والقسم الرابع قد جاءت الشريعة بمشروعيته إما على سبيل الوجوب أو الاستحباب؛ بحسب درجته في المصلحة، ولا خلاف فيه.
والقسمان الثاني والثالث هما موضع النزاع، هل جاءت الشريعة بمنعهما؟
ومذهب المالكية والحنابلة ومن وافقهم أن سد الذرائع دليل شرعي تبنى عليه الأحكام، فمتى أفضى الفعل إلى مفسدة راجحة أو كان الغالب فيه الإفضاء إلى المفسدة أو قصد به فاعله الإفضاء إلى المفسدة وجب منعه.
وذهب بعض العلماء من الشافعية والحنفية والظاهرية إلى عدم الاستدلال بهذا الدليل ولم يوجبوا سد الذرائع المؤدية إلى المفسدة، إلا أن يرد بمنعها نص أو إجماع أو قياس، ولكنهم لم يطردوا في فروعهم الفقهية بل قالوا في بعض الفروع بالمنع دون بعضها الآخر.
ومما يدل على صحة العمل بقاعدة سد الذرائع ما يلي:
١ - قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام١٠٨].
وجه الاستدلال: أن الله منع المسلمين من سب آلهة الكفار مع أنها تستحق السب والشتم، ولكن منع من سبها حتى لا يسبوا الله، وهذا ظاهر في سد الذريعة المؤدية إلى المفسدة.
٢ ـ قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾ [البقرة١٠٤].
وجه الاستدلال: أن الله نهى المؤمنين أن يقولوا للرسول ﷺ راعنا؛ منعا لذريعة التشبه باليهود الذين كانوا يقولون للرسول ﷺ راعنا، من الرعونة
стр. 212
وهي الحمق والسفه، والمسلمون يقصدون منها القصد الحسن أي: من المراعاة وهي الانتظار.
٣ - منع الشارع القاضي من أخذ الهدية لئلا يكون ذريعة إلى أخذ الرشوة، وفي ذلك يقول النبي ﷺ : «هدايا العمال غلول» (أخرجه الإمام أحمد وغيره).
والأحكام التي قصد بها سد الذرائع المؤدية إلى المحرم أكثر من أن تحصى.
وإذا تقرر وجوب سد الذارئع المؤدية إلى المحرم تقرر وجوب فتح الذرائع الموصلة إلى الواجب؛ لأن الذريعة الموصلة إلى الواجب واجبة، لكن وجوبها قد يكون وجوبا معينا إذا كانت هي الوسيلة الوحيدة إلى الواجب، ولهذا جاءت قاعدة: «ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب»، وقد يكون وجوب وسيلة الواجب على التخيير إذا كانت هناك وسائل متعددة كلها تفضي إلى الواجب.
وباب سد الذرائع من أهم ما ينبغي للفقيه معرفته، ولهذا قال شمس الدين محمد بن أبي بكر المعروف بابن القيم (ت٧٥١): «وباب سد الذرائع أحد أرباع التكليف، فإنه (أي التكليف) أمر ونهي، والأمر نوعان: أحدهما: مقصود لنفسه، والثاني: وسيلة إلى المقصود، والنهي نوعان: أحدهما: ما يكون المنهي عنه مفسدة في نفسه، والثاني: ما يكون وسيلة إلى المفسدة، فصار سد الذرائع المفضية إلى الحرام أحد أرباع الدين» (١).
وإعطاء الوسيلة حكم المتوسل إليه دليل على حكمة الباري وعلمه بخصائص النفس البشرية؛ لأنه لو حرم الشيء وأباح الوسائل الموصلة إليه غالبا لوقع الناس في حرج عظيم.
стр. 213
الباب الثالث
دلالة الألفاظ
اهتم علماء الأصول بالألفاظ اهتماما كبيرا من حيث تقسيماتها وأنواعها، ومن حيث دلالتها على المعاني، وذلك لأن الأحكام الشرعية إنما تستفاد من الألفاظ إما بطريق الدلالة المباشرة، أو بطريق الإشارة والإيماء، وقد أحاط الأصوليون بما قرره علماء اللغة والنحو والتصريف، وزادوا عليهم تفصيلات لا يجدها الباحث عند غيرهم حتى من علماء اللغة الذين ألفوا فيها المؤلفات الكثيرة.
ومن الأصوليين من خاض في تقسيمات وتعريفات للألفاظ لا حاجة للفقيه بها، وإنما استدعاها حب الاستقصاء وغلبة النقل على مؤلفاتهم، والاستطراد الذي ينسي بعض المؤلفين الغرض من التأليف في علم أصول الفقه.
ولا يليق بهذا المختصر اتباع ذلك المنهج، لذا سأقتصر على المفيد من تلك الأقسام، وما له مدخل في معرفة دلالة ألفاظ الشرع. وهي:
الأمر والنهي.
العام والخاص.
المطلق والمقيد.
المنطوق والمفهوم.
النص والظاهر والمجمل والمبين.
стр. 214
الأمر والنهي
الأمر والنهي هما أساس التكليف، فلا تكليف إلا بأمر أو نهي صريحين أو ما يدل عليهما بنوع من أنواع الدلالة.
ولذا اهتم الأصوليون بالكلام عن الأمر والنهي ودلالة كل منهما، وجرى كثير منهم على تقديم الكلام عن الأوامر والنواهي في مؤلفاتهم لما لهما من الأهمية.
فمنذ أن خلق الله آدم وحواء أمرهما ونهاهما، فقال: ﴿يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ [البقرة٣٥].
ولشرف المأمور به قدم الأمر على النهي، واكتفى أكثرهم في النهي بالإشارة إلى أنه عكس الأمر في دلالته، قال الغزالي: «وكل مسألة في الأوامر لها وزان في النواهي».
واكتفى في باب النهي بالكلام عن اقتضاء النهي الفساد تفصيلا، لما لهذه المسألة من أهمية وأثر في الفقه، ومثله فعل ابن قدامة.
стр. 215
الأمر
كلام الأصوليين في الأمر ينصب على جانبين:
١ـ لفظ الأمر، وهو الكلمة المكونة من: (أَ مَ رَ). وهذا يظهر من كلامهم عند تعريفه، وفي أن الأمر هل له صيغة تخصه؟
٢ـ دلالة ما يصدق عليه لفظ الأمر من الألفاظ، مثل: صلوا، وصوموا، ونحوهما من الألفاظ الموضوعة للأمر، وسأتناول كلا من الجانبين، مع الاهتمام بالجانب الثاني؛ لأنه المقصود من دراسة هذا الباب.
تعريف الأمر:
كلمة الأمر عرفها بعض الأصوليين بأنها: طلب الفعل بالقول على جهة الاستعلاء. فاشتمل التعريف على ثلاثة قيود هي:
أ ـ ... طلب الفعل، وهذا يخرج طلب الترك؛ فإنه يسمى نهيا لا أمرا.
ب ـ أن يكون بالقول لا بالفعل ولا بالإشارة والكتابة.
ج ـ أن يكون الطلب على جهة الاستعلاء، أي: يعرف من سياق الكلام أو من طريقة التكلم به أن الآمر يستعلي على المأمور، سواء أكان أعلى منه رتبة أم أدنى منه في واقع الأمر.
وبناء على هذا التعريف فإن العبد لو قال لسيده: افعل كذا، بنبرة توحي بأنه يستعلي عليه، سمي كلامه هذا أمرا، واستحق التأديب عليه لأنه يأمر سيده.
وأما إن قال: افعل كذا، على جهة التوسل والسؤال فلا يسمى أمرا، مع أن اللفظ واحد.
стр. 216
وقد اتفق الأصوليون على القيد الأول، وهو أن الأمر طلب فعل لا طلب ترك، واختلفوا في القيدين الأخيرين.
فالقيد الثاني خالف فيه جماعة من الأصوليين وقالوا: إن الأمر قد يكون بالقول وقد يكون بالفعل كالإشارة والكتابة، والجمهور قالوا: لا يسمى الفعل أمرا إلا على سبيل المجاز المفتقر إلى القرينة.
ولهذا فإن أفعال الرسول ﷺ المجردة لا تكون بمثابة الأمر إلا إذا دل الدليل على وجوب متابعته فيها.
وأما القيد الثالث فقد اختلفوا فيه، فمنهم من اشترط في مسمى الأمر الاستعلاء، وقد تقدم تفسيره.
ومنهم من اشترط العلو، وهو أن يكون الكلام صادرا ممن هو أعلى رتبة من المأمور في واقع الأمر.
