← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 36379

أصول الفقه الذي لا يسع الفقيه جهله

عياض السلمي

Полный текст (493 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء٢٥]. فالجمهور قالوا الآية تدل بمفهوم المخالفة في قوله: (ومن لم يستطع) على أن المستطيع لمهر الحرة القادر على نكاحها ليس له أن ينكح الأمة. والحنفية قالوا الآية بينت حكم من لم يستطع مهر الحرة وسكتت عن المستطيع، فيطلب حكم نكاحه من دليل آخر، وقد وجدنا الدليل في عموم قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء٣] والأمَةُ من النساء. ٢ - هل يشترط لمن أراد نكاح الأمة أن تكون مؤمنة؟ اختلفوا في ذلك، وخلافهم مبني على الخلاف في حجية مفهوم الصفة الوارد في قوله تعالى: ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء٢٥]، فذهب الجمهور إلى اشتراط إيمان الأمة أخذا بمفهوم الصفة المتقدم، فقوله من فتياتكم المؤمنات، يدل بمفهوم المخالفة أن غير المؤمنة لا يجوز نكاحها. وذهب الحنفية إلى جواز نكاح الأمة الكتابية، وقالوا: النص على المؤمنة لا يدل على نفي الحكم عما عداها، وإنما يدل على أن ما عداها يطلب حكمها من دليل آخر، وقد وجدنا الدليل يدل على التفريق بين الكتابيات وغيرهن من الكافرات في قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [المائدة٥]، فالكتابية يجوز نكاحها سواء أكانت حرة أم أمة بخلاف بقية الكفار.

стр. 387

منهج الحنفية في تقسيم كيفية الدلالة عرفنا أن الجمهور يقسمون الدلالة إلى دلالة منطوق ودلالة مفهوم. وأما الحنفية فإنهم يجعلون الدلالة أربعة أقسام: ١ـ دلالة العبارة (عبارة النص): وهي دلالة اللفظ على المعنى المتبادر فهمه من الصيغة. مثالها قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام١٢١] فعبارة النص تدل على تحريم متروك التسمية. وهي تقابل دلالة المنطوق عند الجمهور. ٢ـ دلالة الإشارة (إشارة النص): وهي دلالة اللفظ على معنى غير مقصود بسياق الكلام، ولكنه لازم للمعنى الذي سيق له الكلام. مثالها قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ [الحشر٨]، قالوا: هذه الآية تدل بطريق الإشارة على أن الكفار إذا استولوا على أموال المسلمين يملكونها؛ لأن الله سماهم فقراء مع أن أموالهم تحت أيدي الكفار. ومثلها الأمثلة السابقة في دلالة الإشارة عند الجمهور، فإن مصطلح الفريقين متقارب في هذه الدلالة. ٣ـ دلالة الاقتضاء (اقتضاء النص): وهي: زيادة على المنصوص يشترط تقديرها ليصير المنظوم مفيدا أو

стр. 388

موجبا للحكم، وبدونها لا يمكن إعمال المنظوم وتصحيحه. ومثالها قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة٣]، لا بد من تقدير محذوف وهو أكل الميتة، وقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء ٢٣] يقتضي تقدير محذوف وهو الوطء ودواعيه. ومصطلحهم في هذه كمصطلح الجمهور، وإنما وقع الخلاف في عموم المقتضى أو المقدر. ٤ـ دلالة النص: وهي دلالة المنطوق على أن حكمه ثابت للمسكوت لكونه أولى منه. وهي التي يسميها الجمهور مفهوم الموافقة، وأمثلتها تقدمت. وأما مفهوم المخالفة فيسميه الحنفية دلالة المخصوص بالذكر على نفي الحكم عما عداه، وهو عندهم ليس حجة كما تقدم.

стр. 389

دلالة اللفظ من حيث الظهور والخفاء جرى جمهور الأصوليين على تقسيم اللفظ الدال من حيث ظهور دلالته وخفاؤها إلى ثلاثة أقسام: النص، والظاهر، والمجمل. أولا: النص: وهو في اللغة: الكشف والظهور، يقال: نصت الظبية رأسها إذا رفعته وأظهرته، ومنه منصة العروس، وهو الكرسي الذي تجلس عليه. وفي الاصطلاح: يطلق النص في مقابلة الظاهر والمجمل، ويكون المقصود به: ما دل على معناه دلالة لا تحتمل التأويل. مثل دلالة قوله تعالى: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور٤] على مقدار الجلد. وقيل: ما دل على معناه ولم يحتمل غيره احتمالا ناشئا عن دليل. وعلى هذا فالاحتمال الذي لا دليل عليه لا ينقض قوة الدلالة، ولا يجعل اللفظ ظاهرا بل يبقى في مرتبة النص. ويطلق النص في مقابل الدليل العقلي أو الدليل من المعنى فيكون المقصود به النقل، سواء أكان نصا صريحا أم ظاهرا أم مجملا. وهذا كما يقول الفقهاء دليلنا النص والقياس، فإنهم لا يقصدون النص بمعناه المقابل للظاهر بل المقابل للقياس ونحوه.

стр. 390

ثانيا: الظاهر: وهو في اللغة: خلاف الباطن، وهو الواضح، يقال: ظهر الأمر إذا انكشف. وفي الاصطلاح: ما احتمل معنيين هو في أحدهما أظهر. وهذا يدل على أن الظاهر صفة للفظ؛ لأن اللفظ هو الذي احتمل معنيين، وقد يطلقون لفظ الظاهر على المعنى الراجح الذي دل عليه اللفظ مع احتمال غيره احتمالا مرجوحا، فيقولون: هو الاحتمال الراجح. ومثاله: دلالة الأمر على الوجوب مع احتمال الندب، ودلالة النهي على التحريم مع احتمال الكراهة، كقوله ﷺ : «صلوا كما رأيتموني أصلي» (متفق عليه) وقوله: «لا تبع ما ليس عندك» (أخرجه أحمد وأصحاب السنن)، وقوله: «لا تلقوا الجلب» (أخرجه مسلم). وهكذا كل حقيقة احتملت المجاز ولم تقم قرينة قوية تدل على ذلك فهي ظاهرة في المعنى الحقيقي. وقد يعرفون الظاهر بما كانت دلالته على المعنى دلالة ظنية لا قطعية؛ تفريقا بينه وبين النص، وقد وقع للشافعي تسمية الظاهر نصا كما نقل ذلك الإمام الجويني وغيره. المؤول: إذا ذكر الظاهر ذكر معه المؤول. والمؤول في اللغة: اسم مفعول من التأويل، وفعله آل يؤول، بمعنى: رجع، فيكون المؤول بمعنى المرجوع به، والتأويل بمعنى الرجوع. وفي الاصطلاح: المؤول: هو اللفظ المحمول على الاحتمال المرجوح بدليل،

стр. 391

سمي بذلك لأن المؤوِّل يرجع معنى اللفظ إلى المعنى البعيد الذي لم يكن موضوعا له لدليل يذكره. والتأويل: حمل اللفظ على الاحتمال المرجوح بدليل. وهذا التعريف يشمل التأويل الصحيح والتأويل الفاسد. فالتأويل الصحيح: حمل اللفظ على الاحتمال غير المتبادر للذهن بدليل قوي يقتضي ذلك. والتأويل الفاسد: حمل اللفظ على الاحتمال غير المتبادر للذهن بدليل ضعيف لا يقوى على صرف اللفظ عن ظاهره. والمؤوَّل هو: اللفظ المصروف عن ظاهره بدليل، فإن كان الدليل قويا يقتضي رجحان الاحتمال الذي كان مرجوحا لولاه فهو تأويل صحيح وإلا كان باطلا. مثال التأويل الصحيح: تخصيص العام بدليل خاص، مثل تخصيص قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة٢٧٥] بالأحاديث الدالة على تحريم البيع على بيع أخيه، والبيع مع النجش، وبيع الحصاة ونحوه من بيوع الغرر. فحينئذ نقول: هذه الآية مصروفة عن عمومها الذي كان هو المتبادر من اللفظ، والصارف لها الأدلة السابقة. ومثله تأويل قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [النحل٩٨]، على أن المراد: إذا أردت قراءة القرآن، وليس المراد إذا فرغت من قراءته كما يفيده ظاهر اللفظ من حيث الوضع.

