بأن يعود بعد ثلاثين ليلة، فأتمها الله بعشر، فلم يصبر قومه إلى أن خرج فيهم السامري وصنع لهم عجلا ... وإذا جاز على بني إسرائيل وهم أمة نبي من أولي العزم أن يرتدوا بغيبة موسى ﵇ بزيادة أيام حتى خالفوا وصيه، وفعل سامري هذه الأمة -أي أبو بكر ﵁ مما هو دون عبادة العجل ... » (١) يقصد أن اغتصاب الخلافة دون عبادة العجل، فإذا جاز وقوع الأعلى فلا يستنكر وقوع الأدنى.
وقال آيتهم المظفر يقرر ردتهم: «فإن من يمت إلى الإسلام بصلة العقيدة، لا بد أن يثبت عنده على الأقل أن صاحبه صرح في مقامات كثيرة بما ستحدثه أمته من بعده فقد قال غير مرة: «ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، فرقة ناجية والباقون في النار». وأكثر من ذلك أنه لم يستثن من أصحابه إلا مثل همل النعم، ثم هم يدخلون النار بارتدادهم بعده على أدبارهم القهقرى». (٢)
وسبب تكفيرهم هو إنكارهم للإمامة: «ونحن نذكر له -أي أمر الإمامة- من الشواهد والأدلة وجوها، منها الأخبار الدالة على جماعة ورهط من الصحابة والأمة، بعد ارتحال النبي صلى الله عليه وآله إلى الكفر، ومن المعلوم: أنه لم يصدر بعد ارتحال النبي من الصحابة ما يصلح أن يكون
стр. 107
موجبا للارتداد إلى الكفر، ولم يعدلوا عن الشهادة بالوحدانية والنبوة غير أنهم أنكروا الإمامة». (١)
ويقول صدوقهم: «فمن ادعى الإمامة وليس بإمام فهو الظالم الملعون، ومن وضع الإمامة في غير أهلها فهو ظالم ملعون». (٢)
فهذا موقفهم من الصحابة عموما: أنهم ارتدوا بعد الرسول ﵌.
يقول أحد معاصريهم مستهزئا: «فمن لا يصدق بأن الصحابة لا يبقى منهم مع النبي في الجنة إلا مثل همل النعم، فليسأل أُحدا وحنينا، ففيهما الخبر اليقين». (٣) يقصد أن بعضهم فر في حنين، وخالف الرماة أمر الرسول ﵌ في أحد: «ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور رحيم»، لكن الشيعة لم تقبل عفو الله عنهم، ولن تقبله، فقد سقط عرش مجوسيتها على أيديهم، وقتل هرمزانهم العظيم على يد عبيد الله بن عمر بن الخطاب، وأفل نجمهم على يد أبيه، وعلى يد إخوانه من الصحابة الأخيار، ولن ينسوا ذلك أبدا.
стр. 108
ولقد استدل مالك على كفر من أبغض الصحابة بقوله تعالى في وصفهم «كمثل زرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار» فمن اغتاظ من أصحاب رسول الله ﵌ فهو مقصود بهذه الآية. (١)
وقد رأيتهم في حوزاتهم العلمية، يقولون عند بداية كل درس «الحمد لله رب العالمين , والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطيبين، واللعنة على أعدائه من اليوم إلى يوم الدين» ويقصدون بذلك صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله.
وقد ناقشت كثيرا منهم في مسألة كفر الصحابة، فكان أحدهم يقول: إنني أستغرب منك كيف تحب عمر بن الخطاب وقد فعل وفعل وفعل ... ويبدأ يعدد ما ينسبونه إلى هذه الشخصية العظيمة من أكاذيب وأباطيل.
ثانيا: موقفهم من أبي بكر وعمر ﵄:
لقد نال الصحابةَ من الشيعة أذى كثير، لكن ما نال أبا بكر وعمر، وابنتيهما زوجتي رسول الله ﵌، أكثر بكثير.
فعن أبي عبد الله في قوله تعالى: «وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء» قال: «حقيق على الله أن لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من حبهما».
стр. 109
قال المجلسي «بيان: من حبهما، أي من حب أبي بكر وعمر». (١)
وإذا كان هذا حكم محبهما، فما ظنك بحكمهما.