ومنهم من اشترط الأمرين معا (العلو والاستعلاء).
ومنهم من لم يشترط أيّاً منهما.
والصواب: أن الأمر الذي يصلح مصدرا للتشريع لا يكون إلا ممن هو أعلى رتبة، أي: من الله أو من رسوله ﷺ ، ولذا فاشتراط العلو هو الأقرب.
والفرق بين الاستعلاء والعلو: أن الاستعلاء صفة في الأمر نفسه، أي: في نبرة الصوت، أو في طريقة إلقائه، أو في القرائن المصاحبة، وأما العلو فهو صفة في الآمر أي: أن الآمر أعلى رتبة من المأمور في واقع الأمر.
стр. 217
اشتراط الإرادة في الأمر:
اتفق العلماء على أن الأمر يشترط فيه إرادة التكلم بالصيغة، فلو صدر اللفظ من نائم ونحوه لا يسمى أمرا في الاصطلاح وإن وجدت الصيغة، ولكنهم اختلفوا هل يشترط فيه إرادة الآمر إيقاع الفعل المأمور به؟
فذهب المعتزلة إلى أن ذلك شرط في تسميته أمرا، فإذا لم يرد المتكلم بالصيغة وقوع المأمور به لا يسمى أمرا.
وذهب الأشعرية إلى أنه ليس بشرط، فيسمى أمرا سواء أراد الآمر وقوع الفعل أم لا.
استدل المعتزلة بأن الله لا يأمر بما لا يريد وقوعه، وإلا لكان ظالما وهو سبحانه منزه عن الظلم. وبقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل٩٠]، وليس من العدل والإحسان أن يأمرنا بشيء لا يريد منا إيقاعه.
واحتج الأشعرية ومن تبعهم بأن الله يأمر الكافر بالإيمان وربما لم يؤمن، ولو أراد الله منه الإيمان لوقع؛ لأن الله وصف نفسه بأنه: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج١٦].
وهذا الخلاف لم يرد على محل واحد، والفريقان أخطآ معا؛ حيث لم ينتبهوا إلى أن الإرادة نوعان:
إرادة كونية قدرية: وهذه هي التي لا بد من وقوع متعلقها فيصح أن يقال: ما أراده الله لا بد أن يقع، بمعنى ما أراد الله وقوعه إرادة كونية قدرية، أي ما قدر وقوعه وقع، والأشعرية نظروا إلى هذا النوع من الإرادة فوجدوا أن الله يأمر بأشياء ثم لا تقع فقالوا إذاً هو لم يرد وقوعها بمعنى لم يقدر في الأزل وقوعها.
стр. 218
والنوع الثاني: الإرادة الشرعية: وهي بمعنى المحبة، وهذه تكون مع الأمر لا تفارقه، فما أمر الله به عباده فهو يحب أن يقع، ولكنه قد يقع فعلا أولا يقع تبعا لتقدير الله وإرادته الكونية، وهذه هي التي نظر إليها المعتزلة فقالوا من شرط الأمر الإرادة.
وتبين من هذا أن خطأ الفريقين جاء من جهة ظنهم أن إرادة الله واحدة لا تنقسم إلى هذين القسمين.
ويمكننا أن نصحح ما قاله الأشعرية من أن الأمر ليس من شرطه إرادة الآمر؛ أما الإرادة الكونية فواضح عدم التلازم بينها وبين الأمر، وأما الإرادة الشرعية فهي تابعة للأمر، فالأمر يستلزم الإرادة الشرعية ويدل عليها، فلا تكون شرطا في تسميته أمرا؛ لأن الشرط ينبغي أن يعلم تقدمه على المشروط، ولأن الشرط في اللغة العلامة، والإرادة خفية لا نعرفها إلا بالأمر فلا يصح جعلها شرطا في صحة الأمر.
والجميع متفقون على أن السيد لو أمر عبده بذبح الشاة للضيف مثلا، وهو لا يريد منه أن يفعل ذلك أنه يعد آمرا له عند جميع العقلاء العارفين باللغة، فلا لوم على العبد لو فعل، بل يلام على الترك، كما أنهم متفقون على أن ما قام الدليل على عدم دخوله في الأمر لا يدخل ولا يكون مأمورا به ولو شمله لفظ الأمر لغة، فقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل٩٠] فالعدل مأمور به ولكن يخرج منه ما لا يستطيعه الإنسان كالعدل بين الزوجات أو الأولاد أو الخصوم في الحب القلبي.
وقد تبع ابن قدامة وكثير من الأصوليين الغزالي في عدم اشتراط الإرادة في الأمر من غير أن يقيدوا الإرادة بالكونية القدرية، وخطأوا المعتزلة في اشتراط
стр. 219
الإرادة من غير تفصيل، وكان الواجب أن يقولوا بالتفصيل الذي ذكرته آنفا. والله أعلم.
صيغ الأمر:
يرى جمهور الأصوليين وأهل اللغة أن الأمر له صيغ تدل عليه حقيقة، من غير حاجة إلى قرينة، وهذه الصيغ هي:
١ - فعل الأمر، مثل: «صلوا كما رأيتموني أصلي».
٢ - المضارع المقرون بلام الأمر، مثل: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ [الطلاق٧].
٣ - المصدر النائب عن فعل الأمر، مثل: ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ [محمد٤] أي: فاضربوا الرقاب.
٤ - اسم فعل الأمر، مثل: صه، بمعنى: اسكت.
وهناك أساليب أخرى يستفاد منها الأمر لم يشتغل الأصوليون بحصرها لصعوبة ضبطها، غير أنهم قالوا: إن الخبر قد يأتي بمعنى الأمر، ومن أمثلته قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة٢٢٨]، ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق٤].
فهذان الخبران يقصد بهما الأمر، فكأنه قال: المطلقات مأمورات بالانتظار ثلاثة قروء قبل زواجهن، وأولات الأحمال مأمورات بالانتظار حتى يضعن حملهن.
ويرى علماء المعاني من البلاغيين أن الأمر الوارد بصيغة الخبر أبلغ من الأمر الوارد بصيغته المعتادة.
стр. 220
وذهب بعض الأشاعرة إلى أن الأمر ليس له صيغة تخصه، وإنما يعرف كون اللفظ أمرا بالقرينة، وزعموا أن هذا مذهب أبي الحسن الأشعري ﵀.
واستشكل ابن عقيل في الواضح قولهم: للأمر صيغة، وقال: هذه الترجمة لا تصح؛ لأن الأمر هو الصيغة، فكيف نقول: هل للأمر صيغة؟.
والذي يظهر لي أن الإشكال لا يرد؛ لأنهم عنوا بالأمر هنا المعنى دون اللفظ، أي: هل للمعنى الذي يقوم بالذهن وهو طلب الفعل صيغة تدل عليه وضعا؟
وعبروا بلفظ الصيغة دون اللفظ لأن الخلاف ليس في وجود ألفاظ تدل على طلب الفعل طلبا جازما، وإنما في وجود صيغة محددة إذا جاء اللفظ عليها عد أمرا، وهي صيغة (افعل) أو (لتفعل) ونحوهما.
وإنكار بعض الأشعرية وجود صيغة تدل على طلب الفعل طلبا جازما مبني على رأيهم في الكلام، وأنه اسم لما في النفس لا للفظ المسموع.
مقتضى الأمر:
ينبغي أن نعرف أن مرادهم بالأمر هنا: صيغة افعل وما جرى مجراها، كلفظ: أمرتكم أو أنتم مأمورون أو إن الله يأمركم.
ومقتضى الأمر يشمل:
١ - دلالة الأمر على الوجوب.
٢ - دلالته على الفور.
٣ - دلالته على التكرار.
٤ - دلالته على الإجزاء بفعل المأمور به.
стр. 221
دلالة الأمر على الوجوب
اختلف العلماء في الأمر المجرد عن القرائن علام يحمل؟ مع أنه لا يكاد يوجد أمر إلا ومعه قرائن تدل على المراد منه، ولكن لما كانت القرائن قد يتنازع فيها أراد الأصوليون أن يبينوا الأصل في الأمر ما هو؟
فذهب أكثر الأصوليين إلى أن الأصل حمله على الوجوب، واستدلوا بعدة أدلة منها:
١ـ قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور٦٣] وجه الدلالة على الوجوب: أن الله توعد من يخالف أمر الرسول ﷺ بالفتنة والعذاب الأليم، ولا يكون هذا إلا على ترك واجب، فدل على أن امتثال الأمر واجب.