стр. 392

ومثله قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة٦]، فإنها مؤولة عن ظاهرها، والمقصود: إذا أردتم القيام للصلاة؛ لأن الوضوء يسبق القيام للصلاة. ومثال التأويلات الباطلة: تأويل الحنفية حديث غيلان عندما أسلم وتحته عشر نسوة، فقال له النبي ﷺ : «أمسك منهن أربعا وفارق سائرهن» (أخرجه مالك والدراقطني وابن حبان) على أن المراد: أمسك الأربع الأول منهن، أو على أن المراد ابتدئ نكاح أربع منهن. ومما يبطل هذا التأويل أن الشبهة التي استندوا إليها لا تقوى على ترجيح ما ذكروه من احتمال بعيد؛ لأنهم قالوا: إن المتأخرات نكاحهن باطل فلا يجوز أن يختار منهن أحدا إلا بعقد جديد. والجواب: عن هذا أن الرجل الذي جاء الحديث في شأنه حديث الإسلام ولا يعرف شروط النكاح وأركانه، ولو أراد النبي ﷺ اشتراط أن تكون الأربع هن المتقدم نكاحهن لبين له ذلك، ولَمّا سكت النبي ﷺ عن بيان ذلك عرفنا أن الأمر متروك لاختيار الزوج. ثم إن النبي ﷺ قد أقر الكفار الذين أسلموا على أنكحتهم ولم يغيرها ولم يأمر بتجديدها مما يدل على أن الفرقة لم تحصل بمجرد الإسلام؛ إذ لو حصلت لم يخير. وكذلك تأويلهم حديث: «أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل» (أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي)، بأن المراد بها الصغيرة أو الأمة أو المكاتبة، ولا يخفى بعد هذا الاحتمال.

стр. 393

شروط التأويل الصحيح: لصحة التأويل شرطان: ١ ـ أن يكون اللفظ محتملا للمعنى الذي يراد صرفه إليه في لغة العرب، أو في عرف الاستعمال، وهذا يعرف بمعرفة وضع اللفظ في اللغة أو معرفة عرف الاستعمال عند أهل اللغة أو عرف الشرع وعادته. ٢ ـ أن يقوم على التأويل دليل صحيح، إما من السياق الذي جاء فيه اللفظ أو من دليل آخر لا يمكن الجمع بينه وبين هذا الدليل إلا بتأويل أحدهما. مثال ما استدل على تأويله بالسياق قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ [آل عمران١٧٣]، فلفظ الناس الوارد أولا يجب تأويله عن ظاهره ليكون المراد به فئة قليلة من الناس، بدليل قوله بعد ذلك: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾، وبدليل قوله في صدر الآية: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾، فالسياق يدل على أن هناك قائلا ومقولا له، ومخبرا عنه بالإضافة إلى دلالة الحس، على أن أكثر الناس في أقطارهم لا علاقة لهم بالواقعة. ومثله: حمل اللفظ على المجاز لقيام القرينة، كقولك: رأيت أسدا متقلدا سيفا. ومثال ما كان دليل التأويل فيه مستقلا: التخصيص بالمخصصات المنفصلة، وحمل المطلق الوارد في موضع على المقيد في موضع آخر. وقد تقدمت له أمثلة كثيرة.

стр. 394

تنبيه: لفظ التأويل لم يرد في الشرع مرادا به حمل اللفظ على الاحتمال المرجوح لدليل أقوى، كما هو في الاصطلاح، وإنما جاء لفظ التأويل في نصوص الشرع للمعاني التالية: ١ ـ ما يؤول إليه الأمر، مثل حقائق ما أخبر الله عنه من البعث والحساب ونصب الموازين ونحو ذلك، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران٧] بناء على الوقف عند لفظ الجلالة. ٢ ـ التفسير، ومنه قوله ﷺ لابن عباس: «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل» (أخرجه أحمد وابن حبان والطبراني والحاكم في المستدرك، وأصله في الصحيحين بغير اللفظة التي فيها الشاهد، وهي قوله: «وعلمه التأويل» كما في فتح الباري)، وقوله تعالى: ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ﴾ [يوسف٤٤] أي: بتفسيرها. ٣ ـ صرف اللفظ عن معناه الصحيح إلى معنى فاسد غير مراد، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران٧] ويمكن أن يحمل لفظ التأويل هنا على المعنى الثاني وهو التفسير، ولكن لما عطف على المذموم وهو اتباع المتشابه ترجح أن يكون مذموما وناسب أن يكون معنى ثالثا. وهذا الاستقراء لمعاني التأويل في الكتاب والسنة حمل بعض العلماء إلى النفرة من التأويل وذمه، مع أنه بالمعنى الاصطلاحي يشمل المحمود والمذموم، والمحمود لا يمكن أن يتجنبه أحد من علماء الشريعة؛ وذلك لأنهم يعدون التخصيص وحمل المطلق على المقيد، وحمل اللفظ على المجاز لقرينة، والجمع بين النصوص

стр. 395

بأي طريق، من التأويل، وهل يمكن أن يستغني أحد من علماء الشريعة عن ذلك كله؟!. ثالثا: المجمل: وهو في اللغة: المبهم، اسم مفعول من الإجمال بمعنى الإبهام أو الضم، يقال: أجمل الأمر، أي: أبهمه، ويقال: أجملت الحساب إذا جمعته، وجمل الشحم إذا أذابه وجمعه، ومنه قوله ﷺ : «حرمت عليهم الشحوم فجملوها وباعوها» (متفق عليه من حديث عمر ﵁). وفي الاصطلاح: «ما دل على أحد معنيين لا مزية لأحدهما عن الآخر بالنسبة إليه». شرح التعريف: قولهم: (ما دل) يخرج اللفظ المهمل الذي لا دلالة له ولا معنى يمكن أن يراد به. وقولهم: (على أحد معنيين) أخرج النص، فإنه يدل على معنى واحد معين. وقولهم: (لا مزية لأحدهما على الآخر) أخرج الظاهر، فإنه يدل على معنيين لكن أحدهما أرجح من الآخر. قولهم: (بالنسبة إليه) أي: بالنظر إلى اللفظ المجمل وحده، وإن كان أحد المعنيين راجحا بالنسبة لدليل آخر بيَّن المجمل، وذلك لأن الإجمال لم يعد باقيا في شيء من نصوص الوحي التكليفية، فهي قد بينت ـ والحمد لله ـ أكمل بيان. والنصوص المجملة الباقية على إجمالها لا يتعلق بها تكليف.

стр. 396

مثال المجمل الذي بيِّن: قوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام١٤١] فقد قام الدليل على أن الحق الواجب في المال هو الزكاة ومقاديرها معلومة، وذهب بعض العلماء إلى أن المراد بالحق هنا: الصدقة المطلقة منه يوم الحصاد بما تجود به نفس المالك من غير تحديد. ومثله قوله ﷺ : «ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي حقها» الحديث (أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة)، فإن الحق قد بين بالنصوص المبينة لمقادير الزكاة. ومثال المجمل الباقي على إجماله لكونه لم يتعلق به تكليف: الحروف المقطعة في أوائل بعض السور، مثل: ألم، حم، ونحو ذلك. وقد خص كثير من العلماء هذا النوع من المجمل باسم خاص فسماه المتشابه. وعلى ذلك لا يكون هناك مجمل لم يبين، ولكن يوجد متشابه استأثر الله بعلمه أو علمه الراسخون في العلم دون غيرهم، كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران٧]. وقد اختلف القراء في الوقف أين يكون؟ فمن وقف عند لفظ الجلالة: (إلا الله)، قال: إن المتشابه ما استأثر الله بعلمه، ومثل له بحقائق ما يقع يوم القيامة، من وزن الأعمال ونصب الصراط والعبور عليه ونحو ذلك، وبكيفيات صفات الله جل وعلا. ومن وقف عند لفظ العلم، قال: إن الراسخين في العلم يعلمون المتشابه، وفسر المتشابه بما غمض معناه حتى لا يعرفه إلا الراسخون في العلم.

