← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 36379

أصول الفقه الذي لا يسع الفقيه جهله

عياض السلمي

Полный текст (493 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

أن تخرَّج عليه، ولكن لما كان المشتغل بالتخريج ليس من أهل الاجتهاد، والقاعدة لم يتضح فيها رأي الأئمة المجتهدين اضطر فقهاء الفروع إلى تخريج تلك المسائل على قواعد أخرى كقاعدة اليقين لا يزول بالشك ونحوها. ومن تلك المسائل التي يمكن تخريجها على القاعدة: ١ - فاقد الطهورين: قال بعض الفقهاء يصلي على حاله ثم يقضي إذا وجد الماء أو التراب. ومقتضى قول الجمهور في القاعدة أنه لا قضاء عليه؛ لأنه لا يطلب منه ما لا يطيق، فإذا أتى به فكيف يؤمر بالقضاء؟ وقال بعض الفقهاء: يلزم القضاء. وهو يتخرج على مذهب المعتزلة في القاعدة. ٢ - الجنب إذا لم يجد الماء يتيمم. وهل يجب عليه أن يغتسل إذا وجده؟ قال أكثرهم: نعم، ومقتضى قاعدة الجمهور أن لا يؤمر بذلك أمر إيجاب إلا بدليل خاص. ٣ - من ضل فلا يعرف جهة القبلة يصلي إلى أي جهة. وهل يلزمه القضاء إذا عرف جهة القبلة؟ اختلف العلماء في ذلك؛ فقال بعضهم: يلزمه القضاء. وهو يتخرج على قاعدة المعتزلة، لا على قاعدة الجمهور إذ لا يوجد دليل جديد على وجوب القضاء. ٤ - المحبوس في محل نجس: يصلي فيه. واختلفوا في وجوب الإعادة عليه أو القضاء، والقول بوجوب الإعادة أو القضاء يتخرج على مذهب المعتزلة في القاعدة. والخلاف في هذه القاعدة له صلة بالخلاف في تعريف الصحيح بين الفقهاء والمتكلمين، فالفقهاء يعرفونه بأنه: ما أسقط القضاء، والمتكلمون يعرفونه بأنه

стр. 247

ما وافق أمر الشارع في اعتقاد المكلف. وهذا الكلام قد مر معنا في الحكم الوضعي، ويظهر من الخلاف في هذه القاعدة أن الخلاف في تعريف الصحيح مبني عليها؛ فمن قال: إن فعل المأمور به لا يقتضي سقوط القضاء، يقول: إذا وافق الفعل أمر الشارع في ظن المكلف ينبغي أن نسميه صحيحاً ولا نرتب عليه سقوط القضاء، إذ يمكن أن يأتي بالفعل ويطلب منه قضاؤه، وإذا وصفنا فعله السابق بالصحة امتنع تعريف الصحيح بما ذكره الفقهاء من قولهم: الصحيح: ما أسقط القضاء، ويتعين أن نعرفه بأنه ما وافق أمر الشارع في ظن المكلف، ولهذا فهم يقولون: صلاة من ظن أنه متطهر إذا تبين أنه على غير طهارة صحيحة ويلزمه القضاء. وأما من قال: إن فعل المأمور به يقتضي سقوط القضاء، فيلتزم بأن صلاة من ظن أنه متطهر تبين أنها فاسدة وليست صحيحة. ويشكل على هذا أنه يلزمهم أن لا يقولوا: إن المصلى يثاب على تلك الصلاة؛ لأن الفاسد لا ثواب عليه، والجزم بعدم الثواب على تلك الصلاة غير صحيح، ولكن يمكنهم أن يقولوا يثاب على قصده وعلى قراءته للقرآن وعلى غيره من الذكر الوارد في الصلاة. وقد نقل الآمدي وجها عن الشافعية أن لا قضاء عليه، ومن قال بهذا الوجه اطردت له القاعدة ولم يرد عليه اعتراض المتكلمين، والله أعلم.

стр. 248

الأمر بالأمر بالشيء المراد بالمسألة: أن الأمر إذا كان مضمونه أمراً لشخص ثالث مثلا فهل يعد الشخص الثالث مامورا من قبل الآمر الأول؟ وبعبارة أخرى إذا أمر المكلف بأن يأمر غيره بشيء فهل يكون ذلك أمراً من الشارع لذلك الغير بفعل الشيء المذكور في الأمر؟ مثاله: أن النبي ﷺ قال: «مروا أبناءكم بالصلاة وهم أبناء سبع واضربوهم عليها لعشر» (أخرجه أبو داود وصححه الحاكم) فهل يقال إن الصبيان مأمورون بالصلاة من قبل الرسول ﷺ ؟ تحرير محل النزاع: أخرج بعضهم عن محل النزاع إذا قال الآمر الأول: قل لفلان إني آمرك بكذا أو قل له أن يفعل كذا لأن المأمور بالأمر حينئذ يكون مبلِّغا فحسب. وأخرج بعضهم عن محل النزاع أمر الله رسوله أن يأمر الناس فإنه يعد أمراً من الله للناس. ووضع بعضهم للصورة الخارجة عن محل النزاع ضابطا، فقال: إذا كان الآمر الأول تجب طاعته على المأمور الأول والثاني فيكون الأمر بالأمر بالشيء أمرا بذلك الشيء في حق المأمور. والصحيح عدم خروج هذه الصورة عن محل النزاع، إذ لو خرجت لم يبق للنزاع فائدة، فإن بحث الأصوليين إنما هو في أوامر الله وأوامر رسوله ﷺ ، وطاعتهما واجبة على الكل.

стр. 249

وبهذا نستطيع أن نقول: ظاهر كلام الأصوليين أن النزاع في كل أمر تعلق بأمر الغير بشيء هل يعد أمراً لذلك الغير من الآمر الأول؟ ولكن خروج الصورة الأولى ـ التي يكون فيها المأمور الأول مبلغا ـ له وجه؛ لتصريح الآمر الأول بأنه يأمر المأمور الثاني (قل لفلان إني آمره بكذا). الأقوال في المسألة: القول الأول: أن الأمر بالشيء ليس أمراً بذلك الشيء في حق الطرف الثالث. وهذا القول هو مذهب جمهور الأصوليين ولا يكاد يوجد في كتب الأصول المشهورة من يختار خلافه. واستدلوا له بما يلي: ١ - قول الرسول ﷺ : «مروا أبناءكم بالصلاة لسبع» الحديث (أخرجه أبو داود والترمذي وصححه الحاكم). ووجه الدلالة من الحديث لا تتضح إلا بضم الإجماع إلى هذا الدليل، فيقال في تقريره: لو كان الأمر بالأمر أمراً لكان قول الرسول ﷺ «مروا ابناءكم بالصلاة لسبع» أمرا من الرسول ﷺ للصبيان، وإلإجماع قائم على أن الصبيان غير مأمورين بالصلاة بأمر الرسول ﷺ المذكور. ويمكن أن يقرر الاستدلال بالحديث بضم حديث آخر إليه فيقال: لو كان الأمر بالأمر أمرا لكان قول الرسول ﷺ : «مروا أبناءكم بالصلاة لسبع» أمرا للصبيان وتكليفا لهم، ولكن الصبيان غير مكلفين بدليل قوله ﷺ : «رفع القلم عن ثلاثة» وذكر منهم: «الصبي حتى يحتلم» (رواه أحمد وأصحاب السنن). ٢ - لو كان الأمر بالأمر أمرا، لكان الرجل إذا قال لمالك العبد: مُرْ عبدك أن

