحاجيات التي يؤدي الإخلال بها إلى فقدان كثير من المصالح، وقد يقال: إنها مما يحفظ الأنساب فتلحق بالضروريات. ٤ - الإلزام باستخراج بطاقات الجنسية، ورخص القيادة، ومعاقبة المخالف لذلك. فهذه كلها مما تدعو الحاجة إليه لضبط الأمن، ومعرفة الأنساب، والمحافظة على الأرواح والأموال.

стр. 210

سد الذرائع تعريف الذرائع: الذرائع: جمع ذريعة، والذريعة هي الوسيلة المؤدية إلى الشيء، سواء أكان مصلحة أم مفسدة. وسد الذرائع: منع الوسائل المفضية إلى المفاسد. والأقوال والأفعال المؤدية إلى المفسدة أربعة أقسام: الأول: وسيلة موضوعة للإفضاء إلى المفسدة قطعا، كشرب الخمر المفضي إلى مفسدة السكر، والزنى المفضي إلى مفسدة اختلاط الأنساب وثلم الأعراض. الثاني: وسيلة موضوعة للإفضاء إلى المباح، ولكن قصد بها التوسل إلى المفسدة، مثل عقد النكاح بقصد تحليل الزوجة لزوجها الأول الذي طلقها ثلاثا. الثالث: وسيلة موضوعة للإفضاء إلى المباح، ولم يقصد بها التوسل إلى المفسدة، ولكنها تؤدي إليها غالبا، ومفسدتها أرجح من مصلحتها، مثل: سب آلهة الكفار علناً إذا كان يفضي إلى سب الله جل وعلا. الرابع: وسيلة موضوعة للإفضاء إلى المباح، وقد تفضي إلى المفسدة، ومصلحتها أرجح من مفسدتها، مثل النظر إلى المخطوبة، والمشهود عليها، والجهر بكلمة الحق عند سلطان جائر. فالقسم الأول قد جاءت الشريعة بمنعه، إما على سبيل التحريم أو الكراهة، وذلك بحسب درجته في المفسدة ولا خلاف فيه.

стр. 211

والقسم الرابع قد جاءت الشريعة بمشروعيته إما على سبيل الوجوب أو الاستحباب؛ بحسب درجته في المصلحة، ولا خلاف فيه. والقسمان الثاني والثالث هما موضع النزاع، هل جاءت الشريعة بمنعهما؟ ومذهب المالكية والحنابلة ومن وافقهم أن سد الذرائع دليل شرعي تبنى عليه الأحكام، فمتى أفضى الفعل إلى مفسدة راجحة أو كان الغالب فيه الإفضاء إلى المفسدة أو قصد به فاعله الإفضاء إلى المفسدة وجب منعه. وذهب بعض العلماء من الشافعية والحنفية والظاهرية إلى عدم الاستدلال بهذا الدليل ولم يوجبوا سد الذرائع المؤدية إلى المفسدة، إلا أن يرد بمنعها نص أو إجماع أو قياس، ولكنهم لم يطردوا في فروعهم الفقهية بل قالوا في بعض الفروع بالمنع دون بعضها الآخر. ومما يدل على صحة العمل بقاعدة سد الذرائع ما يلي: ١ - قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام١٠٨]. وجه الاستدلال: أن الله منع المسلمين من سب آلهة الكفار مع أنها تستحق السب والشتم، ولكن منع من سبها حتى لا يسبوا الله، وهذا ظاهر في سد الذريعة المؤدية إلى المفسدة. ٢ ـ قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾ [البقرة١٠٤]. وجه الاستدلال: أن الله نهى المؤمنين أن يقولوا للرسول ﷺ راعنا؛ منعا لذريعة التشبه باليهود الذين كانوا يقولون للرسول ﷺ راعنا، من الرعونة

стр. 212

وهي الحمق والسفه، والمسلمون يقصدون منها القصد الحسن أي: من المراعاة وهي الانتظار. ٣ - منع الشارع القاضي من أخذ الهدية لئلا يكون ذريعة إلى أخذ الرشوة، وفي ذلك يقول النبي ﷺ : «هدايا العمال غلول» (أخرجه الإمام أحمد وغيره). والأحكام التي قصد بها سد الذرائع المؤدية إلى المحرم أكثر من أن تحصى. وإذا تقرر وجوب سد الذارئع المؤدية إلى المحرم تقرر وجوب فتح الذرائع الموصلة إلى الواجب؛ لأن الذريعة الموصلة إلى الواجب واجبة، لكن وجوبها قد يكون وجوبا معينا إذا كانت هي الوسيلة الوحيدة إلى الواجب، ولهذا جاءت قاعدة: «ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب»، وقد يكون وجوب وسيلة الواجب على التخيير إذا كانت هناك وسائل متعددة كلها تفضي إلى الواجب. وباب سد الذرائع من أهم ما ينبغي للفقيه معرفته، ولهذا قال شمس الدين محمد بن أبي بكر المعروف بابن القيم (ت٧٥١): «وباب سد الذرائع أحد أرباع التكليف، فإنه (أي التكليف) أمر ونهي، والأمر نوعان: أحدهما: مقصود لنفسه، والثاني: وسيلة إلى المقصود، والنهي نوعان: أحدهما: ما يكون المنهي عنه مفسدة في نفسه، والثاني: ما يكون وسيلة إلى المفسدة، فصار سد الذرائع المفضية إلى الحرام أحد أرباع الدين» (١). وإعطاء الوسيلة حكم المتوسل إليه دليل على حكمة الباري وعلمه بخصائص النفس البشرية؛ لأنه لو حرم الشيء وأباح الوسائل الموصلة إليه غالبا لوقع الناس في حرج عظيم.

