قولهم: لو جاز أن يرد العام مراداً به الخصوص بلا قرينة لارتفع الأمان ... الخ. يجاب عنه بجوابين هما:
١ ـ المنع من الملازمة، فلا يلزم من قولنا المذكور التلبيس ولا ارتفاع الأمان ولا التكليف بالمحال.
أما عدم لزوم التلبيس وارتفاع الأمان عن اللغة، فلأن الكلام فيما إذا لم تظهر لنا قرينة صارفة ولم نقطع بانتفائها، والتلبيس إنما يلزم لو قطعنا بعدم القرينة الصارفة ومع ذلك لم يرد باللفظ عمومه.
وأما عدم لزوم التكليف بالمحال، فلأن المكلف لم يطلب منه معرفة مراد الشارع في واقع الأمر، وإنما المطلوب منه الامتثال لما يظهر أنه مراد الله ورسوله، وهذا ليس محالاً؛ إذ العام ظاهر في دخول كل فرد من أفراده، فيجب العمل به في عمومه إذا لم يظهر ما يصرفه عن ذلك.
٢ ـ أن اللفظ الخاص يحمل على حقيقته مع احتماله المجاز ما لم تقم قرينة على صرفه عن حقيقته إلى مجازه، وهذا باتفاق بيننا وبينكم، ولم تقولوا إنه يفضي إلى التلبيس وارتفاع الأمان، فكذلك العام يحمل على عمومه مع احتماله الخصوص، ولا يلزم من ذلك التلبيس وارتفاع الأمان عن اللغة.
والراجح في هذه المسألة مذهب الجمهور، وهو أن دلالة العام ظنية.
وقد ترتب على الخلاف في هذه المسألة خلاف في مسائل أصولية وفرعية منها:
تخصيص عموم القرآن والسنة المتواترة بالآحاد:
فقد ذهب الحنفية إلى أن العام في القرآن والسنة المتواترة إذا لم يسبق تخصيصه بقطعي لا يجوز تخصيصه ابتداء بخبر الآحاد، وذهب الجمهور إلى جواز ذلك.
стр. 317
ومن الفروع المبنية على هذا الأصل:
أـ ... أن الحنفية يوجبون الزكاة في الخارج من الأرض ولو لم يكن مما يكال ويدخر، فيوجبون الزكاة في الفواكه والخضروات.
ب ـ أنهم لا يشترطون النصاب في الخارج من الأرض، فيوجبون الزكاة في القليل والكثير، وذلك كله عملاً بعموم قوله تعالى: ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ [البقرة٢٦٧] وقوله ﷺ : «فيما سقت السماء والعيون العشر» (أخرجه البخاري).
والجمهور يخصصون عموم الآية بحديث: «ليس فيما دون خمسه أوسق صدقة» (متفق عليه) فإنه يدل على أن الزكاة إنما تجب فيما يكال ويدخر. وتدل على أن المكيل لا زكاة فيه حتى يبلغ خمسة أوسق.
العام بعد التخصيص:
وأما العام بعد التخصيص فهو حجة فيما بقي، ولكنه حجة ظنية، اتفق على ذلك رأي الأصوليين والفقهاء من المذاهب الأربعة.
وما نقل في كتب أصول الفقه من الخلاف في حجية العام بعد التخصيص لم ينقل عن أحد من الفقهاء الذين نقل إلينا فقههم، وإنما نقل عن بعض المتكلمين أو عن فقهاء لم يصل إلينا إلا النزر اليسير من آرائهم الفقهية، كأبي ثور وعيسى بن أبان، وفي صحة النقل عنهما نظر.
ولهذا فلا أرى جدوى من سرد الأقوال والاستدلال لكل قول، وسأكتفي بدليل القول الراجح وهو مذهب الجمهور.
وأهم ما يحتج به للجمهور: الإجماع من الصحابة والتابعين ومن بعدهم في
стр. 318
العصور الثلاثة المفضلة، فإنهم ما كانوا يتوقفون في العمل بالعام المخصوص في بقية أفراده، ومن ذلك احتجاج علي وعثمان ﵄ على تحريم الجمع بين الأختين بملك اليمين بقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء٢٣]، وعلى إباحته بقوله تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون٦]، فقالا: أحلتهما آية وحرمتهما آية، مع أن كلا من الآيتين مخصوصة بإجماع؛ إذ ليس كل جمع بين الأختين محرما، وإنما يحرم الجمع بينهما في الوطء والنكاح، وأما ملك الأختين الرقيقتين فلا يحرم.
وكذلك دل العقل والإجماع على تخصيص قوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾، فليس كل ما ملكت اليمين يجوز وطؤه.
أما كون العام بعد التخصيص ظنيا فهو مذهب جماهير العلماء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة.
فأما المذاهب الثلاثة الأخيرة فإن العام عندهم ظني الدلالة خصص أو لم يخصص، ولكن العام المحفوظ عندهم أقوى من العام المخصوص، وكثرة المخصصات تضعف دلالة العام، ولذا فإن العام المحفوظ يقدم عند التعارض على العام المخصوص، بل يقدم المختلف في تخصيصه على المتفق على تخصيصه.
وفي هذا المعنى يقول إمام الحرمين: «ويقدم أحد العمومين بكون التخصيص فيه على النزاع على ما خص بالاتفاق كقوله سبحانه: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾، خص منه تحريم الأختين بالرضاع اتفاقا، وهل في قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ تخصيص؟ على الخلاف، فكان هذا أولى لأنه أبعد عن
стр. 319
الاحتمال» (١).
ويقول محمد الأمين الشنقيطي: «وقد تقرر في الأصول أن الأقل تخصيصا مقدم على الأكثر تخصيصا، كما أن ما لم يدخله التخصيص أصلا مقدم على ما دخله ... وخالف فيه السبكي والصفي الهندي» (٢).
وأما الحنفية فقد سبق أنهم يعدون العام المحفوظ قطعي الدلالة، وأما العام المخصوص فهو ظني الدلالة؛ لما فيه من احتمال كون هذا الفرد أو ذاك داخلا في الدليل المخصص بقياس أو نحوه.
ولعل للخلاف في حجية العام المخصوص أثرا في قولهم إنه حجة ظنية، فإن الخلاف وإن كان ضعيفا قد يورث شبهة.
стр. 320
التخصيص
تعريفه:
التخصيص في اللغة: الإفراد والتمييز، يقال: خصه بكذا، أي: ميزه عن غيره.
وفي الاصطلاح: بيان أن المراد بالعام بعض أفراده.
وقيل: بيان ما لم يرد بلفظ العام.
وقيل: قصر العام على بعض مسمياته.
وقيل: إخراج بعض ما يتناوله الخطاب.
وأصحها الأول؛ فإنه يشمل التخصيص ببيان خروج بعض الأفراد، والتخصيص بقصر العام على بعض الأفراد، وكلاهما تخصيص.
كما أنه يدل على أن الأفراد الخارجة عن العام لم تكن مرادة للشارع عند إطلاق اللفظ العام.
وهذا هو أهم الفروق بين التخصيص ونسخ الحكم عن بعض أفراد العام، فإذا كان الجميع داخلين وبعد العمل بالعام في عمومه أخرج بعض الأفراد عد الحكم في حقهم منسوخا، ولو كان الإخراج قبل العمل بالعام عد تخصيصا، وبينهما فرق؛ فإن التخصيص بيان والنسخ إلغاء وإزالة.
стр. 321
أركان التخصيص:
١ـ المخصِّص.
٢ـ المخصَّص.
فالمخصِّص: هو الدليل الأخص الدال على خروج بعض أفراد العام عن حكمه، أو على أن العام لم يرد به جميع مسمياته.