стр. 397

ولكل من الفريقين حجج في ترجيح ما ذهب إليه، والآية محتملة للأمرين. أسباب الإجمال: للإجمال أسباب أهمها: ١ـ الاشتراك اللفظي: وهو تردد اللفظ بين معنيين فأكثر، وذلك بأن يكون اللفظ الوارد في الدليل له معنيان متساويان عند العرب، ولا يوجد في النص ما يدل على المراد منهما صراحة، مثل لفظ: القروء، الوارد في قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة٢٢٨] فإنه يحتمل الأطهار والحيض، ولا يوجد في السياق ما يدل صراحة على المراد منهما، وإن كان كل من المختلفين استظهر من النص ما يؤيد رأيه. ومثله: لفظ الشفق في قول الراوي: صلى العشاء بعد غيبوبة الشفق (متفق عليه). فإنه يطلق على الحمرة وعلى البياض اللذين يعقبان غروب الشمس. ٢ـ اشتهار المجاز وكثرة استعماله: فاللفظ قد يكون حقيقة في معنى ثم يستعمل مجازا في معنى آخر ويشتهر حتى يصبح مساويا للحقيقة في الاستعمال، فإذا ورد في الدليل احتمل المعنيين على السواء، مثل لفظ العين، يطلق في اللغة على العين الباصرة حقيقة، ويطلق على الجاسوس مجازا، وقد اشتهر هذا الإطلاق حتى ساوى الحقيقة وأمكن أن يكون سببا للإجمال. ومثله: لفظ النكاح، فإنه في أصل اللغة للوطء ثم أطلق على العقد مجازا واشتهر حتى ساوى الحقيقة، فإذا ورد لفظ النكاح في الأدلة الشرعية احتمل المعنيين فصار مجملا ما لم يصحبه بيان.

стр. 398

وذلك كقوله تعالى: ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة٢٣٠]. فلفظ تنكح زوجا غيره، يحتمل الاكتفاء بالعقد، أو لزوم الوطء بعد العقد. ولولا بيان الرسول ﷺ للمراد من ذلك بقوله ﷺ : «حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك» (متفق عليه من حديث عائشة) لكان مجملا. ٣ـ الإطلاق أو التعميم في موضع لا يمكن العمل فيه بالمعنى الظاهر من اللفظ لافتقاره إلى التحديد: ومثاله قوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام١٤١]، فالحق مطلق غير محدود ولا معروف المقدار، وكذلك الأمر بالصلاة قبل بيان صفتها. والفرق بين هذا السبب والسبب الأول: أن السبب الأول يكون للفظ فيه معنيان محددان أو معانٍ محددة نجزم بأن المراد أحدها، وأما في هذا السبب فإن المعنى المقصود غير معروف بعينه، ولا هو محصور في معان محددة بحيث يتردد بينها. الفرق بين المجمل والمشترك: يعقد كثير من الأصوليين فصلا أو بابا للمشترك وآخر للمجمل، مع أن القارئ لا يتبين له في الغالب الفرق بينهما. وقد فرق بينهما بعض العلماء بأن الإجمال بالنسبة إلى الفهم، والاشتراك بالنسبة إلى وضع اللفظ واستعماله. ولبيان ذلك أقول: كون الدليل مجملا أمر نسبي يختلف من عالم لآخر، فقد يكون الدليل مجملا عند عالم ومبينا عند غيره، وذلك بحسب ما يصل إليه اجتهاد كل منهما.

стр. 399

وأما الاشتراك فهو من حيث الوضع في اللغة، فاللفظ قد يكون مشتركا ولكنه يستعمل في أحد معانيه فلا يكون مجملا، وقد يغمض المراد منه فيكون مجملا. وأيضا فإن الإجمال في الأدلة الشرعية قد بين، ولم يبق لفظ مجمل لا بيان له على الأرجح من قولي العلماء. أما الاشتراك فلا أحد يدعي انتهاءه من اللغة العربية، ولهذا فإن الكلام في الاشتراك بحث لغوي صرف لا ينبغي أن يحشر في أصول الفقه، وأما الكلام في الإجمال فهو أصل يجب أن لا يخلو منه كتاب في أصول الفقه.

стр. 400

تقسيم الحنفية دلالة اللفظ من حيث الوضوح والخفاء قسم علماء الحنفية اللفظ إلى واضح الدلالة وخفي الدلالة. وقسموا واضح الدلالة أربعة أقسام رتبوها من الأدنى وضوحا إلى الأعلى على النحو التالي. ١ـ الظاهر ، ٢ـ النص ، ٣ـ المفسر، ٤ـ المحكم. وقسموا خفي الدلالة أربعة أقسام رتبوها من الأقل خفاء إلى الأكثر على النحو التالي: ١ـ الخفي، ٢ـ المشكل، ٣ـ المجمل، ٤ـ المتشابه. وإليك تعريفا موجزا لكل من تلك الأقسام مع مثاله. ١ـ الظاهر: وهو: ما ظهر المراد به للسامع بصيغته (١). مثاله: قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة٢٧٥] فالآية ظاهرة في إباحة البيع الخالي من الربا، وتحريم الربا. وعندهم أن الظاهر يقبل التأويل والتخصيص والنسخ. ٢ـ النص: وهو مازاد وضوحا على الظاهر بمعنى في المتكلم لا في نفس الصيغة (٢).

стр. 401

مثاله: قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء٣] فالآية نص في جواز نكاح الأربع فما دون. وقد فرق بعض علماء الحنفية بين النص والظاهر، بأن النص هو: الدال على معنى سيق الكلام للدلالة عليه، والظاهر: ما دل على معنى لم يسق الكلام للدلالة عليه. واعترض البخاري شارح أصول البزدوي على ذلك (١). وعندهم أن النص يقبل التخصيص والنسخ، ولا يقبل التأويل. ٣ـ المفسر: وهو ما ازداد وضوحا على النص بمعنى في النص أو بغيره. أي: سواء كان وضوحه لأجل قرينة في النص أو لدليل خارجي أخرجه من الإجمال إلى الوضوح، أو من احتمال التأويل إلى عدم احتماله. مثاله: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ [الحجر٣٠] فهذا مفسر لكونه أكد فيه العموم على وجه يمنع احتمال التأويل والتخصيص. والمفسر عند الحنفية لايقبل التأويل ولا التخصيص، ولكنه يحتمل النسخ في عهد الرسالة. ٤ـ المحكم: وهو ما ازداد قوة وأُحكِم المراد به عن احتمال النسخ والتبديل. مثاله: قوله تعالى: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة٢٩] ونحوها من الآيات التي تقرر حكما كليا أساسا في الإسلام، ولا يمكن أن يتطرق إليه التأويل أو

стр. 402

التخصيص أو النسخ. أقسام خفي الدلالة: ١ـ الخفي: وهو: اسم لما اشتبه معناه وخفي المراد منه بعارض في الصيغة يمنع نيل المراد بها إلا بالطلب (١). والمعنى: أن الخفي لم يظهر المراد منه، والسبب في خفائه راجع إلى عارض عرض للصيغة فجعلها ليست ظاهرة الدلالة عليه. ومثاله قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة٣٨]، في دلالته على النباش الذي ينبش القبور فيأخذ أكفان الموتى، فإن دلالة الآية على قطع النباش دلالة خفية، والسبب في خفائها أن النباش اختص باسم يخصه، فقد يكون إطلاق هذا الاسم عليه لا يخل بمعنى السرقة الذي علق عليه القطع، وإنما هو لبيان سبب السرقة، وقد يكون اختصاصه بهذا الاسم لبيان اختلاف حاله عن حال السارق، كما نقل عن أبي حنيفة أن السارق يأخذ المال خفية وهو يسارق عين مالكه أو حارسه، أما النباش فلا يسارق عين صاحب الكفن؛ لأنه ميت. وأيضا فإن السارق أخذ مالا يستفيد منه صاحبه لو لم يسرق، وأما النباش فإنه أخذ مالا آيلا للتلف، ولهذا ذهب أكثر الحنفية إلى عدم قطع النباش ولم يأخذوا بالدلالة الخفية الموجودة في الآية. والواجب على المجتهد زيادة الطلب حتى يتبين له المراد من اللفظ.

