← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 36379

أصول الفقه الذي لا يسع الفقيه جهله

عياض السلمي

Полный текст (493 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

وجه أولى من إهمالهما أو إهمال أحدهما. والجواب عن قول عمر بأنه رد الحديث لشكه في صحته، لا لكونه من رواية واحد معارضة لعموم القرآن. ثمرة الخلاف: انبنى على هذا الخلاف اختلاف في كثير من الفروع، منها: ١ - تخصيص قوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل٢٠]، بحديث: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» [متفق عليه] فعند الحنفية لا يخصص عموم الآية بالحديث فلا يجعل خصوص الفاتحة هو ركن الصلاة، بل ركنها قراءة القرآن، وعند الجمهور يخصص عموم القرآن بالحديث فيكون المراد بما تيسر الفاتحة فتكون هي الركن. ٢ - تخصيص آية: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الأنفال٤١]، بقوله ﷺ : «من قتل قتيلا فله سلبه» [متفق عليه]، فالحنفية يقولون إن عموم الآية لم يسبق تخصيصه بقطعي فلا يمكن تخصيصه بالآحاد، فالسلب عندهم حكمه حكم الغنيمة فيخمس، وعند الجمهور الآية تخصص بالحديث، فالسلب للقاتل، على خلاف بينهم في شروط إعطاء السلب للقاتل. ٣ ـ تخصيص آية: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام١٢١]، بحديث: «سموا أنتم وكلوه» [رواه البخاري] فالحنفية قالوا لا نخصص عموم النهي المذكور في الآية بخبر الآحاد؛ لأنه لم يسبق تخصيصه بقطعي، ولذا لم يجيزوا الأكل من متروك التسمية، والجمهور خصصوا الآية بالحديث فأجازوا أكل متروك التسمية بشروط وقيود اختلفوا فيها.

стр. 352

ج ـ تخصيص السنة بالسنة: مثاله: تخصيص قوله ﷺ : «فيما سقت السماء والعيون العشر» (أخرجه البخاري) بقوله ﷺ : «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة» (متفق عليه)، فإن الحديث الأول عام في القليل والكثير، والثاني دل على إخراج القليل الذي لا يبلغ خمسة أوسق عن أن تجب فيه زكاة. د ـ تخصيص السنة بالقرآن: ونقل عن الشافعي إنكاره، والصواب جوازه ووقوعه، ومثاله: تخصيص قوله ﷺ : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله» بقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة٢٩] فالحديث دل على مقاتلة جميع الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. والآية خصصت أهل الكتاب فإنهم لا يقاتلون إذا أعطوا الجزية. ٤ - القياس: وقد اختلف في تخصيص عموم القرآن والسنة بالقياس، على أقوال أهمها أربعة: ١ - الجواز مطلقا. ٢ - المنع مطلقا. ٣ - جواز التخصيص بالقياس الجلي دون الخفي. ٤ - جواز التخصيص بالقياس إذا كان العام قد سبق تخصيصه.

стр. 353

والصواب: جواز تخصيص القرآن والسنة بالقياس الجلي دون الخفي، ونعني بالجلي ما كان بنفي الفارق بين الأصل والفرع، أو منصوصا على علته. ومثال التخصيص بالقياس الجلي: تخصيص عموم قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور٢]، بقياس العبد على الأمة والاكتفاء بجلده خمسين جلدة، وذلك أن الأمة ورد النص بأن حدها على النصف من حد الحرة، قال تعالى: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء٢٥]، فيقاس العبد على الأمة لعدم الفارق بينهما، فيكون حده خمسين جلدة. والدليل على جواز التخصيص بالقياس الجلي أن الصحابة قد اتفقوا على إلحاق العبد بالأمة في تنصيف الحد، وهو تخصيص بالقياس، وأيضا فإن القياس الجلي بمنزلة النص ولا ينكره إلا مكابر. ثمرة الخلاف: من المسائل المتفرعة على هذا الخلاف ما يلي: ١ـ حكم الجاني إذا لجأ للحرم، قال تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران٩٧]، فهذه الآية تدل بعمومها على أن كل من دخل الحرم كان آمنا على نفسه، سواء أكان جانيا قبل دخوله أم لم يكن كذلك. والعلماء اختلفوا فيمن جنى خارج الحرم ثم لجأ إليه، هل يقتص منه في النفس؟ فذهب أبو حنيفة وصاحباه إلى أنه لا يقتص منه داخل الحرم حتى يخرج، وعلى سكان الحرم أن يضيقوا عليه فلا يبايع ولا يؤاكل ولا يجالس؛ ليضطر إلى الخروج من الحرم فيقتص منه، أما الجناية فيما دون النفس فيقتص

стр. 354

منه داخل الحرم. وذهب مالك والشافعي إلى أنه يقتص منه في النفس وفيما دونها، واستدلوا بالقياس على من جنى داخل الحرم، فإن الأئمة متفقون على أنه يقتص منه. والمسألة مبنية على الخلاف في تخصيص القرآن بالقياس، فالحنفية أنكروا تخصيص القرآن بالقياس؛ لأن هذا العموم محفوظ لم يسبق تخصيصه بقطعي فلا يمكن تخصيصه بالقياس. والجمهور يرون التخصيص بالقياس إما مطلقا وإما إذا كان جليا، ولكن الإمام أحمد في هذا الفرع وافق أبا حنيفة في عدم الاقتصاص من الجاني إذا لجأ إلى الحرم بعد الجناية، مع أنه في الأصل يوافق الجمهور على جواز تخصيص القرآن بالقياس، وذلك لأنه وجد القياس الذي استدل به مالك والشافعي معارضا لأقوال عدد من الصحابة، كعمر وابنه وابن عباس، فقدم أقوال الصحابة الموافقة للعموم من القرآن. وقد تكون مخالفته لأن القياس عنده لا يصح للفرق بين من جنى داخل الحرم ومن جنى خارجه ولجأ إليه؛ فإن الأول منتهك لحرمة الحرم والثاني معظم له. ٢ـ تضمين السارق المال المسروق إذا استهلكه أو هلك في يده، قال تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾ [المائدة٣٨]. اتفق العلماء على أن المال المسروق إذا وجد بعينه عند السارق وجب عليه رده لصاحبه، واختلفوا فيما إذا تلف المال عند السارق هل يضمنه؟ فذهب أبو حنيفة في المشهور عنه إلى أنه لا ضمان عليه، وذهب الشافعي وأحمد إلى وجوب الضمان، وفصل مالك وفرق بين الموسر والمعسر، فإن كان موسرا ضمن وإلا فلا ضمان عليه.

стр. 355

وسبب الخلاف اختلافهم في تخصيص القرآن بالقياس. فالحنفية قالوا لا يضمن ما أتلفه من المال المسروق؛ تمسكا بعموم الآية: ﴿جَزَاءً بِمَا كَسَبَا﴾، و (ما) عامة في كل ما كسبته يداه من سرقة وإتلاف، وهذا العموم محفوظ غير مخصص فلا يقوى القياس على تخصيصه. والذين قالوا بتضمينه خصصوا عموم الآية بالقياس على المغصوب، وقالوا كل ما وجب رد عينه وجب ضمانه كالمغصوب. وتفريق مالك بين الموسر والمعسر من قبيل الاستحسان. ٥ - الإجماع: ولا خلاف في جواز التخصيص به، ومثله بعضهم بالإجماع على تخصيص العبد من عموم آية ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور٢]، فيكون حده خمسين جلدة. وإذا صح الإجماع فالمثال صحيح، ولا يشكل عليه أنه تخصيص بالقياس؛ إذ يقال إن القياس دليل الإجماع، وبعد حصول الإجماع لا ينظر إلى دليله، ويمكن أن يمثل له بالإجماع علىجواز عقد الاستصناع فيكون ذلك الإجماع تخصيصا لعموم الأحاديث الدالة على المنع من بيع وشرط، أو بيعتين في بيعة، وتخصيص قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ [النساء١٢]، بالإجماع على أن المراد الأخ لأم والأخت لأم، وتخصيص قوله: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا﴾ [الحج٣٦]، بالإجماع على أن هدي جزاء الصيد لا يجوز أن يأكل منه.

