وفي الثوب الحرير للرجل، وفي الثوب المغصوب فالنهي عن الغصب في الأولى تعلق بشرط عادي، وهو أن العادة تقتضي بأنه لا بد للصلاة من مكان، فالمكان شرط عادي للصلاة، وقد تعلق به النهي، وفي الثانية والثالثة تعلق النهي بشرط شرعي، وهو ستر العورة.
الأدلة على أن النهي يقتضي الفساد في القسمين الأولين: (المنهي عنه لذاته، أو لوصف ملازم):
١ - قوله ﷺ : «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» (أخرجه مسلم).
ومعناه: أن كل عمل ليس من أمر الإسلام ولا من شرعه فهو مردود على صاحبه والمنهي عنه ليس عليه أمر الإسلام، فيكون مردودا.
٢ - إجماع الصحابة والتابعين على بطلان البيوع الربوية للنهي عنها.
٣ - حديث فضالة بن عبيد في بيع القلادة التي فيها خرز وذهب بذهب وفيه الأمر بردها (أخرجه مسلم).
٤ - أن المنهي عنه مفسدة، والقول بصحته مع النهي عنه يدفع المكلفين إلى عصيان النهي، ومعلوم أن من عادة الشارع إذا حرم شيئا أنه يضيق الطرق الموصلة إليه، وفي تصحيح المنهي عنه فتح لذريعة المحرم، وهذا ينافي عادة الشرع.
٥ - أن الصحة تضاد النهي؛ لأن الصحيح مأذون فيه، والمنهي ليس مأذونا فيه، فلا يمكن أن يكون منهياً عنه وصحيحاً في آن واحد.
أدلة من قال إن النهي لا يقتضي فساد المنهي عنه:
١ - أن النهي لا تعرّض فيه للصحة ولا للفساد، وإنما معناه تحريم الفعل وتحريم الفعل لا يمنع ترتيب آثاره عليه إذا فعل.
стр. 282
٢ - أن المنهي عنه لابد أن يكون متصور الوقوع؛ لأن الشارع لا ينهى عن المستحيل عقلاً أو شرعاً أو عادة. فثبت أنه ممكن الوقوع، والواقع هو المعنى الشرعي، فثبت أن النهي عن الشيء دليل على صحته لو وقع.
٣ - أن الشرع نهى عن الطلاق في الحيض، وقال أكثر العلماء بوقوعه، ولو أن النهي يقتضي الفساد لما وقع.
والصحيح القول الأول، ويجاب عن أدلة القول الثاني بما يلي:
١ - قولهم: إن النهي لا تعرض فيه للصحة والفساد، هو محل النزاع، فلا يصح الاستدلال به، وإذا كان المقصود أنه من حيث اللغة لا تعرض فيه لذلك فإننا نقول: دلالته على الفساد من قبيل العرف الشرعي.
٢ - قولهم: إن المنهي عنه لابد أن يكون متصور الوقوع. يجاب بأنه يتصور وقوع صورته في الوجود وأما حقيقته الشرعية فلا تقع مع النهي عنه.
٣ - قولهم: إن الطلاق في الحيض منهي عنه ومع ذلك يقع. عنه جوابان:
الأول: جواب من لا يرى وقوع الطلاق في الحيض ويطرد القاعدة في هذه المسألة وغيرها، وهؤلاء منعوا وقوع الطلاق في الحيض.
الثاني: جواب من يرى وقوع الطلاق في الحيض، وهؤلاء قالوا: إن آثار الفعل إن كانت مما يضر بالفاعل فتقع عقوبة له، وأما إن كانت مما ينفعه فلا تقع والطلاق في الحيض قلنا بوقوعة نكاية بالفاعل.
وأما النهي الذي لم يتجه إلى الفعل وإنما توجه لأمر خارجي له علاقة بالفعل كشرطه أو محله فالظاهر أنه لا يقتضي فساد الفعل المأمور به أو المأذون فيه كما تقدم.
ومثاله: الصلاة في الدار المغصوبة؛ فإنه لم يرد نهي عن الصلاة في الدار
стр. 283
المغصوبة، وإنما ورد النهي عن الغصب والأمر بالصلاة، فإذا صلى في الدار المغصوبة صحت صلاته، وعليه إثم الغصب. وكذلك حج المرأة بلا محرم يصح، وتسقط به الفريضة، وتأثم على خروجها بلا محرم.
وكذلك يقال في البيع مع تلقي الركبان، والبيع مع النجش، فإنهما ينعقدان مع الإثم.
والدليل على ذلك أن الأمر والنهي في هذه الصور لم يردا على محل واحد، بل على محلين فيمكن أن يصح الفعل المأمور به أو المأذون فيه، ويترتب الإثم على مخالفة النهي، فالمصلي في الدار المغصوبة يثاب على صلاته ويأثم على غصبه، والبيع مع النجش يصح، ويثبت به الملك، ويأثم الناجش، ويثبت الخيار للمشترى إذا غبن.
ومما يدل على ذلك أيضا أن الفعل في هذه الصورة مستكمل الشروط والأركان فيجب الحكم بصحته.
وأدلة القائلين إن النهي لا يقتضي الفساد مطلقاً تحمل على هذه الصورة دون غيرها. والله أعلم.
стр. 284
العام والخاص
تعريف العام والخاص:
العام: اسم فاعل من العموم، بمعنى: الشمول والإحاطة. ومنه سميت العمامة لأنها تحيط بالرأس. والعم والعمومة: اسم بعض القرابات، سموا بذلك لأنهم يحيطون بالإنسان عند احتياجه للمساعدة عادة.
والعام في الاصطلاح: «اللفظ المستغرق لجميع ما يصلح له بحسب وضع واحد».
هذا تعريفه عند جمهور الأصوليين، وهو لفظ الرازي في المحصول، وقد تبعه عليه أكثر من جاء بعده، وهو قد أخذه عن أبي الحسين البصري وزاد فيه بعض القيود.
وعند المتقدمين من الأصوليين يعرف بأنه: ما عم شيئين فصاعداً.
فلا يذكرون فيه تقييده باللفظ فيكون شاملاً للفظ والمعنى بناء على أن المعنى يعم كما سيأتي.
ولا يقيدونه بالاستغراق، بل يكتفون بأن يكون فيه شمول ما. ولهذا فإنهم قد يطلقون اسم العام على المطلق وبالعكس.
وبعد استقرار الاصطلاح يجب أن يحتوي التعريف على ما يميز العام عن المطلق. وقد اجتهدوا في اختيار العبارة المناسبة لتعريفه.
ومن أفضل العبارات عبارة الرازي المتقدمة.
«اللفظ المستغرق لجميع ما يصلح له بحسب وضع واحد».
стр. 285
شرح التعريف:
قوله: (المستغرق)، من الاستغراق وهو التناول مع الاستيعاب، يقال: استغرق العمل ليلة، أي: استوعبها كلها.
وقوله: (لجميع ما يصلح له)، أي: لجميع ما يدخل تحت اللفظ لغة أو عرفاً. فالصلاحية من حيث اللغة أو العرف.
وقوله: (بحسب وضع واحد)، قيد يخرج المشترك اللفظي الذي يدل على معنيين بوضعين مختلفين، مثل القرء الدال على الطهر والحيض، فإنه يدل على هذين المعنيين بوضعين مختلفين؛ لأن العرب استعملوه مرة في الطهر، ومرة في الحيض، أو استعمله بعضهم في الطهر واستعمله بعضهم في الحيض ثم اشتهر المعنيان فصار مشتركاً.