стр. 250

يفعل كذا، متعديا على حق المخاطب بأمر عبده دون إذنه، وليس كذلك عند أهل اللغة فعرفنا أن الأمر بالأمر ليس أمراً. ٣ - أنه يجوز أن يأمر أحد عبيده بأن يأمر عبده الآخر بشيء ثم يقول للأخر لا تطعه ولا يعد ذلك تناقضا، ولو كان الأمر بالأمر أمرا لكان تناقضا من السيد (١). القول الثاني: أن الأمر بالأمر بالشيء أمر بذلك الشيء. وهذا القول نسب لبعض الشافعية وقيل إنه اختيار العبدري وابن الحاج في شرحيهما للمستصفى (٢). واستدل لهذا القول بأدلة أهمها: ما ورد أن ابن عمر طلق زوجته وهي حائض فأخبر عمر ـ ﵁ ـ الرسول ﷺ ، فقال: «مره فليراجعها». الحديث، وروي بلفظ: «أن ابن عمر طلق زوجته وهي حائض فأمره النبي ﷺ أن يراجعها» والقصة واحدة (٣). وجه الدلالة: أن أمر الرسول ﷺ لعمر أن يأمر ابنه بالمراجعة عد أمراً لابن عمر بالمراجعة؛ لذا روي الحديث بلفظ: أمر رسول الله ابن عمر أن يراجع زوجته. لأن القصة واحدة، ولولا أن الأمر بالأمر أمر لما عد ذلك أمرا لابن عمر من الرسول ﷺ ، ولما صحت رواية من روى أن النبي ﷺ أمر ابن عمر بالمراجعة. والراجح هو القول الأول، مع استثناء ما لو قال الأول: قل لفلان: إني

стр. 251

آمره بكذا. لما تقدم في تحرير محل النزاع. ودليل المخالف يجاب عنه بأجوبة وهي: ١ - أن الرسول ﷺ أمر عمر بأن يأمر ابنه، ثم لما لقيه ابن عمر أمره بالمراجعة، فصحت رواية كل من اللفظين. ٢ - أن هذا استدلال بمحل النزاع فلا يصح؛ لأنا نقول: لا يجب على ابن عمر أن يراجع زوجته بمقتضى هذا النص. ٣ - أن عمر ﵁ جاء إلى الرسول ﷺ مستفتياً فأفتاه وأمره بنقل الفتوى إلى ابنه. وأقواها الوجه الأول. ثمرة الخلاف: خرّج بعض العلماء على هذه القاعدة مسائل فرعية منها: ١ - مراجعة الزوجة المطلقة في أثناء الحيض. ذهب بعض العلماء إلى وجوب مراجعتها، إما بناء على أن الأمر بالأمر أمر، وإما بناء على أن الرسول ﷺ أمر ابن عمر مباشرة أو أفتى فنقل عمر الفتوى لابنه وذهب بعض العلماء إلى أن مراجعة المطلقة في الحيض لا تجب بناء على أن الأمر بالأمر ليس أمرا، ولم يثبت أن النبي ﷺ باشر ابن عمر بالأمر. ٢ - قوله ﷺ في شأن أبي إسرائيل ـ: «مروه فليتكلم وليستظل وليقعد وليتم صومه» (أخرجه أبو داود وابن ماجه، ومعناه في البخاري). فهل يعد ذلك أمر إيجاب موجهاً لأبي إسرائيل أن يترك الوفاء ببعض ما نذر لعدم مشروعيته؟. ٣ - قوله ﷺ حين مرض ـ: «مروا أبا بكر فليصلِّ بالناس» (أخرجه البخاري). هل يعدُّ أمراً لأبي بكر؟.

стр. 252

دلالة الأمر بالشيء على النهي عن ضده الضدان: هما اللذان لا يجتمعان وقد يرتفعان، كالوجوب والتحريم. والنقيضان: اللذان لا يجتمعان ولا يرتفعان، كالوجود والعدم. والخلافان: اللذان قد يجتمعان وقد يرتفعان، كالطول والحمرة. ويعلم من ذلك أن التلبس بفعل معين يمنع من التلبس بضده أو نقيضه في الوقت نفسه، ولا يمنع من التلبس بهما في وقت آخر، وأما الخلاف فلا يمنع التلبس به التلبس بخلافه. إذا تقرر هذا فإن بعض الأصوليين قد تجوز في إطلاق الضد في هذه المسألة فأطلقه على المخالف. تحرير محل النزاع: اختلف العلماء في الأمر بشيء هل يعد نهيا عن فعل ضده أو أضداده من حيث المعنى؟ أما من حيث الصياغة واللفظ فلا يختلفون في أن الأمر بالشيء ليس عين النهي عن الضد. الأقوال: القول الأول: ذهب جمهور العلماء إلى أن الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضده أو أضداده إن كان له أضداد كثيرة. ونقل عن بعض الأشعرية قولهم إن الأمر بالشيء عين النهي عن ضده. وهذا مبني على أن الكلام اسم للمعنى القائم بالنفس، لا للفظ المسموع. وهو باطل كما عرف في موضعه.

стр. 253

الأدلة: استدل الجمهور بما يلي: ١ - أنه لا يمكن الإتيان بالمأمور به إلا بترك ضده، وما لا يتم فعل الواجب إلا بتركه فهو حرام والحرام منهي عنه. ٢ - لو لم يكن الأمر بالشيء نهيا عن ضده لكان تارك الأمر يعاقب على ما لم يفعله. وهذا الدليل ذكره الجصاص والمراد به: أن العقوبة لا تكون إلا على فعل من المكلف، فإذا قلنا: الأمر بالشيء نهي عن ضده من حيث المعنى صح أن نقول إن عقوبة تارك الواجب هي على تلبسه بضده فتكون العقوبة على فعل. وإن قلنا إن الأمر بالشيء ليس نهيا عن ضده، فإذا ترك الواجب لا يعد فاعلا لضده فعقوبته تكون على ما لم يفعله، وعدالة الخالق تقتضي أن لا يعاقب الإنسان على ما لم يفعل. وقد يجاب عن هذا بأن الترك فعل فيعاقب على فعله. ٣ - أن الأمر يقتضي الفورية، ومن ضرورة اقتضائه الفورية أن يقتضي النهي عن التلبس بضده؛ لأن التلبس بالضد يحول دون المبادرة بالفعل المأمور به. القول الثاني: أن الأمر بالشيء ليس نهيا عن ضده ولا يقتضيه، وهو قول بعض المعتزلة واختاره الجويني والغزالي. الأدلة: ١ - أن الضد مسكوت عنه فلم يرد له ذكر في الأمر، فلا يدل عليه. ٢ - أن الآمر قد يأمر بالشيء وهو غافل عن ضده، فكيف يكون ناهيا عما لم يخطر على باله؟.

стр. 254

القول الثالث: أن الأمر بالشيء يقتضي كراهة ضده وهو اختيار السرخسي والبزدوي من الحنفية. دليله: أن الأمر من حيث الدلالة اللفظية لا دلالة فيه على النهي عن الضد، ولكنه يدل على النهي بطريق الاقتضاء، ودلالة الاقتضاء أضعف من دلالة النص، فيكون الثابت بها أضعف من الثابت بدلالة النهي المنصوص عليه بصيغته، فيثبت بدلالة الاقتضاء الكراهة. الترجيح: الراجح ـ والله أعلم ـ هو أن الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضده، أو يستلزم النهي عن ضده إذا كان المأمور معينا وقد ضاق الوقت عن غيره. ولا يقال هو عين النهي عن ضده كما قال بعض الأشعرية؛ لأنه من حيث الصيغة لا يمكن القول باتحادهما، وكذا من حيث المعنى الموضوع له اللفظ أصلا. ولا يقال إنه يقتضي النهي عن ضده مطلقا، بل إذا كان المأمور معينا وضاق الوقت عن الفعل وما يضاده، اقتضى النهي عن الضد، وإلا فلا. والدليل على رجحان هذا التفصيل: أن أدلة القول الأول لا تدل على أن الأمر المخير والموسع دالان على النهي عن الضد، فقولهم: لا يمكن الإتيان بالمأمور به إلا بترك ضده لا يصح إلا إذا حملناه على الأمر المعين الواجب فعله على الفور. أما الواجب المخير كخصال الكفارة فيصح فعله مع غيره، وكذا الواجب الموسع لا يحرم على المكلف التلبس بضده قبل فعله إلا حين يضيق الوقت فلا يتسع إلا له وحده.