وقد يطلق المخصِّص على المجتهد الذي رأى تخصيص دليل بدليل.
والمخصَّص أو المخصوص هو العام الذي قام الدليل على أنه لم يرد به جميع مسمياته، فيقال: لفظ الناس مخصص في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران٩٧].
وقد يطلق على المسميات المخرجة عن حكم العام، فيقال: الصبي مخصوص من عموم قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ ..
فتبين بهذا أنهم يطلقون لفظ المخصوص والمخصص على العام الذي دخله التخصيص، وعلى المخرج بالدليل الخاص.
الفرق بين النسخ والتخصيص:
يفرق بعض العلماء بينهما بفروق، أهمها ما يلي:
١ - أن التخصيص بيان عدم دخول بعض أفراد العام في حكمه، والنسخ رفع الحكم بعد ثبوته في بعض الأزمان.
٢ - التخصيص لا يكون إلا لبعض الأفراد، وأما النسخ فإنه قد يشمل جميع الأفراد فيرفع الحكم عن الجميع، وقد يرفع الحكم عن بعضهم دون بعض.
٣ - التخصيص يدخل الأخبار، والنسخ لا يدخلها؛ لأن الخبر لا يمكن تبديله
стр. 322
ورفعه.
٤ - التخصيص قد يكون مقارنا، والنسخ لا يكون إلا متأخرا.
٥ - تخصيص المقطوع بالمظنون جائز، بخلاف نسخ المقطوع بالمظنون.
شروط التخصيص:
اشترط أكثر الحنفية شرطين للتخصيص، هما:
١ - أن يكون المخصص مقارنا للعام المخصوص، فلو تقدم لكان منسوخا بالعام، ولو تأخر لكان ناسخا لما يقابله من أفراد العام.
والجمهور لا يشترطون ذلك، بل يقولون المخصص يمكن أن يتقدم أو يقارن أو يتأخر.
٢ - أن يكون مستقلا في إفادته، فلا يرون التخصيص بالمتصل، والجمهور يقسمون المخصصات إلى متصلة ومنفصلة.
стр. 323
المخصصات
مخصصات العموم عند الجمهور قسمان: متصلة، ومنفصلة.
ف المتصلة هي:
١ - الاستثناء:
وهو إخراج بعض الجملة عنها بصيغ خاصة.
وأهم صيغه: إلا، وسوى، وغير، وخلا، وعدا، وحاشا، ولكن.
ومثاله قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ﴾ [الفرقان٦٨ - ٧٠].
فلفظ: (من يفعل ذلك) عام؛ لأن (من) الشرط ية من صيغ العموم.
وقوله: (إلا من تاب) أخرج من عموم الآية التائبين.
٢ - الشرط:
ومثاله قوله ﷺ : «تجدون الناس معادن خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا» (أخرجه البخاري).
فقوله: «خيارهم في الجاهلية» عام؛ لأنه مفرد مضاف إلى معرفة يشمل كل من كان خيارا في الجاهلية.
وقوله: «إذا فقهوا» أخرج من لم يتفقه في الدين، فإنه لا يكون خيارا بعد الإسلام، وإن كان خيارا في الجاهلية.
стр. 324
٣ - الصفة:
ويقصد بها كل معنى يميز بعض المسميات، فيشمل ما يسميه النحويون نعتا أو حالا أو ظرفا أو جارا ومجرورا، أو غير ذلك.
مثال التخصيص بالصفة: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء٢٥]. فقوله: (من فتياتكم) عام؛ لأنه جمع مضاف إلى معرفة فيشمل كل الإماء. وقوله: (المؤمنات)، صفة خصصت من يجوز نكاحهن من الإماء بالمؤمنات.
٤ - الغاية:
وهي نهاية الشيء ومنقَطَعُه. ولها لفظان: حتى، إلى.
ومثال التخصيص بالغاية: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة٢٢٢].
فقوله: (لا تقربوهن) نهي، فيمكن أن يؤخذ منه العموم؛ لأن النهي يقتضي الدوام والاستمرار كما سبق، فيكون المعنى: لا يكن منكم قربان لهن، فتكون الصيغة هي النكرة في سياق النهي.
وقوله: (حتى يطهرن)، تخصيص للعموم المستفاد من النهي، فيخرج من عمومه ما بعد الطهر.
وفي قوله: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾ [البقرة٢٢٢]، مثال للتخصيص بالشرط؛ فإن الآية تدل على أن الوطء لا يباح إلا بعد الغسل؛ إذ هو المراد بالتطهر. وهذا تخصيص للمخصص الأول وهو الغاية، فإن الغاية دلت على أنه بعد
стр. 325
الطهر يجوز الوطء، والشرط دل على أن الوطء لا يجوز إلا بعد الطهر والتطهر الذي هو الاغتسال، وقد خالف في هذا الأخير الحنفية، فأجازوا الوطء بعد الطهر وإن لم تغتسل.
٥ - البدل:
ومثال التخصيص به: قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران٩٧]، فقوله: (على الناس)، عام يشمل كل الناس، وقوله: من استطاع بدل وهو مخصص لعموم الناس فلا يجب الحج إلا على المستطيع.
وقد خالف الحنفية والشاطبي في عد الأنواع السابقة من المخصصات، وقالوا: إن الكلام لا يفهم معناه إلا بعد تمامه، والكلام لا يتم إلا بعد ذكر المستثنى والشرط والصفة والغاية والبدل؛ لأن هذه الأنواع لا تستقل بالإفادة، فلو قطعت عما قبلها لم تفد شيئا، فوجب أن لا ننظر إلى أول الكلام دون آخره، وإنما ننظر له دفعة واحدة.
وهذا الكلام حق، ولكن الجمهور نظروا إلى معنى اللفظ المفرد فإذا وجدوه عاما وضعا ثم جاء في الكلام بعده ما يدل على تخصيصه عدوه مخصوصا، فهو عام بالنظر إلى وضعه في اللغة للعموم، ولكن في الاستعمال مخصوص.
والحنفية لا يخالفون الجمهور في أن التقييد بالشرط والصفة وما ذكر معهما يجعل المنطوق مقتصرا على ما توافر فيه الشرط والصفة، فلا دلالة فيه على سوى ذلك.
ولكنهم يختلفون معهم في تسمية العام مخصوصا بهذه الأنواع.
ولذلك فإنهم يقولون: العام المقيد بشرط أو صفة ونحوهما باق على عمومه، وهو عندهم قطعي الدلالة، بخلاف المخصوص بالمخصصات المنفصلة.
стр. 326
كما يختلفون مع الجمهور في المفهوم المخالف المستفاد من الشرط والصفة والغاية ونحوها، هل يعمل به؟
فالحنفية لا يرون العمل بهذه المفاهيم كما سيأتي في باب المفهوم، ويقولون ما لم يتوافر فيه الشرط أو الصفة اللذين قيد بهما العام لا يدخل في العموم بمنطوق هذا اللفظ ولا يحكم له بضد حكم العام، ولكنه مسكوت عنه يطلب حكمه مما سواه.
فقوله تعالى: ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء٢٥] يقولون: إن الآية دلت على جواز نكاح الفتيات (الإماء) المؤمنات، وأما الكافرات فالآية سكتت عنهن، فيطلب حكم نكاحهن من أدلة أخرى.
стр. 327
القواعد المتعلقة بالمخصصات المتصلة
شروط الاستثناء:
يشترط في الاستثناء شروط منها ما هو محل وفاق ومنها ما هو محل خلاف، وفيما يلي بيانها:
الشرط الأول: الاتصال:
والمراد به اتصال الاستثناء بالمستثنى منه لفظا أو حكما.