فدلالة القرء على هذين المعنيين ليست من دلالة العام على أفراده، بل من دلالة المشترك الذي يحتاج في فهم المراد منه إلى قرينة.
والمشترك عند كثير من الأصوليين ليس عاماً في أفراده ولا يمكن حمله على العموم بإطلاق واحد.
وسيأتي مزيد إيضاح لذلك عند الكلام عن المجمل.
وهذا القيد لا يخرج المشترك الذي يكون عاماً في أحد معنييه أو معانيه؛ فلفظ القروء إذا قامت قرينة على أن المراد بها الأطهار يكون عاماً فيها؛ لأنه جاء بصيغة عموم.
ولفظ (العيون) في قولنا: جفت عيون الوادي الفلاني، تحمل على عموم العيون الجارية في ذلك الوادي، ولا يقال إنه مشترك فيتوقف فيه بعد قيام القرينة، وهي الجفاف الذي يناسب العيون الجارية دون غيرها من معاني العين.
стр. 286
فصار هذا القيد يخرج المشترك باعتبار معنييه أو معانيه، ويدخله إذا كان عمومه باعتبار معنى واحد من معانيه.
والخاص: اسم فاعل من الخصوص ضد العموم.
وفي الاصطلاح: ما دل على معين محصور.
والعموم والخصوص وصفان نسبيان يطلقان على اللفظ أو الدليل بالنسبة، فقد يكون اللفظ عاما بالنسبة إلى ما تحته من الأفراد، وخاصا بالنسبة إلى ما فوقه.
مثاله في الألفاظ: الإنسان: عام بالنسبة للرجل والمرأة، خاص بالنسبة للحيوان.
ومثاله من أدلة الشرع: قوله ﷺ : «من قتل قتيلا فله سلبه» (متفق عليه) فالسلَب خاص بالنسبة للغنيمة، وهو عام في لباس المحارب، فيشمل قليله وكثيره.
الفرق بين العام والمطلق:
العام والمطلق بينهما وجه شبه من حيث إن كلا منهما له عموم في الجملة. ولذا كان بعض المتقدمين لا يفرقون بينهما. وفي ذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية «لفظ المجمل والمطلق والعام كان في اصطلاح الأئمة كالشافعي وأحمد وأبي عبيد وإسحاق سواء» (١).
وإطلاق لفظ العام على المطلق وبالعكس قد جاء في كلام بعض الأصوليين على الرغم من تفريقهم بين المصطلحين، فالقاضي أبو يعلى الحنبلي ذكر
стр. 287
احتجاج الحنفية على عدم التفريق بين الماء وغيره من المائعات بقوله تعالى: وثيابك فطهر، ثم قال في الجواب «إن الآية عامة» (١)، ومعلوم أن الأمر بالتطهير ليس عاماً فيما يطهر به بل هو مطلق.
وكذلك فعل الغزالي في مواضع من المستصفى (٢).
والمتخصص في أصول الفقه لا ينبغي له أن يخلط بين المصطلحات، ولذا فإن بين العام والمطلق فروقاً أجملها فيها يلي:
١ - من حيث التعريف فتعريف العام كما تقدم. والمطلق هو: «اللفظ الدال على الحقيقة من حيث هي من غير قيد» أو يقال هو: «اللفظ الدال على مدلول شائع في جنسه» (٣)، مثل لفظ رقبة في قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [النساء٩٢].
٢ - من حيث الحكم، فإن المطلق إذا ورد الأمر به لا يتناول جميع الأفراد التي تصلح للدخول تحت اللفظ، بل تحصل براءة الذمة بواحد منها.
أما العام فيشمل جميع الأفراد التي تصلح للدخول تحته، ولا تبرأ الذمة إلا بفعل الجميع.
ولهذا فقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ مطلق؛ لأن المأمور بالعتق لم يطلب منه تحرير كل رقبة، بل رقبة واحدة يختارها من بين الرقاب. ولو جاء اللفظ عاماً لوجب تحرير جميع الرقاب.
стр. 288
أقسام العام:
يُقسم العام عدة تقسيمات باعتبارات مختلفة:
التقسيم الأول باعتبار طريق معرفة عمومه:
ينقسم العام بهذا الاعتبار ثلاثة أقسام:
١ - العام لغة: وهو ما عرف عمومه بالوضع اللغوي. وهو المراد بالعام عند الإطلاق. ويشمل العموم الذي دلت عليه صيغ العام الآتي ذكرها ومنها كل، وجميع، والجمع المحلى بأل.
٢ - العام عقلاً: وهو ما عرف عمومه بطريق العقل كالعموم المستفاد بطريق التعليل مثل فهم العموم من قوله ﷺ : «لا يقضي القاضي وهو غضبان» فإن النص هنا خاص بمنع القاضي من القضاء حال الغضب. ويلحق به كل ما يشوش الذهن من جوع أو عطش أو حزن. وقوله ﷺ : «إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث». يفهم منه أنه إذا نقص عن القلتين فإنه يحمل الخبث أي ينجس بالنجاسة ولو لم يتغير لونه أو طعمه أو ريحه.
والناقص عن القلتين قد يكون في إناء صغير، أو في بركة صغيرة، والنجاسة الواقعة فيه قد تغير لونه أو طعمه أو ريحه أو لا تغيرها.
فيحمل مفهوم الحديث على العموم، ويحكم بنجاسة الماء الناقص عن القلتين سواء تغير أم لم يتغير.
وهذا العموم ليس من منطوق اللفظ بل من مفهومه الذي أدركه العقل.
стр. 289
٣ - العام عرفاً: وهو ما عرف عمومه بعرف الشرع أو بعرف أهل اللغة.
مثال الأول: عموم الخطاب الوارد بصيغة جمع الذكور للإناث، مثل قوله ﷺ : «المسلمون تتكافأ دماؤهم» (متفق عليه)، فلفظ (المسلمون) جمع مذكر سالم، ولكنه يشمل النساء عرفا؛ حيث عرف من عادة الشارع تغليب الذكور على الإناث عند الاجتماع.
ومثال الثاني: قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء٢٣] فهذا اللفظ يدل بالوضع على تحريم التأفف من الوالدين، ومن حيث العرف اللغوي هو عام في كل ما فيه أذى لهما.
стр. 290
العموم المعنوي
من العلماء من يقسم العموم من حيث طريق معرفة عمومه إلى لفظي ومعنوي.
فاللفظي هو المستفاد من الصيغ الآتي ذكرها، والمعنوي هو المستفاد من المعنى.
ومصطلح العموم المعنوي ليس شائعا في كتب الأصول، ولكنه ورد في مؤلفات بعض المحققين منهم، كابن تيمية والزركشي والشاطبي، وأما أنواع العموم المعنوي فلا يخلو منها كتاب من كتب الأصول وإن لم يسمها بهذا الاسم.
ويمكن أن نعرف العموم المعنوي بأنه: «العموم المستفاد من طريق المعنى مع خصوص اللفظ الدال عليه من حيث الوضع».
أنواع العموم المعنوي:
١ - العموم المستفاد بطريق الاستقراء:
ونعني به: القواعد الشرعية الثابتة باستقراء فروع الشريعة، مثاله: (الضرر لا يزال بمثله) (الضرورات تبيح المحظورات) (الضرورة تقدر بقدرها) (الميسور لا يسقط بالمعسور).
فهذه القواعد عرف عمومها بالاستقراء، مع أن النصوص الواردة في كل واحدة منها ليست عامة، لو أخذ كل نص منها على انفراد، ولكن لما استقرينا موارد الشرع وجدنا فروعا كثيرة تدل على صحة القاعدة وعمومها، فصيغت
стр. 291
بلفظ عام ليسهل فهم أحكام الفروع منها.