يقول المجلسي بعد أن أورد روايات في المقام: «ومما عد من ضروريات دين الإمامية، استحلال المتعة، وحج التمتع، والبراءة من أبي بكر وعمر وعثمان ومعاوية» (٢)
وتعتبر النظرية الشيعية أن أبا بكر وعمر كانا منافقين على عهد رسول الله ﵌.
يقول المجلسي في كتابه حق اليقين: «ومن المعلوم أن حضرة فاطمة وحضرة الأمير ﵉، كانا يعدان أبا بكر وعمر منافقين». (٣)
وعن جعفر قال: «لما أقام رسول الله صلى الله عليه وآله أمير المؤمنين عليا يوم غدير خم كان بحذائه سبعة نفر من المنافقين، منهم أبو بكر وعمر وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وأبو عبيدة وسالم مولى أبي حذيفة والمغيرة بن شعبة، قال عمر: أما ترون عينيه كأنهما عينا مجنون -يعني النبي صلى الله عليه وآله - الساعة يقوم ويقول: قال لي ربي». (٤)
стр. 110
ويروون عن حذيفة قصة محاولة بعض المنافقين إسقاط رسول الله ﵌ من على ناقته عند العقبة، وكان ذلك في طريق رجوعه إلى المدينة من غزوة تبوك، أنه لما سأل الراوي حذيفة عن أسماء هؤلاء المنافقين الذين حاولوا قتل رسول الله صلى الله عليه وآله، قال: «هم والله أبو بكر، وعمر، وعثمان وطلحة، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وأبو عبيدة بن الجراح، ومعاوية بن أبي سفيان، وعمرو بن العاص، هؤلاء من قريش، وأما الخمسة الأخر فأبو موسى الأشعري والمغيرة بن شعبة الثقفي، وأوس بن الحدثان البصري، وأبو هريرة، وأبو طلحة الأنصاري». (١) ولعلك تشم رائحة الكذب من هذا القسم الذي بُدئت به الرواية، فالراوي كان مصدقا لحذيفة، ولا يحتاج منه قسما.
ولكن، كيف لهذين الشخصين أن يسلما نفاقا، مع أن النفاق لا يعقل إلا إذا كان ثمة مصلحة تدفع الإنسان للإسلام، كما وقع من منافقي المدينة، الذين خافوا على أنفسهم وأموالهم، فأسلموا خوفا من سطوة الإسلام، ورغبة في تحصيل منافع دنيوية.
أما في مكة، فإن الوضع مختلف، فقد وقع فيها ما يمكن أن نسميه بالنفاق العكسي، إذ كان من المسلمين من أظهر الكفر خوفا على نفسه من أذى قريش،
стр. 111
فكيف يظهر كافر الإسلام ويبطن الكفر طمعا في هذا الدين، وما زال الرسول ﵌ يحاصَر في الشعب، ويأكل هو وأتباعه أوراق الشجر من الجوع، وما زال يعرض نفسه على قبائل العرب وصعاليكها، فلا يأبهون له، وكيف يعقل أن يدخل أحد في الإسلام طمعا في الخلافة والملك، وأبو جهل يلقي سلى الجزور على محمد ﵌.
يقول المجلسي محاولا إيجاد مخرج من هذا المأزق الذي وقعوا فيه: «ووقفت أنا في كتاب دانيال المختصر من كتاب الملاحم ما يتضمن أن أبا بكر وعمر كانا عرفا من كتاب دانيال - وكان عند اليهود - حديث ملك النبي صلى الله عليه وآله، وولاية رجل من تيم ورجل من عدي بعده دون وصيه، ولما رأيا الصفة التي كانت في الكتاب في محمد صلى الله عليه وآله تبعاه، وأسلما معاً، طلبا للولاية التي ذكرها دانيال في كتابه» (١) وهذا من الباطل الذي يكفي في رده ذكره، فلو كانا يعلمان أنه نبي حقا كما وجدا في كتاب دانيال، لكان أحرى أن يؤمنا به ويصدقاه.