٢ - قوله تعالى ـ على لسان موسى مخاطبا أخاه هارون ـ: ﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ [طه٩٣]، مع قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء١٤].
وجه الاستدلال: أن الآية الأولى جعلت مخالفة الأمر معصية، والآية الثانية جعلت المعصية سببا لدخول جهنم.
فهاتان الآيتان تدلان بمجموعهما على أن الأمر للوجوب.
٣ - قوله ﷺ : «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة» متفق عليه.
стр. 222
وجه الاستدلال أن الرسول ﷺ بين أن سبب عدم الأمر بالسواك هو خوفه المشقة على الأمة، ولا مشقة إلا في ترك الواجب؛ لأنه هو الذي فيه عقوبة.
والحديث يدل على بطلان القول بأن الأمر للندب، حيث نفى الرسول ﷺ أن يكون أمر أمته بالسواك مع أنه ندبهم إليه بلا خلاف، فهذا يدل على أن الأمر لما هو أعلى من الندب والأعلى من الندب هو الوجوب.
٤ ـ ما روي في الصحيح أن النبي ﷺ دعا أبي بن كعب وهو يصلي فلم يجبه فلما قضى صلاته جاء، فقال: لم يمنعني من إجابتك إلا أني كنت أصلي، فقال له النبي ﷺ : «ألم تسمع قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال٢٤]» (أخرجه البخاري).
فهذا الحديث يدل على أن الأمر يفيد الوجوب؛ لأن الرسول ﷺ لام أبي بن كعب على عدم فهمه الوجوب من الآية.
٥ - إجماع الصحابة على الاستدلال بالأمر على الوجوب، ويدل على ذلك رجوعهم إلى أمر الرسول ﷺ من غير بحث عن قرينة، كما رجعوا إلى حديث: «إذا دخل الطاعون في بلد وأنتم فيها فلا تخرجوا منها، وإن حدث في بلد فلا تدخلوها».
القول الثاني: أنه موضوع للقدر المشترك بين الوجوب والندب، وهو مطلق الطلب، وذهب إلى هذا كثير من الأصوليين كالرازي وشراح كلامه، وهو مذهب أبي هاشم الجبائي، ونسب إلى أبي منصور الماتريدي ومشايخ سمرقند (١).
стр. 223
واستدلوا بأن ألفاظ الأمر الواردة في الكتاب والسنة منها ما حمل على الوجوب ومنها ما حمل على الندب، مما يدل على أن الأمر صالح لكلا المعنيين.
واستدلوا بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ [النحل٩٠]، وهذه المأمورات منها ما هو واجب ومنها ما هو مندوب.
وهذا القول في حقيقته يؤول إلى القول الثالث؛ لأن المتيقن عندهم هو الندب ولا يحمل على ما زاد عليه إلا بدليل.
القول الثالث: أنه موضوع للندب ونسبه السمعاني لبعض الفقهاء (١)، ونسب للشافعي وأحمد (٢)، ونسب لأبي هاشم الجبائي وعامة المعتزلة (٣).
واستدلوا بأن الأمر طلب الفعل، وهذا يتحقق بحمله على الندب فلا نزيد عليه.
وهناك قول بأن مدلول الأمر الإباحة، ونسب لبعض المالكية (٤)، والمشهور عنهم خلاف ذلك.
وهناك أقوال أخر أعرضت عن ذكرها؛ لأنها ليست عليها حجة تستحق المناقشة.
والراجح: هو القول الأول، واستدلال المخالفين بأن أوامر الكتاب والسنة، بعضها محمول على الندب وبعضها محمول على الوجوب، يجاب بأن
стр. 224
المحمول على الندب منها وجدت قرائن تصرفه عن الوجوب، وكلامنا فيما لم توجد معه قرينة صارفة.
وقولهم: الأمر طلب، والندب هو المتيقن فيحمل عليه، يجاب بأن الأمر طلب الفعل من الأعلى رتبة، وأدلة الشرع السابقة دلت على حمله على الوجوب، والاحتياط يقتضي ذلك؛ إذ إن حمله على الندب ربما دفع المكلف إلى الترك وهو مراد به الوجوب فيأثم، وإذا حمله على الوجوب فعله وسلم من الإثم.
ولما كانت الأوامر في الكتاب والسنة لا تخلو ـ غالبا ـ عن قرائن حالية أو مقالية، متقدمة أو متأخرة أو مصاحبة، وجدنا كلام العلماء في حمل الأوامر على الندب أو الوجوب لا يقف عند ذكر الأصل في معنى الأمر، وإنما يؤيد كل منهم رأيه في المسألة الخاصة الوارد الأمر بها بأدلة وقرائن أخرى.
والمتتبع لكلام الفقهاء يجدهم يحملون الأمر على الوجوب، إلا إذا وجدت قرينة صارفة أو عارض الأمر دليل آخر.
стр. 225
دلالة الأمر على الفورية
اتفق العلماء على أن الأمر إذا صحبته قرينة تدل على الفور يحمل على ذلك، وإذا صحبته قرينة تدل على جواز التراخي حمل على ذلك، وإذا حدد له وقت معين حمل على ذلك.
واختلفوا في الأمر الذي لم تصحبه قرينة تدل على فور ولا على تراخ، ولم يوقت بوقت معين علام يحمل؟
فذهب أكثر الحنابلة والمالكية وبعض الحنفية والشافعية (١) إلى أنه يدل على الفور، واستدلوا بما يلي:
١ - قول الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران١٣٣]، حيث أمر بالمسارعة إلى المغفرة، والمقصود أسباب المغفرة، وامتثال أمر الله من أسباب المغفرة ولا شك، والمسارعة تعني: المبادرة في أول أوقات الإمكان.
٢ - قوله تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [المائدة٤٨]، حيث أمر بالاستباق إلى الخيرات، والمأمور به خير فيدخل فيما أمرنا بالاستباق إليه، والأمر للوجوب فيكون الاستباق إلى فعله واجبا.
٣ - قوله تعالى ـ لإبليس ـ: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف١٢]، حيث
стр. 226
ذمه على ترك السجود عند سماع الأمر.
وأجيب بأن الأمر هنا مقيد بوقت؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [ص ٧٢]، وإذا تفيد الظرفية، والفاء في قوله: فقعوا، للتعقيب.
٤ - أن الأمر لو لم يكن للفور لجاز تأخيره، والتأخير إما أن يكون إلى أمد محدد أو غير محدد بوقت، فإن قلتم يؤخر إلى زمن محدد كان التحديد تحكما لا دليل عليه، وإن قلتم يؤخر من غير تحديد بزمن معين أدى ذلك إلى ترك الفعل، وهو ممنوع، فلم يبق إلا أن نقول إن وقته هو أول أوقات التمكن من الفعل.
فإن قيل يجوز له أن يؤخر بشرط سلامة العاقبة أي: بشرط أن يفعل قبل موته، قلنا: وما يدريه متى يموت؟ فإذا كان التأخير جائزا فلا يصح أن يعاقب من أخر الفعل إلى وقت يجوز تأخيره إليه ثم مات، كالمصلي لو أخر الصلاة عن أول وقتها ثم مات لا يأثم إذا كان عازما على الفعل في آخر الوقت.
القول الثاني: أنه للقدر المشترك بين الفور والتراخي ولا تعرض فيه لوقت الفعل.
وهو اختيار الرازي والآمدي وابن الحاجب والبيضاوي، مع اختلافهم في التعبير عنه. ونسب هذا القول للإمام الشافعي.
وقد يعبر بعض الأصوليين عن هذا القول بعبارة فيها نظر، فيقول: قال بعض العلماء: «إن الأمر المطلق للتراخي» (١)، وهذا التعبير إذا أخذ على
стр. 227
ظاهره لا يصح وإنما هو من باب التسامح في العبارة؛ إذ لم يقل أحد إن الأمر المطلق يجب التريث فيه وعدم المبادرة إلى امتثاله، وإنما خلافهم في أنه هل يجوز التراخي فيه؟ أما المبادرة فلا يختلفون في جوازها وفضلها، ولهذا فلا يصح التفريق بين قول الرازي ومن تبعه إن الأمر للقدر المشترك بين الفور والتراخي، وقول من قال: إن الأمر المطلق يحمل على التراخي، كابن السمعاني والإسفراييني وابن برهان (١)، ولهذا قال ابن السمعاني: «واعلم أن قولنا: إنه على التراخي، ليس معناه أنه يؤخر عن أول أوقات الفعل، لكن معناه أنه ليس على التعجيل» (٢).