٢ ـ العموم المستفاد من اللفظ الموجه لواحد من الصحابة:
الخطاب الموجه لواحد من الصحابة إن اقترن به ما يدل على الخصوصية فهو خاص بمن وجه إليه بلا خلاف، كقوله لأبي بردة: «اذبحها ولا تجزي عن أحد بعدك» (متفق عليه)، وإن لم يقترن به ما يدل على الخصوصية، فتذكر كتب الأصول خلافا في عمومه.
مثاله: قوله ﷺ لعمر حين أردا أن يشتري الفرس الذي وهبه: «لا تفعل»، وقوله ﷺ في رجل وقصته دابته وهو محرم: «لا تقربوه طيبا ولا تخمروا رأسه».
والظاهر أنهم لا يختلفون في عموم حكم الخطاب لجميع المكلفين الذين حالهم كحال ذلك الصحابي ولا يختلفون عنه في صفة ذات تأثير في الحكم.
ولكن الخلاف بينهم في أن عمومه بطريق النقل العرفي أو بطريق القياس.
فالذين قالوا إنه عام، أرادوا أن عمومه عرف بطريق العرف الشرعي، فالأصل في التشريع العموم، ولا يخصص به فرد إلا بدليل قوي يدل على الخصوصية.
ويدل على ثبوت العرف الشرعي آيات كثيرة، منها: قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ [سبأ٢٨] ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء١٠٧] ﴿إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف١٥٨] ويؤيد ذلك الإجماع على الاستدلال بكثير من الأحاديث التي وجه الخطاب فيها لواحد من الصحابة بعد موت رسول الله ﷺ .
والذين أنكروا عموم الخطاب الموجه لواحد من الأمة، قالوا: إن اللفظ
стр. 292
من حيث الوضع خاص، فلا يصح دعوى العموم فيه، ولكنهم قالوا: يلحق به غيره من المكلفين ممن حاله كحاله بطريق القياس. ومع ذلك فإن القول بالعموم أولى؛ لأن القائل به لا يحتاج إلى البحث عن علة الحكم وتحققها في بقية المكلفين، بخلاف القول بالقياس، فإنه يحتاج إلى ذلك، وقال إمام الحرمين: «لا ينبغي أن يكون في هذه المسألة خلاف؛ إذ لا شك أن الخطاب خاص لغة بذلك الواحد، ولا خلاف أنه عام بحسب العرف الشرعي».
وقال بعضهم: إن الخلاف معنوي؛ لأن القائلين بالعموم يجعلون الأصل العموم إلا أن يقوم دليل على الخصوص، والقائلين بالخصوص يقولون الأصل تخصيص الخطاب بمن وجه إليه إلا أن يقوم دليل العموم.
وقد بنى بعضهم على هذا الخلاف اختلافهم في بعض الفروع الفقهية، ومنها: حكم المحرم إذا مات، قال أكثر العلماء: إن الخبر الوارد في كيفية تكفينه يحمل على العموم، وهو قوله ﷺ : «لا تخمروا رأسه ولا تقربوه طيبا، وكفنوه في ثوبيه؛ فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا» (أخرجاه في الصحيحين).
وقال بعض العلماء: إن الخبر خاص بذلك الصحابي دون غيره. وهو منقول عن الشافعي.
٣ - عموم الخطاب الموجه للرسول ﷺ للأمة:
الخطاب الموجه للرسول ﷺ إن قام دليل على خصوصيته به فهو خاص لا يشمل الأمة، كقوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب٥٠] وكالخطاب بالزواج بأكثر من أربع: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي
стр. 293
هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾ [الأحزاب٥٠] فإن الإجماع قائم على اختصاصه بالرسول ﷺ ؛ لما ثبت أنه أمر غيلان حين أسلم وتحته عشر نسوة، أن يمسك منهن أربعا ويفارق سائرهن.
وإن اقترنت به قرينة تدل على العموم فهو للعموم، كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق١] فصيغة الجمع في قوله: ﴿طَلَّقْتُمُ﴾ تدل على عموم الخطاب للأمة، وإن ابتدأ بخطاب النبي ﷺ .
واختلفوا في الخطاب الموجه للرسول ﷺ الذي لم يقم دليل على اختصاصه به، ولا عمومه، هل يشمل الأمة كلها؟.
مثاله: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ [الأحزاب١] وقوله: ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ﴾ [الأحزاب٤٨] ونحو ذلك.
فهذا الخطاب وأمثاله مما لم ترد معه قرينة تدل على الخصوصية ولا على التعميم، قال بعض العلماء: إنه خاص بالرسول ﷺ حتى يقوم دليل على العموم من قياس وغيره.
وقال آخرون: إنه عام حتى يقوم دليل على الخصوصية.
والذين قالوا إنه عام يحتجون بأن من عادة العرب توجيه الخطاب لكبير القوم والمراد جميعهم، والقرآن جاء بلغة العرب.
ويستدلون بالآيات الدالة علىوجوب الاقتداء بالرسول ﷺ واتباعه، كقوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف١٥٨] وكقوله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر٧] وما في معناهما من الأحاديث، وإن هذه
стр. 294
الأدلة أوجدت عرفا شرعيا يجب أن تحمل عليه خطابات الشارع.
والقائلون بالتخصيص بالرسول ﷺ يقولون: إن اللفظ خاص من حيث الوضع اللغوي، فيبقى على خصوصه حتى تقوم دلالة على صرفه عن خصوصه من قياس أو غير ذلك.
وبهذا يتبين أن أثر الخلاف يظهر حين يفعل الرسول ﷺ فعلا على خلاف ما نهى عنه الصحابة، هل يكون فعله مخصصا للعموم أو ناسخا له؟ وذلك كما ثبت عنه من النهي عن استقبال القبلة واستدبارها في البنيان عند قضاء الحاجة، مع ما ثبت أنه استقبل القبلة.
فعلى القول بأن الأصل في الخطاب الموجه للرسول ﷺ دخول الأمة، لا تردد في أن فعله يخصص العموم؛ لأنه لا يفعل إلا ما يجوز له فعله، وينسخ العموم إن جاء بعد العمل.
وعلى القول الآخر لا يعد فعله تخصيصا ولا نسخا حتى نعلم أنه فعل امتثالا لخطاب عام.
ومن الأصوليين من لم يتنبه إلى اللازم من الخلاف، فظن أن الخلاف لفظي، أو مال إلى ترجيح القول بالخصوصية دون أن يلتزم بما يلزم منه مما ذكرته آنفا.
٤ - عموم المفهوم:
وهو قسمان:
أـ مفهوم الموافقة: مثاله: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء١٠] فالآية من حيث اللفظ حذرت من أكل مال اليتيم، ومن حيث المفهوم هي عامة في كل تصرف يفوِّت على اليتيم ماله، سواء أكان أكلا أم لبسا أم صدقة.
стр. 295
ب ـ مفهوم المخالفة: مثاله: قوله ﷺ : «إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث».
فمنطوقه خاص بما بلغ القلتين، ولا تعرض فيه لما نقص عن القلتين بالذكر، ولكن مفهومه يدل على أن كل ماء نقص عن القلتين يحمل الخبث، أي: يتنجس بملاقاة النجاسات وإن لم يتغير لونه أو طعمه أو ريحه، سواء أكان هذا الماء راكدا أم جاريا، وسواء أكان في إناء أم في بئر ونحوها.