يقول أحد معاصريهم: «لقد دخل بعض الصحابة في الإسلام رغبة في المال والسلطة، وكان كفار قريش يعرفون هذا البعض، ولأنهم أعلنوا الشهادة فقد أصبحوا من المنافقين» وذكر قصصا مفادها أن قريشا كانت تعلم بأن أبا بكر وعمر كانا ينتحلان الإسلام لهدم الإسلام، إلى أن قال:
стр. 112
«وفعلا كان عمر بن الخطاب وابنته حفصة وأبو بكر وابنته عائشة عند حسن ظن كفار قريش، إذ أقدموا على اغتيال رسول الله صلى الله عليه وآله وابنته فاطمة ﵍، وقبضوا على سلطة المسلمين» (١).
وهكذا قلبت الشيعة الحقائق، فصار أعظم رجلان عند المسلمين، أسوأ رجلين عندهم، فألفوا في كفرها الروايات، وتأولوا فيهما الكثير من الآيات.
فعن أبي عبد الله في قوله تعالى: «حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم» قال: «يعني أمير المؤمنين ﵇ «وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان» الأول والثاني والثالث». (٢)
كما حاولوا أن ينفوا عنهما كل فضيلة، وينكروا ما أجمع عليه المسلمون من فضائلهما.
فعن خالد بن يحيى قال: قلت لأبي عبد الله ﵇: سمى رسول الله صلى الله عليه وآله أبا بكر صديقا؟ فقال: «نعم. إنه حيث كان معه أبو بكر في الغار قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إني لأرى سفينة بني عبد المطلب تضطرب في البحر ضالة، فقال له أبو بكر: وإنك لتراها؟ قال: نعم، فقال: يا رسول الله، تقدر أن ترينيها؟ فقال: ادن مني، فدنا منه فمسح يده على عينيه، ثم قال له: انظر. فنظر أبو بكر فرأى السفينة تضطرب في البحر، ثم نظر إلى قصور أهل المدينة، فقال في نفسه: الآن صدقت أنك ساحر، فقال له رسول الله صلى الله عليه
стр. 113
وآله: صديق أنت! فقلت: لم سمي عمر الفاروق؟ قال: نعم ألا ترى أنه قد فرق بين الحق والباطل، وأخذ الناس بالباطل». (١)
أما صحبة أبي بكر لرسول الله ﵌ في الغار، وتسمية الله له بالصاحب، فانظر كيف تؤول.
جاء في مناظرة طويلة بين علي ورجل اسمه إسحاق: «قال إسحاق: فأطرقت ساعة، ثم قلت، يا أمير المؤمنين! إن الله يقول في أبي بكر: «ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا» فنسبه الله إلى صحبة نبيه صلى الله عليه وآله. فقال: سبحان الله! ما أقل علمكم باللغة والكتاب! أما يكون الكافر صاحبا للمؤمن؟ فأي فضيلة في هذه؟ أما سمعت الله يقول: «قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا» فقد جعله له صاحبا». (٢) أي لا إشكال في أن أبا بكر وهو كافر منافق، قد وصف في هذه الآية بالصحبة، كما وصف صاحب الجنتين الكافر، بصحبة ذلك المؤمن، وهذا تشبيه مقصود لأبي بكر المؤمن بصاحب الجنتين الكافر.
وبعد كل هذا يتبرؤون منهما أشد التبرأ، ويتقربون إلى الله بلعنهما.
فقد سأل الثمالي زين العابدين، عن أبي بكر وعمر، فقال: «عليهما لعائن الله كلها، كانا والله كافرين مشركين بالله العظيم» وأضاف ناقل الرواية
стр. 114
«قلت: ويعضد ذلك مناداتهما بالويل والثبور، عند احتضارهما لما رأيا من سوء عاقبتهما، ويعضده أيضا ما أسنده علي بن مظاهر الواسطي إلى الإمام العسكري ﵇ أنه جعل موت عمر يوم عيد، وأنشد الكميت الشاعر بحضرة الإمام الباقر ﵇:
إن المصرين عل ذنبيهما ... والمخفيا الفتنة في قلبيهما
والخالعا العقدة من عنقيهما ... والحاملا الوزر على ظهريهما
كالجبت والطاغوت في مثليهما ... فلعنة الله على روحيهما
فضحك الباقر ﵇» (١). ويقصدون بالجبت والطاغوت، أبا بكر وعمر، ويفسرون قوله تعالى «يؤمنون بالجبت والطاغوت» بهما ﵄. (٢)
وقد دأب الشيعة على لعن هذه الرجلين العظيمين، وأكثروا من ذلك، في زياراتهم، فلا تكاد تخلوا زيارة من لعن صريح أو تعريض.