والاتصال لفظا يكون بعدم الفصل بينهما، والاتصال حكما يكون بوجود فاصل يسير لا يدل على انقطاع الكلام واستيفائه، كالفصل بسبب انقطاع نفس أو بلع ريق أو سعال ونحوه.
وقد اشترط هذا جماهير العلماء، واستدلوا على ذلك بأن تأخر النطق بالاستثناء دليل على أنه لم يكن مرادا عند التكلم باللفظ السابق، والإرادة الطارئة لا تصلح مخصصة لما قصد عمومه.
وأيضا فإنه لو جاز الاستثناء المتأخر لما حصل الوثوق بعهد ولا عقد، ولا حنث حالف قط، لأنه سوف يستثني من كلامه السابق ما شاء متى شاء.
ومن أدلتهم النقلية قوله ﷺ : «من حلف على يمين ورآى غيرها خيرا منها فليكفر عن يمينه وليأت الذي هو خير» (رواه مسلم).
وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أرشد الحالف إذا رأى الخير في مخالفة ما حلف عليه أن يكفر عن يمينه ويأتي ما حلف عنه، ولو كان الاستثناء المتأخر صحيحا لأرشده إليه، ولم يرشده إلى التكفير؛ لأن الاستثناء أيسر على المكلفين،
стр. 328
والرسول ﷺ ناصح أمين لأمته.
واستدل بعضهم على اشتراط الاتصال بأن الله أرشد أيوب ﵇ إلى ضرب امرأته بعثكال النخلة بعد تجريده من التمر، فقال: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ [ص٤٤] ولو كان الاستثناء المتأخر جائزا لأرشده إليه، وروى الزركشي عن أبي إسحاق الشيرازي قصة تتعلق بهذا الاستدلال (١).
ونقل عن ابن عباس جواز الاستثناء المتأخر.
واختلف النقل عنه فقيل: يجيز تأخر الاستثناء شهرا أو شهرين، وقيل إلى سنة، وقيل مطلقا. وتأوله القاضي أبو بكر بما إذا نوى الاستثناء عند كلامه الأول، ولكنه لم ينطق به إلا متأخرا. وخصه بعضهم بكلام الله جل وعلا.
والنقل عن ابن عباس ثابت كما في المستدرك وغيره عن ابن عباس قال: إذا حلف الرجل على يمين فله أن يستثني إلى سنة. وإنما نزلت هذه الآية: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف٢٤]، قال: إذا ذكر استثنى. وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين.
وقد ذكر الزركشي في المعتبر في تخريج أحاديث المنهاج والمختصر إسناد
стр. 329
ذلك عن ابن عباس.
دليل هذا القول:
١ـ ما روي أن النبي ﷺ قال: «والله لأغزون قريشا، والله لأغزون قريشا، والله لأغزون قريشا، إن شاء الله» (أخرجه أبو داود وصححه ابن حبان، وقال ابن حجر: رجح الأئمة إرساله)، ففصل بين القَسَم الأول والاستثناء بقَسَمٍ ثان وثالث.
ويجاب عنه بأن القَسَمَين الثاني والثالث تأكيد للأول، فلا يعدان فصلا حقيقيا.
٢ـ أن رسول الله ﷺ استثنى من كلام قاله بعد شهر من التكلم به، لما نزل عليه قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف٢٤]، فقال رسول الله ﷺ : «إن شاء الله».
وهذا الأثر رواه ابن جرير في تفسيره من طريق محمد بن إسحاق عن شيخ من أهل مصر فهو ضعيف لا تقوم به حجة، وقد اجتهد الآمدي في تأويله.
وذهب بعض العلماء إلى جواز تأخير الاستثناء ما دام في المجلس، وهو منقول عن عطاء والحسن البصري.
ووجهه أن الكلام في المجلس الواحد يكون له حكم الاتصال، وإن تخلله سكوت أو كلام في أمر آخر، وذلك لأن الشارع جعل البيعين بالخيار ما لم يتفرقا، أي: ما داما في المجلس، فجعل عقد البيع قابلا للنقض والإبطال ما دام العاقدان في المجلس.
ويجاب بأن المجلس قد يطول، وبأن خيار المجلس ثبت بنص خاص على خلاف القياس فلا يقاس عليه. وبأن المسألة لغوية فلا يجري فيها القياس.
стр. 330
أثر الخلاف:
لم يذكر الفقهاء والأصوليون أثرا للمسألة في غير الأيمان وما في معناها، مما يدل على أن المنقول عن ابن عباس في اليمين، ولم يختلفوا أنه إذا كانت اليمين لدفع الدعوى لا يجوز فيها الاستثناء المتأخر، فلو حلف: ليس له عندي شيء، ثم قال بعد مدة إلا كذا لئلا يحنث، فإن يمينه فاجرة ولا يفيده هذا الاستثناء.
ويظهر أثر الخلاف فيما لو قال: نسائي طوالق، وسكت، ثم قال بعد زمنٍ: إلا فلانة.
الشرط الثاني: عدم الاستغراق:
وقد حكى الآمدي والزركشي وغيرهما الاتفاق على بطلان الاستثناء المستغرق.
والمراد بالاستثناء المستغرق: إخراج جميع أفراد المستثنى منه بإلا أو إحدى أخواتها، كأن يقول: نسائي طوالق إلا ثلاثا، وليس له إلا ثلاث زوجات.
والدليل على بطلانه: أنه ليس من كلام العرب ولا يعرفونه، وإنما هو نوع من العبث فلا يحمل عليه كلام العقلاء.
وأيضا فإنه إبطال للكلام السابق وقد يكون إقرارا بحق، فلا يقبل منه إبطاله بما ليس من كلام العقلاء.
وعلى ذلك لو استثنى الكل فالاستثناء باطل والإقرار الأول ثابت، فلو قال: نسائي طوالق إلا أربع، طلقن جميعا.
ولو قال: له عليّ ألف ريال إلا ألف ريال، بطل الاستثناء وصح الإقرار بالألف.
وقصر بعضهم الخلاف في هذه المسألة على الاستثناء من الأعداد، كالمثالين
стр. 331
السابقين.
وأما إذا كان الاستثناء من الصفة فيجوز وإن استغرق، ومثاله: إذا قال: أعط من في البيت إلا الأغنياء، فإذا تبين أن من في البيت كلهم أغنياء لا يبطل الاستثناء، وإذا قال: عبيدي أحرار إلا من لم يصل الفجر معنا، فتبين أن عبيده كلهم لم يصلوا الفجر معه، فلا يبطل الاستثناء ولا يعتقون، وهذا لا ينافي كلام العرب.
الشرط الثالث: أن يكون الباقي بعد الاستثناء أكثر من المخرج به:
وقد اختلف العلماء في هذا الشرط، فذهب بعض العلماء إلى اشتراطه، فأبطلوا الاستثناء إذا كان المستثنى مساويا للباقي أو أكثر منه، وحصر بعضهم الخلاف فيما إذا كان الاستثناء من العدد بالعدد، وأما الاستثناء من الوصف أو بالوصف فيجوز وإن أدى إلى زيادة المستثنى.
واحتجوا بأن أهل اللغة لا يجيزون ذلك، فقال الزجاج: لم يأت الاستثناء إلا في القليل من الكثير، وقال ابن جني: لو قال قائل: مائة إلا تسعة وتسعين ما كان متكلما بالعربية، وإذا كان أهل اللغة لا يعدونه من كلام العرب فلا يحمل عليه كلام المتكلم بهذه اللغة.