стр. 403

٢ـ المشكل: وهو اسم لما يشتبه المراد منه؛ بدخوله في أشكاله على وجه لا يعرف المراد إلا بدليل يتميز به من بين سائر الأشكال (١). وهو عندهم ضد النص، وهو قريب من المجمل ، ويختلف عنه بأنه يعرف المراد منه بزيادة التأمل. مثاله: قوله تعالى: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة٢٢٣]، فيحتمل أنه يدل على إتيان المرأة في دبرها، ودلالته على المنع من ذلك دلالة خفية تتبين بالنظر إلى فائدة الحرث وهو الإنتاج، ومعلوم أن الوطء في الدبر لا ينتج الولد فيكون غير داخل في مقصود الشارع بالآية. وحكمه: اعتقاد أنه حق، والتأمل فيه إلى أن يَبين المراد. ٣ـ المجمل: وهو اللفظ الذي لا يفهم المراد منه إلا باستفسار المجمِل وبيان من جهته يعرف به المراد (٢). ومثاله: قوله تعالى: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة٢٧٥]؛ فإن الربا في اللغة: الزيادة، وليس ذلك المعنى مرادا؛ لأن البيع ما شرع إلا للاسترباح وطلب الزيادة، ولذا فإن لفظ الربا كان مجملا حتى جاء بيانه من قبل الشارع نفسه، ولا يمكن أن يعرف المراد منه في الآية إلا ببيان من جهة الشارع. وهذا هو الفرق بين المجمل والمشكل، فإن المشكل قد يعرف المراد منه بالتأمل والنظر في القرائن المصاحبة ونحو ذلك، بخلاف المجمل فإنه لايمكن

стр. 404

معرفة المراد منه إلا ببيان من المتكلم به. وحكمه: اعتقاد أنه حق، والتوقف فيه إلى الوقوف على البيان من قبل الشارع. ٤ـ المتشابه: وهو اسم لما انقطع رجاء معرفة المراد منه لمن اشتبه فيه (١). مثاله: الحروف المقطعة في أوائل السور، وكيفيات صفات الله جل وعلا، فإنها من المتشابه مع أن أصل الصفات معلومة، وإنما التشابه في كيفياتها. وحكم هذا القسم: اعتقاد أنه حق، والإيمان به على مراد الله جل وعلا ومراد رسوله ﷺ . ومما تقدم يتبين أن الأقسام الثلاثة الأولى يدخلها الجمهور فيما يسمى بالمجمل عندهم، ولكن بينها تفاوت في درجة الإجمال، فبعضها يزول ما فيه من إجمال بالتأمل اليسير، وبعضها يحتاج إلى مزيد تأمل، وبعضها لا بد فيه من البحث في أدلة الشرع الأخرى لمعرفة المراد منه. وأما القسم الرابع ـ وهو المتشابه ـ فهو الذي انقطع الأمل في بيانه، ويطلق عليه الجمهورُ الاسمَ نفسَه.

стр. 405

البيان تعريفه: البيان في اللغة: الإيضاح والكشف. والمبيَّن: الموضح. وفي الاصطلاح: يطلق البيان على الدليل الذي أوضح المقصود بالمجمل، وهو المبيِّن. ويطلق على الخطاب الواضح ابتداء، ويطلق على فعل المبيِّن. ويطلق المبيَّن ـ بالفتح ـ على الدليل المحتاج إلى بيان، كالمجمل بعد ورود بيانه، كما يطلق على الخطاب الذي ظهر معناه ابتداء، ولهذا اختلفت عبارات الأصوليين في تعريفه. فبعضهم عرفه بأنه: إخراج الشيء من حيز الإشكال إلى حيز التجلي. وعرفه بعضهم بأنه: الدليل. والخطب يسير، كما قال الغزالي؛ فإنه لا حاجة لعقد باب مستقل له، وإنما ينبغي أن يلحق بالمجمل. مراتب البيان: البيان واجب على الرسول ﷺ ؛ لقوله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل٤٤]. والبيان يحصل بأمور، بعضها أقوى من بعض، وهي: ١ ـ القول: وهو الكلام المسموع، وقد حصل غالب البيان للشريعة بهذا الطريق،

стр. 406

فبينت أنصبة الزكاة، والقدر الواجب فيها بالقول، وبينت أكثر أحكام الصلاة والبيوع وسائر المعاملات بالقول. ٢ ـ الفعل: وهو أن يفعل النبي ﷺ ما يبين مجمل القرآن أو مجمل سنة سابقة، وذلك كبيان صفة الصلاة وعدد ركعاتها، وصفة الحج؛ فإن أكثر ذلك إنما بين بالفعل، مع قوله ﷺ «خذوا عني مناسككم» (رواه مسلم) وقوله في الصلاة: «صلوا كما رأيتموني أصلي» (رواه البخاري). ٣ ـ الكتاب: وهو أن يكتب النبي ﷺ ما يبين بعض الفرائض، والغالب أن لا يكون البيان بالكتابة إلا للبعيد عن المدينة، وذلك مثل كتابه لأهل اليمن الذي فيه بيان زكاة بهيمة الأنعام، والديات. ٤ ـ الإشارة: وذلك بأن يشير النبي ﷺ إلى المراد، بيده أو بغير ذلك، ومثاله: قوله: «الشهر هكذا وهكذا وهكذا» الحديث (متفق عليه)، وأشار مرة بأصابع يديه العشرة ثلاث مرات، وأشار مرة أخرى بأصابع يديه العشرة مرتين وعقد في الثالثة أحد أصابعه؛ إشارة إلى أن الشهر قد يكون تسعة وعشرين يوما. وكذلك إشارته بيده إلى وضع النصف من الدين في حديث كعب بن مالك وأبي حدرد حين تقاضى كعب دَينا له على أبي حدرد في المسجد فارتفعت أصواتهما حتى سمعها رسول الله ﷺ فخرج إليهما فنادى: «يا كعب» قال: لبيك يا رسول الله، فأشار إليه بيده أن ضع الشطر من دَينِك ... الحديث (متفق عليه).

стр. 407

٥ ـ التنبيه: وذلك بالإيماء إلى المعنى الذي يعلق عليه الحكم حتى يكون علة له، يوجد الحكم بوجودها. مثاله قوله ﷺ : «أينقص الرطب إذا جف» (أخرجه مالك وأصحاب السنن) فإن في ذلك إشارة إلى أن العلة في التحريم عدم تساوي الرطب والتمر. وكذلك قوله ﷺ لأبي بكر: «إنك لست ممن يجره خيلاء» (أخرجه البخاري) فإن فيه تنبيها إلى أن العلة في تحريم الإسبال الخيلاء، وإن كان بعض العلماء عمم التحريم عملا بالظاهر وأعرض عن دلالة هذا التنبيه. ٦ ـ الترك: والمقصود به أن يترك النبي ﷺ فعل الشيء مع قيام الداعي له، كما ترك الوضوء مما مسته النار مع أنه كان يتوضأ من الأكل مما مسته النار، (أخرجاه في الصحيحين) ففهم الصحابة من فعله نسخ الحكم السابق. والترك إن كان مع وجود المقتضي الداعي للفعل دل على عدم المشروعية، فأما الترك المطلق فإنما يكون دليلا على عدم الوجوب لا غير. ومثال الأول: ترك تجديد أنكحة من أسلم من الكفار، دليل على صحتها وعدم مشروعية تجديدها، وترك أخذ الزكاة من الخضروات كذلك. فأما ترك صلاة التراويح جماعة بعد أن صلاها ليلتين فإنه لا يدل على عدم مشروعيتها؛ لأنه بين علة الترك وهي خشية أن تفرض عليهم. ومثال الثاني: ترك قيام الليل ليلة جمعٍ (المزدلفة)، فإنه لا يدل على المنع، وترك مباشرة الأذان والإقامة لا يدل على كراهتها له ولا للأئمة بعده. وقد توسع بعضهم في الاستدلال بالترك، وظن أن كل ترك يمكن أن يكون