فقد كان إمامهم أبو عبد الله «يلعن في دبر كل مكتوبة أربعة من الرجال وأربعا من النساء فلان وفلان وفلان ومعاوية ويسميهم، وفلانة وفلانة وهند وأم الحكم أخت معاوية» (٣)،
стр. 115
والثلاثة الذين رابعهم معاوية معروفون، أما الفلانتان، فهما بنت أبي بكر عائشة، وبنت عمر حفصة، كما سترى.
وأوصى أبو عبد الله أتباعه بهذا الخير فقال: «من حقنا على أوليائنا وأشياعنا أن لا ينصرف الرجل من صلاته حتى يدعو بهذا الدعاء، وهو: اللهم إني أسالك باسمك العظيم أن تصلي على محمد وآله الطاهرين ... اللهم وضاعف لعنتك وبأسك ونكالك وعذابك على الَّذَين كفرا نعمتك، وخوَّنا رسولك، واتهما نبيك وبايناه، وحلا عقده في وصيته، ونبذا عهده في خليفته من بعده، وادعيا مقامه، وغيرا أحكامه، وبدلا سنته، وقلبا دينه، وصغرا قدر حججك، وبدءا بظلمهم، وطرَّقا طريق الغدر عليهم، والخلاف عن أمرهم، والقتل لهم، وإرهاج الحروب عليهم، ومنع خليفتك من سد الثلم، وتقويم العوج، وتثقيف الأود، وإمضاء الأحكام، وإظهار دين الإسلام، وإقامة حدود القرآن. اللهم العنهما وابنتيهما وكل من مال ميلهم وحذا حذوهم، وسلك طريقتهم، وتصدر ببدعتهم لعنا لا يخطر على بال، ويستعيذ منه أهل النار، والعن اللهم من دان بقولهم، واتبع أمرهم، ودعا إلى ولايتهم، وشكك في كفرهم من الأولين والآخرين» (١)، نسأل الله أن يجعلنا من أوليائهما ومتبعي أمرهما.
ومن أشنع هذه الأدعية التي يتقربون إلى الله بها، دعاء صنمي قريش.
стр. 116
يقول أحد علمائهم: «ومما يدل على ما قلناه من أنهما كانا منافقين غير مؤمنين ما سمع من قنوت مولانا أمير المؤمنين ﵇، وهو هذا: اللهم صل على محمد وآل محمد والعن صنمي قريش، وجبتيهما، وطاغوتيهما، وإفكيهما، وابنتيهما، اللذين خالفا أمرك، وأنكرا وحيك، وجحدا إنعامك، وعصيا رسولك، وقلبا دينك، وحرفا كتابك، وأحبا أعداءك، وجحدا آلاءك وعطلا أحكامك، وأبطلا فرائضك، وألحدا في آياتك، وعاديا أوليائك، وواليا أعدائك، وخربا بلادك، وأفسدا عبادك. اللهم العنهما وأتباعهما وأولياءهما وأشياعهما ومحبيهما. فقد أخربا بيت النبوة، وردما بابه، ونقضا سقفه، وألحقا سماءه بأرضه، وعاليه بسافله، وظاهره بباطنه، واستأصلا أهله، وأبادا أنصاره، وقتلا أطفاله، وأخليا منبره من وصيه ووارث علمه، وجحدا إمامته، وأشركا بربهما، فعظّم ذنبهما، وخلدهما في سقر، وما أدراك ما سقر لا تبقي ولا تذر. اللهم العنهم بعدد كل منكر أتوه، وحق أخفوه، ومنبر علوه، ومؤمن آذوه، ومنافق ولوه، وولي عزلوه، وطريد آووه، وصادق طردوه، وكافر نصروه، وإمام قهروه، وفرض غيروه، وأثر أنكروه، وشر آثروه، ودم أراقوه، وخبر بدلوه، وكفر نصبوه، وحكم قلبوه، وإرث غصبوه، وفَيءٍ اقتطعوه، وسحت أكلوه، وخمس استحلوه، وباطل أسسوه، وجور بسطوه، ونفاق أسروه، وغدر أضمروه، وظلم نشروه، ووعد أخلفوه، وأمان خانوه، وعهد نقضوه، وحلال حرموه، وحرام أحلوه، وبطن فتقوه، وجنين أسقطوه، وضلع دقوه، وصك مزقوه، وشمل بددوه،
стр. 117
وعزيز أذلوه، وذليل أعزوه، وحق منعوه، وكذب دلسوه.