стр. 255

وأما دليلهم الثاني فيجاب عنه بان الترك فعل فيكون عقاب مرتكب النهي على فعله. ومما يدل على أن الترك فعل، قوله تعالى: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة٧٩]. وأما الثالث فهو يؤيد ما ذكرته، وهو أن الأمر بالشيء على الفور هو الذي يقتضي النهي عن الضد، والفورية لا تتحقق في الواجب الموسع قبل ضيق الوقت. وأما أدلة المانعين مطلقا فيجاب عنها بما يلي: قولهم: الضد مسكوت عنه. يجاب بأن دلالة الأمر على النهي عن الضد هي دلالة اقتضاء، وليست دلالة وضع، والمقتضى مسكوت عنه، ولكن دل عليه دليل من العقل أو الشرع أو العرف. وقولهم: إن الآمر قد يكون غافلا عن الضد. يجاب بأن هذا قد يقال في حق الآمر من البشر، ولا يقال إذا كان الآمر هو الله، وأما إذا كان الآمر من البشر فيجاب بأن الأمر عندنا ليس من شرطه إرادة الآمر. فدلالته تحصل وتفهم سواء أرادها الآمر من البشر أم لا. وأما قول السرخسي والبزدوي: إنه يدل على كراهة الضد؛ فإن كان المقصود بالكراهة كراهة التحريم فمسلم؛ لأننا لا نقول إنه يدل على التحريم قطعاً. وإن كان مرادهم الكراهة التنزيهية فممنوع. وقولهم: إن دلالة الاقتضاء أضعف من دلالة النص، لا يدل على أن مدلولها لا يصل إلى درجة التحريم، فإن التحريم درجات من حيث طريق ثبوته.

стр. 256

ثمرة الخلاف: ذكر الأصوليون بعض الفروع التي تنبني على هذه القاعدة، ومنها: ١ - إذا قال الزوج: إن خالفت نهيي فأنت طالق، ثم أمرها بشيء ففعلت ضده فهل تطلق؟ على القول بأن الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضده تطلق، وعلى القول الثاني لا تطلق، وعلى المختار تطلق إلا إذا كان الأمر مخيراً أو موسعاً. ٢ - المأمور بالقيام في الصلاة، إذا جلس ثم قام، فهل يحرم عليه ذلك؟ على القول الأول نعم وعلى القول الثاني لا يحرم عليه ذلك وعلى قول السرخسي والبزدوي يكره ذلك. ولا بد أن يستثنى من هذا جلسة الاستراحة عند من يرى استحبابها، فإنها عنده مندوب إليها. ٣ - المصلي مأمور بالسجود على محل طاهر، فإن سجد على محل نجس ثم على طاهر فهل تبطل صلاته؟ قال السرخسي إن المسألة مبنية على أن الأمر بالشيء هل يقتضي نهياً عن ضده. فمن قال يقتضي النهي عن ضده أبطلها ومن لا فلا. ٤ - المصلي مأمور بالإنصات لقراءة الإمام لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف٢٠٤]، والآية نازلة في الإنصات لقراءة الإمام. فلو قرأ المأموم في أثناء قراءة الإمام فهل يأثم؟ من قال: إن الأمر بالشيء نهى عن ضده يؤثمه، ومن لا فلا. وإذا ترجح عنده تخصيص عموم الآية بحديث: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب»، فلا يمكن الجزم بتأثيمه، وإن قلنا: إن الأمر بالشيء يقتضي النهي عن الضد، وإنما يؤثمه من يقول الآية نزلت في قراءة الإمام في الصلاة وصورة

стр. 257

السبب لا يمكن خروجها بالتخصيص. وقد نقل عن الإمام أحمد قوله إن الآيه في قراءة الإمام في الصلاة ونقل الاتفاق على ذلك. سبب الخلاف: الخلاف في قاعدة الأمر بالشيء هل يقضي النهي عن ضده يرجع إلى ثلاثة أسباب: ١ - قولهم: لا تكليف إلا بفعل. فإذا سلموا هذه القاعدة وقالوا الترك ليس فعلا، فلا بد أن يقولوا الأمر بالشيء يقتضي النهي عن الضد، حتى تكون العقوبة على فعل الضد لا على مجرد الترك. ٢ - اشتراط الإرادة في الأمر والنهي وعدم اشتراطها، فمن اشترطها لم يقل إن الأمر بالشيء نهي عن ضده؛ لاحتمال غفلة الآمر عن الضد، ومن لم يشترطها قال: الأمر بالشيء نهي عن ضده، أو يستلزم النهي عن ضده. ٣ - اقتضاء الأمر الفورية أو عدمه، فالقول بأن الأمر المطلق يقتضي الفورية، يناسبه أن يقول: الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضده، بخلاف القول بعدم الفورية، فإنه يناسب القول بأن الأمر بالشيء لا يقتضي النهي عن الضد.

стр. 258

الأمر بعد الحظر اشتهر عند الفقهاء قولهم: الأمر بعد الحظر للإباحة، والأصوليون اختلفوا في ذلك. وصورة المسألة: أن يرد حظر من الشارع لفعل ما، سواء فهم هذا الحظر من نهي صريح، أم من غيره، ثم يرد أمر بذلك الفعل. مثال الأمر بعد الحظر الصريح: قوله: «كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي فكلوا منها وادخروا» (أخرجه أحمد والترمذي ومعناه في الصحيحين) فالنهي عن الادخار جاء الخبر عنه صريحاً ثم أعقبه أمر بالادخار. ومثال النهي غير الصريح: ما جاء في حديث الرجل الذي قال للنبي ﷺ : يا رسول الله، إني اكتتبت في غزاة كذا وكذا، وإن امرأتي ذهبت للحج، فقال له النبي ﷺ : «انطلق وحج مع امرأتك» (أخرجه البخاري ومسلم). ففي هذا الحديث لم يرد نهي عن ذهاب ذلك الرجل مع امرأته، ولكنه فهم من اكتتاب اسمه في إحدى الغزوات فيكون منهياً عن التخلف عن الغزوة، ثم جاء أمر الرسول ﷺ بالانطلاق مع امرأته للحج. وقد مثل ابن اللحام بهذا المثال، وقد ينازع فيه. ومحل النزاع في هذه المسألة حيث لم توجد قرينة قوية تدل على حمل الأمر على الوجوب أو الإباحة أو الندب. أما حيث وجدت قرينة فيعمل بمقتضاها. والأصوليون يقررون في كثير من مسائل الخلاف أن محله حين تعدم القرينة، مع أنه من النادر أن تعدم القرينة، ولكنهم يقررون المبدأ العام، أو الأصل الذي يبنى عليه الحكم عند الاختلاف في القرائن ودلالتها؛ لأن القرائن كثيرا ما

стр. 259

يجري الخلاف فيها وكثيراً ما يدعي كل فريق أنها تشهد لقوله. الأقوال: القول الأول: أن الأمر بعد الحظر للإباحة. وهو قول الشافعي، كما حكاه عنه ابن القطان، وابن السمعاني، والآمدي، والأسنوي، وغيرهم. وقال القاضي عبد الوهاب، وابن خويز منداد: إنه قول مالك. ونقله ابن برهان عن أكثر الفقهاء. واختاره ابن قدامه. ويقرب من هذا القول في التطبيق قول ابن تيمية إن الأمر بعد الحظر يرفع التحريم، ويعود الحكم إلى ما كان عليه قبل الحظر، فقد يكون مباحاً، وقد يكون مندوباً، وقد يكون واجباً (١). الأدلة: ١ - العرف الشرعي في استعمال الأمر بعد الحظر هو استعماله للإباحة، ومن ذلك: ـ ... قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة٢]. ـ ... وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [الجمعة١٠]، وليس البيع والشراء واجبا بعد الجمعة باتفاق. ـ ... وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة٢٢٢] وليس إتيان النساء بعد الطهر واجباً بل مباحاً.