стр. 356

٦ـ المفهوم: وهو قسمان: ١ - مفهوم الموافقة: وهو إثبات مثل حكم المنطوق للمسكوت عنه الأولى منه أو المساوي. ومثال التخصيص به: تخصيص حديث: «مطل الغني ظلم يحل عرضه وعقوبته» بمفهوم الموافقة في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء٢٣]، فإن مفهوم الموافقة من الآية أن الابن لا يجوز أن يؤذي أباه بالشكوى إلى القاضي ولا يحل له عرضه أو معاقبته إذا ماطله في حق له. ٢ـ مفهوم المخالفة: والمقصود به: إثبات نقيض حكم المنطوق للمسكوت عنه، ومثال التخصيص به: تخصيصهم حديث: «الماء طهور لا ينجسه شيء» (أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي بألفاظ مختلفة، عن ابن عباس وأبي سعيد)، بمفهوم حديث: «إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث» (رواه أصحاب السنن عن ابن عمر ـ ﵁ ـ وصححه ابن حبان والحاكم)، فمفهوم هذا الحديث: أن الماء إذا لم يبلغ القلتين يحمل الخبث، أي: يتنجس، ولو لم يتغير طعمه أو ريحه أو لونه.

стр. 357

العموم الوارد على سبب أطال بعض الأصوليين في تحرير محل النزاع في المسألة بتقسيم العموم الوارد جوابا، إلى مستقل وغير مستقل، ومثّل غير المستقل بقول الرسول ﷺ : «نعم» جوابا لسؤال سائل، ولا أرى حاجة لذلك؛ لأن لفظ «نعم» ليس من صيغ العموم، والكلام ليس في عموم كل جواب وخصوصه، وإنما الكلام في الجواب العام بالوضع هل يقصر على سببه؟ والأولى أن يقال في تحرير محل النزاع: إن العلماء اتفقوا على دخول صورة السبب في الحكم العام الوارد على سبب خاص، وما عداها من الصور الداخلة تحت عموم اللفظ إما أن يكون عموم اللفظ لها جزءا من الجواب لا يتم الجواب إلا به، أو يكون اللفظ الذي تناولها لغة زائدا عن الجواب يمكن فهم الجواب بدونه. ومثال القسمين: أن الرسول ﷺ سئل: أنتوضأ بماء البحر، فقال: «هو الطهور ماؤه الحل ميتته» (أخرجه مالك وأحمد وأصحاب السنن، وصححه الحاكم)، فهذا الجواب فيه عمومان: الأول: واقع في جواب السؤال ولا يتم الجواب بدونه، وهو قوله: «هو الطهور ماؤه». والثاني: زائد عن جواب السؤال ولكنه مصاحب له، وهو قوله: «الحل ميتته»، فهذا العموم الأخير خارج عن محل النزاع؛ لأنه بيان لحكم لم يسأل عنه فهو كالحكم المبتدأ الذي لا يعرف سببه، فيكون عاما لكل ميتات البحر إلا ما قام الدليل على خصوصه. والأول: وهو ما كان العموم فيه في موضع السؤال ولا يتم الجواب إلا به

стр. 358

هو موضع النزاع. ومن أمثلته: أـ ... قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة٣]. فهذه الآية نزلت عندما ظاهر أوس بن الصامت من زوجته فأتت إلى النبي ﷺ تشكو إليه حالها وحال أولادها، وهو جواب عام في موضع السؤال، وليس زائدا عن الجواب. ب ـ قوله ﷺ حين سئل عن ماء بئر بضاعة ـ: «الماء طهور لا ينجسه شيء»، وهو جواب عام في موضع السؤال، وليس خارجاً عما يحتاج إليه في الجواب. ج ـ قوله ﷺ : «الخراج بالضمان» (أخرجه أحمد وأصحاب السنن عن عائشة مرفوعا) حين سئل عمن اشترى عبدا فاستعمله ثم وجد فيه عيبا فرده، هل يضمن أجرة استعماله؟ وهو كما سبق جواب عام في موضع السؤال. فهذا العموم ونحوه اختلف فيه على قولين مشهورين: القول الأول: أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وهو مذهب جمهور العلماء، وعليه العمل عند أكثر الفقهاء من أتباع المذاهب وغيرهم. دليله: ١ـ أن الصحابة والتابعين استدلوا بالآيات والأحاديث العامة الواردة على أسباب خاصة في عمومها، ولم يقصروها على أسبابها، وذلك كآيات اللعان والظهار والسرقة والمواريث. ٢ـ أن الحكم إنما يؤخذ من نص الشارع، وهو نص عام فيجب حمله على عمومه. ٣ - أن عدول الشارع عن الجواب الخاص إلى العموم دليل على أنه أراد العموم.

стр. 359

٤ - ما ثبت في الصحيحين من استشهاد الرسول ﷺ بقوله تعالى: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف٥٤]، على علي ﵁ عند ما أيقظه النبي ﷺ هو وفاطمة لصلاة الليل، فقال علي: إن أرواحنا بيد الله، إن شاء بعثنا، فولى النبي ﷺ وهو يضرب فخذه ويقول: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ (متفق عليه)، مع أن الآية نزلت في الكفار الذين يجادلون في القرآن. القول الثاني: أنه يجب قصر العام على سببه، وإليه ذهب بعض الشافعية, ونسب إلى الإمام الشافعي، ونقل عن المزني وأبي ثور، وحكي عن أبي الفرج المالكي، ونقل أيضا عن أبي حنيفة. دليله: أن اتفاق العلماء على نقل أسباب النزول والعناية بها يدل على أنها ذات أثر في فهم الآيات، ولا أثر إلا قصر الآيات العامة على أسبابها، ولولا ذلك لما كان لنقل الأسباب فائدة. والراجح: الأول، ونقل العلماء لأسباب النزول لا يدل على قصر العام على سببه؛ لأن نقل الأسباب له غايات أخرى، منها: أن الأسباب تساعد في فهم النصوص الشرعية وتفسير ما يغمض منها، ومنها: أن نقل السبب يبين تاريخ نزول الآية أو ورود الحديث ليعرف المتقدم عليه والمتأخر عنه من النصوص الأخرى، فيعرف الناسخ من المنسوخ. ثمرة الخلاف: مما ترتب على الخلاف في المسألة: اختلافهم في حل متروك التسمية، فإن الحنفية والحنابلة استدلوا بعموم آية: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام١٢١]، على تحريم كل ما لم يسم عليه عند ذبحه، واستثنى الحنابلة ما تركت التسمية عليه نسيانا للعذر، وذهب الشافعي إلى حل متروك التسمية عمدا، وقصر الآية على سبب نزولها فإنها نزلت فيما يذكر عليه اسم غير الله.