стр. 408

بيانا، وليس كذلك؛ لأن النبي ﷺ قد يترك فعل الشيء لعدم وجود الداعي له، كما ترك جمع القرآن في مصحف واحد، ولم ير الصحابة أن ذلك دليل على المنع إذا توافرت الدواعي، ولذلك أجمعوا على جمعه فيما بعد حين خافوا ضياع شيء منه أو الاختلاف فيه. وقد يجعل الترك داخلا في الفعل؛ لأن الأكثر يعدون الترك فعلا للضد مع قيام الداعي.

стр. 409

تأخير البيان تأخير البيان إما أن يكون تأخيراً عن وقت الحاجة أو تأخيرا عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة. والمقصود بوقت الحاجة: الوقت الذي يحتاج فيه المكلف إلى البيان؛ ليتمكن من الامتثال؛ بحيث لو تأخر البيان عنه لم يتمكن من العمل الموافق لمراد الشارع. والمقصود بوقت الخطاب: الوقت الذي يسمع فيه المكلف الخطاب، سواء أكان قرآنا أم سنة. وقد نقل ابن السمعاني الاتفاق على امتناع تأخير البيان عن وقت الحاجة. أما تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة إلى الفعل فهو محل الخلاف. والمراد أن الشارع هل يمكن أن يخاطب المكلفين بخطاب مجمل فيه تكليف مطلق أو مؤقت بوقت لم يأت بعد، ويؤخر بيانه إلى أن يأتي وقت العمل؟ الأقوال: القول الأول: جواز تأخير البيان من وقت الخطاب إلى وقت الحاجة مطلقا. وعليه أكثر العلماء من الشافعية والمالكية والحنابلة. واستدلوا بما يلي: أـ ... قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة١٨ - ١٩]. وجه الاستدلال: أن الله عطف البيان على الأمر بالاتباع بحرف (ثم)،

стр. 410

وهي للترتيب مع التراخي، فدل ذلك على جواز تأخير البيان عن المبيَّن إلى حضور وقت العمل. ب ـ قوله تعالى: ﴿إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ﴾ [العنكبوت٣٣] مع قوله: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [هود٤٦]. وجه الاستدلال: أن لفظ (أهلك) يشمل الأبناء، ولهذا فهم نوح ﵇ دخول ابنه في الناجين، فقال: ﴿إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ﴾ [هود٤٥] فبين الله جل وعلا بيانا متأخرا أن ابنه ليس من أهله الناجين؛ لكونه عملا غير صالح. ج ـ قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة١١٠] مع الأحاديث الكثيرة التي بينت صفة الصلاة وعدد ركعاتها، وبينت مقادير الزكاة والأنصباء. ولا يمكن أن يزعم المطلع على السنة أن بيان الصلاة والزكاة كان مقارنا لنزول الآيات التي فيها الأمر بها. القول الثاني: المنع من تأخير البيان مطلقا، سواء أكان بيانا لمجمل عام أم غير ذلك. وهو مذهب أكثر الحنفية والمعتزلة، وبعض الشافعية. واستدلوا بما يلي: أـ ... أن تأخير البيان عن الخطاب المحتاج إلى بيان فيه تجهيل للمكلف وإيقاع له في اعتقاد ما لم يرده الله جل وعلا، وهذا قبيح فيمتنع على الحكيم العليم. ب ـ لو جاز تأخير البيان فإما أن يجوز إلى أجل معين أو من غير أجل، فإن حددتم أجلا معينا فلا دليل عليه، وإن لم تحددوا أجلا لزم الخطاب بما لا

стр. 411

يفهم معناه، والتكليف بما لا يطاق. ونوقش الدليل الأول بأن ما يحتاج إلى بيان موقوف اعتقاده والعمل به على ورود البيان، والمطلوب من المكلف اعتقاد أنه حق وصدق على مراد الله جل وعلا من غير جزم باحتمال معين من بين الاحتمالات، ولا يلزم منه تجهيل. وأجاب الأشعرية ـ كعادتهم ـ بأن الله تعالى لا يقبح منه شيء، والعقل لا مدخل له في التحسين والتقبيح. ونوقش الدليل الثاني بأن التأخير الجائز هو تأخير البيان إلى حضور وقت العمل، ولا يلزم من ذلك التكليف بما لا يطاق. وأما لزوم الخطاب بما لا يفهم معناه فإن أرادوا به أن لا يكون له معنى مفهوم فممنوع؛ لأن المجمل له معنى ولكنه محتمل لأكثر من معنى، وإن أرادوا أن لا يكون له معنى متعين فيمكن التزامه ولا مفسدة فيه إذا لم يستمر الجهل بمعناه إلى وقت العمل. القول الثالث: جواز تأخير بيان المجمل دون غيره. وهو منقول عن الصيرفي وأبي حامد المروزي، واختاره أبو الحسين البصري وبعض المعتزلة. واستدل لهذا القول بما يلي: أن المجمل ليس له ظاهر يمكن العمل به فلا يلزم من تأخير بيانه إيقاع المكلف في اعتقاد الخطأ، وأما العام الذي أريد به الخصوص، والمطلق الذي أريد به المقيد، فلو أخر البيان لأدى ذلك إلى اعتقاد ما ليس مرادا لله تعالى، ولذا جاز تأخير بيان المجمل دون غيره. ويمكن أن يناقش هذا، بمثل ما نوقش به استدلال القول الثاني، وهو أن اعتقاد العموم في العام المخصوص أو الإطلاق في المطلق المراد به المقيد لا ينبغي

стр. 412

أن يقع من المكلف؛ إذ الواجب أن يعتقد أنه عام محتمل للتخصيص، أو مطلق محتمل للتقييد، لا أن يجزم بكونهما على العموم أو الإطلاق. وأما العمل فلو حضر وقته قبل التخصيص والتقييد علم أن العموم والإطلاق مرادان. وبهذا يتبين رجحان القول الأول، وهو مذهب الجمهور. التخريج على قاعدة تأخير البيان: قاعدة تأخير البيان ذات شقين، كما أسلفنا: الأول: عدم جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة. الثاني: جواز تأخير البيان إلى وقت الحاجة. فأما الشق الأول فهو محل وفاق، وقد خرجوا عليه قواعد كثيرة، من أهمها: ١ ـ حجية تقرير النبي ﷺ لما فُعل أو قيل بحضرته أو في زمنه وعلم به، ولهذا عدوا من أقسام السنة السنة التقريرية، وهي باب واسع من أبواب الاستدلال بالسكوت، أو ترك التفصيل والبيان، ومبناه على أن النبي ﷺ لا يجوز له شرعا أن يسكت عن بيان الحق عند الحاجة إليه، والفروع التي استدلوا لها بسكوت النبي ﷺ أكثر من أن تحصى. ٢ ـ رتب الشافعي على ذلك قاعدة من قواعد العموم، ونصها: ترك الاستفصال في مقام الإجمال ينزل منزلة العموم في المقال. والمقصود بها أن النبي ﷺ إذا سئل عن مسألة تحتمل أكثر من وجه فأفتى فيها من غير استفصال من السائل دل ذلك على أن حكم جميع الأوجه واحد. ٣ ـ إجراء العام على عمومه، والمطلق على إطلاقه إذا حضر وقت العمل، ولم يبين الشرع للأمة تخصيص ذلك العام أو تقييد المطلق.