وما ذكر من خلاف في عموم مفهوم المخالفة فهو خلاف لفظي عند القائلين بحجية المفهوم، نص على ذلك الآمدي وغيره.
٥ - عموم العلة المنصوصة أو المومأ إليها:
إذا نص الشارع على تعليل حكم بعلة متعدية توجد في المنصوص عليه وفي غيره، فإن هذه العلة تفيد عموم الحكم المعلق عليها لجميع الصور المشابهة للمنصوص عليها إذا وجدت فيها العلة. وكذلك إذا أومأ الشارع إلى العلة كأن يكون الوصف الذي رتب عليه الحكم لو لم يكن علة للحكم لكان ذكره عديم الفائدة.
مثال العلة المنصوصة: قوله ﷺ : «إنما جعل الاستئذان من أجل البصر» فالرسول ﷺ علل الاستئذان على الناس في بيوتهم من أجل تحريم النظر إلى عورات الناس وما لا يودون الاطلاع عليه داخل بيوتهم.
فهذه العلة عامة في تحريم الاطلاع على عورات الناس، وما لا يحبون أن يطلع عليه الغرباء سواء أكان داخل البيت أم في أي حرز آخر، فلا يجوز لمن أذن له بالدخول في المجلس أن ينظر إلى ما في داخل غرف النوم، ولا يجوز له أن يطلع على ما خبأه صاحب البيت في صندوق أو محفظة ونحو ذلك بغير إذنه.
ومثال العلة المومأ إليها: قول الرسول ﷺ حين سئل عن بيع الرطب بالتمر:
стр. 296
«أينقص الرطب إذا جف؟» قالوا: نعم، قال: «فلا إذن». فالحديث أومأ إلى أن علة التحريم نقص الرطب عن التمر في الكيل، فأخذوا من ذلك تحريم بيع كل مطعوم بجنسه، مع التفاوت في الكيل، مع أن الحديث في الرطب، لكنه يمكن أن ينطبق على بيع الزبيب بالعنب، ونحو ذلك من الحبوب والثمار التي تؤكل رطبة وجافة، وكذلك قوله ﷺ : «لا يقضي القاضي وهو غضبان» يشمل كل ما يمنع التروي في الحكم من جوع أو غضب أو غيرهما، كما سبق بيانه.
التقسيم الثاني: باعتبار استعماله في عمومه أو عدمه:
وينقسم إلى:
١ - عام أريد به العموم قطعاً ولا يدخله التخصيص، كقوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود٦]، وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النساء١٧٦].
٢ - عام يراد به العموم ويدخله التخصيص، وهو المسمى بالعام المطلق أي الذي لم يقترن به ما يدل على تخصيصه ولا ما يدل على أنه غير قابل للتخصيص.
٣ - عام أريد به الخصوص، وهو الذي لفظه عام من حيث الوضع ولكن اقترن به دليل يدل على أنه مراد به بعض مدلوله اللغوي مثل قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آل عمران١٧٣]، فلفظ الناس عام ولكنه لم يرد به عموم الناس بدليل قوله: ﴿قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ فدل على وجود أناس جمعوا، وأناس مجموع لهم، وأناس نقلوا الخبر للمجموع
стр. 297
لهم. فلفظ الناس تكرر مرتين والمراد في الأولى نعيم بن مسعود أو ركب عبد القيس، والمراد في الثانية أبو سفيان ومن معه من الأحزاب.
الفرق بين العام المخصوص والعام الذي أريد به الخصوص:
اهتم بعض الأصوليين بهذه المسألة وألف فيها رسالة مستقلة (١)، وأهم الفروق التي ذكروها ما يلي:
١ - العام المخصوص حقيقة في الباقي عند كثير من العلماء، والعام الذي أريد به الخصوص مجاز.
٢ - العام المخصوص ما كان مخصصه لفظيا، والمراد به الخصوص ما كان مخصصه عقلياً.
٣ - العام المخصوص ما كان مخصصه منفصلاً، والعام المراد به الخصوص ما كان مخصصه متصلاً.
٤ - العام المخصوص ما كان الباقي تحته بعد التخصيص أكثر، والمراد به الخصوص ماكان المخرج منه أكثر.
وهذا التفريق وان اهتم به بعض الأصوليين فإنه لا يترتب عليه عمل لأنهم كالمتفقين على أن العام المخصوص لم يرد به جميع أفراده منذ أن تكلم الله به كالعام المراد به الخصوص.
стр. 298
صيغ العموم المشتهرة
الألفاظ الموضوعة للعموم كثيرة جدا فقد أوصلها القرافي في العقد " المنظوم " إلى مائتين وخمسين صيغة ولكننا سنكتفي في هذا المختصر بذكر الصيغ المشتهرة منها مع التمثيل لكل صيغة بآية أو حديث نبوي ما أمكن.
وقد اختلفت أساليب العلماء في تقسيم صيغ العموم؛ فمنهم من قسمها إلى قسمين ثم ذكر تحت كل قسم ما يتفرع عنه، ومنهم من قسمها إلى خمسة أقسام، ومنهم سردها سرداً من غير تقسيم.
وقد رأيت أن اقسم صيغ العموم المشتهرة إلى مجموعات متجانسة كما يلي:
١ - كل وجميع:
وما يلحق بهما من الألفاظ المستعملة في تأكيد الشمول كأجمعين، وأكتعين ... وعامة، وقاطبة.
فصيغة كل تكثر إضافتها:
ـ ... فإن أضيفت إلى نكرة مفردة فهي لشمول جزئياتها كقوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران١٨٥].
ـ ... وإن أضيفت إلى معرفة فالغالب أن يكون جمعاً أو مافي معناه، وتكون لاستغراق جزئياته أيضاً كقوله ﷺ : «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته» (متفق عليه).
ـ ... وإن أضيفت إلى مفرد معرفة كانت لاستغراق أجزائه كقولك كل الطريق آمنة.
стр. 299
ـ ... وقد يحذف المضاف إليه فتنوَّن كما في قوله تعالى: ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ [النور٤١].
ولفظ كل يفيد العموم ابتداء وتبعاً، فمثال الأول ما سبق، ومثال الثاني قوله تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ [الحجر٣٠].
وأما لفظ جميع فلا يضاف إلا إلى معرفة، كقولك: «جميع علماء البلد حاضرون» ويكثر فيها حذف المضاف إليه فتُنَوَّن كقوله تعالى: ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ [يس٥٣].
وإذا جاءت مؤكدة فانها تنصب على الحال غالباً، وذلك كقوله تعالى: ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعًا﴾ [هود٥٥].
وأما أجمع وأجمعون وأكتعون وأبصعون وما جرى مجراها، فلا تأتي إلا تابعة مؤكدة لما قبلها ولا تضاف لما بعدها.
ويشترط لعموم (كل) و (جميع) عدم تقدم النفي عليهما.
٢ - الجمع المحلى بأل والمضاف:
أما الجمع المحلى بـ (أل) فقد قال بعمومه أكثر العلماء. ويشترط أن تكون أل المقترنة به للجنس لا للعهد، فإن كانت للعهد فلا يكون مدخولها مستغرقاً لما يصلح له في اللغة ولكنه يشمل المعهودين قلوا أو كثروا.
ولا فرق في إفادة العموم بين الجمع المذكر والمؤنث، وجمع السلامة وجمع التكسير، وجمع القلة وجمع الكثرة، على الصحيح، بل الجميع يفيد العموم.
وقد خالف بعض العلماء في جمع القلة وأنكر وضعه للعموم.
стр. 300
مثال الجمع المحلى بأل الجنسية قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ ... ﴾ [الأحزاب٣٥].