стр. 360

دخول المخاطِب في عموم خطابه المخاطِب إذا تكلم بخطاب عام يشمله من حيث الوضع اللغوي، كلفظ الناس أو المسلمين ـ إذا كان مسلما ـ هل يدخل في عمومه؟ هكذا تصور المسألة في كتب الأصول، والقدر المفيد منها أن تخصص بالرسول ﷺ فيقال: الرسول ﷺ هل يدخل في عموم خطابه الذي خاطب به أصحابه. والخلاف في المسألة على ثلاثة أقوال مشهورة: ١ - أنه داخل في عموم خطابه مطلقا؛ لأن اللفظ يشمله لغة فوجب أن يشمله حكما. ٢ - أنه ليس داخلا؛ لأن خطابه لغيره قد يكون أمرا أو نهيا، ولا يمكن أن يأمر نفسه أو ينهى نفسه، إذ لا بد فيه من آمر ومأمور، وناه ومنهي. ٣ - التفريق بين الخبر والأمر والنهي، فإن كان خطابه بصيغة الخبر فهو داخل فيه، كما في قوله ﷺ : «الناس معادن خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا» (أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة ـ ﵁ ـ)، وكقوله ﷺ : «المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم» (أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي). وأما إذا كان بصيغة الأمر أو النهي فلا يدخل فيه؛ لامتناع أمر الإنسان نفسه أو نهيها. والصحيح: أن الأصل في خطاب الرسول ﷺ لأصحابه بحكم شرعي دخوله في ذلك الخطاب، سواء أكان الخطاب يشمله لغة أم لا، ولا يخرج عن

стр. 361

ذلك الحكم إلا بدليل. وقد تقدم في العموم المعنوي دخول الرسول ﷺ في خطاب الأمة، وإن كان لا يشمله لغة، فدخوله فيما يشمله لغة أولى. ويظهر أثر الخلاف عند تعارض نهيه وفعله، كما تقدم في استقبال القبلة واستدبارها عند قضاء الحاجة. وقد ذكرت هذه المسألة بعد مسألة العام الوارد على سبب؛ لأن بعض العلماء ظن أن ورود العام على لسان المخاطِب يكفي لتخصيصه من ذلك العموم وإخراجه عن حكمه، كما ظنوا أن ورود العام على سبب خاص يخصصه.

стр. 362

دخول العبيد والإماء والكفار في الخطاب العام اختلف العلماء في الدليل العام من الكتاب والسنة هل يشمل العبيد والإماء والكفار؟ وخلافهم راجع إلى أن هذه الصفات (الرق، الكفر) هل تدل على تخصيص الخطاب العام؟ ذهب بعضهم إلى ذلك، والجمهور على دخولهم في العموم؛ لأن اللفظ عام، وصفة الرق والكفر ليستا من المخصصات. ويظهر أثر الخلاف في أن الأصل في الأوامر والنواهي الواردة بصيغة العموم، ما هو؟ فالأولون قالوا: الأصل عدم دخول العبيد والإماء والكفار إلا بدليل خارجي. والجمهور قالوا: الأصل دخولهم، ومن ادعى خلاف ذلك فعليه الدليل.

стр. 363

العمل بالعام قبل البحث عن المخصص هذه المسألة من المسائل التي أطال فيها الأصوليون الكلام، وهي لا تحتمل الإطالة، ونقل بعضهم الإجماع على عدم جواز العمل بالعام قبل البحث عن المخصص، وعارضه الآخر بالإجماع على العمل بالعام حتى يطلع على المخصص. والذي يظهر لي أن الصواب التفريق بين العلماء المجتهدين ـ الذين أحاطوا بغالب نصوص الشريعة وحصلوا من العلم ما يمكنهم من معرفة مراد الشارع، وسبروا غور النصوص فعرفوا العام والخاص، والناسخ والمنسوخ، وخبروا مواطن الإجماع والخلاف ـ والعوام ومن يلحق بهم من المنتسبين إلى الفقه الذين أخذوا من العلم ما لا يكفي للتربع على عرش الفتيا وسدة القضاء. فالقسم الأول , وهم العلماء المجتهدون لا ينبغي الخلاف في أنهم إذا بلغتهم آية عامة أو حديث عام ولم يبلغهم المخصص على الرغم من تمرسهم بالعلم وسعة اطلاعهم على الأدلة أنهم يجب عليهم العمل بالعام، ولا يلزمهم التوقف إلى أن يبحثوا لاحتمال وجود المخصص. وأما القسم الثاني، وهم العوام ومن في حكمهم فهؤلاء ليس لأحدهم أن يعمل بالعام إذا بلغه دون أن يسأل أهل العلم المجتهدين، ولو ابتلي أحد المتفقهة بمنصب قضاء أو فتيا فليس له أن يفتي أو يقضي قبل أن يراجع كتب العلم التي تتيسر له ويبذل جهده في درك حكم المسألة منها، ولو بلغه حديث عام ليس له أن يبادر إلى العمل أو الفتيا بعمومه قبل أن يراجع ما قاله أهل العلم فيه، ويبذل غاية جهده في ذلك.

стр. 364

والذي يظهر أن الذين نقل عنهم المنع من العمل بالعام قبل البحث عن المخصص إنما منعوا لأحد سببين: الأول: أنهم لا يقصدون بالبحث عن المخصص استقصاء موارد الأدلة جميعها، وإنما يقصدون مجرد التروي واسترجاع المعلومات السابقة لعرض الدليل العام عليها، فإن وجدوا فيها ما يخصصه وإلا عملوا به في عمومه. وهذا ظاهر من قول أبي زيد الدبوسي: «وأما الفقيه فيلزمه أن يحتاط لنفسه فيقف ساعة لاستكشاف هذا الاحتمال بالنظر في الأشباه، مع كونه حجة للعمل به إن عمل، لكن يقف احتياطا حتى لا يحتاج إلى نقض ما أمضاه بتبين الخلاف» (١). ولا يخفى أن مثل هذا التوقف لا ينبغي الخلاف فيه. الثاني: أنهم منعوا ذلك خوفا من أن يقدم كل أحد على العمل بالعموم دون بحث وإن كان من غير أهل الاجتهاد، ولو أذن لغير المجتهدين في ذلك لعطلوا كثيرا من نصوص الشريعة الخاصة للجهل بها. وهذا يظهر من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية حيث يقول ـ في ترجيح قول المانعين ـ: «وهذا هو الصحيح الذي اختاره أبو الخطاب وغيره، فإن الظاهر الذي لا يغلب على الظن انتفاء ما يعارضه لا يغلب على الظن مقتضاه، فإذا غلب على الظن انتفاء ما يعارضه غلب على الظن مقتضاه، وهذه الغلبة لا تحصل للمتأخرين في أكثر العمومات إلا بعد البحث عن المعارض» (٢)، فقوله: لا تحصل للمتأخرين الخ، يدل على أنه رجح المنع لما يعرفه من حال المتأخرين

стр. 365

أنهم ليس لهم إحاطة بالأدلة. والذين نقل عنهم القول بالعمل بالعام قبل البحث عن المخصص من الأئمة كالشافعي وأحمد، يحمل ما ورد عنهم على أن المراد بذلك أهل الاجتهاد. وأما الذين أجازوه لمن في عهد النبي ﷺ أو لمن سمعه منه مباشرة أو لمن سمعه على سبيل التعليم، فهم فيما عدا ذلك مع المانعين، وتفصيلهم لم يعد له أثر بعد عهد الصحابة. وقد بنى الإسنوي على الخلاف مسائل، أظهرها: ١ - الحكم للمدعي إذا قامت البينة دون الإعذار إلى المدعى عليه، جوزه الشافعي ومنعه أبو حنيفة. وهو من قبيل بناء النظير على نظيره لا من بناء الفرع على أصله. ٢ - إذا لاعن الرجل زوجته وانتفى الولد ثم استلحقه فقال له شخص: لست ابن فلان، فهل يعد قذفا يحد به؟ أو يسأل عن قصده؟ وهذا أيضا كالفرع الذي قبله ليس من بناء الفروع على الأصول. وعلى القول بوجوب البحث قبل العمل فلا يلزم التوقف إلى القطع بانتفاء المخصص، بل يكفي غلبة الظن في أصح الأقوال. والله أعلم.