أدلة هذا القول:
١ - أن الزمان كالمكان، فكلاهما ظرف للفعل المأمور به، فكما أن الأمر لا دلالة فيه على مكان الفعل باتفاق، فكذلك ينبغي أن يقال لا دلالة فيه على زمانه.
٢ - أن الأمر يرد للفور حينا ولجواز التراخي حينا آخر، فلا بد من جعله حقيقة في القدر المشترك وإلا لزم المجاز أو الاشتراك، وكلاهما خلاف الأصل.
ولو أردنا إيضاح هذا الدليل أكثر لقلنا: إن الأمر يرد مرادا به الفور كما في الأمر بإنقاذ الغريق فإنه لا يحتمل التأخير، ويرد مرادا به جواز التراخي كما في الأمر بجهاد الطلب، ولو قلنا إنه للفور لزم أن يكون استعماله في غيره مجازا أو
стр. 228
من باب الاشتراك اللفظي، والمجاز والاشتراك كلاهما خلاف الأصل ولا يلجأ إلى حمل الكلام عليهما إلا عند عدم إمكان حمله على الحقيقة، وهنا يمكن أن يحمل على الحقيقة فنقول: الأمر لمجرد طلب الفعل من غير التفات إلى وقته، فيكون المكلف مطالبا بإيجاده في أي وقت، ويكون تحديد الوقت من دليل آخر.
والراجح ـ والله أعلم ـ أن الأمر المطلق يحمل على الفور.
وقول المخالف: إن الزمان كالمكان مردود؛ فإن الزمان الأول تتعلق به فوائد ربما لا تحصل في الزمان الثاني، فالمبادرة إلى الفعل يحصل بها براءة الذمة والخروج من العهدة، والتأخير ربما ترتب عليه تفويت الفعل؛ لما قلناه من أنه لا دليل على تحديد حد معين للتأخير، وما ذكروه من تحديد لا يصح.
وأما قولهم: إن الأمر يرد للفور حينا ولجواز التراخي حينا الخ. فيجاب بأن الخلاف في الخالي من القرينة الدالة على التوقيت، وقد أقمنا الدلالة على وجوب المبادرة إليه.
وقد اعترض الرازي على أدلة القائلين بالفور باعتراض كرره في كتابه وقال: إنه يرد على أكثر أدلتهم وهو أنها تنتقض بما لو قال الآمر: افعل في أي وقت شئت.
وقد تأملت هذا الاعتراض فوجدته ضعيفا؛ حيث لم يوجد في نصوص الشرع مثال له وإنما هو افتراض محض، ولكنه قد يقع من السيد لعبده، والسيد ليس مبرأ من التناقض ولا من الظلم والاعتداء، فقد يعاقب عبده من غير أن يستحق العقوبة، ثم إن حصول هذا الأمر من السيد لعبده لا يخلو عن قرينة تبين الحد الأقصى للتأخير، كما أن العبد متمكن من سؤال سيده عن ذلك، وهذا بخلاف ما نحن فيه من الكلام عن أوامر الله ورسوله ﷺ .
стр. 229
ثمرة الخلاف:
ينبني على هذا الخلاف خلاف في مسائل كثيرة، ومن الفقهاء من اطرد قوله فيها مع قوله في القاعدة، ومنهم من لم يطرد قوله لأدلة أخرى أو قرائن ظهرت له، ومن تلك المسائل:
١ - إخراج الزكاة ودفعها إلى مستحقيها، هل يجوز التأخر فيها عن رأس السنة؟ من قال: إن الأمر على الفور قال يحرم التأخير عن رأس الحول، ومن قال: لا يفيد الفور لم يؤثم المؤخر إذا فعل ولو بعد حين.
٢ - الكفارات والنذور غير المؤقتة بوقت، هل يجوز تأخيرها عن أول أوقات الإمكان؟ من قال: بالفور، يقول: لا يجوز بل يأثم بالتأخير، ومن لم يقل به أجاز التأخير.
٣ - الحج مع الاستطاعة هل يجوز تأخيره؟ ومن الواضح أن كثيرا من الأصوليين تكلم في المسألة الأصولية وهو يراعي مذهب إمامه في الحج هل يجب على الفور؟ فقرر الراجح في المسألة بناء على ما عرفه من مذهب إمامه في الحج أهو على الفور أم لا؟.
والخلاف في ذلك مشهور في كتب الفقه لا نطيل بذكره هنا، وله أدلة خاصة فيها تصريح بالمبادرة إليه.
٤ - قضاء الفوائت هل يجوز تأخيرها؟
٥ - أداء النفقات التي لا تسقط بفوات وقتها كنفقة الزوجة هل يأثم بتأخيرها إذا أداها في وقت متأخر؟.
стр. 230
دلالة الأمر على التكرار
محل النزاع:
اختلف العلماء في الأمر المطلق هل يدل على تكرار الفعل المأمور به بحسب الإمكان؟ بمعنى أن المكلف مأمور بتكرار ما أمر به على وجه لا يستحيل عقلا ولا شرعا، فأما التكرار المؤدي إلى منعه من الاشتغال بما تقوم به حياته، أو إلى الجمع بين الضدين فهو ممنوع عقلا، وأما التكرار المؤدي إلى إسقاط أوامر الله الأخرى وترك امتثالها فهو ممتنع شرعا.
فهذان النوعان من التكرار غير داخلين في محل النزاع؛ إذ لا يقول أحد بوجوب تكرار الفعل المأمور به في جميع الأوقات؛ لأنه ممتنع عقلا وشرعا.
ومحل النزاع هو في التكرار الذي لا يؤدي إلى مستحيل عقلا أو شرعا، وفي الأمر الذي ليس مقيدا بمرة ولا بتكرار ولا معلقا على شرط ولا صفة، وفيه قولان مشهوران:
القول الأول: أن الأمر المطلق يقتضي التكرار بحسب الإمكان، وهو منسوب للإمام أحمد وأكثر أصحابه، وحكاه ابن القصار عن مالك، وحكاه الغزالي عن أبي حنيفة، والمشهور عند الحنفية خلافه، فقد نص عبد العزيز البخاري في كشف الأسرار (١) على أنه لا يقتضي التكرار.
وجه القول بالتكرار ما يلي:
١ - أن الأمر بالإيمان والتقوى لا يكفي فيه مرة واحدة، ولو لم يكن الأمر
стр. 231
للتكرار لكفى الإنسان أن يؤمن ساعة ويتقي الله ساعة، ولا خلاف في أنه لا يكفيه ذلك، وأنه لا بد من الاستمرار في ذلك.
٢ - أن الأمر بالشيء نهي عن ضده، وموجب النهي ترك المنهي عنه في جميع الأوقات، فينبغي أن يكون موجب الأمر فعل المأمور به في جميع الأوقات إلا ما دل العقل أو الشرع على استثنائه.
٣ - أن الأمر يقتضي وجوب الفعل ووجوب الاعتقاد والعزم، ثم إنه في جانب الاعتقاد والعزم يفيد الاستمرار والاستدامة فينبغي أن يكون كذلك في الفعل.
القول الثاني: أن الأمر المطلق لا يفيد التكرار، وهو قول أكثر الفقهاء والمتكلمين، ورواية عن أحمد اختارها أبو الخطاب وابن قدامة.
وجه هذا القول ما يلي:
١ - أن صيغة الأمر لا تعرض فيها لعدد مرات الفعل، وإنما وجبت المرة الواحدة ضرورة دخول الفعل في الوجود؛ إذ لا يمكن وجوده إلا بفعله مرة واحدة.
٢ - قياس الأمر المطلق على اليمين والنذر والوكالة والخبر، فلو حلف أن يصوم أو نذر أن يصوم بر بصيام يوم واحد، ولو قال لوكيله: طلق زوجتي، لم يكن له أكثر من طلقة واحدة، ولو أخبر عن صيامه فقال: صمت، صدق بصيام يوم واحد.
٣ - قياس استيعاب الأزمنة على استيعاب الأمكنة، فكما لا يجب أن يفعل في كل مكان لا يجب أن يفعل في كل زمان.
٤ - أن القول بان الأمر يقتضي التكرار يؤدي حتما إلى تعارض الأوامر بحيث
стр. 232
يبطل بعضها بعضا وهو ممنوع شرعا.