стр. 213

الباب الثالث دلالة الألفاظ اهتم علماء الأصول بالألفاظ اهتماما كبيرا من حيث تقسيماتها وأنواعها، ومن حيث دلالتها على المعاني، وذلك لأن الأحكام الشرعية إنما تستفاد من الألفاظ إما بطريق الدلالة المباشرة، أو بطريق الإشارة والإيماء، وقد أحاط الأصوليون بما قرره علماء اللغة والنحو والتصريف، وزادوا عليهم تفصيلات لا يجدها الباحث عند غيرهم حتى من علماء اللغة الذين ألفوا فيها المؤلفات الكثيرة. ومن الأصوليين من خاض في تقسيمات وتعريفات للألفاظ لا حاجة للفقيه بها، وإنما استدعاها حب الاستقصاء وغلبة النقل على مؤلفاتهم، والاستطراد الذي ينسي بعض المؤلفين الغرض من التأليف في علم أصول الفقه. ولا يليق بهذا المختصر اتباع ذلك المنهج، لذا سأقتصر على المفيد من تلك الأقسام، وما له مدخل في معرفة دلالة ألفاظ الشرع. وهي: الأمر والنهي. العام والخاص. المطلق والمقيد. المنطوق والمفهوم. النص والظاهر والمجمل والمبين.

стр. 214

الأمر والنهي الأمر والنهي هما أساس التكليف، فلا تكليف إلا بأمر أو نهي صريحين أو ما يدل عليهما بنوع من أنواع الدلالة. ولذا اهتم الأصوليون بالكلام عن الأمر والنهي ودلالة كل منهما، وجرى كثير منهم على تقديم الكلام عن الأوامر والنواهي في مؤلفاتهم لما لهما من الأهمية. فمنذ أن خلق الله آدم وحواء أمرهما ونهاهما، فقال: ﴿يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ [البقرة٣٥]. ولشرف المأمور به قدم الأمر على النهي، واكتفى أكثرهم في النهي بالإشارة إلى أنه عكس الأمر في دلالته، قال الغزالي: «وكل مسألة في الأوامر لها وزان في النواهي». واكتفى في باب النهي بالكلام عن اقتضاء النهي الفساد تفصيلا، لما لهذه المسألة من أهمية وأثر في الفقه، ومثله فعل ابن قدامة.

стр. 215

الأمر كلام الأصوليين في الأمر ينصب على جانبين: ١ـ لفظ الأمر، وهو الكلمة المكونة من: (أَ مَ رَ). وهذا يظهر من كلامهم عند تعريفه، وفي أن الأمر هل له صيغة تخصه؟ ٢ـ دلالة ما يصدق عليه لفظ الأمر من الألفاظ، مثل: صلوا، وصوموا، ونحوهما من الألفاظ الموضوعة للأمر، وسأتناول كلا من الجانبين، مع الاهتمام بالجانب الثاني؛ لأنه المقصود من دراسة هذا الباب. تعريف الأمر: كلمة الأمر عرفها بعض الأصوليين بأنها: طلب الفعل بالقول على جهة الاستعلاء. فاشتمل التعريف على ثلاثة قيود هي: أ ـ ... طلب الفعل، وهذا يخرج طلب الترك؛ فإنه يسمى نهيا لا أمرا. ب ـ أن يكون بالقول لا بالفعل ولا بالإشارة والكتابة. ج ـ أن يكون الطلب على جهة الاستعلاء، أي: يعرف من سياق الكلام أو من طريقة التكلم به أن الآمر يستعلي على المأمور، سواء أكان أعلى منه رتبة أم أدنى منه في واقع الأمر. وبناء على هذا التعريف فإن العبد لو قال لسيده: افعل كذا، بنبرة توحي بأنه يستعلي عليه، سمي كلامه هذا أمرا، واستحق التأديب عليه لأنه يأمر سيده. وأما إن قال: افعل كذا، على جهة التوسل والسؤال فلا يسمى أمرا، مع أن اللفظ واحد.
следующие страницы →