стр. 366

المطلق والمقيد تعريفهما: المطلق في اللغة: الخالي من القيد، يقال: أطلق البعير من قيده إذا خلاّه بلا قيد. وفي الاصطلاح: الدال على الحقيقة من غير وصف زائد عليها. وعرفه بعضهم بأنه ما دل على فرد شائع في جنسه. ومثاله: النكرة في سياق الأمر، أي: المأمور بها، كما في قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة٣]، فالرقبة المأمور بها في الآية مطلقة لم توصف بقيد زائد على حقيقة جنس الرقبة. والمقيد: ما تناول معينا أو موصوفا بوصف زائد على حقيقة جنسه. فالمقيد إذاً نوعان: الأول: المعين، كالعَلَم والمشار إليه. الثاني: غير المعين الموصوف بوصف زائد على معنى حقيقته. وهذا النوع الأخير مقيد باعتبار، ومطلق باعتبار، ومثاله: قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء٩٢]. فالرقبة المذكورة في الآية مقيدة بالإيمان، ولكنها مطلقة من حيث الذكورة والأنوثة، ومن حيث الكبر والصغر، فيكون اللفظ مطلقا باعتبار ومقيدا باعتبار، وهو يختلف عن المطلق الذي لا تقييد فيه.

стр. 367

حمل المطلق على المقيد: الدليل الشرعي المطلق إذا لم يرد ما يقيده يجب حمله على إطلاقه، كما أن العام إذا لم يرد ما يخصصه يجب حمله على عمومه. وإذا ورد ما يدل على تقييد المطلق وجب حمل المطلق على المقيد. والمراد بهذا المصطلح (حمل المطلق على المقيد) أن المجتهد إذا نظر في الدليل فوجده من حيث وضعه اللغوي مطلقا، ولكنه وجد دليلا آخر في اللفظ أو في لفظ آخر مستقل يقيد إطلاق ذلك المطلق، وجب عليه أن يفهم المطلق على ما يقتضيه دليل التقييد. فالحمل معناه: الفهم، وحمل المطلق على المقيد، معناه: فهم الدليل المطلق لفظا على ما يقتضيه الدليل المقيد له فيكون المعنى الشرعي المقصود من المطلق هو المعنى المقصود من المقيد. اللفظ المطلق في موضع المقيد في موضع آخر: إذا جاء اللفظ مطلقا في موضع مقيدا في موضع آخر، فهل يحمل المطلق على المقيد، ويجعل الحكم الثابت بهما مقيدا؟ للجواب عن هذا نقول: ورود اللفظ مطلقا مرة ومقيدا مرة أخرى له أحوال، بعضها محل خلاف وبعضها محل وفاق على النحو التالي: ١ ـ أن يتحد الحكم والسبب في الموضعين: مثاله: اعتاد كثير من الأصوليين تمثيله بقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة٣] مع قوله في آية أخرى: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام١٤٥]،

стр. 368

وقالوا: إن الدم أطلق في موضع، وقيد في موضع آخر بكونه مسفوحا. وهذا المثال فيه نظر؛ وهو أن لفظ (الدم) اسم جنس محلى بأل، وهو من صيغ العموم فيكون عاما لا مطلقا. ويمكن أن يجاب بأنه عام في الدم القليل والكثير، وأما من حيث صفات الدم الأخرى فهو مطلق، وجاء تقييده في الآية الأخرى. وفي هذه الصورة يحمل المطلق على المقيد باتفاق. ومن أمثلته الظاهرة قوله ﷺ في حديث ابن عمر: «من لم يجد نعلين فليلبس الخفين وليقطعهما أسفل من الكعبين» (متفق عليه). وقوله في حديث ابن عباس بعرفة: «فليلبس الخفين» (متفق عليه). وليس فيه ذكر للقطع. فالقاعدة تقتضي أن يحمل المطلق على المقيد باتفاق؛ لاتحاد الحكم والسبب، فالحكم هو لبس الخف لمن لم يجد النعل، والسبب هو الإحرام، ولكن الخلاف وقع من جهة قاعدة أخرى وهي أن المطلق جاء متأخرا عن المقيد، فذهب بعض العلماء إلى أن المطلق إذا تأخر ينسخ المقيد المتقدم، وهذا مذهب الحنفية ورواية عن أحمد. وذهب بعض العلماء إلى أن المطلق لا ينسخ المقيد سواء تقدم أو تأخر، ويكون المقيد مقدما على المطلق فيقيد به، ولهذا قال بعضهم بوجوب قطع الخفين لمن لم يجد النعلين من المحرمين الذكور. وقال آخرون بعدم وجوب القطع. ثم حاول كل فريق أن يستدل على رأيه بأدلة أخرى تقوي جانبه، وليس هذا موضع بسطها.

стр. 369

٢ ـ أن يختلف الحكم والسبب: مثاله: لفظ الأيدي جاء مطلقا في قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة٣٨] وجاء مقيدا في قوله: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة٦] والحكم في الأولى القطع، وفي الثانية الغسل، والسبب في الأولى السرقة وفي الثانية الحدث، ففي هذه الحالة لا يحمل المطلق على المقيد قولا واحدا. ٣ ـ أن يتحد الحكم ويختلف السبب: مثاله: لفظ الرقبة في قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المجادلة٣] وقوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء٩٢]. فالحكم واحد وهو العتق، والسبب مختلف، وهو في الآية الأولى الظهار، وفي الآية الثانية القتل خطأ. وهذه الصورة وما يشبهها وقع الخلاف فيها على ثلاثة أقوال: أـ ... حمل المطلق على المقيد بطريق اللغة، أي: تقييد الحكم المطلق بما ذكر في الدليل المقيد، ذهب إلى ذلك بعض الشافعية وبعض الحنابلة. ب ـ حمل المطلق على المقيد بطريق القياس إذا توافرت شروطه، وذهب إليه بعض علماء الحنابلة كأبي الخطاب وغيره. ج ـ عدم حمل المطلق على المقيد، وبقاء كل من الحكمين على حاله، وهو مذهب الحنفية. وأرجح الأقوال هو الثاني وهو حمل المطلق على المقيد بطريق القياس لا باللغة؛ فإن اللغة لا تقتضي ذلك.

стр. 370

ومن أمثلته: قوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة٢٨٢]، مع قوله في آية أخرى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق٢]، ولا خلاف في اشتراط العدالة في الشاهدين، ولكن بعض العلماء أخذ ذلك من حمل المطلق على المقيد، وبعضهم بدليل آخر كالقياس. ٤ـ أن يتحد السبب ويختلف الحكم: مثاله: قوله تعالى في الوضوء: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة٦]، وقوله تعالى في التيمم: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ [النساء٤٣]، فالأولى ورد فيها لفظ أيديكم مقيدا بالمرافق، والثانية ورد فيها مطلقا، والحكم في الأولى الغسل، وفي الثانية المسح بالتراب، والسبب واحد وهو الحدث أو إرادة رفع الحدث. فهذه الصورة ذهب بعض الشافعية إلى حمل المطلق على المقيد فيها فقالوا في التيمم يمسح يديه إلى المرفقين. والجمهور على عدم تقييد التيمم بالقيد الوارد في الوضوء، وهو الصواب؛ لأنه لا يمكن دعوى دلالة اللغة على التقييد هنا، وأما القياس فيكون من باب قياس حكم على حكم مختلف عنه لأجل اتحاد سببهما. وهذا لا يصح مع قولهم إن السبب علامة على ثبوت الحكم لا تأثير لها، وإنما يقبل لو ظهر أن السبب فيه مناسبة لتشريع الحكم يمكن أن يعقلها المجتهد. وفي المثال المذكور لا يعقل المجتهد مناسبة تدعوا المحدث إلى أن يغسل وجهه ويديه الخ، أو يمسح وجهه ويديه، وإنما هو محض تعبد فلا يمكن القياس.