وهذا القول هو الراجح، ويجاب عن أدلة القول الأول بما يلي:
قولهم: لو لم يجب التكرار لكفى المرء أن يؤمن ساعة، الخ ... يجاب بأن الإيمان يضاد الكفر، فإذا تخلى عن الإيمان لحظة وقع في الكفر، والكفر منهي عنه على الدوام، وأما إذا ذهل عن الإيمان ولم يقع في قلبه ضده فلا شيء عليه ويبقى حكم الإيمان مستصحبا، ولهذا فإن النائم يسمى مؤمنا، ولا يسوى بين الأمر بالإيمان والتقوى والأمر بالفعل.
دليلهم الثاني: قياس الأمر على النهي، وهو قياس في اللغة فلا يصح، ثم إن الأمر ضد النهي فكيف يقاس الشيء على ضده؟!.
دليلهم الثالث: التسوية بين الاعتقاد والعزم والفعل لا يصح؛ لأن الفعل يحول بينه وبين أفعال أخرى مأمور بها، أو يحتاج إليها بمقتضى العادة والطبيعة، وأما الاعتقاد فلا يصرفه عن فعل مأمور به ولا عن فعل يحتاجه بمقتضى العادة والطبيعة.
ومن وجه آخر فإن الأفعال القلبية كالاعتقاد والعزم، استمرارها يتحقق بعدم وجود ما يضادها، بخلاف أفعال الجوارح فلا تتحقق بانتفاء الضد، بل لا بد من جهد زائد على ذلك.
أثر الخلاف:
من الفروع التي بنوها على هذا الأصل ما يلي:
١ ـ لو قال لوكيله: طلق زوجتي، فهل يملك طلقة واحدة أو ثلاثا؟ من قال: إن الأمر يفيد التكرار، فقياس مذهبه أنه يملك ثلاثا، ومن قال: لا يفيد التكرار، فمقتضى قوله أن لا يملك إلا واحدة.
стр. 233
٢ ـ الأمر بالعمرة، هل يفيد التكرار؟ وهذا الفرع وجدت فيه أدلة أخرى كالقياس على الحج، وقوله ﷺ : «دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة».
٣ - تكرار غسل النجاسة مما لم يرد في تكراره نص.
٤ - تكرار الفاتحة إذا فرغ المأموم من قراءتها في الصلاة السرية ولم يركع الإمام.
الأمر المعلق على شرط هل يقتضي التكرار ؟:
اختلفوا في الأمر المعلق على شرط هل يفيد التكرار بتكرر الشرط؟ ومثاله قوله ﷺ : «إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين» (متفق عليه).
فالأمر بصلاة الركعتين معلق على شرط دخول المسجد، فإذا خرج ثم دخل فهل يؤمر بتكرار الصلاة.
ومن قال: إن الأمر المطلق يقتضي التكرار فلا شك أنه يقول كذلك في الأمر المعلق على شرط من باب أولى.
وأما الذين قالوا إن الأمرالمطلق لا يقتضي التكرار فقد قال أكثرهم كذلك في الأمر المعلق على شرط.
واستدلوا بما ذكرته سابقا من أن الأمر ليس فيه تعرض لعدد مرات الفعل فلا يدل عل تكرار ولا غيره، وأن ثبوت الفعل مرة واحدة إنما هو لضرورة إدخاله في الوجود.
وقال بعضهم: إن الأمر المعلق على شرط يقتضي التكرار بخلاف الأمر المطلق.
واستدلوا بأن تعليق الأمر على الشرط كتعليقه على العلة، والتعليق على العلة يوجب التكرار.
стр. 234
والراجح ـ والله أعلم ـ أن الأمر المعلق على شرط يتكرر بتكرر الشرط؛ لما ذكرته سابقا من أن تعليق الفعل على شرط دليل على كون هذا الشرط علة للفعل، وإذا تكررت العلة تكرر الحكم المعلق عليها.
ولكن قد تتداخل الأحكام تخفيفا على المكلفين. وقد تقدم أن الشروط اللغوية أسباب، والأسباب يتكرر الحكم بتكررها ما لم تتداخل.
و مما ينبني على هذه القاعدة:
١ - إذا سمع الأذان أكثر من مرة فهل يستحب له تكرار القول كما يقول المؤذن، عملا بقوله ﷺ : «إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن» الحديث.
٢ - إذا كرر السلام، فهل يلزم تكرار رده، عملا بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء٨٦].
٣ - إذا تكرر دخوله للمسجد فهل يكرر صلاة تحية المسجد، عملا بقوله ﷺ : «إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين».
٤ - إذا تكرر ذكر الرسول ﷺ فهل يكرر الصلاة عليه، عملا بالأحاديث الواردة في ذلك.
هذه المسائل اختلف الفقهاء فيها، فذهب بعضهم إلى وجوب التكرار إذا تكرر الشرط، وذهب بعضهم إلى عدم التكرار، إما لأجل أنه لا يرى أن الأمر المعلق على شرط يقتضي التكرار بتكرر الشرط، وإما لأنه يرى التداخل مع قرب الزمن، ولهذا قال بعضهم ـ في الصلاة على الرسول ﷺ تكرر إذا اختلف المجلس، وقال بعضهم: تكرر مع طول الفاصل.
стр. 235
سقوط الأمر المؤقت بفوات وقته
هذه المسألة يعنون لها في كتب الأصول بعنوانين:
أحدهما: هذا العنوان الذي ذكرته، ولكنهم اعتادوا أن يكتبوه بصيغة الاستفهام.
والعنوان الثاني: أيثبت القضاء بالأمر الأول أم يحتاج لأمر جديد؟.
فالقائلون بسقوط القضاء بفوات الوقت هم القائلون إن القضاء لا يثبت إلا بأمر جديد، والقائلون بعدم سقوط الأمر المؤقت بفوات وقته هم القائلون بأن القضاء يثبت بالأمر الأول ولا يحتاج إلى أمر جديد.
وينبغي أن نعلم أن القول: بسقوط الأمر المؤقت بفوات وقته ليس معناه سقوط الإثم بل معناه سقوط المطالبة بالقضاء، وأما الإثم فقد استحقه إن لم يعف الله عنه.
صورة المسألة: إذا أمر الله بفعل وحدد له وقتاً معيناً ثم لم يفعله المكلف في ذلك الوقت ولم يأت أمر آخر بقضائه فهل يبقى مأموراً بفعله بعد فوات وقته؟.
والخلاف يشمل ما فات وقته بعذر أو بغير عذر، ويشمل ما كان الأمر به أمر إيجاب أو أمر ندب عند الأكثر. وهناك من قصر المسألة على المأمور به أمر إيجاب.
ويخرج عن محل النزاع ما ورد فيه أمر آخر يدل على قضائه بعد فوات وقته كالأمر بقضاء الصلاة المفروضة على من أخرها لنوم أو نسيان الثابت بقوله ﷺ : «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها».
стр. 236
ومثال محل النزاع: الأمر بالصلاة، فإنه أمر مؤقت، فإذا تركها المسلم عمدا فهل يؤمر بقضائها بعد فوات الوقت؟.
الأقوال:
اختلف العلماء في المسألة على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أن الأمر المؤقت لا يسقط بفوات وقته بل يجب قضاؤه بالأمر الأول ولا يحتاج إلى أمر خاص بالقضاء. وهذا القول ذهب إليه أكثر الحنابلة ومنهم ابن قدامة وبعض الحنفية ومنهم السرخسي.
واستدل عليه بإدلة أهمها:
١ - أن الأمر بالمركب أمر بكل جزء من أجزائه، والمؤقت بوقت مركب من شيئين هما، الفعل ذاته، والزمن المحدد له. فإذا فات أحد الجزأين فيبقى الآخر مأمورا به، فيجب قضاؤه إن كان واجباً من غير بحث عن دليل جديد يدل على القضاء.
٢ - أن الواجب إذا شغلت به ذمة المكلف فلا تبرأ إلا بأداء أو إبراء، وانتهاء الوقت المحدد ليس بأداء ولا إبراء، فتبقى الذمة مشغولة به.
٣ - قوله ﷺ : «فدين الله أحق بالقضاء»، ووجه الدلالة من الحديث أن رسول الله ﷺ سمى الواجبات الشرعية ديناً، وشبهها بديون الآدميين فقال في صدر الحديث: «أرأيت لو كان على أبيك دين؟» ولا خلاف في أن دين الآدمي لا يسقط بفوات وقته، فكذلك دين الله، وهو شرائعه الواجبة.