стр. 260

ـ ... ومن السنة قوله ﷺ : «كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث فأمسكوا ما بدا لكم»، وفي رواية: «فكلوا وادخروا» (أخرجه مسلم). ـ ... وقوله ﷺ : «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها» (أخرجه مسلم)، ولم يقل أحد بوجوب زيارة القبور، وإنما قالوا باستحبابها للرجال؛ لقوله في آخر الحديث: «فإنها تذكركم الآخرة». ٢ ـ العرف اللغوي: فإن أهل اللغة متفقون على أن السيد لو قال لعبده: لا تأكل هذا الطعام، ثم قال له: كل، لم يكن هذا إيجاباً يستحق على تركه العقوبة، وكذلك إذا قال لمن طرق الباب: ادخل، فإنه ليس إيجاباً للدخول، وإنما هو إذن فيه. القول الثاني: إن الأمر لا تختلف دلالته بعد الحظر عن دلالته لو لم يسبق بحظر، وهذا مذهب أكثر الفقهاء والمتكلمين (١). ولكن الفقهاء يقولون: يبقى على الوجوب، وكثير من المتكلمين يقولون يبقى على الاستحباب؛ بناء على قولهم في أصل دلالة الأمر المطلق. دليل هذا القول: ١ - أن الأمر الواقع بعد الحظر يكون ناسخاً له، وقد ينسخ التحريم بالإيجاب أو الإباحة أو الندب وإذا احتمل المعاني الثلاثة فالأصل حمله على معناه الأصلي وهو الوجوب عند الجمهور. ٢ - قياس الأمر بعد الحظر على النهي بعد الأمر فكما أن النهي إذا جاء بعد الأمر يحمل على التحريم الذي هو معناه قبل سبقه بالأمر فكذلك الأمر بعد الحظر، يحمل على الوجوب.

стр. 261

٣ - عموم الأدلة الدالة على أنه للوجوب. واعترض القائلون بالوجوب على القائلين بالإباحة وقالوا: لا يوجد عرف شرعي مستقر، بدليل أن بعض الآيات جاء فيها الأمر بعد الحظر، وحملت على الوجوب باتفاق. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة٥]. القول الثالث: إذا ورد الأمر بصيغة: (افعل) ونحوها، فهو للإباحة، وإن ورد مصرحاً فيه بلفظ الأمر كقوله: أنتم مأمورون، أو إني آمركم، فيحمل على الوجوب. وهذا التفصيل اختيار ابن حزم الظاهري، والمجد ابن تيمية. دليله: أن العرف الشرعي جرى في الأمر بصيغة (افعل) ونحوها، وأما لفظ الأمر المصرح فيه بمادة (أمر) فلا عرف فيه فيبقى على الوجوب. وهذا الرأي مبني على أن صيغة (افعل) أو (لتفعل) ونحوهما، من الظاهر، وصيغة: أنتم مأمورون ونحوها، من النص الصريح. الترجيح: الراجح هو القول الأول، وهو حمل الأمر بعد الحظر على الإباحة إلا أن يقوم دليل على خلاف ذلك. وما ذكره أصحاب هذا الرأي من الاستدلال بالعرف الشرعي والعرف اللغوي كاف في الدلالة على المطلوب. وأما اعتراض أصحاب القول بالوجوب بآية: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة٥]، فيجاب عنه بأن هذه الآية لا تدل على وجوب قتل المشركين، وإنما يستفاد الوجوب من غيرها. ولو لم يرد في قتال المشركين

стр. 262

إلا هذه لما كانت دالة على الوجوب. وأما قياس الأمر على النهي فهو ضعيف؛ للفرق بينهما من جهة أن النهي يقتضي الاستمرار في ترك المنهى عنه، والأمر لا يقتضى التكرار كما تقدم. وأيضاً فإن هذا قياس في اللغة وهو ممنوع عند الأكثر. ثم إن عرف الاستعمال الشرعي واللغوي صرفه عن مقتضاه في أصل الوضع. وبمثل هذا يجاب عن تمسكهم بعموم الأدلة الدالة على أن الأمر المطلق للوجوب. وأما قول ابن حزم والمجد ابن تيمية فمردود بعدم الفرق بين الإخبار عن أمر الله أو رسوله، والأمر من الله أو رسوله بصيغه المعروفة. فإذا سلم جريان العرف في الثاني فالأول مثله. وأما قول شيخ الإسلام ابن تيمية: إن الأمر بعد الحظر يعيد الفعل إلى ما كان عليه قبل ورود الحظر، فقد نسب للمزني، واختاره بعض المتأخرين، وقد يفسر به قول بعض المتقدمين كالقفال الشاشي، وهو قريب من حيث التطبيق من القول الأول، وفيه جمع بين الآيات التي جاء فيها الأمر بعد الحظر وحملت على الإباحة، مثل: ﴿فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [الجمعة١٠]، والآيات التي جاء فيها الأمر بعد الحظر وحملت على الوجوب، نحو: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة٥].

стр. 263

ثمرة الخلاف: تظهر ثمرة الخلاف في مسائل منها: ١ - قوله ﷺ : «انطلق فحج مع امرأتك» هل يمكن أن يستدل به على الوجوب؟ فيقال: يجب على الرجل مرافقة زوجته في حج الفريضة؟ قيل: نعم؛ عملاً بظاهر اللفظ، والأكثر لم يوجبوا عليه ذلك؛ لكونه أمراً بعد حظر فلا يفيد الوجوب، بل الإباحة. والندب مستفاد من كونه من الإحسان للزوجة. ٢ - قوله تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور٣٣]، هل يمكن أن يستدل به على وجوب مكاتبة العبد إذا علم السيد فيه خيراً؟. قيل: نعم؛ أخذا بظاهر الأمر، والجمهور قالوا: لا يجب؛ لأنه أمر بعد حظر، فلا يفيد الوجوب. والحظر هنا غير منصوص عليه ولكنه مفهوم مما عرف عن الشارع؛ لأنه لا يوجب على المالك أن يبيع شيئاً من ماله مؤجلا. فثبوت ملك السيد لعبده بمثابة المانع من المكاتبة. وقال الزركشي: إنه على خلاف القياس، فكان كالممنوع منه؛ إذ من حقه التحريم لولا ورود السمع (١). ٣ - قوله تعالى: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة٢٢٢] بعد قوله: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾، فالأمر باعتزال النساء في المحيض نهي عن الجماع والأمر بإتيانهن أمر بالجماع جاء بعد الحظر، فهل يمكن أن يستدل

стр. 264

بقوله تعالى: ﴿فَأْتُوهُنَّ﴾ على وجوب الوطء؟ الأكثر قالوا: لا يجوز؛ لأنه أمر جاء بعد حظر فكان إذناً وإباحة. وقال بعضهم: نعم يصلح دليلاً؛ عملاً بالظاهر. وقال ابن تيمية: الأمر رفع الحظر وعاد الحكم على ما كان عليه قبل ذلك، والوطء واجب على الرجل مع القدرة بقوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء١٩] ونحوها من الأدلة. سبب الخلاف: الخلاف راجع إلى أن تقدَّم الحظر على الأمر هل يصلح قرينة توجب صرفه عن ظاهره إلى الإباحة؟ فمن قال: تقدم الحظر قرينة، صرفه عن الوجوب إلى الإباحة، أو أبطل الوجوب، وقال: يرجع إلى ما كان عليه قبل الحظر. ومن قال: لا يعد قرينة صارفة، حمله على الوجوب إن كان ممن يقول إن الأمر المطلق للوجوب، أو على الندب إن كان ممن يقول إنه للندب.