стр. 371

شروط حمل المطلق على المقيد: ظهر مما سبق أن الشافعية أكثر المذاهب عملا بحمل المطلق على المقيد، ومع ذلك فقد ذكروا شروطا لصحة ذلك الحمل أظهرها ما يلي: ١ ـ أن يكون القيد من باب الصفات، كالإيمان في الرقبة، ولا يصح أن يكون في إثبات زيادة لم ترد في المطلق، ولذلك لا يصح أن يقال: يجب أن يُيَمم الرجلين والرأس إذا أراد التيمم. ٢ ـ أن لا يعارض القيد قيدٌ آخر، فإن عارضه قيد آخر لجأ المجتهد إلى الترجيح. مثاله: حديث غسل الإناء من ولوغ الكلب، ورد بلفظ: فليغسله سبعا إحداهن بالتراب، وورد بلفظ: أولاهن، وبلفظ أخراهن، وكلها صحيحة السند، فالأولى مطلقة، والثانية والثالثة مقيدتان بقيدين متضادين فلا يمكن حمل المطلق على المقيد هنا إلا بترجيح. ٣ ـ أن يكون ورود المطلق في باب الأوامر والإثبات، أما في سياق النفي والنهي فلا يحمل المطلق على المقيد، فلو قال: لا تعتق مكاتبا، ثم قال: لا تعتق مكاتبا كافرا، فلا يحمل المطلق على المقيد؛ لأنه لو أعتق مكاتبا مؤمنا لأخل بعموم اللفظ الأول. كذا قالوا، ولا يخفى أن النكرة في سياق النفي والنهي تكون للعموم فلا يكون تقييدها من تقييد المطلق بل من تخصيص العام، والعام لا يخصص بما يدل على ثبوت الحكم لبعض أفراده. ٤ - أن لا يقوم دليل يمنع من التقييد، فإن قام دليل يمنع منه لم يجز، مثاله: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة٢٣٤]، مع قوله تعالى: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ

стр. 372

تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب٤٩]. فالأولى في عدة المتوفى عنها زوجها وهي مطْلَقَة؛ لأن لفظ (أزواجا) مطلق في المدخول بها وغيرها، والثانية في عدم العدة للمطلقة غير المدخول بها، ولا يقال إن المتوفى عنها غير المدخول بها لا عدة لها، وذلك لأن المتوفى عنها تبقى لها أحكام الزوجية من ثبوت الإرث وجواز تغسيل الزوج الميت بخلاف البائن، فوجب التفريق بينهما فيمتنع التقييد. هكذا مثل الزركشي، وفي المثال نظر؛ لأن الحمل ممتنع لاختلاف الحكم والسبب، فالحكم في الأولى وجوب العدة، والسبب الموت، وفي الثانية الحكم عدم وجوب العدة، والسبب الطلاق قبل الدخول. وهذا يدل على أن تقييد المطلق عند من يشترط هذا الشرط من باب القياس، والقياس لا يصح في مقابلة النص.

стр. 373

المنطوق والمفهوم جرى كثير من الأصوليين على تقسيم الدلالة إلى دلالة منطوق ودلالة مفهوم، وقد يقسمون المدلول نفسه إلى منطوق ومفهوم. وجرى بعضهم على إدراج دلالة المفهوم تحت دلالة غير المنظوم. والمنطوق: هو المعنى المستفاد من صريح اللفظ. وقد يقال: ما دل عليه اللفظ في محل النطق. ومعنى قولهم: في محل النطق، أي: في العبارة المنطوق بها. مثاله: المعنى المستفاد من قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة١١٠]، وهو الأمر بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة. والمعنى المستفاد من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام١٢١] وهو النهي عن الأكل من متروك التسمية. والمفهوم: هو المعنى اللازم للفظ ولم يصرح به فيه. وقد يقال: ما دل عليه اللفظ في غير محل النطق. أي في مقدر خارج عن المنطوق به. مثل دلالة قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء٢٣] على تحريم الضرب والشتم، ودلالة قوله تعالى: ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء٢٥] على أن الأمة غير المؤمنة لا يصح نكاحها لمن لم يجد مهر الحرة. والذين عبروا بالمنظوم وغير المنظوم، جعلوا غير المنظوم منقسما إلى الاقتضاء والإيماء والتنبيه (مفهوم الموافقة) ودليل الخطاب (مفهوم المخالفة).

стр. 374

وأما الذين عبروا بالمنطوق والمفهوم، فمنهم من جعل هذه الدلالات الأربع المتقدمة داخلة تحت المفهوم، ومنهم من جعل الثلاث الأولى داخلة تحت المنطوق غير الصريح، والرابعة هي المسماة بالمفهوم. وهذا الاختلاف لا يترتب عليه فائدة سوى معرفة الاصطلاح، وقد وقع فيه كثير من الخلط والوهم. والأولى سلوك طريق مَن قسّم الدلالة إلى دلالة المنظوم ودلالة غير المنظوم. فالأولى معروفة، وهي: كل دلالة يكون الدال فيها دل بالوضع اللغوي. وهي تشمل دلالة المطابقة ودلالة التضمن. والثانية، هي: دلالة الالتزام. وهي دلالة اللفظ على معنى خارجي لازم للمنطوق به. وقد يقال: ما دل عليه اللفظ لا بصريح صيغته ووضعه. ويشمل دلالة الاقتضاء ، ودلالة الإشارة، ودلالة الإيماء، ودلالة المفهوم. وإليك التعريف بكل منها مع أمثلته. ١ - دلالة الاقتضاء: هي دلالة اللفظ على معنى مسكوت عنه يجب تقديره لصدق الكلام أو لصحته شرعا أو عقلا. والمعنى المدلول عليه بالاقتضاء يسمى المقتضى (اسم مفعول) وهو ثلاثة أنواع: ١ ـ ما يجب تقديره لصدق الكلام ومطابقته للواقع، مثل دلالة قوله ﷺ : «لا وصية لوارث» (أخرجه البخاري) على المقدر المحذوف، وذلك أن الناس قد يوصون للورثة ولكن المنفي صحة تلك الوصية، والتقدير: (لا وصية

стр. 375

صحيحة أو نافذة). ٢ ـ ما يجب تقديره لصحة الكلام شرعا، مثل قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة١٨٤]، فههنا محذوف يجب تقديره حتى يصح الكلام شرعا، وهو عبارة (فأفطر)، للاتفاق على أن من كان مريضاً أو على سفر ولم يفطر فلا قضاء عليه. ولو لم نقدر العبارة السابقة لوجب القضاء على المريض والمسافر حتى لو صاما، ولم ينقل هذا إلا عن بعض الظاهرية. ٣ - ما يجب تقديره لصحة الكلام عقلا، مثل: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف٨٢] فالعقل يقضي بأن القرية لا تسأل فلا بد من تقدير: (أهل القرية). وهذه الأنواع قد تسمى عند بعضهم دلالة الإضمار، والمعنى المقدر يسمى المضمر أو المقتضَى. وقد اختلفوا في عموم المقتضى أو المضمر، فذهب بعضهم إلى عمومه، وبعضهم إلى أنه لا يعم. واحتج القائلون بعموم المقتضى بأنه إذا أمكن تقدير معنى عام لا يمكن أن نقدر الأخص منه إلا بدليل، فإذا عدم الدليل قدرنا العام. ولهذا قالوا في حديث: «رفع عن أمتي الخطأ» نقدر الحكم ليكون اللفظ كأنه: رفع عن أمتي حكم الخطأ، فهذا يشمل المؤاخذة الدنيوية والأخروية إلا ما دل الدليل على استثنائه فيكون مستثنى ومخصصا مثل ضمان المتلفات خطأ. والقائلون بأن المقتضى لا عموم له، احتجوا بأن التقدير خلاف الأصل فيكتفى منه بما يصحح الكلام من غير زيادة فلا يعم، وقالوا في الحديث المتقدم: نقدر: الإثم، ليكون كأنه قال: رفع عن أمتي إثم الخطأ.