стр. 413

ويمكن أن يعبر عن هذا بأن الأصل إجراء العام على عمومه والمطلق على إطلاقه. وقد خرجوا على ذلك ما لا يحصى من المسائل الأصولية والفرعية، والمتتبع لاستدلال الأصوليين والفقهاء يجد أنهم يعولون على هذه القاعدة كثيرا. وأما الشق الثاني من القاعدة وهو المختلف فيه فقد انبنى على الخلاف فيه اختلاف في مسائل أصولية مهمة، ولكن الذين رتبوا تلك المسائل على هذا الخلاف قلة من الأصوليين، وأهم هذه المسائل هي: الخاص المتأخر عن العام هل يعد مخصصا أو ناسخا لما يقابله من أفراد العام؟ فالحنفية منعوا تأخير البيان ورتبوا على ذلك أن الدليل الخاص المتأخر عن العام زمنا يمكن فيه العمل بالعام يعد ناسخا لا مخصصا، وعلى ذلك يشترط فيه ما يشترط في الناسخ. ومعلوم أن خبر الآحاد لا يصلح ناسخا للقرآن عند الأكثر، فلو كان الخاص خبر آحاد متأخرا لم يجز العمل به عندهم؛ لأنه لا يصلح مخصصا ولا ناسخا. والجمهور أجازوا تأخير البيان إلى وقت الحاجة، و لهذا أجازوا أن يكون الخاص المتأخر مخصصا للعام المتقدم، ما لم يعمل بالعام في عمومه، فإن عمل بالعام في عمومه عد الخاص المتأخر ناسخا واشترط فيه ما يشترط في الناسخ. وهذه المسألة يبحثها أكثر الأصوليين بحثا مستقلا، عند الكلام عن التخصيص وشروط المخصص، فيذكر أن الحنفية يشترطون في المخصص أن يكون مستقلا مقارنا، ومعنى قولهم: (مقارنا) أي: غير متأخر عن العام زمنا يكفي لإيقاع الفعل فيه.

стр. 414

الباب الرابع التعارض وطرق دفعه هذا الباب من أهم الأبواب وأنفعها للفقيه، وبه يتبيَّن جانبٌ من جوانب فوائد علم أصول الفقه في العصور المتأخِّرة؛ وذلك لأن المسائلَ الخلافيَّةَ الكبرى نالت حظَّها من البحث والاستدلال والمناقشة، وحظُّ الفقيه المعاصر من بحثها هو الموازنةُ بين أدلّة المختلفين، وترجيحُ ما يراه راجحاً. وقد عنون بعضُ الأصوليين لهذا الباب بعنوان التعادل والترجيح، وبعضهم بعنوان التعارض والترجيح، وبعضهم سكت عن التعارض واكتفى بالترجيحات. تعريف التعارض: التعارُض في اللغة بمعنى: التقابُل، وهو تفاعُلٌ من العُرْض، بالضم، وهو الناحية. وفي الاصطلاح: تقابُل الدليلين على سبيل الممانعة. والمناسبة بين المعنيين (اللغوي، والاصطلاحي): أن الدليلَ المعارضَ لدليلٍ آخَرَ كأنه يقفُ في الناحية المقابلة للناحية التي يقفُ فيها الدليلُ الآخَرُ. أو أن كلاًّ منهما يقفُ في عُرْض الآخَر. والتعادُل في اللغة: التساوي، وعدل الشيء: مثيلُه من جنسه. وفي الاصطلاح: جعله بعضُ الأصوليين مساوياً للتعارُض.

стр. 415

والصواب: أن التعادُلَ يعني تساوي الدليلين من كلّ وجهٍ، بحيثُ لا يبقى لأحدهما مزيةٌ على الآخَر. وإذا حصل التعادُلُ ينسدُّ بابُ الترجيح، ولم يبقَ إلاّ أنْ يذهبَ المجتهدُ إلى تساقط الدليلين، والبحثِ عن أدلّةٍ أخرى، أو يتوقَّفَ، أو يتخيَّرَ، أو يذهبَ إلى الأشدِّ، أو إلى الأخفِّ من الحكمين اللذين دلَّ عليهما الدليلان المتعادلان. وهذه أقوال العلماء في المسألة، كما سيأتي بيانها. وأما التعارُض فهو يعني تقابُلَ الدليلين في الظاهر، بحيث يبدو للناظر إليهما في أول الأمر أنهما متنافيان، ويُمكن بشيءٍ من النظر، والتفكُّر الوصولُ إلى الجمع بينهما أو ترجيحِ أحدهما. شروط التعارض: ذكر بعضُ الأصوليين شروطاً للتعارُض، استفادها مما يذكره المناطقة في شروط التناقُض. فاشترط لحصول التعارُض الشروطَ التاليةَ: ١ - التساوي في الثبوت، فلا تعارُضَ بين الكتاب وخبر الواحد، بل يقدم الكتاب. ٢ - التساوي في القوَّة، فلا تعارُضَ بين النصّ والظاهر، بل يُقدَّمُ النصُّ. ٣ - اتّحادُ الوقت، فلو اختلف الوقتُ، فالمتأخِّرُ مقدَّمٌ. ٤ - اتّحادُ المحلّ، فلو اختلف المحلُّ فلا تعارُضَ. ٥ - اتّحادُ الجهة، فلو اختلفت جهةُ تعلُّق الحكم بالمحكوم عليه، فلا تعارُضَ، مثل النهي عن البيع بعدَ نداء الجمعة الثاني، مع الإذن فيه في غير هذا الوقت. ٦ - اختلافُ الحكم الثابت بكلِّ من الدليلين، فلا تعارُضَ مع اتّحاد الحكم.

стр. 416

وقد وقع في بعض الكتب اشتراطُ اتّحاد الحكم (١). وهو لا يصحُّ؛ لأنه مع اتّحاد الحكم لا يوجدُ تعارُضٌ، وقد يُحملَ ذلك على اتّحاد محلّ الحكم. ولكنه جعل اتّحادَ محلّ الحكم شرطاً مستقلاًّ! فلْيُتنبّه لذلك. وهذه الشروط التي يذكرها بعضُ الأصوليين لو تحقّقت لانسدَّ بابُ الترجيح، وامتنع الجمعُ بين الدليلين، وامتنع القولُ بالنسخ؛ لأن الدليلين إذا تساويا في الثبوت والقوَّة لا يُمكنُ الترجيحُ بينهما، وإذا اتّحدا في المحلّ والزمان والجهة لا يُمكنُ الجمعُ بينهما، ولا القولُ بنسخ أحدهما بالآخَر. ولهذا فلا بدَّ أنْ نعرفَ أن اصطلاحَ الأصوليين والفقهاء في التعارُض يصدُقُ على التعارُض في الظاهر للمجتهد ولو لم تتحقق فيه تلك الشروط، غير أنه لا بد لحصول التعارض من تقابل دليلين ظنيين، وتقاربهما في القوة عند المجتهد، ولذا قالوا قد يكونُ الدليلان متعارضين في الظاهر ثم يجتهدُ الفقيهُ في الجمع بينهما، أو في تقديم أحدهما على الآخَر، إما لقوَّته أو لكونه ناسخاً له. ويُؤيّدُ ذلك قولُهم: «لا يكونُ الترجيحُ إلاّ مع وجودِ التعارُض، فحيثُ انتفى التعارُضُ انتفى الترجيحُ» (٢). كما يؤيده قول الجمهور: إن التعارُضَ بين الأدلّة إنما هو في الظاهر، أما في واقع الأمر فلا تعارُضَ. ومنع بعضُ العلماء من استمرار التعارُض الظاهري إلى الأبد، وقال: لا يُوجدُ له مثالٌ.