ويلحق بالجمع اسم الجمع المحلى بأل الجنسية، ومنه قوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس١].
أما الجمع المضاف إلى معرفة، فهو أيضاً يفيد العموم ومثاله قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء١١]، فلفظ أولاد جمع مضاف إلى معرفة وهو ضمير المخاطبين.
ومثال اسم الجمع المضاف قوله تعالى: ﴿قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ﴾ [هود٤٠]، فلفظ أهل اسم جمع مضاف إلى معرفة فاقتضى العموم.
وقد اختلفوا في الجمع المحلى بأل هل يعم الأفراد أو الجموع؟، والصحيح: الأول؛ لئلا يتعذر الاستدلال به على المفرد، لأنه لو كان عاما في الجموع لما أمكن الاستدلال به على المفرد.
٣ - اسم الجنس المحلى بأل والمضاف إلى معرفة:
أما المحلى بأل الجنسية فقد قال بعمومه كثير من العلماء وخالف فيه بعضهم، وهو قد يكون مفرداً كالرجل والمرأة، وقد يكون مما يستوي فيه القليل والكثير وهو المسمى باسم الجنس الإفرادي، كالذهب والفضة والتراب، وقد يكون مما لا واحد له من لفظه كالرهط والناس ويسمى اسم الجنس الجمعي.
وقد فصل الغزالي في الاسم المحلى بأل الجنسية تفصيلاً حسناً فقسمه إلى ما يتميز واحده عن الجمع بالتاء كالتمر والتمرة، وما لا يتميز واحده بالتاء كالرجل.
стр. 301
فالأول إن خلا عن التاء فهو عام كقوله ﷺ : «والتمر بالتمر ربا إلا هاء وهاء» (رواه البخاري)، فهو عام في القليل والكثير وأما ما اقترن منه بالتاء فليس بعام.
وأما الثاني ـ وهو ما لا يتميز واحده بالتاء ـ فإما أن يتشخص له واحد أولا، فإن لم يتشخص له واحد كالذهب والفضة فيعم كقوله ﷺ : «الذهب بالذهب ربا إلا هاء وهاء». وأما ما تشخص واحده كالرجل فقد يعم، كقوله ﷺ : «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه» (متفق عليه). وقد يفارق العموم كقولنا: الرجل خير من المرأة. فإن المراد الحقيقة بقطع النظر عن الأفراد (١).
وأما اسم الجنس المضاف إلى معرفة فقد أهمله بعض العلماء كالغزالي وغيره، واطلق بعضهم القول بعمومه، وللقرافي تفصيل حسن فيه، وهو أن اسم الجنس المضاف إن كان مما يصدق على القليل والكثير كالذهب والفضة والأرض فيعم كقوله تعالى: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ ... ﴾ [الأحزاب٢٧].
وإن كان مما لا يصدق على القليل والكثير ففيه نظر؛ فإنه يأتي عاما وغير عام (٢)، مثال العام قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة١٨٧]، وقوله ﷺ : «منعت العراق درهمها وقفيزها» الحديث (أخرجه مسلم عن أبي هريرة مرفوعا).
٤ - أسماء الشرط:
وأسماء الشرط يختلف بعضها عن بعض في الأفراد التي يعمها كل منها فـ
стр. 302
(من) تعم العقلاء كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة٧] و (ما) تعم غير العقلاء، ومثالها قوله تعالى: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ [البقرة١٩٧]، وقيل بل تصلح للعقلاء وغيرهم.
و (إذا) و (متى) تفيدان العموم في الزمان مثال الأولى قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال٢٤]، ومثال الثانية قولك: متى تحضر أحضرْ معك.
و (حيث) و (أين) و (أنى) وهي تفيد عموم المكان، وكثيرا ما تزاد بعدها (ما)، ومثال (حيث) قوله تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة١٥٠]، ومثال (أين) قوله تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ﴾ [النساء٧٨]، ومثال أني قولك: أنى تذهب أذهب معك.
و (أي) وهي بحسب ما تضاف إليه، فقد يكون عمومها في الأشخاص، وقد يكون في الأزمان، وقد يكون في الأمكنة، ونحو ذلك. ومثالها قوله تعالى: ﴿أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء١١٠].
٥ - الأسماء الموصولة:
وقد أطلق ابن الحاجب وغيره القول بعموم الأسماء الموصولة لكن التحقيق أن العام بعضها لا كلها. والعام من الأسماء الموصولة:
أ- (من) الموصولة، وهي للعقلاء، كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة١٨٤]، وقد تأتي لغير العقلاء كقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ﴾ [النور٤٥]، وقد تقع (مَن) للخصوص كقوله
стр. 303
تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا﴾ [محمد١٦].
ب - (ما) الموصولة، وهي لغير العاقل غالباً، كقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة٢٩] وقد تعم العاقل وغيره كقوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ [الفرقان٣٦٥].
ج - (الذي) و (التي) وفروعهما وهذه الموصولات لا تكون عامة إلا إذا كانت جنسية لا عهدية، فإن كانت للعهد لا تعم.
ومثال العام منها قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ [الزمر٣٣].
فقد روي عن ابن عباس ﵁ أنها عامة في كل من دعا إلى توحيد الله تعالى، ويدل على عمومها قوله بعد ذلك: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ وقراءة ابن مسعود: «والذين جاؤوا بالصدق وصدقوا به».
ومثال التثنية قوله تعالى: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾ [النساء١٦].
ومثال الجمع قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت٣٠].
ومثال المفرد والمؤنث قول الرجل لزوجاته: التي تدخل الدار فهي طالق. ومثال المثنى قول الرجل لإمائه: اللتان تختصمان فسأبيعهما.
ومثال الجمع المؤنث قوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ [النساء١٥].
стр. 304
ومثال ما جاء لغير العموم قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر٢٨]. وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة٢٩].
وكذا كل ما ورد في صفات الباري جل وعلا فهو ليس للعموم، ونظراً لكثرة وقوعها للعهد لم يعدها بعضهم من صيغ العموم
د- (أي) الموصولة: وقد أنكر عمومها جماعة من الأصوليين، ومثال ما جاء عاماً منها قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾ [مريم٦٩].
٦ - أسماء الاستفهام:
لقد أطلق بعض العلماء القول بعموم أسماء الاستفهام، ولم يعدها إمام الحرمين والغزالي من صيغ العموم.
وحجة من منع عمومها أنها بمعنى أحد الشيئين أو الأشياء، وهي بهذا تشبه المطلق في أن كلا منهما عمومه بدلي لا شمولي.
وقد أجاب العلائي عن هذه الحجة بأن أسماء الاستفهام وإن كان فيها تردد بين شيئين أو أشياء، لكنها تفارق المطلق في أنها تدل على الأفراد بعينها، والمطلق إنما يدل على الماهية الذهنية من حيث هي، ولا دلالة له على الأفراد.
والمشهور من أسماء الاستفهام التي تعمُّ ما يلي:
أـ ... (من): ويستفهم بها عن العقلاء، ومثالها قوله تعالى: ﴿فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا﴾ [الإسراء٥١].
ب ـ (ما): ويستفهم بها عن غير العقلاء غالباً، كقوله تعالى: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ
стр. 305
الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ [الأنبياء٥٢].
ج ـ (أين)، و (أنى): ويستفهم بها عن المكان، ومثال الأولى قوله تعالى: ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ [التكوير٢٦]، ومثال الثانية قوله تعالى: ﴿قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا﴾ [آل عمران٣٧].