стр. 265

الأمر في الواجبات الكفائية أختلف العلماء في الأمر في الواجبات الكفائية، مثل الجهاد ونحوه، أيتوجه إلى الكل ويسقط بفعل البعض؟ أم يتوجه إلى بعض مبهم؟. وقد ذهب الأكثر إلى أن الأمر في الواجبات الكفائية موجه لكل واحد من الأمة ويسقط بفعل من يكفي. واستدلوا بأن الأمر لا يخلو إما أن يكون موجهاً إلى جميع الأمة، أو إلى بعض مبهم، والاحتمال الثاني باطل، لأنه لو وجه الخطاب إلى بعض مبهم، لأدى ذلك إلى ترك الواجب؛ إذ كل واحد سوف يقول: لست من ذلك البعض المبهم، فلا يقوم أحد بالفعل المأمور به، ولأن المكلف لابد أن يعلم أنه مكلف، وإذا كانت دلالة الخطاب على مبهم فإن المكلف لا يعلم أنه مخاطب، فيكون معذوراً. وذهب بعض العلماء إلى أن المأمور في الواجبات الكفائية بعض مبهم. واستدلوا بأن الأمر لو توجه إلى الجميع لما سقط بفعل البعض؛ لأن الفرض لا يسقط إلا بأداء أو نسخ. وأيضاً فإن الإبهام في المكلف به جائز، فكذلك الإبهام في المكلفين. وقد يستدلون بقوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ [آل عمران١٠٤]. ووجه الدلالة: أن الدعوة إلى الخير من الواجبات الكفائية، ومع ذلك وجَّه اللهُ الأمر بها إلى البعض، لا إلى الجميع حيث قال: ﴿مِنْكُمْ﴾ و (مِن)

стр. 266

تفيد التبعيض. والراجح: أن الأمر في الواجبات الكفائية، الأصل فيه أن يتوجه إلى المجموع، أي إلى الأمة مجتمعة، لا إلى الجميع أي لا لكل فرد بخصوصه ولا إلى بعض مبهم وتوجيه الخطاب إلى مجموع الأمة يجعل كل واحد منها عرضة للعقوبة إذا لم يتم الفعل المأمور به. وهذا القول قريب من القول الأول من حيث النتيجة ولكنه يسلم من الاعتراض الذي أورد عليه من أصحاب القول الثاني. فلا يرد عليه قولهم: لو كان الخطاب موجهاً للجميع لكان كفروض الأعيان لا يسقط إلا بفعله أو نسخه. ويتحقق به المقصود الذي أراده أصحاب القول الأول من كون الخطاب المبهم يؤدي إلى ترك الفعل المأمور به.

стр. 267

تعلق الأمر بالمعدوم هذه المسألة من المسائل الكلامية التي لا أثر لها في الفقه. ولكني رأيت كثيراً من الدارسين لا يعرف حقيقتها، ولا الباعث عليها، فأردت إيضاحها، فأقول: هذه المسألة من المسائل التي أثارها المعتزلة ضد خصومهم من الأشعرية القائلين إن كلام الله قديم أزلي، فأوردوا عليهم سؤالاً مضمونه: لو كان كلام الله أزلياً لتعلق الأمر بالمأمورين قبل وجودهم، لأن كلام الله في الأزل عندهم أمر ونهي، ولا يمكن أن يكون أمر بلا مأمور. فلما أورد المعتزلة عليهم هذا السؤال اضطروا إلى الالتزام بما يترتب على قولهم من لوازم فاسدة فقالوا: يتوجه الأمر للمعدوم. فلما شنّع عليهم العقلاء هذا القول قالوا: إن الأمر هنا ليس ناجزاً بل معلقاً على شرط الوجود. قال إمام الحرمين: «وهذه المسألة إنما رسمت لسؤال المعتزلة، إذ قالوا: لو كان الكلام أزلياً لكان أمراً، ولو كان أمراً لتعلق بالمخاطب في عدمه، فإذا بينا أنه لا يمتنع ثبوت الأمر من غير ارتباط بمخاطب فقد اندفع السؤال، فآل الأمر إلى أن المعدوم مأمور على شرط الوجود، وهذا منتهى مذهب الشيخ ﵁. فأقول: إن ظن ظان أن المعدوم مأمور، فقد خرج عن حد المعقول وقول القائل: إنه مأمور على تقدير الوجود تلبيس، فإنه إذا وجد ليس معدوماً، ولا شك أن الوجود شرط في كون المأمور مأموراً» (١). وإمام الحرمين قد انتهى به الأمر إلى تأجيل النظر في حل هذا المعضل فقال:

стр. 268

«فهذا مما نستخير الله تعالى فيه وإن ساعف الزمان أملينا مجموعاً من الكلام فيه شفاء الغليل إن شاء الله» (١). وهذا السؤال الذي حير إمام الحرمين، وتخبط في الجواب عنه شيخه الباقلاني، لا يرِد على من اتبع مذهب السلف في كلام الله، الذي خلاصته أن كلام الله متجدد، وأنه تعالى يتكلم بما يشاء متى شاء، وأن كلام الله قبل تعلقه بالمخلوقين لا يسمى أمراً ولا نهياً بالمعنى المعروف للأمر والنهي، فلا يسمى المعدوم مأموراً ولا منهياً قبل وجوده، ولا يوجد أمر بلا مأمور بل لا يسمى كلام الله أمراً إلا إذا توجه إلى المأمورين، ولا يلزم من ذلك عدم دخول المعدومين حين نزول القرآن في الخطاب إذا وُجدوا؛ لأن كلام الله حكم عام مستمر، وكل من وجد وتوافرت فيه شروط التكليف دخل تحته من غير حاجة إلى قياس. وعند قوم يدخل من يوجد بعد عصر نزول الوحي بطريق القياس الجلي، لأنه قياس بنفي الفارق. والخلاف بين الفريقين عديم الفائدة في الفروع الفقهية، والإجماع قائم على دخولنا في هذا العصر تحت الأوامر والنواهي العامة، وبهذا يتبين أن المسألة كلامية، وإنما ذكرتها لإيضاح ما فيها من غموض.

стр. 269

النهي تعريف النهي: النهي في اللغة: المنع، ومنه سمي العقل نُهية، وجمعه: نُهىً؛ لأن العقل يمنع صاحبه من الخطأ غالباً، ومنه قوله ﷺ : «ليلني منكم أولو الأحلام والنّهي» (أخرجه مسلم). ومنه سمي الغدير: نِهياً؛ لأن الماء يجتمع فيه، فيمنعه من الجريان حتى يمتليء. وفي الاصطلاح: هو طلب الترك بالقول ممن هو أعلى. أو هو: القول الطالب للترك على سبيل الاستعلاء. والمعنى: أن النهي هو القول الذي يدل على طلب الترك، ولا بد أن يكون ممن هو أعلى رتبة؛ لأنه لو لم يكن كذلك لكان سؤالاً أو التماساً، فإن كان من الأدنى إلى من فوقه فهو سؤال، كقولنا في الدعاء: ربنا لا تؤاخذنا، وإن كان من الند للند سمي التماساً، كقولك لصديقك: لا تفعل كذا. وقد اختلفوا في زيادة قيد العلو أو الاستعلاء كما سبق في الأمر، وحيث إن كلام الأصوليين والفقهاء في نواهي الشرع فينبغي أن يقيد النهي بما كان طلب الترك فيه صادراً من الأعلى إلى من دونه؛ لأن هذا حال النواهي الشرعية.

стр. 270

صيغة النهي للنهي صيغة واحدة متفق على كونها تفيد النهي، وهي صيغة: (لا تفعل) كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام١٥١]. وخالف بعض الأشعرية في إفادة هذه الصيغة للنهي، وزعم أنها مترددة بين عدة معان، فلا تحمل على أحدها إلا بقرينة. وعامة الأصوليين من الأشعرية وغيرهم يقرون بأن صيغة (لا تفعل) تفيد النهي عن الفعل، وإن كان بعضهم قد يخالف في إفادتها التحريم. وزاد بعضهم صيغتي: (انته) و (اكفف)، ونحوهما من الأوامر الدالة على الترك (١). وهناك أساليب كثيرة يعرف بها تحريم الفعل ومنها على سبيل المثال لا الحصر: ١ - لعن الله أو رسوله للفاعل، مثل قوله ﷺ : «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» فهذا دليل على النهي عن اتخاذ القبور مساجد. وقوله ﷺ : «لعن الله النامصة والمتنمصة» الحديث (أخرجه أبو داود). ٢ - الخبر، مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ﴾ [الممتحنة٩].