стр. 417

وإذا تحقّقت الشروطُ السابقةُ في الدليلين المتعارضين، فما موقفُ المجتهد؟ اختلف العلماءُ في ذلك: فذهب بعضهم إلى التخيير، بأنْ يكونَ المكلَّفُ مخيَّراً بين العمل بهذا الدليل أو ذاك، ونُسب للشافعي، واختاره القاضي الباقلانيّ والغزاليّ. وهذا يُناسبُ القائلين: إن كلَّ مجتهدٍ في الظنيات مصيبٌ، وأن الحقَّ عند الله يُمكنُ أنْ يتعدّدَ. ولا يُناسبَ المُخطِّئةَ. وذهب بعضُهم إلى التوقُّف، وهو يُناسبُ القولَ بتخطئة بعض المجتهدين، وأن المصيبَ واحدٌ. وذهب بعضهم إلى أن على المجتهد أنْ يأخذَ بالأشدِّ؛ لأن الحقَّ شديدٌ. وذهب آخرون إلى أن عليه أنْ يأخذَ بالأيسر؛ لقوله ﷺ : «يَسِّروا، ولا تُعَسِّروا» (متفق عليه عن أنس وأبي موسى). والراجح - إن شاء الله تعالى - أنْ يُقال: هذا قد يكونُ في حقّ بعض المجتهدين دون بعضٍ؛ ولذا فإن المجتهدَ إذا لم يتّضحْ له رجحانُ أحد المتعارضَينِ يلزمُه أنْ يتوقّفَ ويبحثَ عن دليلٍ آخَرَ، يُؤيِّدُ هذا الدليلَ أو ذاك، فإنْ حضر وقتُ العمل ولم يترجّحْ له شيءٌ عمل بالأحوط منهما، أو قلَّد الأعلمَ منه. وأما الذين يستفتونه فليس له أنْ يُفتيَهم، بل عليه أنْ يدلََّهم على غيره من المجتهدين، ويُخبرهم أنه لم يترجّحْ عنده شيءٌ. وأما المقلّدُ الذي لا قدرةَ له على فهم الأدلّة والموازنة بينها ففرضُه سؤالُ مَن يثقُ في علمه ودينه من العلماء؛ لقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل٤٣].

стр. 418

وأما طالبُ العلم القادر على التمييز بين الراجح والمرجوح: فإن تبيّن له رجحانُ أحد القولين أخذ به وإلاّ قلَّد عالماً. طرقُ دفعِ التعارُض الظاهريّ: لدفع التعارُض الظاهري ّ بين الأدلّة ثلاثُ طرقٍ، هي: ١ - الجمع بين الدليلين. ٢ - الحكم بنسخ أحد الدليلين بالآخَر. ٣ - الترجيح. وقد اختلف العلماءُ فيما يجبُ المصيرُ إليه أوّلاً: فذهب الحنفية إلى أن المرتبةَ الأولى مرتبةُ النسخ، فإذا أمكنَ نسخُ أحد الدليلين بالآخَر وجب المصيرُ إليه؛ لأنه يُبيِّن أن الدليلين لم يتواردا على زمانٍ واحدٍ. فإن لم يُمكنْ معرفةُ التأريخِ فيلجأُ المجتهدُ إلى الجمع بينهما بتأويلهما أو تأويل أحدهما. فإن لم يُمكنْ ذلك لجأ إلى الترجيح. وعند الجمهور المقدَّمُ هو الجمعُ بين الدليلين إذا أمكنَ بحمل العامّ على الخاصّ أو المطلّقِ على المقيَّد، أو حملِ كلٍّ منهما على حالةٍ غير التي يُحمل عليها الآخَرُ. فإن لم يُمكنْ نظر في التأريخ، فإنْ أمكن معرفتُه عددنا المتأخِّرَ ناسخاً للمتقدِّم. فإن لم يُعرف التأريخُ لجأنا إلى الترجيح. وإليك بيانُ كلٍّ من هذه الطرق وأمثلتها.

стр. 419

أولاً: الجمع: ويُمكنُ تعريفُه بأنه: إظهارُ عدمِ التضادِّ بين الدليلين المتضادَّينِ في الظاهر بتأويل كلٍّ منهما أو بتأويل أحدِهما. شرح التعريف: طرقُ دفعِ التعارُضِ تشتركُ في أنها تُبيِّنُ عدمَ التضادِّ بين الدليلين المتعارضينِ في الظاهر، وينفصلُ الجمعُ عن الآخَرين بأنْ يكونَ بالتأويل. والتأويل - كما تقدَّم - صرفُ اللّفظ عن ظاهره لدليلٍ. والتأويلُ للجمع بين الدليلين قد يكونُ تأويلا لهما معاً، بأنْ يُحملَ كلٌّ منهما على حالةٍ. مثاله: الجمع بين حديث: «ألا أُخبِرُكم بخير الشُّهداء؟ الذي يأتي بالشهادةِ قبلَ أنْ يُسأَلَها» (أخرجه مسلم عن زيد بن خالد)، وحديث: «إن بعدَكم قوماً يخونون ولا يُؤتَمنونَ، ويَشهدون ولا يُستشهدون» (متفق عليه عن عمران بن حصين). وذلك أن الحديثَ الأولَ يدلُّ على مدحِ مَن يأتي بالشهادةِ قبلَ أنْ يُسألَها، والثاني يدلُّ على ذمِّه. فيُجمَعُ بينهما بحمل الأول على مَن لديه شهادةٌ لصاحب حقٍّ لا يعلمُ بها صاحب الحق، والثاني على مَن لديه شهادةٌ بحقٍّ وصاحبُه يعلمُ بذلك، ولم يطلبْ منه أنْ يشهدَ. وقد يكون بتأويل أحدِهما دون الآخَر، مثل حمل العامِّ على الخاصِّ، والمطلَقِ على المقيَّدِ.

стр. 420

مثاله: الجمع بين حديث: «فيما سقت السماءُ ... العشرُ» (أخرجه البخاري عن ابن عمر مرفوعا)، وحديث: «ليس فيما دون خمسة أوسُقٍ صدقةٌ» (أخرجه مسلم عن جابر مرفوعا). وذلك بحمل الأول على ما بلغ خمسةَ أوسُقٍ، بحيثُ يكونُ معناه: فيما سقت السماءُ العشرُ إذا بلغ خمسةَ أوسًقٍ مما يُكال ويًدَّخرُ. وأمثلةُ هذا النوع أكثرُ من أنْ تُحصى.

стр. 421

ثانياً: النسخ: تعريفه: هو في اللُّغة: بمعنى الإزالة. وفي الاصطلاح: رفعُ الحكمِ الثابتِ بخطابٍ متقدِّمٍ بخطابٍ متأخِّرٍ عنه. شرح التعريف: «رفعُ الحكمِ الثابتِ بخطابٍ» أي: بيانُ انتهاءِ العمل بالحكم الذي ثبت بدليلٍ شرعيٍّ من كتابٍ أو سنةٍ. وقولهم: «الثابت بخطاب متقدم» يخرج ما كان ثبوته بمقتضى البراءة الأصلية، فإن رفعه لا يسمى نسخا. وقولهم: «بخطابٍ متأخِّرٍ عنه» يعني: أن النسخَ لا يكونُ إلاّ بدليلٍ شرعيٍّ من كتابٍ أو سنّةٍ متأخِّرٍ عن الدليلِ المنسوخِ في نزوله إلينا إن كان كتاباً، أو في تكلُّمِ النبي ﷺ به أو فعلِه أو إقرارِه إنْ كان سنّةً. وباب النسخٍ شغل حيِّزاً كبيراً من كتب أصول الفقه، وأطالوا فيه الكلامَ بما لا طائلَ تحته. والمفيد منه: أنْ يعرفَ الفقيهُ أنه أحدُ الطرقِ الشرعيةِ لدفعِ التعارُضِ الظاهريّ بين الأدلّةِ، وأنْ يعرفَ شروطَ الناسخِ، وطرقَ معرفةِ النسخِ. وما عدا ذلك مما يذكرونه في باب النسخ قليلُ الفائدة. فأما كون النسخ طريقاً لدفعِ التعارُض الظاهري فلا خلافَ فيه بين الأئمة. وقد وردت أدلةُ ذلك في الكتاب والسنة، كقوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة١٠٦].