стр. 376

وكذا في قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة٣]. قال الأولون: نقدر الانتفاع حتى يكون أعم، وقال الآخرون نقدر الأكل. والقول الحق في ذلك أن يقدر ما دل العرف عليه، وهذا يختلف باختلاف اللفظ المنطوق به، ففي: «رفع عن أمتي الخطأ» الصواب تقدير (الإثم)، وفي: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾، الصواب: تقدير (الأكل)، وأما سائر الانتفاعات فإنما تلحق بطريق القياس إذا أمكن. وفي مثل: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء٢٣] نقدر الوطء ودواعيه من عقد أو غيره، ولا نقدر النظر واللمس بلا شهوة. ٢ - الإشارة: وهي المعنى اللازم من الكلام الذي لم يسق الكلام لبيانه، مثل فهم جواز أن يصبح المسلم جنبا في رمضان، من قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة١٨٧] فإذا جاز له الجماع طوال الليل إلى الفجر، جاز أن يطلع الفجر وهو جنب ولا يفسد صومه. ٣ - الإيماء: وهو فهم التعليل من ترتيب الحكم على الوصف المناسب. مثاله قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة٣٨]، فهذا يدل على أن العلة السرقة؛ لأن الله رتب الحكم بالفاء على وصف مناسب وهو السرقة، وهذا يومئ إلى العلة وينبه عليها، ولذا سماه بعضهم الإيماء أو التنبيه إلى العلة.

стр. 377

٤ - المفهوم: وهو نوعان: الأول: مفهوم الموافقة: وهو المعنى الثابت للمسكوت عنه الموافق لما ثبت للمنطوق؛ لكون المسكوت أولى بالحكم من المنطوق أو مساويا له. ومثال المفهوم الأولى قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء٢٣]، فإنه يدل بطريق الأولى على تحريم الضرب والشتم. وكذلك قوله ﷺ : «أربع لا تجزئ في الأضاحي» (أخرجه أحمد والأربعة من حديث البراء بن عازب مرفوعا) وذكر منها العوراء. فإن عدم إجزاء العوراء يدل على عدم إجزاء العمياء من باب أولى. ومثال المفهوم المساوي: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء١٠]، فإنه يدل على تحريم الأكل بمنطوقه، وعلى تحريم كل ما فيه تفويت لمال اليتيم بمفهوم الموافقة المساوي، فلا يجوز التصدق بمال اليتيم ولا إنفاقه في الجهاد ونحوه. ومفهوم الموافقة حجة عند جميع الأئمة، وخالف فيه الظاهرية ولا يلتفت إلى خلافهم. وقد يظن البعض أن مفهوم الموافقة قطعي الدلالة، والصواب أنه قد يكون قطعيا كالمثالين السابقين، وقد يكون ظنيا، كقولهم: إذا ردت شهادة الفاسق فالكافر من باب أولى. وإنما قلنا إنه ظني لأنه لا يبعد أن ترد شهادة الفاسق؛ لأنه متهم بالكذب

стр. 378

ولا ترد شهادة الكافر لكونه يحترز عن الكذب، والراجح رد شهادة الكافر. وقد يكون ضعيفا كقول الشافعية: تجب الكفارة في قتل العمد لوجوبها في قتل الخطأ من باب أولى، وذلك لأن الكفارة وجبت في قتل الخطأ لقلة الجرم، وأما القتل العمد فإن الكفارة لا تكفره لكونه جُرما عظيما لا يكفره إلا القود. الثاني: مفهوم المخالفة (دليل الخطاب): وهو الاستدلال بتخصيص الشيء بالذكر على نفي الحكم المذكور في المنطوق عما عداه. وسمي مفهوم مخالفة؛ لأن الحكم الذي يثبت للمسكوت نقيض للحكم المنطوق به مختلف عنه. وهو أنواع: ١ـ مفهوم الصفة: ويقصد بالصفة: ما هو أعم من النعت عند النحاة، فيشمل النعت، والحال، والجار والمجرور، والظرف، والتمييز. مثاله: قوله ﷺ : «في سائمة الغنم إذا كانت أربعين ففيها شاة» (رواه مالك وأبو داود) فتخصيص السائمة بالذكر يدل على أن المعلوفة لا زكاة فيها. ٢ـ مفهوم الشرط: مثاله: حديث: «أعلى المرأة غسل ـ يا رسول الله ـ إذا هي احتلمت؟ قال: «نعم، إذا رأت الماء» (أخرجه البخاري من حديث أم سليم ﵂، فيفهم من هذا أنها إذا لم تر الماء فلا غسل عليها.

стр. 379

٣ـ مفهوم العدد: وهو ما يفهم من تخصيص العدد بالذكر. أو ما يفهم من تعليق الحكم على عدد مخصوص. مثاله: قوله تعالى: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور٤] دال بمنطوقه على الثمانين، وبمفهومه على عدم إجزاء ما نقص عنها، وعلى المنع من الزيادة عليها. والذي يظهر أن هذا داخل في مفهوم الصفة؛ لأن المقدار أحد صفات الشيء. ٤ـ مفهوم الغاية: وهو ما يفهم من مد الحكم إلى غاية بإحدى أدوات الغاية وهي: (إلى، حتى، اللام). مثاله: حديث: «لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول». فمنطوقه دال على نفي الزكاة قبل الحول، ومفهومه دال على وجوبها عند تمام الحول. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة١٨٧] منطوقه دال على وجوب استمرار الصيام من طلوع الفجر إلى الليل ومفهومه يدل على أن الليل لا يجوز صيامه فيبطل الوصال، كما لو قال: لا تصوموا الليل. ٥ـ مفهوم التقسيم: وهو ما يفهم من تقسيم المحكوم عليه قسمين فأكثر، وتخصيص كل منهما بحكم.

стр. 380

مثاله: قوله ﷺ : «الثيب أحق بنفسها، والبكر تستأذن» (أخرجه مسلم). فمنطوقه واضح، ومفهومه أن كل قسم يختص بحكمه، ولا يشارك الآخر في حكمه، فالثيب أحق بنفسها فتكون البكر ليست أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأذن، يدل على أن الثيب لا تستأذن؛ لأن الإذن منها لا يكفي بل لا بد من التصريح. والذي يظهر أن هذا النوع داخل في مفهوم الصفة. ٦ـ مفهوم اللقب: وهو ما يفهم من تخصيص الاسم المجرد بالحكم من نفي الحكم عما عداه. وسواء أكان الاسم لإنسان أو حيوان، اسم علم أم اسم جنس. مثاله قوله ﷺ : «لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل» (أخرجه مسلم) منطوقه ظاهر، ومفهوم اللقب أن ما ليس ذهبا يجوز بيعه بمثله أو غيره من غير مماثلة.