стр. 271

٣ - توعد الفاعل بالعقاب كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ [الفرقان٦٨]. ٤ - إيجاب الحد على الفاعل، مثل قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور٢]. ٥ - وصف العمل بأنه من صفات المنافقين أو من صفات الكفار نحو قوله تعالى ـ عن المنافقين ـ: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾ [النساء١٤٢].

стр. 272

اقتضاء النهي التحريم النهي الذي صحبته قرينة تدل على التحريم يحمل على التحريم باتفاق، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء٣٢]، فوصفه بأنه فاحشة وأنه طريق بلغ الغاية في السوء، دليل على تحريمه. والنهي الذي صحبته قرينة تدل على أنه للكراهة يحمل على الكراهة مثل: النهي عن المشي بنعل واحدة، والنهي عن السآمة من كتابة الدين كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ﴾ [البقرة٢٨٢] فالنهي عن المشي بنعل واحدة حمل على التنزيه والكراهة لأنه إرشاد وتوجيه إلى الأفضل والأكمل، وللمحافظة على سلامة الشخص من السقوط، والنهي عن ترك كتابة الدين والسآمة منه للكراهة لكونه نهي إرشاد. وكذلك النهي عن البول قائما، مع ما ثبت عن النبي ﷺ أنه بال واقفاً. وقد تصرف القرينة صيغة (لا تفعل) إلى الدعاء، والالتماس، ونحوهما من المعاني، فتخرج عن كونها نهياً. واختلفوا في النهي الذي لم تصحبه قرينة تدل على أنه للكراهة أو التحريم علام يحمل؟: فذهب جماهير العلماء إلى أنه يحمل على التحريم، واستدلوا بما يلي: ١ - قوله تعالى: ﴿وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر٧]. ووجه الدلالة: أن الله أمر بالانتهاء عما نهى عنه رسوله ﷺ ، والأمر يقتضي الإيجاب كما سبق.

стр. 273

٢ - قوله ﷺ : «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فانتهوا» (أخرجه ابن ماجه والبيهقي وصححه ابن خزيمة، ومعناه في الصحيحين)، فهذا الحديث فيه الأمر بالانتهاء عما نهى عنه الرسول ﷺ من غير استثناء، والأمر للوجوب. ٣ - أن صيغة (لا تفعل) تقتضي ترك الفعل والامتناع عنه، والامتناع أبداً لا يحصل إلا بالتحريم؛ إذ الكراهة لا تمنع العباد من الفعل دائماً. ٤ - أن أهل اللغة لا يفهمون من الصيغة عند الإطلاق إلا المنع الجازم، ولهذا إذا قال السيد لعبده: لا تفعل كذا ثم فعله، استحق العقوبة، والقرآن والسنة جاءا بلغة العرب. ٥ - أن الصحابة فهموا من النهي المطلق التحريم، فإذا روي لهم أن النبي ﷺ نهى عن شيء عدوه محرماً سواء أصحبته قرينة تدل على التحريم أم لا.

стр. 274

اقتضاء النهي الفورية والاستمرار النهي يقتضي الكف عن المنهي عنه فوراً على الدوام ما لم تقم قرينة على خلاف ذلك. والدليل على ذلك أن المنهي عنه مفسدة، والمفسدة يجب الابتعاد عنها فوراً على الدوام. وأيضاً: فإن مقتضى النهي عدم إدخال المنهي عنه في الوجود، فلو امتنع عنه المكلف يوماً، أو شهراً، أو سنة ثم فعله، لم يصدق عليه أنه لم يفعله. فلهذا اتفقوا على أنه للاستمرار والدوام إلا من شذَّ.

стр. 275

النهي عن الشيء أمر بضد من أضداده سبق أن بينا أن الأمر بالشيء يقتضي النهي عن جميع أضداده إذا كان المأمور به معيناً وضاق وقته عن فعل غيره معه. فهل يقال في النهي مثل ذلك فيكون النهي عن الشيء أمراً بالاشتغال بضده؟. والجواب: أن النهي إذا كان له ضدٌّ واحد فالنهي يستلزم الأمر بذلك الضد كالصوم في العيدين ضده الفطر، فالنهي عن الصوم في العيدين يقتضي الأمر بالفطر فيهما. وإن كان له أضداد كثيرة فهو يستلزم الأمر بضد واحد من أضداده؛ لأنه لا يتأتى ترك المنهي عنه الإ بالتلبس بضد من أضداده وخالف في ذلك من خالف في الأمر بحجة أن الضد قد يكون الناهي ذاهلاً عنه، والغفلة لا تتحقق في شأن نواهي الله جلا وعلا. ولكنهم يقولون: المسألة لغوية، فينطبق على نصوص الوحي ما ينطبق على كلام العرب. والصحيح أن النهي عن الشيء الذي له أضداد يستلزم الأمر بضد واحد من تلك الأضداد غير معين، كما هو الحال في الواجب المخير؛ وذلك لأن ما لا يتم ترك الحرام إلا به فهو واجب، ووجوبه من باب وجوب الوسائل لا من باب وجوب المقاصد، وأما كون الثواب على الترك أو على التلبس بذلك الضد فهو أمر غيبي لا ينبغي الاشتغال به ولا يتعلق به غرض الفقيه.

стр. 276

النهي بعد الأمر سبق الكلام في مسألة الأمر بعد الحظر وبيّنا أنه للإباحة على الأرجح، فهل نقول إن النهي بعد الأمر للإباحة أيضاً؟ ذهب جمهور العلماء إلا من شذ منهم إلى أن النهي بعد الأمر يحمل على التحريم كما هو لو ورد ابتداءً غير مسبوق بأمر. وقد حكى الغزالي الاتفاق عليه. وذهب بعضهم إلى التسوية بينه وبين الأمر بعد الحظر، وتوقف بعضهم. والصحيح الأول. ومما يدل على الفرق بينهما: ـ ... أن الإباحة من محامل الأمر وليست من محامل النهي. ـ ... وأيضاً فإن ورود صيغة (افعل) في الكتاب والسنة لغير الوجوب كثير، بخلاف صيغة (لا تفعل) فإنه يندر وجودها لغير التحريم. ـ ... وأيضاً: فإن الأمر لتحصيل المصالح، والنهى لدفع المفاسد، واعتناء الشرع بدفع المفاسد أكثر من اعتنائه بتحصيل المصالح، ولذا قيل: درء المفاسد مقدم على جلب المصالح. ـ ... ولأن ورود صيغة (افعل) بعد الحظر فيه عرف شرعي ولغوي يحمله على الإباحة، بخلاف النهي الوارد بعد الأمر أو بعد الإباحة فلم يقم فيه عرفٌ شرعي ولا لغوي فيبقى على معناه الأصلي.