والراجح جوازه، والدليل على ذلك:
١ـ أنه قد جاء في القرآن استثناء الأكثر حينما يكون الاستثناء بالصفة لا بالعدد، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص٨٢ - ٨٣]، وقال: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر٤٢]. فاستثنى في الأولى المخلصين من الغاوين، وفي الثانية استثنى الغاوين ممن لم يتمكن إبليس من إغوائهم، فلا بد أن يكون
стр. 332
أحدهما أكثر فيثبت استثناء الأكثر.
٢ـ أن المتكلم لا يعاقب على تكلمه بغير الفصيح في معاشه وتصرفاته الخاصة، ولو أبطلنا استثناءه الأكثر لكان ذلك عقوبة له.
ثم إن المتكلمين باللغة العربية يجهلون هذه الأحكام ولا يعرفون أنها ليست فصيحة، فلا يلغى كلامهم لأجل جهلهم بالعربية.
وبناء على ذلك نقول: لو قال: له علي ألف إلا تسعمائة، يكون مقرا بمائة ولا يطالب بغيرها.
ولو قال: زوجاتي طوالق إلا اثنتين، وعنده ثلاث زوجات لا تطلق إلا واحدة.
الشرط الرابع: أن يكون المستثنى من جنس المستثنى منه:
وقد اختلف في صحة الاستثناء من غير الجنس، ومحل الخلاف أنه هل يسمى استثناء حقيقة؟ وهل يصح في الأقارير والتصرفات؟
ذهب بعض العلماء إلى منعه، وحملوا ما جاء منه في القرآن والسنة على أنه مجاز، وأن (إلا) حينئذ تكون بمعنى (لكن)، فقوله تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (٢٥) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا﴾ [الواقعة٢٥ - ٢٦]، وقوله تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء٢٩]، ونحوهما من الآيات تفسر (إلا) فيها على أنها بمعنى (لكن)، فتكون بمثابة استئناف كلام جديد ليس راجعا إلى ما قبله.
وفي الأقارير والتصرفات جعلوه باطلا لا يفيد شيئا.
وذهب بعضهم إلى جوازه، وقليل منهم قال: إنه حقيقة، والأكثر على أنه
стр. 333
مجاز، ولكنهم صححوه في الأقارير والتصرفات. ولهذا نقل عن الشافعي أنه لو قال: له علي مائة درهم إلا ثوبا جاز الاستثناء ويكون قد أقر بمائة إلا قيمة ثوب، فتقدر قيمة الثوب وتخرج عن الإقرار. ونقل عن الإمام أحمد جواز استثناء الدراهم من الدنانير، فيقول: له علي عشرة دنانير إلا خمسة دراهم، فيقبل الاستثناء.
وبذلك يتبين أن محل الخلاف الأصولي المثمر هو في قبول الاستثناء من غير الجنس في الأقارير والأيمان ونحوها من التصرفات.
وأما تسميته استثناء حقيقة أو مجازا فلا يتعلق به غرض الأصولي والفقيه.
فالذين منعوا قبوله حجتهم أنه مخالف للغة ولا يحمل عليه كلام العقلاء، وما وجد في القرآن من ذلك ليس استثناء وإنما هو استئناف كلام جديد جاء بلفظ (إلا) وهي صالحة للأمرين.
والذين أجازوه قالوا: لا نعاقب من خالف الفصيح في اللغة بإلغاء كلامه، وإنما نجعل العبرة بالمعنى المراد للمتكلم وإن كان كلامه ليس بفصيح.
الشرط الخامس: أن ينوي الاستثناء حين النطق بالمستثنى منه:
والمراد أن لا يكون قصد الاستثناء طارئا بعد النطق بالمستثنى منه، فإن جاء طارئا بعد التكلم بالمستثنى منه فلا يصح.
وهذا الشرط محل خلاف:
١ـ ذهب أكثر العلماء إلى اشتراطه، وحجتهم: أنه لو لم ينوه قبل النطق بالمستثنى منه لكان الاستثناء إلغاء لبعض مراد المتكلم، والاستثناء عند أهل اللغة ليس إلغاء، وإنما هو بيان أن الجملة ليست مرادة بكاملها منذ إنشاء الكلام.
стр. 334
٢ـ وذهب بعض العلماء إلى جواز الاستثناء وإن لم ينوه من أول الكلام، إذا اتصل بالكلام.
مثاله: إذا قال: نسائي طوالق، فقال له صديقه: إلا فلانة، فقال: إلا فلانة، فإنها لا تطلق بناء على هذا القول.
ودليله: أن النبي ﷺ حينما حرم مكة وقال: «لا يعضد شوكها ولا يختلى خلاها» قال العباس: إلا الإذخر، يا رسول الله، فإنه لقيننا وبيوتنا، فقال: «إلا الإذخر» (متفق عليه). ووجه الدلالة: أنه استثنى بعد سؤال العباس.
وأجيب بأن الرسول ﷺ كان سيبين لهم أن الإذخر مستثنى إما بصيغة الاستثناء أو بدليل مستقل، ولكن العباس خشي أن يحرم مع حاجتهم إليه فقال في أثناء الكلام: إلا الإذخر.
والراجح: الأول، والحديث الذي استدل به أصحاب القول الثاني محتمل فلا تقوم به دلالة على الدعوى.
والحالف والموقع للطلاق يديَّنان فيما بينهم وبين الله، فإن قال: كنت أنوي الاستثناء قُبل، وإن كان قد لُقِّن الاستثناء من بعض الحاضرين.
وإذا كان الاستثناء متصلا لا يسأل عن نيته؛ لأن الظاهر أنه نواه. والله أعلم.
стр. 335
الاستثناء المتعقب للجمل
إذا جاء الاستثناء بعد جمل عطف بعضها على بعض هل يعود للجميع؟
مثاله: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ [الفرقان٦٨ - ٧٠].
وهي من المسائل الكبيرة في الاستثناء، وهي محل خلاف.
تحرير محل النزاع:
١ ـ لا خلاف في أن الاستثناء المتعقب جملا إذا قامت قرينة تدل على أنه يعود إلى الجميع أو يعود إلى الأخيرة أو غيرها يعمل فيه بالقرينة، وإنما الخلاف فيما خلا عن قرينة تبين عود الاستثناء.
٢ ـ هل يقتصر الخلاف على ما كان العطف فيه بالواو؟ قال بعض العلماء ما يفيد ذلك، والصواب: أن الخلاف يشمل الجمل المتعاطفة بالواو وغيرها من حروف العطف التي تدل على التشريك، سواء أفادت مع ذلك الترتيب أو التعقيب أم لم تفده، فيدخل المعطوف بالواو والفاء وثم.
وأما حروف العطف الدالة على الإضراب أو الاستدراك مثل: (بل) و (لكن) فلا تدخل في الخلاف.
٣ ـ هل المراد بالجمل هنا: الجمل النحوية التامة المكونة من اسمين أو اسم وفعل؟
الظاهر من صنيعهم أنهم لا يريدون ذلك فحسب، بل كل ما فيه عطف ما
стр. 336
يمكن دخول الاستثناء فيه على مثله، ولهذا نجدهم يمثلون أحيانا بقولهم: أكرم بني تميم وبني زيد وبني عمرو إلا الجهال. وهذا من عطف المفردات لا من عطف الجمل.
وبذلك يتضح أن محل الخلاف يشمل الاستثناء الوارد بعد جمل أو بعد مفردات يمكن الاستثناء منها، ولا فرق بين أن يكون العطف بالواو أو غيرها مما يفيد التشريك في الحكم، بخلاف ما لا يفيد ذلك. كما أن الخلاف مقتصر على ما لم تقم قرينة تبين عود الاستثناء فيه.
ومثال ما قامت عليه قرينة قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ [النساء٩٢]. فالاستثناء عائد إلى الجملة الأخيرة، أي: إلى الدية، فهي التي تسقط بعفو الأهل، وذلك لأن الكفارة حق لله فلا تسقط بعفو الآدميين.
وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾ [البقرة٢٤٩]. فالاستثناء راجع إلى الجملة الأولى بدلالة السياق؛ لأن الذي اغترف غرفة ليس بعض من لم يطعم بل هو بعض من شرب.
الأقوال:
القول الأول: أن الاستثناء يعود إلى الكل، وهو مذهب الجمهور، ومنهم الأئمة الثلاثة (١).
دليله:
١ - أن الشرط كالاستثناء في تعلقه بما قبله، ولهذا سمي التعليق بشرط
стр. 337
مشيئة الله استثناء، والشرط إذا تعقب جملا متعاطفة عاد إلى الكل باتفاق، فيكون الاستثناء كذلك.
٢ - أن تكرار الاستثناء عقب كل جملة عِيٌّ ولكنة باتفاق أهل اللغة، فلم يبق طريق لإعادة الاستثناء إلى الكل إلا على القول بأنه يعود إليها من غير حاجة إلى تكراره.
٣ - أن العطف يوجب نوعاً من الاتحاد بين المعطوف والمعطوف عليه فتصير الجملتان كالجملة الواحدة، ولهذا لا يكرر العامل بل يكتفى بالعطف عنه، فيلزم اتحاد المعطوفات في الحكم اللاحق للأخيرة منها.
القول الثاني: أنه يرجع إلى الجملة الأخيرة وحدها، وهو المشهور عن الحنفية، واستدلوا بما يلي:
١ - أن العموم يثبت في كل صورة بيقين، وعود الاستثناء إلى جميعها مشكوك فيه، والمتيقن لا يرفع بالشك.
٢ - أن الاستثناء وجب رده إلى ما قبله ضرورة عدم استقلاله، والضرورة تقدر بقدرها، وهي تندفع بإعادته إلى الجملة الأخيرة فليقتصر على ذلك.
٣ - أن الجملة الأولى مفصول بينها وبين الاستثناء بالجملة التي بعدها، ولا يصح الفصل بين المستثنى والاستثناء.
القول الثالث: التوقف حتى تدل قرينة على عود الاستثناء، وهو اختيار الغزالي.
والصواب: الأول.
ويجاب عن أدلة الحنفية بما يلي:
قولهم: العموم متيقن، ممنوع، بل هو عندنا مظنون، وعود الاستثناء إلى
стр. 338
الكل مظنون وليس مستوي الطرفين.
ثم إن ذلك يرد على الشرط، وهم لا يقولون فيه كذلك.
وقولهم: رد الاستثناء إلى ما قبله ضرورة، ممنوع، لأنه تعلق بما قبله لصلاحيته لذلك.
وقولهم: يلزم الفصل بين الاستثناء والمستثنى منه، يجاب بأن الفصل ليس بكلام أجنبي، وبأن المعطوف حكمه حكم المعطوف عليه.
انبنى على الخلاف في المسألة خلاف في فروع فقهية، منها:
١ ـ القاذف المجلود إذا تاب هل تقبل شهادته؟:
ذهب الحنفية إلى رد شهادته، والجمهور إلى قبولها، وبني ذلك على الخلاف في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [النور٤ - ٥]، هل يعود الاستثناء إلى وصفهم بالفسق ورد شهادتهم؟
قال الجمهور: نعم؛ لأن الاستثناء المتعقب للجمل يعود للجميع، ولم يقولوا: إنه يعود أيضا إلى الأمر بالجلد؛ لأن الجلد حق لآدمي فلا يسقط بالتوبة.
والحنفية قالوا: يرجع إلى الجملة الأخيرة وهي قوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾، فأما الجلد ورد الشهادة فلا استثناء منهما.
٢ ـ قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [المائدة٣٣ - ٣٤]، فالاستثناء في قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ هل يرجع إلى كل
стр. 339
الجمل السابقة؟
على القول بعوده إلى الكل فإن من تاب من المحاربين قبل التمكن منه فلا حد عليه ولا إثم يوم القيامة ولا يؤاخذ بشيء.
وعلى القول بعوده إلى الجملة الأخيرة تكون التوبة مانعة من عذاب الآخرة، وأما الحد في الدنيا فيقام عليه.
وهذا القول ليس له قائل من العلماء المشهورين، وإنما اتفقوا على أنهم إذا تابوا قبل أن يؤخذوا سقط عنهم الحد، وبقي حق العباد في المال والقصاص، وهو مذهب أحمد، وقال المقدسي في العدة: لا نعلم فيه خلافا. وقال ابن كثير: لا خلاف في سقوط القتل وقطع الرجل وأما قطع اليد ففيه خلاف.
ولعل من رآى أن من أخذ المال من المحاربين تقطع يده قاسه على السارق قياس الأولى.
واختلفوا فيما أتلفه المحاربون من المال هل يؤاخذون عليه فيلزمهم ضمانه؟
وبهذا يتبين أن الحنفية لم يطردوا قاعدتهم في عود الاستثناء إلى الجملة الأخيرة، ولعلهم يقولون هذا مما قامت الدلائل علىعوده إلى الكل.
٣ ـ قوله ﷺ : «لا يؤُمَّنَّ الرجل الرجل في سلطانه، ولا يقعد في بيته على تكرمته إلا بإذنه» (أخرجه مسلم).
قال الإمام أحمد: الاستثناء يعود إلى الكل، فإذا أذن رب البيت في الجلوس في المكان المخصص له فلا بأس، وإذا أذن السلطان لغيره في الإمامة مع حضوره وقدرته جاز.
وهذا مذهب الجمهور.
وخالف بعضهم في عود الاستثناء إلى الجملة الأولى ومنع أن يؤم أحد
стр. 340
بحضرة السلطان أو الإمام إذا كان قادرا على الإمامة.
٤ ـ إذا قال الرجل في وصيته: وقفت على بني زيد داري، وحبست على أقاربي ضيعتي إلا من فسق. فهل يعود الاستثناء إلى الكل؟
إن قلنا نعم، فالفاسق من بني زيد لا يستحق شيئا، والفاسق من أقاربه كذلك، وإن قلنا يعود إلى الجملة الأخيرة فالفاسق من بني زيد يعطى ومن أقاربه لا شيء له.
ولهذا أمثلة كثيرة لا تنحصر في كلام الواقفين والموصين والحالفين وغيرهم.
стр. 341
الاستثناء من النفي
حكى بعض العلماء الاتفاق على أن الاستثناء من الإثبات نفي، وأن الخلاف إنما هو في الاستثناء من النفي هل يكون إثباتا؟
اختلف العلماء في ذلك على قولين مشهورين:
١ـ مذهب الحنفية: أن الاستثناء من النفي ليس إثباتا، واحتجوا بما يلي:
أنه لو كان الاستثناء من النفي إثباتا لكان قوله ﷺ : «لا يقبل الله صلاة بغير طهور» (رواه مسلم من حديث أبي مسعود مرفوعا) يثبت الصلاة بثبوت الطهور، وليس كذلك باتفاق؛ إذ يمكن وجود الطهور مع عدم وجود الصلاة. وكذلك قوله ﷺ : «لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار» (رواه أحمد والترمذي وأبو داود وابن ماجه) ونحوه من الأحاديث.
٢ـ مذهب الجمهور: أن الاستثناء من النفي إثبات، واستدلوا بالإجماع على أن من قال: لا إله إلا الله، فقد آمن، وأثبت الألوهية لله وحده، ولو لم يكن الاستثناء من النفي إثباتا لما كان الناطق بهذه الكلمة مؤمنا.
كما استدلوا بعرف الناس وما يتبادر إلى الذهن عند سماع الاستثناء من النفي.