ولا يخفى أن الدليلين الثاني والثالث لا يشملان المأمور به أمر ندب.
القول الثاني: أن الأمر المؤقت يسقط بفوات وقته، ولا يقضى إلا إذا قام دليل خاص على مشروعية قضائه. وهذا القول هو نفسه قول من قال: القضاء
стр. 237
لا يثبت إلا بأمر جديد وهذا هو قول أكثر الأصوليين.
ويستدل له بما يلي:
١ - أن تحديد الوقت المعين للعبادة دليل على أن هذا الوقت فيه مصلحة أوجبت تخصيصه دون سواه من الأوقات، فإذا فات الوقت فاتت المصلحة، فلم يعد لإيجاب القضاء فائدة.
٢ - أن الواجبات الشرعية منها ما يجب قضاؤه ومنها ما لا يجب قضاؤه باتفاق، فالصلوات الخمس يجب قضاؤها على النائم والناسي، والجمعة والجهاد لا يجب قضاؤهما، ولو كان القضاء يثبت بالأمر الأول ولا يحتاج لأمر جديد لاستوت الواجبات في ذلك.
٣ - أن الأمر بالفعل لا تعرض فيه للقضاء، فإيجاب القضاء لا دليل عليه.
٤ - قياس الزمان على المكان، فالفعل المخصص بمكان إذا لم يفعل فيه لا يؤمر الإنسان بفعله في مكان آخر.
وقد حاول أبو زيد الدبوسي أن يجمع بين القولين، فقال: إن القضاء واجب على كل حال في جميع الأفعال المأمور بها إذا فات وقتها، ولكن لا يجب بالأمر الأول بل بالقياس علىديون الآدميين وعلى ما اتفق العلماء على قضائه كالصلوات المفروضة بالنسبة للنائم والناسي.
وهذا في الواقع اختيار للقول الثاني من القولين، ولكنه زعم أن الأمر الجديد قد وجد فلا حاجة للبحث عن دليل خاص لكل فعل، بل يكتفى بدليل يصلح لكل الواجبات، فهو من حيث التقعيد موافق لأصحاب القول الثاني ولكنه في الفروع قد يختلف معهم وقد يتفق.
والراجح ـ والله أعلم ـ هو القول الأول وهو وجوب القضاء بالأمر الأول
стр. 238
وعدم الحاجة لأمر جديد والأمر المؤقت لا يسقط بفوات وقته.
وقول أصحاب القول الثاني: إن التخصيص بوقت محدد لابد أن يكون لمصلحة.
يجاب عنه بالتسليم ولكن نقول الفعل المؤقت فيه مصلحتان، إحداهما في الفعل نفسه والأخرى في التوقيت فإذا فاتت مصلحة التوقيت، فلا ينبغي أن نفوت مصلحة الفعل نفسه مع التمكن من استدراكه، ولا شك أن مصلحة الفعل هي العظمى.
وقولهم: إن الواجبات الشرعية المؤقتة بعضها يجب قضاؤه وبعضها لا يجب قضاؤه.
يجاب بأن ما لا يقضى من الواجبات امتنع قضاؤه لعدم التمكن منه كالجمعة، أو لأن المصلحة من الفعل لا تحصل إلا بالاجتماع عليه كالجهاد. أو يقال: إن ما لا يقضى قد قام الدليل على عدم قضائه وهو الإجماع من العصر الأول.
وقولهم: إن الأمر لا تعرض فيه للقضاء.
يجاب بأننا لا نزعم أن الأمر يدل على وجوب القضاء بالوضع اللغوي، وإنما وجب القضاء بالعرف الشرعي.
وقولهم: «إن الزمان كالمكان» لا يصح؛ لأن الأزمنة متصل بعضها ببعض، فما وجب في الأول ينسحب إلى الثاني بخلاف الأمكنة فإنها منفصلة، ولأن الأزمنة تذهب وتتلاشى فلا يبقى الزمان الأول مع الثاني بخلاف الأمكنة فهي باقية.
ثم إن الواجبات المقيدة بمكان لا تخرج عن أعمال الحج والعمرة من
стр. 239
الإحرام والطواف والوقوف بعرفة ونحو ذلك وهي أعمال تعبدية غير معروفة العلة في الغالب.
سبب الخلاف:
الخلاف يرجع إلى قاعدتين:
الأولى: أن الأمر بالمركب أمر بكل واحد من أجزائه.
الثانية: أن تخصيص الفعل بوقت معين لا يكون إلا لمصلحة في ذلك الوقت.
فمن راعى القاعدة الأولى أوجب القضاء بالأمر الأول، ولم يقل بسقوط الأمر المؤقت بفوات وقته. ومن راعى القاعدة الثانية لم يوجب القضاء إلا بأمر جديد وقال بسقوط الأمر المؤقت بفوات وقته.
وما رجحته يمكن أن يتفق مع القاعدتين لكن مع عدم إهمال المصلحة المقصودة من ذات الفعل، فقولهم إن تخصيص الفعل بوقت لا يكون إلا لمصلحة لا ينافي أن يكون في الفعل المؤقت مصلحتان إحداهما في الفعل نفسه والأخرى في التوقيت.
ثمرة الخلاف:
ينبني على الخلاف في هذه القاعدة خلاف في مسائل فقهية كثيرة منها:
١ - قضاء الصلوات المتروكة عمدا تهاونا لا جحدا للوجوب: اختلف العلماء في وجوب قضاء الصلاة على من تركها تهاوناً فذهب بعضهم إلى وجوب قضائها وبعضهم إلى عدم وجوبه.
فالقائلون بوجوب القضاء أكثرهم فرعوه على عدم سقوط الأمر المؤقت بفوات وقته، وعدم حاجة القضاء إلى أمر جديد وبعضهم قال: إن الدليل
стр. 240
على وجوب قضاء الصلاة الفائتة القياس على النائم و الناسي وقد ورد النص بوجوب القضاء عليهما في قوله ﷺ : «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها» (رواه النسائي والترمذي وصححه، ومعناه في صحيح مسلم).
ومنهم من أسقط القضاء إذا طالت المدة التي ترك الصلاة فيها، حتى لا يحولوا بينه وبين التوبة.
والقائلون بعدم وجوب القضاء على من ترك الصلاة عمدا فرعوه على القول بسقوط الأمر المؤقت بفوات وقته، وحاجة القضاء لأمر جديد، ولا يوجد أمر بقضاء الصلاة المتروكة عمداً، ولم يروا صحة قياس المتعمد على الناسي والنائم.
وقولهم بعدم وجوب القضاء ليس تيسيرا على التارك وإنما هو تشديد في العقوبة؛ إذ معناه استقرار الإثم عليه وعدم قبول القضاء منه.
٢ - زكاة الفطر: وهي صدقة مؤقتة بوقت محدد، فإذا فات الوقت فهل يجب أن يؤديها بعده؟ اختلفوا في ذلك ويمكن تخريج اختلافهم على القاعدة فمن قال: إن الأمر يسقط بفوات وقته قال: لا تقضى بعد فوات الوقت.
ومن قال: إن الأمر لا يسقط بفوات وقته قال: يجب عليه أداؤها ولو فات وقتها.
وهذا التخريج كله بناء على أن زكاة الفطر من الواجبات المؤقتة.
٣ - فرع بعض العلماء على هذه القاعدة أن من وكل غيره في دفع زكاة الفطر ثم لم يدفعها في وقتها فهل له أن يدفعها بعده؟ وهذا التفريع من باب بناء النظير على النظير؛ لأن التوكيل ليس أمرا حتى نقول إنه يسقط بفوات
стр. 241
الوقت أولا؟
٤ - فرع بعض العلماء على القاعدة قضاء السنن الرواتب إذا فات وقتها، مع أن بعض تلك السنن قد ورد فيه دليل يخصه، فلا يمكن تفريعه، وما لم يرد فيه نص فمنهم من فرعه على القاعدة، ومنهم من قاسه على ما ورد في قضائه نص.
٥ - التسبيح المؤقت بما بعد الفراغ من الفريضة هل يمكن أن يؤدى بعد أداء النافلة؟
الذي يظهر لي أن هذه المسألة ينبغي أن تفرع على القاعدة ومن العلماء من فرق بين الواجبات والمندوبات فجعل القاعدة خاصة بالواجبات دون المندوبات وقد يفهم هذا التخصيص من قول بعض العلماء «سنة فات محلها فلا تقضى» ويعنون بالمحل الوقت أو الترتيب، وقد ذكر علماء الحنابلة هذه القاعدة في الرمل في طواف القدوم.