стр. 381

حجية مفهوم المخالفة مفهوم المخالفة بأنواعه الخمسة الأولى حجة عند الجمهور، مع اختلافهم في قوة كل نوع من أنواعه. واستدلوا على ذلك بأدلة منها: ١ - قوله ﷺ : «لأزيدن على السبعين» (أخرجه البخاري بنحو هذا اللفظ) بعد أن نزل قوله تعالى ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ﴾ [التوبة٨٠]. وجه الدلالة: أن النبي ﷺ فهم من النص على السبعين أن ما زاد عنها قد يكون حكمه مختلفا عن المقتصر على هذا العدد، فوعد بالزيادة على السبعين، لكنه نهي نهيا صريحا عن الاستغفار للمنافقين والصلاة عليهم. ٢ - أن الصحابة ﵃ فهموا من تخصيص الوصف بالذكر انتفاء الحكم عما خلا عنه، ويدل على ذلك وقائع منها: أـ ... ما روى يعلى بن أمية قال: قلت لعمر بن الخطاب: ألم يقل الله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء١٠١] فقد أمن الناس؟ فقال: عجبت مما عجبت منه فسألت رسول الله ﷺ فقال: «صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته» رواه مسلم. ب ـ لما قال النبي ﷺ : «يقطع الصلاة الكلب الأسود، قال عبد الله بن الصامت لأبي ذر: ما بال الأسود من الأحمر من الأصفر؟ فقال: سألت رسول الله ﷺ كما سألتني فقال: «الكلب الأسود شيطان» (أخرجه مسلم).

стр. 382

فهؤلاء من فصحاء العرب الذين نزل القرآن بلغتهم وقد فهموا من تخصيص الحكم بوصف انتفاءه عما لم يوجد فيه ذلك الوصف. ٣ - أن النبي ﷺ سئل عما يلبس المحرم، فأجاب بذكر ما لا يلبسه المحرم، فقال: «لا يلبس القميص ولا السراويلات ولا البرانس» (متفق عليه). وجه الدلالة: أنه لولا أن تخصيص الممنوع بالذكر يدل على إباحة ما عداه لما كان قول الرسول ﷺ جوابا لسؤالهم؛ لأنهم سألوا عما يجوز لبسه أو يجب، فأجاب بذكر ما لا يجوز لبسه، فدل على أن ما عداه يجوز لبسه. ٤ - أن تخصيص الشيء بالذكر لا بد له من فائدة، فإذا لم نعلم فائدة غير انتفاء الحكم عما عداه جعلنا التخصيص دالا على ذلك. وذهب أكثر الحنفية إلى عدم حجية مفهوم المخالفة مطلقا. واستدلوا بأدلة، أهمها: أن القرآن والسنة مليئان بالنصوص التي فيها تعليق الحكم على وصف أو عدد أو غاية، ولا يكون نفي الحكم عما سوى المذكور مرادا باتفاق الصحابة. ومن ذلك: أـ ... قوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ [النساء٢٣] ولا خلاف في تحريم الربيبة وإن لم تكن في الحجر. ب ـ قوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء١٠١] ولا خلاف في جواز القصر للمسافر وإن لم يكن خائفا. ج ـ قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء٢٠] ولا خلاف في أنه لو رغب طلاق المرأة

стр. 383

ولم يرد الزواج بغيرها أنه داخل في النهي عن أخذ شيء من المهر، ولو كان المفهوم حجة لما كان ذلك إلا لمن رغب الاستبدال بها. د ـ ... قوله تعالى: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ [النساء٢٣] ولم يدل هذا على خروج حليلة الابن من الرضاعة، مع أنها ليست من الصلب. ٢ - أن الله قد نص على المفهوم المخالف حين يريد نفي الحكم عنه في آيات كثيرة، ولو كان السكوت كافيا لما كانت هناك حاجة إلى النص عليه. ـ ... ومن ذلك قوله تعالى: ﴿مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء٢٣]. ـ ... وقوله تعالى: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النساء١١]. ٣ - أن ما سوى المنطوق مسكوت عنه، والمسكوت عنه ليس له حكم يؤخذ من اللفظ فليطلب حكمه من دليل آخر. والراجح ـ إن شاء الله ـ هو قول الجمهور، وهو أن مفهوم المخالفة حجة بأنواعه كلها سوى مفهوم اللقب. وقول المنكرين: إن في القرآن والسنة كثيرا من مفاهيم المخالفة المتفق على عدم حجيتها، يجاب بأن تلك المواضع لم تتوافر فيها شروط الاحتجاج الآتي ذكرها. قولهم: إن الله قد نص على المفهوم حيث أراده، يجاب: بأن ما نص فيه على المفهوم قصد تأكيده ولا يدل على أن غيره ليس حجة.

стр. 384

وأما مفهوم اللقب فليس بحجة على الصحيح عند جماهير العلماء؛ لأنه لو كان حجة لكان الثناء على الرسول ﷺ ووصفه بالرسالة قدحا في بقية الرسل وإنكارا لرسالتهم. ولأن الاسم لا يشعر بالتعليل، ولهذا لا يدل ذكره على نفي الحكم عن غيره. ولأن الاحتكام في ذلك إلى لغة العرب، واللغة لا تدل على أن ذكر الاسم والنص على حكمه دليل على نفي الحكم عن غيره. شروط العمل بالمفهوم: يشترط للعمل بالمفهوم شروط، أهمها: ١ ـ أن لا يكون تخصيص المذكور بالذكر جرى مجرى الغالب، فإن كان كذلك فلا يحتج به، ومثاله: قوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ [النساء٢٣] فوصف الربائب بكونهن في الحجور جرى مجرى الغالب؛ إذ الغالب أن تكون بنت بنت الزوجة معها عند زوجها الثاني. وإنما اشترطوا ذلك لأن ما جرى مجرى الغالب يكون حاضرا في الذهن عند التكلم فيذكره في كلامه ولا يقصد نفي الحكم عما عداه. ٢ ـ أن لا يكون حكم المذكور جاء لكونه مسؤولا عنه، أو بيانا لحكم واقعة، فإن سئل عنه فرتب الحكم عليه، أو كان أمرا واقعا جاء بيان حكمه على صفته التي هو عليها، لم يدل ذلك على نفي الحكم عما عداه. ومثلوه بقوله تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ [آل عمران١٣٠] فإنه لا يدل على جواز أكل الربا إذا كان قليلا؛ لأن الآية بيان لحكم أمر واقع. ٣ ـ أن لا يكون المذكور في اللفظ قد سبق ذكره حتى يكون معهودا، فإن كان