د ـ ... (متى)، و (أيان): ويستفهم بهما عن الزمان، ومثال الأولى قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ [الإسراء٥١]، ومثال الثانية قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ [الأعراف١٨٧].
هـ ـ ... (أي) الاستفهامية: ومثالها قوله تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام١٩].
وـ ... (كم) الاستفهامية: ومثالها قوله تعالى: ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [الكهف١٩].
٧ - النكرة في سياق النفي وما في معناه:
اتفق أرباب العموم على أن النكرة في سياق النفي من صيغ العموم في الجملة، وإنما وقع الخلاف بينهم في بعض صورها وفي طريقة عمومها.
ولقد عدها كثير من الأصوليين من أقوى صيغ العموم كما سيأتي بيان ذلك.
ويشترط لإفادة النكرة العموم أن لا يكون النفي لسلب الحكم عن المجموع، كقولنا: ما كل عدد زوجاً. فإن هذا لا يفيد عموم السلب بل يفيد سلب العموم.
стр. 306
ومثال النكرة المنفية قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة٢٥٥].
وقد تصحبها (مِن) فتقوي دلالتها، حتى إن بعضهم قال إنها نص في العموم إذا صحبتها (مِن) ومثالها قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [ص ٦٥].
والمراد بـ (ما في معنى النفي): النهي، والشرط، والاستفهام الإنكاري، مثال المسبوقة بنهي قوله تعالى: ﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن١٨] ومثال المسبوقة بشرط قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة٦]. ومثال المسبوقة باستفهام إنكاري قوله تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم٦٥].
وقد اختلفوا في الفعل إذا وقع في سياق النفي أو النهي أو الاستفهام الإنكاري أو الشرط هل يعم؟
فقال المالكية والشافعية والحنابلة: إنه للعموم؛ لأنه ينحل إلى مصدر وزمان فإذا قال: والله لا أتكلم، فكأنه قال: لا يحدث مني كلام في المستقبل، فيكون عاماً. قالوا: ومنه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾ [الأعلى١٣] وقوله: ﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾ [فاطر٣٦].
وقال جمهور الحنفية: إنه لا يعم؛ لأن الفعل لا أفراد له، والتعميم باعتبار المصدر قياس في اللغة، وهو غير جائز.
وثمرة الخلاف تتضح في التخصيص بالنية، فالجمهور أجازوا في مثل قوله: والله لا أبيع ولا أشتري، أن يستثني بيع وشراء طعامه وشرابه فلا يحنث بذلك، بل يحنث بالمتاجرة لنيل الكسب.
стр. 307
والحنفية قالوا: لا يصح أن تكون النية هنا مخصصة؛ لأنه لا عموم للفعل فيحنث بكل ما يسمى بيعاً أو شراء لغة.
واختلفوا في مفعول الفعل المتعدي إذا حذف هل يكون عاماً؟ فقال الشافعية والمالكية والحنابلة وأبو يوسف من الحنفية إنه يكون عاماً في مفعولاته، وخالف أبو حنيفة ﵀ ووافقه الفخر الرازي وغيره.
وفائدة الخلاف أيضاً تظهر في التخصيص بالنية، فعند الجمهور لو قال: والله لا آكل، ونوى مأكولا معيناً صح، ولا يحنث بأكل غيره.
وعند أبي حنيفة لا يصح التخصيص بالنية؛ لعدم العموم، والتخصيص فرع العموم فيحنث بأكل أي شيء.
٨ - الظروف الدالة على الاستمرار:
وذلك مثل (أبدا) و (سرمدا) و (دائماً) و (أبد الآبدين) و (دهر الداهرين) ونحو ذلك، فإنها تفيد عموم الأزمنة.
ومن أمثلتهم قوله تعالى: ﴿جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [البينة٨]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ﴾ [القصص٧١].
وقوله ﷺ : «ولولا حواء لم تخن أنثى زوجها الدهر» (متفق عليه).
стр. 308
الخلاف في وضع صيغة للعموم:
ذهب جمهور العلماء إلى أن للعموم ألفاظاً وضعت للدلالة عليه، إذا وردت في الكتاب والسنة أو كلام العرب حملت عليه من غير حاجة إلى قرينة، وهي الصيغ التي سبق ذكرها.
وخالف في ذلك طائفتان:
الأولى: طائفة الواقفية، وفي مقدمتهم القاضي الباقلاني، ونقل عن أبي الحسن الأشعري، الذين زعموا أن تلك الصيغ مشتركة مجملة.
الثانية: أرباب الخصوص، وهم القائلون بحملها على أخص الخصوص.
ونظراً لأن هذين المذهبين ليس لهما أثر واضح في الفروع الفقهية، فلا أطيل بذكر أدلتهم، لكني سأكتفي بإيراد دليلين لكل منهما ثم أبين بطلان كل منهما، وأذكر أدلة الجمهور.
أولاً: الواقفية:
استدلوا بأدلة أهمها:
١ ـ أن هذه الصيغ التي يرى الجمهور وضعها للعموم وردت في نصوص الشرع للعموم تارة وللخصوص تارة، والأصل في الاستعمال الحقيقة، فتكون مشتركة بين المعنيين، والمشترك يجب التوقف فيه حتى ترد القرينة.
٢ ـ أن وضع هذه الصيغ للعموم إما أن يُعرف بنقل أو عقل، أما العقل فلا مدخل له في اللغات، وأما النقل فإما أن يكون تواتراً أو آحاداً، فالتواتر معدوم، وإلا لما خالفناكم، والآحاد لا يكفي في هذه المسألة؛ لكونها من مسائل الأصول التي لا يكفي فيها الظن.
والجواب عن الأول: أن استعمال تلك الصيغ في الخصوص لا يكون إلا
стр. 309
بقرينة تصرفه عن العموم. وما هذا حاله يكون الأصل حمله على العموم ما لم توجد قرينة، فيكون موضوعاً للعموم. وجميع ما يوردونه من العمومات المحمولة على الخصوص باتفاق نستطيع أن نوضح لهم فيه القرينة الصارفة.
وأما الدليل الثاني: فهو في الواقع ليس بدليل وإنما هو مطالبة بالدليل وسأبينه.
وقولهم: العقل لا مدخل له في اللغات .. الخ يجاب عنه بأن الدليل على وضع تلك الصيغ للعموم هو النقل الموافق للعقل.
وزعمهم أن النقل آحاد لا يبطله، فالآحاد حجة عند الصحابة والتابعين ومن بعدهم، مع أن الأدلة بمجموعها تصل إلى درجة التواتر المعنوي، وإن كان كل دليل بمفرده آحاداً.
ثانياً: أرباب الخصوص:
وهم طائفة من الواقفية ولكنهم لم يتوقفوا في مدلول تلك الصيغ مطلقاً وإنما حملوها على أخص الخصوص أي على أقل ما يطلق عليه اللفظ، وتوقفوا فيما زاد على ذلك وقد نسب هذا القول إلى محمد بن شجاع الثلجي (١) وابن المنتاب (٢) واختاره الآمدي (٣).
стр. 310
وقد استدلوا بما يلي:
١ - أن هذه الصيغ استعملت في العموم وفي الخصوص، واستعمالها في الخصوص أكثر، فتكون للخصوص ما لم تقم قرينة تدل على التعميم.
٢ - أن دلالة تلك الصيغ على أخص الخصوص متعينة، ودلالتها على ما زاد عن ذلك مشكوك فيها، فإذا عريت عن القرينة حملت على اليقين ووجب التوقف فيما زاد عن ذلك.