ومذهب الجمهور هو الراجح بلا تردد.
وقد أجيب عن استدلال الحنفية بحديث: «لا يقبل الله صلاة بغير طهور»، ونحوه من الأحاديث، بأن القاعدة لا تناقض المعنى الذي حمل عليه هذا الحديث؛ لأن الحديث يدل على أن الصلاة لا تكون مقبولة إلا بطهور؛ لأن الطهور شرط الصلاة ولا يلزم من وجود الشرط وجود المشروط.
стр. 342
واختار القرافي أن القاعدة ينبغي أن يستثنى منها الشروط، فيقال: الاستثناء من النفي إثبات إلا في الشروط.
والذي يظهر: أنه لا حاجة إلى هذا الاستثناء؛ لأن النفي في أول الحديث يدل على أن الصلاة لا تكون مقبولة بغير طهور، والاستثناء يثبت نقيضه وهو أن الصلاة تقبل بالطهور، أي: أن الطهور لا يمنع قبولها، ولا يلزم منه ضرورة حصولها مقبولة إذا وجدت الطهارة، بل يحتمل عدم قبولها باختلال شرط آخر أو غير ذلك.
وكذلك قوله ﷺ : «لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار» يفيد أن الصلاة بغير خمار غير مقبولة، وبالخمار لا يمتنع قبولها لأجل الخمار، ولا يمتنع أن تفسد أو ترد بسبب آخر.
وقد يشكل فهم مذهب الحنفية على بعض الدارسين، ويستبعد أن يذهب إليه ذاهب، فيحتاج إلى زيادة إيضاح.
وخلاصة مذهبهم: أن المستثنى مسكوت عن حكمه، وعلى المجتهد أن يطلبه من دليل آخر، وهو عندهم من باب مفهوم المخالفة، كمفهوم الشرط والصفة، فلو قال: ليس له علي إلا مائة. لا يدل على أنه أقر بالمائة، وإنما معنى كلامه نفي ما زاد على المائة، وأما المائة فإنه لا يثبتها ولا ينفيها، وقد يكون ناسيا أو شاكا في بقائها في ذمته، فلا نوجب عليه شيئا بالشك.
وأما الشهادة فقد قالوا: إنه يدخل بها في الإسلام؛ لأنه لا يوجد من تُدعى ألوهيته إلا الله أو غيره، فإذا نفى ألوهية غير الله ثبتت ألوهية الله جل وعلا.
стр. 343
ثمرة الخلاف:
ينبني على هذا الخلاف اختلاف في كثير من مسائل الإقرار والوصايا والأيمان والنذور.
ـ ... ومنها: إذا قال: ليس له علي إلا مائة، فإن الحنفية يقولون لا يكون مقرا بالمائة وإنما هو ناف ما عداها، فيسأل عن المائة ليقرها أو ينكرها.
والجمهور يقولون هذا إقرار بالمائة فلا ينفعه إنكارها بعد ذلك.
ـ ... ومنها: إذا قال: لم أعتق من عبيدي إلا غانما، لا يكفي لعتقه على القول الأول، ويكفي على القول الثاني.
ـ ... ومنها: إذا قال: لم أطلق إلا فلانة، لا يعد إقرارا بالطلاق على الأول، ويعد إقرارا بالطلاق على القول الثاني.
سبب الخلاف:
يرجع سبب الخلاف إلى أن الجمهور يرون أن جملة الاستثناء عبارة عن جملتين: إحداهما مثبتة والأخرى منفية، والحنفية يرون أنها جملة واحدة وأن المستثنى مسكوت عنه، وإثبات حكم له مخالف لحكم المستثنى منه من باب المفهوم وهو ليس حجة عندهم.
والجمهور منهم من يجعله من باب المفهوم، ومنهم من يقول إنه من باب المنطوق، وعند الفريقين هو ثابت.
стр. 344
الشرط الذي يحصل التخصيص به:
قال بعض المحققين: إن الشرط الذي هو أحد المخصصات هو الشرط اللغوي، أي: ما كان فيه التعليق بأحد أدوات الشرط مثل: إن، ما، من، إذا.
وقال بعضهم: يحصل التخصيص بالشرط العقلي والشرعي.
والصواب أن مقصودهم بالشرط في باب التخصيص الشرط اللغوي، وأما الشرط العقلي والشرعي فإنهما من المخصصات المنفصلة، فالأول تخصيص بالعقل، والثاني تخصيص بنص أو قياس ونحوهما، مما ثبت به كون الشيء شرطا شرعيا، فإن ثبت بنص قيل إن المخصص للعموم النص، وإن ثبت بقياس قيل المخصص القياس.
الشروط اللغوية أسباب:
هذه القاعدة حررها القرافي في أكثر كتبه، ومعناها: أن الشروط أربعة أنواع:
١ - شروط شرعية، مثل: الطهارة وستر العورة للصلاة.
٢ - شروط عقلية، مثل: الحياة للعلم، فلا يمكن عقلا أن يكون عالما إلا من كان حيا.
٣ - شروط عادية، مثل: وجود السلّم لصعود السطح.
٤ - شروط لغوية، وهي تعليق الحكم على وصف بإن أو ما جرى مجراها من الصيغ، مثل قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة٧] ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾ [النساء١٣٠].
فالقرافي يقول: إن الشروط اللغوية من حيث معناها وترتيب الحكم عليها أسباب؛ لأن السبب: ما يلزم من وجوده الوجود، ومن عدمه العدم لذاته،
стр. 345
والشروط اللغوية ينطبق عليها هذا التعريف، فإذا قلت: إن تأتني أكرمك، فقد جعلت الإتيان إليك سببا في الإكرام، يحصل الإكرام بحصوله وينعدم بعدمه.
وإذا قال الزوج: إن خرجت بغير إذني فأنت طالق، يكون قد جعل الخروج بغير إذنه سببا لوقوع الطلاق عليها، فإن وجد الخروج المذكور وجد الطلاق وإن عدم عدم الطلاق.
وبهذا يتبين أن الشروط اللغوية تنزل من حيث المعنى والحكم منزلة الأسباب.
والأمر كما قال القرافي، ولا يقال: قد يوجد الطلاق ولو لم يوجد الخروج بلا إذن، لأن المقصود وقوع الطلاق بسبب الخروج، وأما وقوعه بسبب آخر فلا يمتنع، وهذا جار في الأسباب الأخرى فإنهم يقولون ـ مثلا ـ: الردة سبب للقتل، مع أن القتل قد يكون لأجل الزنى مع الإحصان.
وقد زاد المحققون في تعريف السبب قولهم: لذاته، أي: بالنظر إلى هذا السبب دون غيره من الأسباب، حتى لا يرد مثل هذا الاعتراض على قولهم: السبب يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم.
الشرط المتعقب جملا:
إذا وقع الشرط بعد جمل متعاطفة فالجمهور على أنه يعود إلى الكل، وقيل يعود إلى الجملة الأخيرة كالاستثناء.
والصواب الأول، والفرق بينه وبين الاستثناء عند من فرق، أن الشرط منزلته التقدم على المشروط، فإذا تأخر في اللفظ كان كالمتقدم من حيث المعنى، ولا خلاف أنه إذا تقدم لحق الجميع مما يذكر بعده من الجمل المتعاطفة.
ومثال الشرط المتأخر قوله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾
стр. 346
[المائدة٨٩]، ولا يختلفون في أن المراد فمن لم يجد جميع ما تقدم.
ما بعد الغاية هل يدخل في حكم ما قبلها ؟:
اختلف العلماء في دخول ما بعد حرف الغاية فيما قبله على أقوال:
الأول: أنه داخل فيه.