стр. 277

اقتضاء النهي الفساد هذه المسألة من المسائل الكبيرة في أصول الفقه، وقد اعتنى بها العلماء عناية كبيرة حتى إن بعضهم لا يذكر في باب النهي إلا هذه المسألة. وقد أفردها العلائي بمؤلف مستقل سماه: «تحقيق المراد في أن النهي يقتضي الفساد» وهو مطبوع محقق. وقبل أن نشرع في المسألة نذكّر القارئ الكريم بما سبق من الخلاف في البطلان عند الحنفية والجمهور، وأن الحنفية قد يسمون الفعل أو العقد فاسداً، ولكنهم لا يعدونه باطلا من كل وجه، وإنما يرتبون عليه آثاره أو بعضها؛ لأنهم يفرقون بين الفساد والبطلان. وأما الجمهور فحيث أطلقوا الفساد في هذه المسألة فإنهم يريدون البطلان، وعدم ترتب آثار الفعل عليه سواء أكان عبادة كالصوم والصلاة، أم عقدا كالبيع والإجارة، أم إيقاعاً كالطلاق والعتاق. محل النزاع في المسألة: أطلق بعض العلماء محل النزاع وأدخل فيه كل نهي سواء حمل على التحريم أم على الكراهة. وقيده بعضهم بأن يكون النهي للتحريم. وأخرج بعض العلماء النهي عن العبادات وزعم الاتفاق على أن النهي عنها يقتضي بطلانها. وليس الأمر كذلك كما ستعرف. وقسم بعضهم النهي ثلاثة أقسام: أ ـ ... النهي عن الشيء لعينه، وهذا لا يختلفون في أنه يقتضي فساد المنهي عنه،

стр. 278

ومثلوه بالنهي عن بيع الكلب. والنهي عن بيع النجاسات. ب ـ النهي عن الشيء لوصف ملازم له، وهذا فيه الخلاف بين الحنفية والجمهور، كالنهي عن البيوع الربوية وبيوع الغرر. ج ـ النهي عن الشيء لأمر خارج، مثل النهي عن الغصب هل يقتضي فساد الصلاة في الدار المغصوبة؟ وهل يقتضي بطلان صلاة المتوضئ بالمغصوب؟ وبعضهم يمثله بالنهي عن البيع بعد نداء الجمعة الثاني وقالوا: إن الخلاف في القسم الثاني. دون الأول والثالث. والظاهر أن الخلاف جارٍ في القسمين الأخيرين، وأما القسم الأول فقد اتفقوا على أنه يقتضي البطلان. ولكن الإشكال يحصل في حد المنهي عنه لعينه، فإنهم لم يذكروا له حداً يتميز به، ولهذ فإنهم يختلفون عند التطبيق، فقد يقول قائل إن الربا منهي عنه لعينه، وينازعه الآخر ويقول، بل هو منهي عنه لوصفه. وهذه المسألة ذات صلة وثيقة بمسألة أخرى من مسائل الأمر وهي أن الأمر هل يتناول المكروه؟ وقد يعبّر عنها بعضهم بقوله: هل المكروه مأمور به؟ فيحدث هذا التعبير إشكالاً عظيماً عند الدارسين؛ إذ يقول أحدهم: إذا كان المباح ليس مأموراً به فكيف يكون المكروه مأموراً به؟ وحقيقة الأمر أن مرادهم بذلك: أن المكلف إذا فعل المأمور به على صفة فيها كراهة، فهل يقبل منه ويجزئه، حتى نقول فَعَلَ المأمور به؟ ويعنون بالكراهة هنا ما يشمل كراهة التحريم وكراهة التنزيه كما تدل عليه أمثلتهم، فإنهم يمثلونها بالطواف منكساً، وبالصلاة مع رفع البصر، والصلاة في الأماكن المنهي عن الصلاة فيها كالمقبرة ونحو ذلك. وفي تقديري أنه ينبغي التفريق بين المسألتين: مسألة اقتضاء النهي الفساد، ومسألة تناول الأمر للمكروه.

стр. 279

ففي المسألة الأولى يجب أن نقتصر على أن النهي عن الشيء هل يقتضي فساده؟ وحينئذ تنحصر في الأشياء التي ورد النهي عنها كالصلاة في الأماكن السبعة، والبيع على بيع أخيه، وصيام يومي العيدين. ونحو ذلك؛ لورود النهي عن هذه الأشياء. وأما الثانية فيجب حصرها على عبادة ورد الأمر بها وورد النهي عن شيء ذا صلة بها ولكنه ليس خاصا بها، مثل: الصلاة مأمور بها بإطلاق، والغصب منهي عنه بإطلاق، فإذا صلى في الدار المغصوبة يكون قد أتى بالمأمور به على صفة فيها كراهة، ولم يرد نص في النهي عن الصلاة في الدار المغصوبة. وكذلك الصلاة بوضوء مغصوب أو في ثوب حرير ونحو ذلك، فهذه كلها لم يرد فيها بخصوصها نهي فيما أعلم، فإذا لم يرد نهي عن الصلاة على تلك الصفة، فتدخل تحت مسألة الأمر هل يتناول المكروه أو المنهي عنه من وجه آخر؟. وحيث إن الأكثرين جعلوا مسألة اقتضاء النهي الفساد شاملة للمسألتين السابقتين فالواجب أن نفصل فيها على النحو التالي: ١ - النهي عن الشيء لذاته: لا خلاف في أنه يقتضي البطلان، وقد يمثله الحنفية بالنهي عن بيع حبل الحبلة، وبيع الكلب، والخنزير، والنجاسات. ٢ - النهي عن الشيء لوصف ملازم: كالنهي عن صوم يوم العيد، وعن بيوع الربا. وهذا يقتضي الفساد عند جمهور العلماء. وذهب بعض علماء الحنفية إلى أنه في هذا القسم يفرق بين العبادات وغيرها؛ ففي العبادات يقتضي الفساد، فصيام يوم النحر باطل باتفاق. وأما المعاملات كبيع درهم بدرهمين، فهو عندهم بيع فاسد، ولكن يثبت به الملك مع التقابض.

стр. 280

فهم وإن سموه فاسداً لكنه عندهم ليس بباطل كما هو عند الشافعية والحنابلة؛ وذلك لأن الفساد عرض له لأجل الزيادة فلو ردت الزيادة لصح البيع. والمالكية وافقوا الجمهور في القاعدة، ولكنهم في البيوع الربوية يرون ثبوت الملك بها في بعض الحالات كهلاك السلعة، وانتقال الملك وتغير الأسواق (١). ومن علماء الحنفية من قال: إن هذا القسم لا يقتضي الفساد، لا في العبادات، ولا في المعاملات؛ بدليل أن نذر صيام يوم النحر ينعقد عند علماء المذهب، ولكن ليس له أن يصومه بل عليه أن يصوم يوماً مكانه، فلو صامه عصى وانحلّ نذره، ولا قضاء عليه عند أبي حنيفة خلافا للصاحبين (٢). ٣ـ وأما القسم الثالث، وهو النهي المتعلق بأمر خارج عن المأمور به ذا صلة به من حيث كونه متعلقاً بشرط من شروطه الشرعية أو العقلية أو العادية، فهذا لا يقتضي الفساد عند أكثر العلماء، ويقتضيه عند الإمام أحمد في رواية، وعند الظاهرية. وقولهم: المنهى عنه لأمر خارجي: عبارة لا تصح إلا بشيء من التسامح؛ لأن النهي لم يتجه للمأمور به بل لما له تعلق به. ومثاله: الصلاة في الدار المغصوبة، والوضوء بماء مغصوب، والذبح بسكين مغصوبة، وتلقي الركبان لشراء ما معهم، فإن النهي في هذه المسائل انصب على الغصب، وعلى تلقي الركبان، وليس على الصلاة والوضوء والذبح والبيع. والراجح فيما كان النهي فيه راجعاً إلى أمر خارجي أنه لا يقتضي فساد المأمور به، وإن كان متصلاً بشرط من شروطه كالصلاة في الدار المغصوبة،