стр. 422

وقول عائشة ﵂: كان فيما أُنزلَ من القرآن عشرُ رَضَعَاتٍ معلوماتٍ يُحرِّمْن، فنُسخن بخمس رَضَعَاتٍ. (أخرجه مسلم). فالآيةُ تدلُّ على أن الآيةَ تُنسخُ ويأت الله بخيرٍِ منها. والحديث دلَّ على وقوع النسخ. ولا يختلفُ العلماءُ في ذلك، والحمد لله. وما يذكر من خلاف في بعض كتب الأصول فلا اعتداد به. وأما اختلافُهم في حقيقة النسخ: أهو بيانٌ أو رفعٌ وإزالةٌ؟ فهو خلافٌ لفظيٌّ لا ثمرةَ له، كما نصَّ على ذلك إمامُ الحرمين وغيره من المحققين. شروط الناسخ: يُشتَرَطُ في الناسخ شروطٌ، هي: ١ - أن يكونَ نصّاً من قرآنٍ أو سنّةٍ، فلا يصحُّ النسخُ بالقياس، ولا بالإجماع، عند جماهير العلماء. ٢ - أن يكونَ النصُّ الناسخُ متأخِّراً عن المنسوخ، وهذا لا اختلافَ فيه؛ لأنه لا يُمكنُ أنْ يكونَ المتقدِّمُ رافعاً للمتأخِّر. ٣ - أن يكونَ الناسخُ في قوَّة المنسوخ أو أقوى منه، فالقرآنُ يُنسخُ بالقرآن، والسنَّةُ تُنسخُ بالسنَّة بالاتّفاق، والقرآن لا يُنسخُ إلاّ بقرآنٍ مثلِه؛ لأن السنّةَ لا يُمكنُ أنْ تكونَ مثلَ القرآن ولا خيرا منه، والله تعالى يقول: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾. وهذا هو مذهب الشافعي، واختاره بعض أصحابه. وذهب أكثر الأئمة إلى أن القرآن يمكن أن ينسخ بالسنة المتواترة أو المشهورة،

стр. 423

واستدلوا على ذلك بأنه ممكن عقلا وواقع شرعا. فإما إمكانه عقلا فإن العقل لا يمنع أن يخبر النبي ﷺ بنسخ حكم نزلت في إثباته آية. وأما الوقوع فمثلوه بآية الوصية للوالدين: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة١٨٠] نسخت بحديث: «لا وصية لوارث» (رواه الخمسة إلا النسائي عن أبي أمامة ـ ﵁ ـ). واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر٧]. وأجابوا عن استدلال الشافعي بالآية السابقة، بأن قوله: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾ [البقرة١٠٦] لا يلزم منه أن يكون الناسخ قرآنا، وإنما المراد الخيرية للمكلفين، أي: نأت بحكم هو خير من الحكم المذكور في الآية للمكلفين. وعلى الرغم من أن ظاهر الآية يؤيد ما ذهب إليه الشافعي، إلا أن الأكثر تأولوها. والذي يظهر عدم الوقوع وإن كان ممكنا عقلا، والشافعي إنما قصد امتناعه في الوقوع لا في العقل. وما ذكروه من أمثلة محتمل؛ لأن آية الوصية للوالدين منسوخة بآيات المواريث، وقد أخبر النبي ﷺ عن نسخها بآيات المواريث فقال: «إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث» (رواه الخمسة إلا النسائي). أما نسخُ القرآن بالسنة الآحادية فالجمهور على منعه، وقد نقل إمامُ الحرمين الإجماعَ على ذلك، فقال: «أجمع العلماء على أن الثابتَ قطعاً لا ينسخُه مظنونٌ؛ فالقرآنُ لا ينسخُه الخبرُ المنقولُ آحاداً، والسنة المتواترة لا

стр. 424

ينسخها ما نقله غير مقطوع به» (١). والذين أجازوه استدلُّوا بقياس النسخ على التخصيص، وبالوقوع. ومثّلوه بنسخ آية الوصية للوالدينِ بحديث: «لا وصيَّةَ لوارثٍ». ونسخ آية: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً﴾ [الأنعام١٤٥] بالنهي عن كلّ ذي نابٍ من السباع وكلّ ذي مخلبٍ من الطير. وأُجيبَ عن الاستدلال بالقياس بأنه قياسٌ مع الفارق، فالنسخ رفعٌ وإزالةٌ، والتخصيصُ بيان أن المُخرَجَ غيرُ مرادٍ أصلاً. وأُجيب عن أدلّة الوقوع بما يلي: ١ - أن آية الوصية للوالدين نُسخت بآيات المواريث، كما سبق إيضاحُ ذلك. ٢ - أن آية المحرَّمات ليست منسوخةً؛ إذْ ليس فيها أنه لا يُمكنُ أنْ يُحرِّمَ عليهم غيرَ ما ذُكر، وإنما فيها أن الذي حُرّم إلى نزول الآية هي الأربع المذكورة فيها , وهذا لا يمنع الزيادةَ عليها بعد ذلك. نسخُ القياس والنسخُ به: القياسُ لا يكون ناسخاً للكتاب والسنة؛ لأنه لا يُعتدُّ به إذاعارضهما، والنسخُ لا يكون إلاّ مع التعارُض بين الناسخ والمنسوخ. وقال بعضهم: إذا كانت علتُه منصوصةً فيجوزُ النسخُ به. وهل يُمكنُ نسخُ القياس؟ أما نسخُه تبعاً لأصله فجائزٌ. وأما نسخُه مع بقاء أصله فلم يجزْه الجمهور، ولكن الظاهرَ من صنيعهم أنهم منعوا تسميةَ

стр. 425

ذلك نسخاً، مع أنهم لا يمنعون بقاءَ حكمِ الأصل، والمنعُ من القياسِ عليه لدليلٍِ يمنعُ ذلك؛ إذْ لا قياسَ مع النصّ. وأما القياسُ على الأصلِ الذي نُسخ حكمُه فقد منعه الأكثرُ، ونُقل عن أبي حنيفةَ جوازُ القياس على الأصل المنسوخ؛ لأنه قاسَ صيامَ الفرض بنيّةٍ من النهار على صيام عاشوراء الذي كان واجباً ونسخ، فإن النبي ﷺ أمر من لم يطعم أن يتم صوم ذلك اليوم، مع أنه لم ينو الصيام من أول اليوم كما روت الربيع بنت معوذ قالت: أرسل النبي ﷺ غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار: «من أصبح مفطرا فليتم بقية يومه، ومن أصبح صائما فليصم» (متفق عليه). نسخ المفهوم والنسخ به: لا يجوز النسخ بمفهوم المخالفة؛ لأنه أضعف من المنطوق، وأما نسخه فجائز. ومثال نسخ المفهوم المخالف بدون نسخ أصله: نسخ مفهوم قوله ﷺ : «الماء من الماء» (أخرجه مسلم عن أبي سعيد) بحديث: «إذا مس الختانُ الختانَ فقد وجب الغُسل» (أخرجه مسلم عن عائشة)، فالحديث الأول منطوقُه باقٍ وهو وجوب الغُسل من الإنزال، ومفهومه أنه إذا لم يُنزلْ فلا يجبُ الغُسلُ. وهذا المفهوم نُسخ بالحديث المتقدّم عن عائشة. وأما مفهومُ الموافقة فالجمهور على جواز النسخ به؛ لأنه كالمنطوق أو أقوى. وأما نسخه مع بقاء أصله فالأكثر على منعه. ومنهم من جوزه مطلقاً، ومنهم مَن جوَّزه إذا كان المفهومُ أولى بالحكم من المنطوق. ولم يشتهرْ له أمثلةٌ في كلام الأصوليين.
следующие страницы →