الثاني: عدم دخوله، وهو مذهب الجمهور.
الثالث: إن كان ما بعد حرف الغاية من جنس ما قبلها فهو داخل في حكمه وإلا فلا.
مثال: إذا قال: بعتك هذا الشجر إلى تلك الشجرة فهل تدخل الشجرة التي جعلها غاية للبيع في المبيع؟
على القول الأول تدخل، وعلى الثاني لا تدخل، وعلى الثالث إن كانت الشجرة من جنس الشجر المبيع فهي داخلة وإن كانت نوعا آخر من الشجر فلا تدخل، فلو كان المبيع نخلا والتي جعلت غاية رمانة فلا تدخل، وإن كانت نخلة دخلت.
وهذا القول أصح الأقوال؛ لأن القول الأول يشكل عليه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة١٨٧]، والليل غير داخل في الصيام باتفاق، والقول الثاني يشكل عليه قوله تعالى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة٦]، والمرافق داخلة فيما يجب غسله.
والقول الثالث لا يرد عليه شيء مما ذكر؛ لأن الليل ليس من جنس النهار الواجب صيامه فلا يدخل، والمرافق من جنس اليد فتدخل.
стр. 347
المخصصات المنفصلة
وهي كل دليل يستقل بنفسه، ولا يحتاج في ثبوته إلى ذكر لفظ العام معه.
أنواع المخصصات المنفصلة:
١ - الحس:
مثال التخصيص به قوله تعالى: ﴿مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾ [الذاريات٤٢]، فالعموم في قوله: ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ مخصوص؛ إذ لم تجعل الجبال كالرميم، والذي دل على ذلك الحس.
٢ - العقل:
مثال التخصيص به قوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر٦٢]، فالعقل دل على أن الله لا يخلق نفسه.
وقد اختلف في عد العقل من المخصصات، فقال بعض العلماء إنه ليس مخصصا؛ لأن ما دل العقل على عدم دخوله تحت اللفظ لا يكون اللفظ موضوعا له أصلا، فالله جل وعلا غير داخل في لفظ (شيء) المذكور في الآية فلا حاجة إلى القول بتخصيصه (١).
وقال أكثرهم: إنه من المخصصات؛ لأن لفظ (كل شيء) موضوع في اللغة للعموم، وفي هذه الآية لا يمكن حمل اللفظ على عمومه لدلالة العقل على خروج الله جل وعلا وصفاته من هذا العموم.
стр. 348
ويظهر أثر الخلاف عند من يقول: إن العام قبل التخصيص قطعي وبعده ظني، فإنه إذا عد العقل مخصصا عد العام المخصوص به ظنيا، وقد رأيت بعض علماء الحنفية الذين ذهبوا إلى التفريق بين العام المخصوص والعام المحفوظ قد جعل المخصوص بالعقل باقيا على قطعيته ما لم يخصص بدليل آخر.
وأما الجمهور فإنهم إذا عدوا العقل مخصصا فإن العام غير المخصوص عندهم أقوى من المخصوص بالعقل أو بغيره من الأدلة.
٣ - النص:
والتخصيص بالنص له صور:
أـ تخصيص القرآن بالقرآن:
مثاله: تخصيص قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة٢٢٨]، بقوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق٤]، فالآية الأولى تفيد أن كل مطلقة عدتها ثلاث حيض، وإذا قيل إنها مخصوصة بالآية الثانية فتخرج الحوامل من العموم، وكذلك خص من عموم المطلقات غير المدخول بها، بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ﴾ [الأحزاب٤٩].
ب ـ تخصيص القرآن بالسنة:
مثاله: تخصيص قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء١١]، بقوله ﷺ : «ليس للقاتل شيء» (أخرجه مالك في الموطأ من حديث عمر مرفوعا، وأخرجه أصحاب السنن من حديث أبي هريرة بسند ضعيف، وله طرق يتقوى بها) فأخرج القاتل، وبقوله ﷺ : «نحن
стр. 349
معاشر الأنبياء لا نورث» (أخرجه أحمد في المسند، ومعناه في الصحيحين من حديث أبي بكر ﵁) فأخرج أبناء الأنبياء، وتخصيص قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور٢]، بما ثبت أنه رجم الزاني المحصن، فيكون مخصوصا من العموم، وهو تخصيص بالفعل.
ومثله تخصيص قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة٢٢٢]، بما روته عائشة أن النبي ﷺ كان يأمرها أن تتزر فيباشرها وهي حائض (متفق عليه).
ففعل الرسول ﷺ معها خصص العموم المستفاد من قوله: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ﴾، أي: لا يكن منكم قربان لهن حتى يطهرن.
والتخصيص بتقرير النبي ﷺ مثاله: تخصيص عموم قوله تعالى: ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ [البقرة٢٦٧]، بإقرار النبي ﷺ لأهل المدينة بعدم إخراج الزكاة من الخضروات.
وقد اختلفوا في تخصيص القرآن بالسنة الآحادية، فذهب الجمهور إلى أنه جائز وواقع، وهذا منقول عن الأئمة الأربعة.
واحتجوا على هذا بأدلة، أهمها:
ـ ... الإجماع من الصحابة على العمل بأخبار الآحاد الخاصة مع معارضتها في الظاهر لعموم القرآن، وهذا يدل على أنهم خصصوا القرآن بخبر الآحاد، ويدل على ذلك وقائع كثيرة منها:
١ - أن فاطمة طلبت ميراثها من رسول الله ﷺ ، فبين لها أبو بكر أنها لا تستحق شيئا؛ لقوله ﷺ : «لا نورث ما تركنا صدقة» (متفق عليه) وهذا
стр. 350
مخصص لعموم قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء١١].
٢ - تخصيص آيات المواريث بقوله ﷺ : «لا يرث المسلم الكافر» (متفق عليه).
٣ - تخصيص قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة٢٧٥]، بما روي عن أبي سعيد الخدري وغيره أن النبي ﷺ قال: «لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل ... » (متفق عليه).
٤ - تخصيص قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة٥]، بقوله ﷺ في المجوس ـ: «سنوا بهم سنة أهل الكتاب» (أخرجه مالك في الموطأ من حديث عبد الرحمن بن عوف مرفوعاً).
فهذه المواضع متفق على جريان التخصيص فيها، مع أن المخصصات أخبار آحاد.
وذهب بعض علماء الحنفية إلى عدم جواز تخصيص القرآن بأخبار الآحاد إلا إذا سبق تخصيصه بقطعي.
وأنكر بعض المتكلمين تخصيص القرآن بأخبار الآحاد مطلقا.
واستدل هؤلاء وأولئك بما ثبت عن عمر أنه رد خبر فاطمة بنت قيس أن النبي ﷺ لم يجعل لها سكنى ولا نفقة حين طلقت، وقال: «لا ندع كتاب ربنا لقول امرأة لا ندري لعلها حفظت أو نسيت» (أخرجه مسلم)، وهو يعني تقديم قوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق٦].
والراجح قول الجمهور، ومما يؤيده أن القول بتخصيص القرآن بأخبار الآحاد فيه عمل بكل من الدليلين العام والخاص، والعمل بالدليلين ولو من
стр. 351
وجه أولى من إهمالهما أو إهمال أحدهما.
والجواب عن قول عمر بأنه رد الحديث لشكه في صحته، لا لكونه من رواية واحد معارضة لعموم القرآن.
ثمرة الخلاف:
انبنى على هذا الخلاف اختلاف في كثير من الفروع، منها:
١ - تخصيص قوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل٢٠]، بحديث: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» [متفق عليه] فعند الحنفية لا يخصص عموم الآية بالحديث فلا يجعل خصوص الفاتحة هو ركن الصلاة، بل ركنها قراءة القرآن، وعند الجمهور يخصص عموم القرآن بالحديث فيكون المراد بما تيسر الفاتحة فتكون هي الركن.