стр. 281

وفي الثوب الحرير للرجل، وفي الثوب المغصوب فالنهي عن الغصب في الأولى تعلق بشرط عادي، وهو أن العادة تقتضي بأنه لا بد للصلاة من مكان، فالمكان شرط عادي للصلاة، وقد تعلق به النهي، وفي الثانية والثالثة تعلق النهي بشرط شرعي، وهو ستر العورة. الأدلة على أن النهي يقتضي الفساد في القسمين الأولين: (المنهي عنه لذاته، أو لوصف ملازم): ١ - قوله ﷺ : «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» (أخرجه مسلم). ومعناه: أن كل عمل ليس من أمر الإسلام ولا من شرعه فهو مردود على صاحبه والمنهي عنه ليس عليه أمر الإسلام، فيكون مردودا. ٢ - إجماع الصحابة والتابعين على بطلان البيوع الربوية للنهي عنها. ٣ - حديث فضالة بن عبيد في بيع القلادة التي فيها خرز وذهب بذهب وفيه الأمر بردها (أخرجه مسلم). ٤ - أن المنهي عنه مفسدة، والقول بصحته مع النهي عنه يدفع المكلفين إلى عصيان النهي، ومعلوم أن من عادة الشارع إذا حرم شيئا أنه يضيق الطرق الموصلة إليه، وفي تصحيح المنهي عنه فتح لذريعة المحرم، وهذا ينافي عادة الشرع. ٥ - أن الصحة تضاد النهي؛ لأن الصحيح مأذون فيه، والمنهي ليس مأذونا فيه، فلا يمكن أن يكون منهياً عنه وصحيحاً في آن واحد. أدلة من قال إن النهي لا يقتضي فساد المنهي عنه: ١ - أن النهي لا تعرّض فيه للصحة ولا للفساد، وإنما معناه تحريم الفعل وتحريم الفعل لا يمنع ترتيب آثاره عليه إذا فعل.

стр. 282

٢ - أن المنهي عنه لابد أن يكون متصور الوقوع؛ لأن الشارع لا ينهى عن المستحيل عقلاً أو شرعاً أو عادة. فثبت أنه ممكن الوقوع، والواقع هو المعنى الشرعي، فثبت أن النهي عن الشيء دليل على صحته لو وقع. ٣ - أن الشرع نهى عن الطلاق في الحيض، وقال أكثر العلماء بوقوعه، ولو أن النهي يقتضي الفساد لما وقع. والصحيح القول الأول، ويجاب عن أدلة القول الثاني بما يلي: ١ - قولهم: إن النهي لا تعرض فيه للصحة والفساد، هو محل النزاع، فلا يصح الاستدلال به، وإذا كان المقصود أنه من حيث اللغة لا تعرض فيه لذلك فإننا نقول: دلالته على الفساد من قبيل العرف الشرعي. ٢ - قولهم: إن المنهي عنه لابد أن يكون متصور الوقوع. يجاب بأنه يتصور وقوع صورته في الوجود وأما حقيقته الشرعية فلا تقع مع النهي عنه. ٣ - قولهم: إن الطلاق في الحيض منهي عنه ومع ذلك يقع. عنه جوابان: الأول: جواب من لا يرى وقوع الطلاق في الحيض ويطرد القاعدة في هذه المسألة وغيرها، وهؤلاء منعوا وقوع الطلاق في الحيض. الثاني: جواب من يرى وقوع الطلاق في الحيض، وهؤلاء قالوا: إن آثار الفعل إن كانت مما يضر بالفاعل فتقع عقوبة له، وأما إن كانت مما ينفعه فلا تقع والطلاق في الحيض قلنا بوقوعة نكاية بالفاعل. وأما النهي الذي لم يتجه إلى الفعل وإنما توجه لأمر خارجي له علاقة بالفعل كشرطه أو محله فالظاهر أنه لا يقتضي فساد الفعل المأمور به أو المأذون فيه كما تقدم. ومثاله: الصلاة في الدار المغصوبة؛ فإنه لم يرد نهي عن الصلاة في الدار

стр. 283

المغصوبة، وإنما ورد النهي عن الغصب والأمر بالصلاة، فإذا صلى في الدار المغصوبة صحت صلاته، وعليه إثم الغصب. وكذلك حج المرأة بلا محرم يصح، وتسقط به الفريضة، وتأثم على خروجها بلا محرم. وكذلك يقال في البيع مع تلقي الركبان، والبيع مع النجش، فإنهما ينعقدان مع الإثم. والدليل على ذلك أن الأمر والنهي في هذه الصور لم يردا على محل واحد، بل على محلين فيمكن أن يصح الفعل المأمور به أو المأذون فيه، ويترتب الإثم على مخالفة النهي، فالمصلي في الدار المغصوبة يثاب على صلاته ويأثم على غصبه، والبيع مع النجش يصح، ويثبت به الملك، ويأثم الناجش، ويثبت الخيار للمشترى إذا غبن. ومما يدل على ذلك أيضا أن الفعل في هذه الصورة مستكمل الشروط والأركان فيجب الحكم بصحته. وأدلة القائلين إن النهي لا يقتضي الفساد مطلقاً تحمل على هذه الصورة دون غيرها. والله أعلم.

стр. 284

العام والخاص تعريف العام والخاص: العام: اسم فاعل من العموم، بمعنى: الشمول والإحاطة. ومنه سميت العمامة لأنها تحيط بالرأس. والعم والعمومة: اسم بعض القرابات، سموا بذلك لأنهم يحيطون بالإنسان عند احتياجه للمساعدة عادة. والعام في الاصطلاح: «اللفظ المستغرق لجميع ما يصلح له بحسب وضع واحد». هذا تعريفه عند جمهور الأصوليين، وهو لفظ الرازي في المحصول، وقد تبعه عليه أكثر من جاء بعده، وهو قد أخذه عن أبي الحسين البصري وزاد فيه بعض القيود. وعند المتقدمين من الأصوليين يعرف بأنه: ما عم شيئين فصاعداً. فلا يذكرون فيه تقييده باللفظ فيكون شاملاً للفظ والمعنى بناء على أن المعنى يعم كما سيأتي. ولا يقيدونه بالاستغراق، بل يكتفون بأن يكون فيه شمول ما. ولهذا فإنهم قد يطلقون اسم العام على المطلق وبالعكس. وبعد استقرار الاصطلاح يجب أن يحتوي التعريف على ما يميز العام عن المطلق. وقد اجتهدوا في اختيار العبارة المناسبة لتعريفه. ومن أفضل العبارات عبارة الرازي المتقدمة. «اللفظ المستغرق لجميع ما يصلح له بحسب وضع واحد».

стр. 285

شرح التعريف: قوله: (المستغرق)، من الاستغراق وهو التناول مع الاستيعاب، يقال: استغرق العمل ليلة، أي: استوعبها كلها. وقوله: (لجميع ما يصلح له)، أي: لجميع ما يدخل تحت اللفظ لغة أو عرفاً. فالصلاحية من حيث اللغة أو العرف. وقوله: (بحسب وضع واحد)، قيد يخرج المشترك اللفظي الذي يدل على معنيين بوضعين مختلفين، مثل القرء الدال على الطهر والحيض، فإنه يدل على هذين المعنيين بوضعين مختلفين؛ لأن العرب استعملوه مرة في الطهر، ومرة في الحيض، أو استعمله بعضهم في الطهر واستعمله بعضهم في الحيض ثم اشتهر المعنيان فصار مشتركاً. فدلالة القرء على هذين المعنيين ليست من دلالة العام على أفراده، بل من دلالة المشترك الذي يحتاج في فهم المراد منه إلى قرينة. والمشترك عند كثير من الأصوليين ليس عاماً في أفراده ولا يمكن حمله على العموم بإطلاق واحد. وسيأتي مزيد إيضاح لذلك عند الكلام عن المجمل. وهذا القيد لا يخرج المشترك الذي يكون عاماً في أحد معنييه أو معانيه؛ فلفظ القروء إذا قامت قرينة على أن المراد بها الأطهار يكون عاماً فيها؛ لأنه جاء بصيغة عموم. ولفظ (العيون) في قولنا: جفت عيون الوادي الفلاني، تحمل على عموم العيون الجارية في ذلك الوادي، ولا يقال إنه مشترك فيتوقف فيه بعد قيام القرينة، وهي الجفاف الذي يناسب العيون الجارية دون غيرها من معاني العين.
следующие страницы →