والظاهر أن الرمل لم يستحب قضاؤه؛ لأنه غير ممكن فهو مشروع في الأشواط الثلاثة الأولى، ولا يمكن أن ننقل المشروعية إلى الثلاثة الأخيرة، فالقضاء ممتنع، لأن الرمل صفة في فعل وقد انتهى الفعل فلا يمكن نقل الصفة إلى فعل آخر فتأمل هذا وستجده صحيحاً إن شاء الله.
стр. 242
اقتضاء الأمر الإ جزاء بفعل المأمور به
هذه المسألة من المسائل التي لم تحرر في كتب أصول الفقه تحريراً يكشف الغطاء عن حقيقتها، وأرجو أن أوفق إلى ذلك فأقول:
عنون الغزالي وابن قدامة للمسألة بقولهما: «الأمر هل يقتضي الإجزاء بفعل المأمور به؟» وعنون أبو الخطاب والرازي والآمدي بقولهم: «إتيان المأمور به هل يقتضي الإجزاء؟» فجعلوا المقتضي للإجزاء هو إتيان المأمور به، وبين العنوانين فرق لا يخفى على اللبيب.
وقبل الكلام في حكاية الخلاف نقول: ما المراد بالإجزاء؟
والجواب: أن الإجزاء يطلق على معنيين:
١ - موافقة أمر الشارع وامتثاله.
٢ - سقوط القضاء.
وقد ذهب بعض المعتزلة إلى المعنى الأول، وأكثر الفقهاء إلى الثاني كما تقدم في باب الحكم الوضعي.
وفعل المأمور به على الوجه المطلوب من الشارع لا خلاف في أنه يقتضي الإجزاء بالمعنى الأول وهو موافقة أمر الشارع وامتثاله، وإنما الخلاف في أنه هل يقتضي الإجزاء بمعناه الثاني الذي هو سقوط القضاء.
وقد ذكرت كتب الأصول خلافاً في المسألة على قولين:
القول الأول: أن فعل المأمور به يقتضي الإجزاء بمعنى سقوط القضاء، فإذا فعل المكلف الفعل المأمور به لا يمكن أن يؤمر بقضائه.
стр. 243
واستدلوا على ذلك بما يلي:
١ - أن المكلف قد أتى بما طلب منه، فوجب أن يخرج عن العهدة بذلك الفعل، وسقوط القضاء يعني الخروج عن العهدة.
٢ - لو كان فعل المأمور به على الصفة المطلوبة لا يسقط القضاء للزم أن يكون الأمر يوجب فعل المأمور به مرة بعد مرة. وهذا قد أبطلناه في مسألة اقتضاء الأمر التكرار.
٣ - ما ورد في الحديث أن امرأة سنان بن مسلمة الجهني أمرت أن يُسأل رسول الله ﷺ : أن أمها ماتت ولم تحج أفيجزئ أن تحج عنها؟ فقال: «نعم» (أخرجه النسائي وابن ماجه).
ووجه الدلالة: أن المرأة فهمت الإجزاء من فعل المأمور به وأقرها النبي ﷺ على ذلك.
وقد ورد حديث آخر أصح ليس فيه لفظ (يجزئ) ولكن فيه أن النبي ﷺ شبه الواجبات بالدين وقال: «فدين الله أحق بالوفاء»، والدين إذا وفّى به المدين أجزأة وبرئت ذمته باتفاق، فدين الله كذلك.
القول الثاني: أن فعل المأمور به لا يقتضي الإجزاء بمعنى سقوط القضاء واستدلوا على ذلك بما يلي:
١ - أن من أفسد حجه يؤمر بالمضي فيه وإتمامه، ويجب عليه القضاء، ولو كان فعل المأمور به يسقط القضاء لما وجب القضاء على من أفسد حجه.
٢ - من صلى يظن أنه متطهر، ثم تبين له أنه صلى بلا طهارة، فإنه يجب عليه القضاء باتفاق، ولو كان فعل المأمور به يوجب سقوط القضاء لسقط القضاء عنه.
стр. 244
٣ - أن القضاء يجب بأمر جديد ولا يمتنع أن يأتي أمر آخر بوجوب القضاء مع فعل المأمور به.
٤ - أن الأمر يقتضي وجوب الفعل، وأما سقوط القضاء فهو شيء آخر لم يتعرض له الأمر، ولم يدل عليه.
والراجح: أن إتيان المكلف بالمأمور به على الوجه المطلوب يقتضي الإجزاء أي: سقوط القضاء ولا نقول: إن الأمر يقتضي الإجزاء، لأن الذي اقتضى ذلك العقل والشرع وليس المعنى الوضعي للأمر
والجواب عن أدلة المخالف على النحو التالي:
قولهم: من أفسد حجه وجب عليه المضي فيه والقضاء، يجاب بجوابين:
الأول: أن من أفسد حجه لم يأت بالمأمور به على الوجه المطلوب، وإنما أتى به مع شيء من الخلل، ولهذا وجب عليه القضاء
الثاني: أن المفسد لحجه توجه إليه أمران: أحدهما: الأمر بالحج: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران٩٧]. والثاني: الأمر بالإتمام المفهوم من قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة١٩٦]. ومن قول عمر ﵁، وإجماع الصحابة على ذلك.
فالمضي في الحج الفاسد هو امتثال للأمر الثاني، وإذا أتمه اقتضى ذلك الإجزاء وأما الأمر الأول فلم يأت به على الوجه المطلوب، ولذا وجب قضاؤه.
وأما استدلالهم بوجوب القضاء على من صلى يظن أنه متطهر، فيجاب عنه بجوابين:
١ - المنع من وجوب القضاء. وذكره الآمدي وجها للشافعية.
стр. 245
٢ - أن القضاء وجب لتدارك المصلحة الفائتة، فالمصلي فاته الإتيان بصلاة مستكملة الشروط، وأمكنه استدراكها بالقضاء، فأوجبناه عليه.
وأما الدليل الثالث فقد تقدم الجواب عنه في مسألة سقوط الأمر المؤقت بفوات وقته وبينا هناك أن القضاء لا يحتاج لأمر جديد وإنما يثبت بالأمر الأول.
ولا نمنع أن يؤمر بمثل الفعل الأول ولكن لا نسميه قضاء.
وأما الدليل الرابع فإنما يرد على من ظن أن الأمر يدل على الإجزاء بطريق الوضع، وهذا لا يقوله عالم، وإن فهم من ظاهر كلام بعض العلماء أنه يريد ذلك فلابد من تأويله وحمله على محمل صحيح؛ إحسانا للظن في العلماء.
وأما من قال: إن إتيان المامور به على الوجه المطلوب يسقط القضاء ويقتضي الإجزاء فلا يرد عليه هذا الدليل.
ثمرة الخلاف:
قال الآمدي: إن الخلاف بين الفريقين لفظي، وإن بعض من تكلم في المسألة لم يعرف موطن النزاع، فأطال الكلام وشعَّبه.
ووجه هذا القول أن الجمهور القائلين بسقوط القضاء بفعل المأمور به، لا يمنعون أن يرد أمر جديد للمكلف بفعل مثل ما أمر به أولاً، ولكنهم لا يسمونه قضاء إلا حيث يكون فيه استدراك لمصلحة فاتت في الفعل الأول، كالمثالين المذكورين في استدلال الخصم.
والمعتزلة يقولون: فعل المأمور به لا يسقط القضاء الواجب بأمر جديد غير الأمر الأول، والأمر الأول لا يوجب عليه الفعل مرة ثانية.
قلت: والجزم بلفظيه الخلاف فيها نظر، لأن في كتب الفروع مسائل يمكن
стр. 246
أن تخرَّج عليه، ولكن لما كان المشتغل بالتخريج ليس من أهل الاجتهاد، والقاعدة لم يتضح فيها رأي الأئمة المجتهدين اضطر فقهاء الفروع إلى تخريج تلك المسائل على قواعد أخرى كقاعدة اليقين لا يزول بالشك ونحوها.
ومن تلك المسائل التي يمكن تخريجها على القاعدة:
١ - فاقد الطهورين: قال بعض الفقهاء يصلي على حاله ثم يقضي إذا وجد الماء أو التراب. ومقتضى قول الجمهور في القاعدة أنه لا قضاء عليه؛ لأنه لا يطلب منه ما لا يطيق، فإذا أتى به فكيف يؤمر بالقضاء؟ وقال بعض الفقهاء: يلزم القضاء. وهو يتخرج على مذهب المعتزلة في القاعدة.