والجواب عن الأول: أن نمنع قولهم: إن استعمالها في الخصوص أكثر.
وما شاع على لسان المتفقهة ونسبوه لابن عباس من قوله «ما من عام إلا وقد خص» لا يصح رواية ولا دراية، وقد أنكره ابن تيمية أشد الإنكار، وأوضح أن عمومات القرآن أكثرها محفوظة باقية على أصلها (١).
وأما قولهم: إن أخص الخصوص متعين، فهو صحيح، ولكن قولهم إن الزائد مشكوك فيه باطل. بل نقول دلالتها على أخص الخصوص قطعية، وعلى ما زاد ظنية، والظن كاف في إثبات الحكم الشرعي.
أدلة الجمهور:
استدل الجمهور على وضع تلك الصيغ للعموم بأدلة نكتفي منها بما يلي:
١ ـ قوله تعالى: ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (٤٥) قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود٤٥ - ٤٦].
وجه الدلالة: أن الله حكى عن نوح ﵇ تمسكه بالعموم في
стр. 311
قوله تعالى: ﴿إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ﴾ [العنكبوت٣٣] فاستدل نوح بعموم لفظ (أهلك) وأقره الله على ذلك، وأجابه بما يدل على أن ابنه ليس من أهله. لأن المراد بالأهل في الآية الذين آمنوا به واتبعوه.
٢ ـ قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ (٣١) قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا﴾ [العنكبوت٣١ - ٣٢].
وجه الاستدلال: أن الله حكى عن إبراهيم ﵇ تمسكه بالعموم المستفاد من لفظ (أهل) المضاف إلى المعرفة، ولم ينكر عليه ذلك، بل بين أن لوطاً مخصوص من العموم.
٣ - قوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ﴾ [الأنعام٩١].
وجه الاستدلال: أن الله لقن رسوله ﷺ الجواب عن زعم اليهود ومن وافقهم أن الله ما أنزل على بشر من شيء، وكان الجواب بنقض دعواهم العامة، حيث قال: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ﴾ فلولا أن دعواهم عامة في النفي ما كان ذلك نقضاً لها، ولا جواباً مفحماً لهم. فثبت أن لفظ (بشر) تكون في سياق النفي عامة، فيعم كل بشر، ولفظ شيء نكرة في سياق النفي أيضاً فيعم كل شيء.
ولهذا نقض الله دعواهم بأن الله أنزل على موسى التوراة وموسى من البشر والتوراة شيء أي كتاب منزل.
٤ ـ قوله ﷺ في حديث أبي هريرة، لأبي بن كعب: «ما منعك أن تجيبني إذ
стр. 312
دعوتك؟ أليس الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾؟ [الأنفال٢٤]» فقال: أُبَي: يا رسول الله، لا تدْعُني إلا أجيبك وإن كنت مصليا. (رواه أحمد والترمذي) وروى البخاري نحوه عن أبي سعيد بن المعلى، وأن القصة وقعت معه أيضاً.
ووجه الدلالة: أن النبي ﷺ فهم من الآية العموم وأرشد أبياً إلى ذلك الفهم والعمل به.
٥ - قوله ﷺ في الحمر الأهلية: «ما أنزل علي فيها شيء إلا هذه الآية الجامعة الفاذة: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة٧ - ٨]». متفق عليه.
وجه الدلالة: أن النبي ﷺ فهم العموم من لفظ (من) وهو القدوة وإليه المرجع في فهم كلام الله جلا وعلا.
٦ ـ الإجماع من الصحابة والتابعين على وجوب حمل تلك الألفاظ على عمومها ما لم يصرفها عنه صارف. ومما يدل على ذلك وقائع كثيرة منها:
ـ ... لما اختلفوا فيمن يخلف رسول الله ﷺ استدل أبو بكر بحديث «الأئمة من قريش» على أن الإمامة لا تخرج عنهم فرضي الجميع بذلك.
ـ ... ولما اختلفوا في قتال مانعي الزكاة: استدل عمر بقوله ﷺ : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها». فرد أبو بكر استدلاله بأن الزكاة داخلة في الاستثناء الوارد في الحديث فإنها حق المال.
ـ ... وقول عثمان وعلي ﵄ في وطء الأختين بملك اليمين فقالا
стр. 313
أحلتهما آية وحرمتهما آية، فالآية التي دلت على الحل قوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون٦]، والآية الدالة على التحريم قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء٢٣].
стр. 314
قوة دلالة العام
اختلف العلماء الذين قالوا للعموم صيغة في دلالة العام على ثبوت الحكم لكل فرد من أفراده أهي قطعية أم ظنية؟ واستثني من محل النزاع أمران:
أ ـ ... دلالة العام الوارد على سبب خاص على صورة السبب؛ فقد ذهب أكثر العلماء إلى أنها دلالة قطعية، وأن صورة السبب لا يمكن تخصيصها من العموم.
ب ـ دلالة العام على أخص الخصوص أي على أقل ما يطلق عليه اللفظ فقد نص كثير من الأصوليين على أنها قطعية. ومرادهم أن العام لابد أن يدل على هذا القدر قطعاً، ولكن هذا القدر ليس معيناً بل شائعاً في أفراد العام.
الخلاف في قوة دلالة العام بين الحنفية والجمهور:
١ - الحنفية:
ذهبوا إلى أن العام قبل التخصيص قطعي الدلالة على كل فرد من أفراده.
دليلهم:
١ - أن الألفاظ تدل على معانيها في اللغة قطعاً، وألفاظ العموم موضوعة للعموم فتكون قطعية الدلالة على كل فرد من أفراده حتى يرد ما يصرفها عن ذلك.
٢ - لو جاز أن يرد العام ويراد به بعض أفراده من غير قرينة تدل على ذلك، للزم الإيهام والتلبيس، وارتفع الأمان عن اللغة والشرع، ولزم التكليف بما لا يطاق؛ لأن السامع لا يمكنه معرفة المراد منه، فإذا كلف مراعاة هذا
стр. 315
الاحتمال كان ذلك تكليفا بما لا يطاق؛ لأن إرادة المتكلم خفية لا تعلم إلا بدلالة منه. ونصوص الشريعة أكثرها ورد بصيغة العموم فلو جوزنا أن يكون المراد بها البعض من غير قرينة لرجعنا إلى مذهب الواقفية الذي أبطلناه.
٢ - الجمهور:
ذهب جمهور العلماء إلى أن دلالة العام على كل فرد من أفراده دلالة ظنية.
واستدلوا بما يلي:
١ - أن احتمال التخصيص قائم، ومع الاحتمال لا يمكن القطع.
٢ - أن أكثر آيات الأحكام العامة مخصوصة، وكثرة التخصيص تورث شبهة واحتمالا في دخول كل فرد تحت مسمى العام، فلا يمكن القطع بذلك.
٣ - لو كانت دلالة العام قطعية لا متنع تخصيص القرآن بالقياس وخبر الواحد، لكن التخصيص بهذين الدليلين واقع عند الصحابة والتابعين وأكثر الأئمة فعلم أن دلالته ظنية.
وأجابوا عن أدلة الحنفية بما يلي:
قولهم: إن هذه الصيغ موضوعة للعموم، واللفظ يدل على معناه الموضوع له قطعاً. يجاب بجوابين هما:
١ - لا نسلم أن دلالة اللفظ على ما وضع له قطعية، بل اللفظ ظاهر فيما وضع له، وليس نصاً إلا حين ينقطع الاحتمال.