стр. 385

معهودا فلا يدل ذكره على قصر الحكم عما عداه، وهو أعم من الذي قبله؛ لأن المسؤول عنه معهود لسبق ذكره. ٤ ـ أن لا يكون المسكوت عنه أولى بالحكم من المذكور، فإن كان كذلك فإنه يكون من مفهوم الموافقة ويثبت للمسكوت حكم المنطوق من باب أولى. مثله بعضهم بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء٩٢] قالوا فإن قتله عمدا وجبت الكفارة من باب أولى. وهذا ليس صحيحا عند الأكثر؛ لأن الكفارة تطهير للمكلف، والقتل العمد لا تطهره الكفارة لأنه جرم عظيم لا يطهره إلا القود، ولذا لم تجب فيه كفارة. وأظهر من هذا أن يمثل بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ [الإسراء٣١]، فلا يفهم منه جواز قتلهم من دون خشية الفقر؛ لأنه إذا حرم قتلهم مع خوف الفقر والعجز عن نفقاتهم فتحريم قتلهم مع القدرة على نفقاتهم أولى بالتحريم. وهذه الشروط التي ذكروها كلها ترجع إلى شرط واحد وهو أن لا يظهر لتخصيص المذكور بالذكر فائدة سوى اختصاصه بالحكم عما لم يشاركه في الصفة المذكورة. أثر الخلاف: ظهر أثر الخلاف في مسائل كثيرة منها ما هو أصول وقواعد، ومنها ما هو فروع فقهية، ومنها: ١ - هل يجوز نكاح الأمة لمن يجد مهر الحرة؟ اختلف العلماء في ذلك، وخلافهم راجع إلى الاستدلال بمفهوم الشرط في

стр. 386

قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء٢٥]. فالجمهور قالوا الآية تدل بمفهوم المخالفة في قوله: (ومن لم يستطع) على أن المستطيع لمهر الحرة القادر على نكاحها ليس له أن ينكح الأمة. والحنفية قالوا الآية بينت حكم من لم يستطع مهر الحرة وسكتت عن المستطيع، فيطلب حكم نكاحه من دليل آخر، وقد وجدنا الدليل في عموم قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء٣] والأمَةُ من النساء. ٢ - هل يشترط لمن أراد نكاح الأمة أن تكون مؤمنة؟ اختلفوا في ذلك، وخلافهم مبني على الخلاف في حجية مفهوم الصفة الوارد في قوله تعالى: ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء٢٥]، فذهب الجمهور إلى اشتراط إيمان الأمة أخذا بمفهوم الصفة المتقدم، فقوله من فتياتكم المؤمنات، يدل بمفهوم المخالفة أن غير المؤمنة لا يجوز نكاحها. وذهب الحنفية إلى جواز نكاح الأمة الكتابية، وقالوا: النص على المؤمنة لا يدل على نفي الحكم عما عداها، وإنما يدل على أن ما عداها يطلب حكمها من دليل آخر، وقد وجدنا الدليل يدل على التفريق بين الكتابيات وغيرهن من الكافرات في قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [المائدة٥]، فالكتابية يجوز نكاحها سواء أكانت حرة أم أمة بخلاف بقية الكفار.

стр. 387

منهج الحنفية في تقسيم كيفية الدلالة عرفنا أن الجمهور يقسمون الدلالة إلى دلالة منطوق ودلالة مفهوم. وأما الحنفية فإنهم يجعلون الدلالة أربعة أقسام: ١ـ دلالة العبارة (عبارة النص): وهي دلالة اللفظ على المعنى المتبادر فهمه من الصيغة. مثالها قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام١٢١] فعبارة النص تدل على تحريم متروك التسمية. وهي تقابل دلالة المنطوق عند الجمهور. ٢ـ دلالة الإشارة (إشارة النص): وهي دلالة اللفظ على معنى غير مقصود بسياق الكلام، ولكنه لازم للمعنى الذي سيق له الكلام. مثالها قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ [الحشر٨]، قالوا: هذه الآية تدل بطريق الإشارة على أن الكفار إذا استولوا على أموال المسلمين يملكونها؛ لأن الله سماهم فقراء مع أن أموالهم تحت أيدي الكفار. ومثلها الأمثلة السابقة في دلالة الإشارة عند الجمهور، فإن مصطلح الفريقين متقارب في هذه الدلالة. ٣ـ دلالة الاقتضاء (اقتضاء النص): وهي: زيادة على المنصوص يشترط تقديرها ليصير المنظوم مفيدا أو

стр. 388

موجبا للحكم، وبدونها لا يمكن إعمال المنظوم وتصحيحه. ومثالها قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة٣]، لا بد من تقدير محذوف وهو أكل الميتة، وقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء ٢٣] يقتضي تقدير محذوف وهو الوطء ودواعيه. ومصطلحهم في هذه كمصطلح الجمهور، وإنما وقع الخلاف في عموم المقتضى أو المقدر. ٤ـ دلالة النص: وهي دلالة المنطوق على أن حكمه ثابت للمسكوت لكونه أولى منه. وهي التي يسميها الجمهور مفهوم الموافقة، وأمثلتها تقدمت. وأما مفهوم المخالفة فيسميه الحنفية دلالة المخصوص بالذكر على نفي الحكم عما عداه، وهو عندهم ليس حجة كما تقدم.

стр. 389

دلالة اللفظ من حيث الظهور والخفاء جرى جمهور الأصوليين على تقسيم اللفظ الدال من حيث ظهور دلالته وخفاؤها إلى ثلاثة أقسام: النص، والظاهر، والمجمل. أولا: النص: وهو في اللغة: الكشف والظهور، يقال: نصت الظبية رأسها إذا رفعته وأظهرته، ومنه منصة العروس، وهو الكرسي الذي تجلس عليه. وفي الاصطلاح: يطلق النص في مقابلة الظاهر والمجمل، ويكون المقصود به: ما دل على معناه دلالة لا تحتمل التأويل. مثل دلالة قوله تعالى: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور٤] على مقدار الجلد. وقيل: ما دل على معناه ولم يحتمل غيره احتمالا ناشئا عن دليل. وعلى هذا فالاحتمال الذي لا دليل عليه لا ينقض قوة الدلالة، ولا يجعل اللفظ ظاهرا بل يبقى في مرتبة النص. ويطلق النص في مقابل الدليل العقلي أو الدليل من المعنى فيكون المقصود به النقل، سواء أكان نصا صريحا أم ظاهرا أم مجملا. وهذا كما يقول الفقهاء دليلنا النص والقياس، فإنهم لا يقصدون النص بمعناه المقابل للظاهر بل المقابل للقياس ونحوه.

стр. 390

ثانيا: الظاهر: وهو في اللغة: خلاف الباطن، وهو الواضح، يقال: ظهر الأمر إذا انكشف. وفي الاصطلاح: ما احتمل معنيين هو في أحدهما أظهر. وهذا يدل على أن الظاهر صفة للفظ؛ لأن اللفظ هو الذي احتمل معنيين، وقد يطلقون لفظ الظاهر على المعنى الراجح الذي دل عليه اللفظ مع احتمال غيره احتمالا مرجوحا، فيقولون: هو الاحتمال الراجح. ومثاله: دلالة الأمر على الوجوب مع احتمال الندب، ودلالة النهي على التحريم مع احتمال الكراهة، كقوله ﷺ : «صلوا كما رأيتموني أصلي» (متفق عليه) وقوله: «لا تبع ما ليس عندك» (أخرجه أحمد وأصحاب السنن)، وقوله: «لا تلقوا الجلب» (أخرجه مسلم). وهكذا كل حقيقة احتملت المجاز ولم تقم قرينة قوية تدل على ذلك فهي ظاهرة في المعنى الحقيقي. وقد يعرفون الظاهر بما كانت دلالته على المعنى دلالة ظنية لا قطعية؛ تفريقا بينه وبين النص، وقد وقع للشافعي تسمية الظاهر نصا كما نقل ذلك الإمام الجويني وغيره. المؤول: إذا ذكر الظاهر ذكر معه المؤول. والمؤول في اللغة: اسم مفعول من التأويل، وفعله آل يؤول، بمعنى: رجع، فيكون المؤول بمعنى المرجوع به، والتأويل بمعنى الرجوع. وفي الاصطلاح: المؤول: هو اللفظ المحمول على الاحتمال المرجوح بدليل،
следующие страницы →