٢ - الجنب إذا لم يجد الماء يتيمم. وهل يجب عليه أن يغتسل إذا وجده؟ قال أكثرهم: نعم، ومقتضى قاعدة الجمهور أن لا يؤمر بذلك أمر إيجاب إلا بدليل خاص.
٣ - من ضل فلا يعرف جهة القبلة يصلي إلى أي جهة. وهل يلزمه القضاء إذا عرف جهة القبلة؟
اختلف العلماء في ذلك؛ فقال بعضهم: يلزمه القضاء. وهو يتخرج على قاعدة المعتزلة، لا على قاعدة الجمهور إذ لا يوجد دليل جديد على وجوب القضاء.
٤ - المحبوس في محل نجس: يصلي فيه. واختلفوا في وجوب الإعادة عليه أو القضاء، والقول بوجوب الإعادة أو القضاء يتخرج على مذهب المعتزلة في القاعدة.
والخلاف في هذه القاعدة له صلة بالخلاف في تعريف الصحيح بين الفقهاء والمتكلمين، فالفقهاء يعرفونه بأنه: ما أسقط القضاء، والمتكلمون يعرفونه بأنه
стр. 247
ما وافق أمر الشارع في اعتقاد المكلف.
وهذا الكلام قد مر معنا في الحكم الوضعي، ويظهر من الخلاف في هذه القاعدة أن الخلاف في تعريف الصحيح مبني عليها؛ فمن قال: إن فعل المأمور به لا يقتضي سقوط القضاء، يقول: إذا وافق الفعل أمر الشارع في ظن المكلف ينبغي أن نسميه صحيحاً ولا نرتب عليه سقوط القضاء، إذ يمكن أن يأتي بالفعل ويطلب منه قضاؤه، وإذا وصفنا فعله السابق بالصحة امتنع تعريف الصحيح بما ذكره الفقهاء من قولهم: الصحيح: ما أسقط القضاء، ويتعين أن نعرفه بأنه ما وافق أمر الشارع في ظن المكلف، ولهذا فهم يقولون: صلاة من ظن أنه متطهر إذا تبين أنه على غير طهارة صحيحة ويلزمه القضاء.
وأما من قال: إن فعل المأمور به يقتضي سقوط القضاء، فيلتزم بأن صلاة من ظن أنه متطهر تبين أنها فاسدة وليست صحيحة.
ويشكل على هذا أنه يلزمهم أن لا يقولوا: إن المصلى يثاب على تلك الصلاة؛ لأن الفاسد لا ثواب عليه، والجزم بعدم الثواب على تلك الصلاة غير صحيح، ولكن يمكنهم أن يقولوا يثاب على قصده وعلى قراءته للقرآن وعلى غيره من الذكر الوارد في الصلاة.
وقد نقل الآمدي وجها عن الشافعية أن لا قضاء عليه، ومن قال بهذا الوجه اطردت له القاعدة ولم يرد عليه اعتراض المتكلمين، والله أعلم.
стр. 248
الأمر بالأمر بالشيء
المراد بالمسألة: أن الأمر إذا كان مضمونه أمراً لشخص ثالث مثلا فهل يعد الشخص الثالث مامورا من قبل الآمر الأول؟
وبعبارة أخرى إذا أمر المكلف بأن يأمر غيره بشيء فهل يكون ذلك أمراً من الشارع لذلك الغير بفعل الشيء المذكور في الأمر؟
مثاله: أن النبي ﷺ قال: «مروا أبناءكم بالصلاة وهم أبناء سبع واضربوهم عليها لعشر» (أخرجه أبو داود وصححه الحاكم) فهل يقال إن الصبيان مأمورون بالصلاة من قبل الرسول ﷺ ؟
تحرير محل النزاع:
أخرج بعضهم عن محل النزاع إذا قال الآمر الأول: قل لفلان إني آمرك بكذا أو قل له أن يفعل كذا لأن المأمور بالأمر حينئذ يكون مبلِّغا فحسب.
وأخرج بعضهم عن محل النزاع أمر الله رسوله أن يأمر الناس فإنه يعد أمراً من الله للناس.
ووضع بعضهم للصورة الخارجة عن محل النزاع ضابطا، فقال: إذا كان الآمر الأول تجب طاعته على المأمور الأول والثاني فيكون الأمر بالأمر بالشيء أمرا بذلك الشيء في حق المأمور.
والصحيح عدم خروج هذه الصورة عن محل النزاع، إذ لو خرجت لم يبق للنزاع فائدة، فإن بحث الأصوليين إنما هو في أوامر الله وأوامر رسوله ﷺ ، وطاعتهما واجبة على الكل.
стр. 249
وبهذا نستطيع أن نقول: ظاهر كلام الأصوليين أن النزاع في كل أمر تعلق بأمر الغير بشيء هل يعد أمراً لذلك الغير من الآمر الأول؟ ولكن خروج الصورة الأولى ـ التي يكون فيها المأمور الأول مبلغا ـ له وجه؛ لتصريح الآمر الأول بأنه يأمر المأمور الثاني (قل لفلان إني آمره بكذا).
الأقوال في المسألة:
القول الأول: أن الأمر بالشيء ليس أمراً بذلك الشيء في حق الطرف الثالث.
وهذا القول هو مذهب جمهور الأصوليين ولا يكاد يوجد في كتب الأصول المشهورة من يختار خلافه.
واستدلوا له بما يلي:
١ - قول الرسول ﷺ : «مروا أبناءكم بالصلاة لسبع» الحديث (أخرجه أبو داود والترمذي وصححه الحاكم).
ووجه الدلالة من الحديث لا تتضح إلا بضم الإجماع إلى هذا الدليل، فيقال في تقريره: لو كان الأمر بالأمر أمراً لكان قول الرسول ﷺ «مروا ابناءكم بالصلاة لسبع» أمرا من الرسول ﷺ للصبيان، وإلإجماع قائم على أن الصبيان غير مأمورين بالصلاة بأمر الرسول ﷺ المذكور.
ويمكن أن يقرر الاستدلال بالحديث بضم حديث آخر إليه فيقال: لو كان الأمر بالأمر أمرا لكان قول الرسول ﷺ : «مروا أبناءكم بالصلاة لسبع» أمرا للصبيان وتكليفا لهم، ولكن الصبيان غير مكلفين بدليل قوله ﷺ : «رفع القلم عن ثلاثة» وذكر منهم: «الصبي حتى يحتلم» (رواه أحمد وأصحاب السنن).
٢ - لو كان الأمر بالأمر أمرا، لكان الرجل إذا قال لمالك العبد: مُرْ عبدك أن
стр. 250
يفعل كذا، متعديا على حق المخاطب بأمر عبده دون إذنه، وليس كذلك عند أهل اللغة فعرفنا أن الأمر بالأمر ليس أمراً.
٣ - أنه يجوز أن يأمر أحد عبيده بأن يأمر عبده الآخر بشيء ثم يقول للأخر لا تطعه ولا يعد ذلك تناقضا، ولو كان الأمر بالأمر أمرا لكان تناقضا من السيد (١).
القول الثاني: أن الأمر بالأمر بالشيء أمر بذلك الشيء.
وهذا القول نسب لبعض الشافعية وقيل إنه اختيار العبدري وابن الحاج في شرحيهما للمستصفى (٢).
واستدل لهذا القول بأدلة أهمها:
ما ورد أن ابن عمر طلق زوجته وهي حائض فأخبر عمر ـ ﵁ ـ الرسول ﷺ ، فقال: «مره فليراجعها». الحديث، وروي بلفظ: «أن ابن عمر طلق زوجته وهي حائض فأمره النبي ﷺ أن يراجعها» والقصة واحدة (٣).
وجه الدلالة: أن أمر الرسول ﷺ لعمر أن يأمر ابنه بالمراجعة عد أمراً لابن عمر بالمراجعة؛ لذا روي الحديث بلفظ: أمر رسول الله ابن عمر أن يراجع زوجته. لأن القصة واحدة، ولولا أن الأمر بالأمر أمر لما عد ذلك أمرا لابن عمر من الرسول ﷺ ، ولما صحت رواية من روى أن النبي ﷺ أمر ابن عمر بالمراجعة.
والراجح هو القول الأول، مع استثناء ما لو قال الأول: قل لفلان: إني