٢ - أن يجاب بالفرق بين العام وغيره من الألفاظ الخاصة، فالعام ظني لما ذكرناه من احتمال التخصيص بخلاف غيره من الألفاظ، وهذا الجواب أقوى من الذي قبله.
стр. 316
قولهم: لو جاز أن يرد العام مراداً به الخصوص بلا قرينة لارتفع الأمان ... الخ. يجاب عنه بجوابين هما:
١ ـ المنع من الملازمة، فلا يلزم من قولنا المذكور التلبيس ولا ارتفاع الأمان ولا التكليف بالمحال.
أما عدم لزوم التلبيس وارتفاع الأمان عن اللغة، فلأن الكلام فيما إذا لم تظهر لنا قرينة صارفة ولم نقطع بانتفائها، والتلبيس إنما يلزم لو قطعنا بعدم القرينة الصارفة ومع ذلك لم يرد باللفظ عمومه.
وأما عدم لزوم التكليف بالمحال، فلأن المكلف لم يطلب منه معرفة مراد الشارع في واقع الأمر، وإنما المطلوب منه الامتثال لما يظهر أنه مراد الله ورسوله، وهذا ليس محالاً؛ إذ العام ظاهر في دخول كل فرد من أفراده، فيجب العمل به في عمومه إذا لم يظهر ما يصرفه عن ذلك.
٢ ـ أن اللفظ الخاص يحمل على حقيقته مع احتماله المجاز ما لم تقم قرينة على صرفه عن حقيقته إلى مجازه، وهذا باتفاق بيننا وبينكم، ولم تقولوا إنه يفضي إلى التلبيس وارتفاع الأمان، فكذلك العام يحمل على عمومه مع احتماله الخصوص، ولا يلزم من ذلك التلبيس وارتفاع الأمان عن اللغة.
والراجح في هذه المسألة مذهب الجمهور، وهو أن دلالة العام ظنية.
وقد ترتب على الخلاف في هذه المسألة خلاف في مسائل أصولية وفرعية منها:
تخصيص عموم القرآن والسنة المتواترة بالآحاد:
فقد ذهب الحنفية إلى أن العام في القرآن والسنة المتواترة إذا لم يسبق تخصيصه بقطعي لا يجوز تخصيصه ابتداء بخبر الآحاد، وذهب الجمهور إلى جواز ذلك.
стр. 317
ومن الفروع المبنية على هذا الأصل:
أـ ... أن الحنفية يوجبون الزكاة في الخارج من الأرض ولو لم يكن مما يكال ويدخر، فيوجبون الزكاة في الفواكه والخضروات.
ب ـ أنهم لا يشترطون النصاب في الخارج من الأرض، فيوجبون الزكاة في القليل والكثير، وذلك كله عملاً بعموم قوله تعالى: ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ [البقرة٢٦٧] وقوله ﷺ : «فيما سقت السماء والعيون العشر» (أخرجه البخاري).
والجمهور يخصصون عموم الآية بحديث: «ليس فيما دون خمسه أوسق صدقة» (متفق عليه) فإنه يدل على أن الزكاة إنما تجب فيما يكال ويدخر. وتدل على أن المكيل لا زكاة فيه حتى يبلغ خمسة أوسق.
العام بعد التخصيص:
وأما العام بعد التخصيص فهو حجة فيما بقي، ولكنه حجة ظنية، اتفق على ذلك رأي الأصوليين والفقهاء من المذاهب الأربعة.
وما نقل في كتب أصول الفقه من الخلاف في حجية العام بعد التخصيص لم ينقل عن أحد من الفقهاء الذين نقل إلينا فقههم، وإنما نقل عن بعض المتكلمين أو عن فقهاء لم يصل إلينا إلا النزر اليسير من آرائهم الفقهية، كأبي ثور وعيسى بن أبان، وفي صحة النقل عنهما نظر.
ولهذا فلا أرى جدوى من سرد الأقوال والاستدلال لكل قول، وسأكتفي بدليل القول الراجح وهو مذهب الجمهور.
وأهم ما يحتج به للجمهور: الإجماع من الصحابة والتابعين ومن بعدهم في
стр. 318
العصور الثلاثة المفضلة، فإنهم ما كانوا يتوقفون في العمل بالعام المخصوص في بقية أفراده، ومن ذلك احتجاج علي وعثمان ﵄ على تحريم الجمع بين الأختين بملك اليمين بقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء٢٣]، وعلى إباحته بقوله تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون٦]، فقالا: أحلتهما آية وحرمتهما آية، مع أن كلا من الآيتين مخصوصة بإجماع؛ إذ ليس كل جمع بين الأختين محرما، وإنما يحرم الجمع بينهما في الوطء والنكاح، وأما ملك الأختين الرقيقتين فلا يحرم.
وكذلك دل العقل والإجماع على تخصيص قوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾، فليس كل ما ملكت اليمين يجوز وطؤه.
أما كون العام بعد التخصيص ظنيا فهو مذهب جماهير العلماء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة.
فأما المذاهب الثلاثة الأخيرة فإن العام عندهم ظني الدلالة خصص أو لم يخصص، ولكن العام المحفوظ عندهم أقوى من العام المخصوص، وكثرة المخصصات تضعف دلالة العام، ولذا فإن العام المحفوظ يقدم عند التعارض على العام المخصوص، بل يقدم المختلف في تخصيصه على المتفق على تخصيصه.
وفي هذا المعنى يقول إمام الحرمين: «ويقدم أحد العمومين بكون التخصيص فيه على النزاع على ما خص بالاتفاق كقوله سبحانه: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾، خص منه تحريم الأختين بالرضاع اتفاقا، وهل في قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ تخصيص؟ على الخلاف، فكان هذا أولى لأنه أبعد عن
стр. 319
الاحتمال» (١).
ويقول محمد الأمين الشنقيطي: «وقد تقرر في الأصول أن الأقل تخصيصا مقدم على الأكثر تخصيصا، كما أن ما لم يدخله التخصيص أصلا مقدم على ما دخله ... وخالف فيه السبكي والصفي الهندي» (٢).
وأما الحنفية فقد سبق أنهم يعدون العام المحفوظ قطعي الدلالة، وأما العام المخصوص فهو ظني الدلالة؛ لما فيه من احتمال كون هذا الفرد أو ذاك داخلا في الدليل المخصص بقياس أو نحوه.
ولعل للخلاف في حجية العام المخصوص أثرا في قولهم إنه حجة ظنية، فإن الخلاف وإن كان ضعيفا قد يورث شبهة.
стр. 320
التخصيص
تعريفه:
التخصيص في اللغة: الإفراد والتمييز، يقال: خصه بكذا، أي: ميزه عن غيره.
وفي الاصطلاح: بيان أن المراد بالعام بعض أفراده.
وقيل: بيان ما لم يرد بلفظ العام.
وقيل: قصر العام على بعض مسمياته.
وقيل: إخراج بعض ما يتناوله الخطاب.
وأصحها الأول؛ فإنه يشمل التخصيص ببيان خروج بعض الأفراد، والتخصيص بقصر العام على بعض الأفراد، وكلاهما تخصيص.
كما أنه يدل على أن الأفراد الخارجة عن العام لم تكن مرادة للشارع عند إطلاق اللفظ العام.
وهذا هو أهم الفروق بين التخصيص ونسخ الحكم عن بعض أفراد العام، فإذا كان الجميع داخلين وبعد العمل بالعام في عمومه أخرج بعض الأفراد عد الحكم في حقهم منسوخا، ولو كان الإخراج قبل العمل بالعام عد تخصيصا، وبينهما فرق؛ فإن التخصيص بيان والنسخ إلغاء وإزالة.