٢ - تخصيص آية: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الأنفال٤١]، بقوله ﷺ : «من قتل قتيلا فله سلبه» [متفق عليه]، فالحنفية يقولون إن عموم الآية لم يسبق تخصيصه بقطعي فلا يمكن تخصيصه بالآحاد، فالسلب عندهم حكمه حكم الغنيمة فيخمس، وعند الجمهور الآية تخصص بالحديث، فالسلب للقاتل، على خلاف بينهم في شروط إعطاء السلب للقاتل.
٣ ـ تخصيص آية: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام١٢١]، بحديث: «سموا أنتم وكلوه» [رواه البخاري] فالحنفية قالوا لا نخصص عموم النهي المذكور في الآية بخبر الآحاد؛ لأنه لم يسبق تخصيصه بقطعي، ولذا لم يجيزوا الأكل من متروك التسمية، والجمهور خصصوا الآية بالحديث فأجازوا أكل متروك التسمية بشروط وقيود اختلفوا فيها.
стр. 352
ج ـ تخصيص السنة بالسنة:
مثاله: تخصيص قوله ﷺ : «فيما سقت السماء والعيون العشر» (أخرجه البخاري) بقوله ﷺ : «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة» (متفق عليه)، فإن الحديث الأول عام في القليل والكثير، والثاني دل على إخراج القليل الذي لا يبلغ خمسة أوسق عن أن تجب فيه زكاة.
د ـ تخصيص السنة بالقرآن:
ونقل عن الشافعي إنكاره، والصواب جوازه ووقوعه، ومثاله: تخصيص قوله ﷺ : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله» بقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة٢٩] فالحديث دل على مقاتلة جميع الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. والآية خصصت أهل الكتاب فإنهم لا يقاتلون إذا أعطوا الجزية.
٤ - القياس:
وقد اختلف في تخصيص عموم القرآن والسنة بالقياس، على أقوال أهمها أربعة:
١ - الجواز مطلقا.
٢ - المنع مطلقا.
٣ - جواز التخصيص بالقياس الجلي دون الخفي.
٤ - جواز التخصيص بالقياس إذا كان العام قد سبق تخصيصه.
стр. 353
والصواب: جواز تخصيص القرآن والسنة بالقياس الجلي دون الخفي، ونعني بالجلي ما كان بنفي الفارق بين الأصل والفرع، أو منصوصا على علته.
ومثال التخصيص بالقياس الجلي: تخصيص عموم قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور٢]، بقياس العبد على الأمة والاكتفاء بجلده خمسين جلدة، وذلك أن الأمة ورد النص بأن حدها على النصف من حد الحرة، قال تعالى: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء٢٥]، فيقاس العبد على الأمة لعدم الفارق بينهما، فيكون حده خمسين جلدة.
والدليل على جواز التخصيص بالقياس الجلي أن الصحابة قد اتفقوا على إلحاق العبد بالأمة في تنصيف الحد، وهو تخصيص بالقياس، وأيضا فإن القياس الجلي بمنزلة النص ولا ينكره إلا مكابر.
ثمرة الخلاف:
من المسائل المتفرعة على هذا الخلاف ما يلي:
١ـ حكم الجاني إذا لجأ للحرم، قال تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران٩٧]، فهذه الآية تدل بعمومها على أن كل من دخل الحرم كان آمنا على نفسه، سواء أكان جانيا قبل دخوله أم لم يكن كذلك.
والعلماء اختلفوا فيمن جنى خارج الحرم ثم لجأ إليه، هل يقتص منه في النفس؟ فذهب أبو حنيفة وصاحباه إلى أنه لا يقتص منه داخل الحرم حتى يخرج، وعلى سكان الحرم أن يضيقوا عليه فلا يبايع ولا يؤاكل ولا يجالس؛ ليضطر إلى الخروج من الحرم فيقتص منه، أما الجناية فيما دون النفس فيقتص
стр. 354
منه داخل الحرم.
وذهب مالك والشافعي إلى أنه يقتص منه في النفس وفيما دونها، واستدلوا بالقياس على من جنى داخل الحرم، فإن الأئمة متفقون على أنه يقتص منه.
والمسألة مبنية على الخلاف في تخصيص القرآن بالقياس، فالحنفية أنكروا تخصيص القرآن بالقياس؛ لأن هذا العموم محفوظ لم يسبق تخصيصه بقطعي فلا يمكن تخصيصه بالقياس.
والجمهور يرون التخصيص بالقياس إما مطلقا وإما إذا كان جليا، ولكن الإمام أحمد في هذا الفرع وافق أبا حنيفة في عدم الاقتصاص من الجاني إذا لجأ إلى الحرم بعد الجناية، مع أنه في الأصل يوافق الجمهور على جواز تخصيص القرآن بالقياس، وذلك لأنه وجد القياس الذي استدل به مالك والشافعي معارضا لأقوال عدد من الصحابة، كعمر وابنه وابن عباس، فقدم أقوال الصحابة الموافقة للعموم من القرآن. وقد تكون مخالفته لأن القياس عنده لا يصح للفرق بين من جنى داخل الحرم ومن جنى خارجه ولجأ إليه؛ فإن الأول منتهك لحرمة الحرم والثاني معظم له.
٢ـ تضمين السارق المال المسروق إذا استهلكه أو هلك في يده، قال تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾ [المائدة٣٨].
اتفق العلماء على أن المال المسروق إذا وجد بعينه عند السارق وجب عليه رده لصاحبه، واختلفوا فيما إذا تلف المال عند السارق هل يضمنه؟
فذهب أبو حنيفة في المشهور عنه إلى أنه لا ضمان عليه، وذهب الشافعي وأحمد إلى وجوب الضمان، وفصل مالك وفرق بين الموسر والمعسر، فإن كان موسرا ضمن وإلا فلا ضمان عليه.
стр. 355
وسبب الخلاف اختلافهم في تخصيص القرآن بالقياس.
فالحنفية قالوا لا يضمن ما أتلفه من المال المسروق؛ تمسكا بعموم الآية: ﴿جَزَاءً بِمَا كَسَبَا﴾، و (ما) عامة في كل ما كسبته يداه من سرقة وإتلاف، وهذا العموم محفوظ غير مخصص فلا يقوى القياس على تخصيصه.
والذين قالوا بتضمينه خصصوا عموم الآية بالقياس على المغصوب، وقالوا كل ما وجب رد عينه وجب ضمانه كالمغصوب.
وتفريق مالك بين الموسر والمعسر من قبيل الاستحسان.
٥ - الإجماع:
ولا خلاف في جواز التخصيص به، ومثله بعضهم بالإجماع على تخصيص العبد من عموم آية ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور٢]، فيكون حده خمسين جلدة.
وإذا صح الإجماع فالمثال صحيح، ولا يشكل عليه أنه تخصيص بالقياس؛ إذ يقال إن القياس دليل الإجماع، وبعد حصول الإجماع لا ينظر إلى دليله، ويمكن أن يمثل له بالإجماع علىجواز عقد الاستصناع فيكون ذلك الإجماع تخصيصا لعموم الأحاديث الدالة على المنع من بيع وشرط، أو بيعتين في بيعة، وتخصيص قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ [النساء١٢]، بالإجماع على أن المراد الأخ لأم والأخت لأم، وتخصيص قوله: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا﴾ [الحج٣٦]، بالإجماع على أن هدي جزاء الصيد لا يجوز أن يأكل منه.