اللهم العنهم بعدد كل آية حرفوها -إشارة إلى أن القرآن محرف- وفريضة تركوها، وسنة غيروها، وأحكام عطلوها، ورسوم قطعوها، ووصية ضيعوها، وبيعة نكثوها، ودعوى أبطلوها، وبينة أنكروها، وحيلة أحدثوها، وخيانة أوردوها، وعقبة ارتقوها، ودباب دحرجوها، وأزياف لزموها، وشهادات كتموها، اللهم العنهما في مكنون السر وظاهر العلانية لعنا كثيرا دائبا أبدا دائما سرمدا لا انقطاع لأمده، ولا نفاد لعدده، ويغدو أوله ولا يروح آخره، لهم ولأعوانهم وأنصارهم ومحبيهم ومواليهم والمسلمين لهم، والمائلين إليهم والناهضين بأجنحتهم والمقتدين بكلامهم، والمصدقين بأحكامهم. ثم يقول: اللهم عذبهم عذابا يستغيث منه أهل النار آمين رب العالمين». (١) وإنما ارتأيت أن أسوقه بطوله، لأن كثيرا منهم ينكره أمام أهل السنة، ولأن فيه إشارات إلى كل ما تقدم من لعن أهل السنة وتكفيرهم ولعن الصحابة وتكفيرهم، والقول بتحريف القرآن ...
وقد حفِلوا بهذا الدعاء كثيرا، ورووا عن علي ﵁، أنه كان يقنت به، وقال: «إن الداعي به، كالرامي مع النبي صلى الله عليه وآله في بدر وأحد، بألف ألف سهم» (٢)،
стр. 118
بل ألف شيوخهم كتبا مستقلة في شرح هذا الدعاء، ذكر منها صاحب الذريعة تسعة شروح (١)، منها شرح شيخهم أسعد بن عبد القاهر بن أسعد بن سفرويه الأصفهاني الذي أسماه: «رشح الولاء في شرح دعاء صنمي قريش» (٢).
قال المجلسي: «ودعاء صنمي قريش مشهور بين الشيعة، ورواه الكفعمي عن ابن عباس، أن أمير المؤمنين ﵇ كان يقنت به في صلاته ... وهو مشتمل على جميع بدعهما، ووقع فيه الاهتمام والمبالغة في لعنهما بما لا مزيد عليه». (٣)
وقد رتبوا على هذا اللعن ثوابا عظيما.
فعن زين العابدين أنه قال: «من قال: اللهم العن الجبت والطاغوت. كل غداة مرة واحدة كتب الله له سبعين ألف حسنة، ومحا عنه سبعين ألف سيئة، ورفع له سبعين ألف درجة» (٤).
وبعد أن حشد المجلسي روايات من هذا القبيل ختم المبحث بقوله: «أقول: الأخبار الدالة على كفر أبي بكر وعمر وأضرابهما وثواب لعنهم والبراءة منهم، وما يتضمن بدعهم أكثر من أن يذكر في هذا المجلد أو في مجلدات شتى، وفيما أوردنا كفاية لمن أراد الله هدايته إلى الصراط المستقيم». (٥)
نسأل الله أن يهدينا الصراط المستقيم.
стр. 119
وما زالوا إلى الآن يجاهرون بهذا اللعن، ويرددونه ويدينون الله به، وقد كنت أظن أنهم سينكرون هذا الأمر حين أناقشهم تقية، لكني تفاجأت بأنهم لا يتحرجون في تقريره والاستدلال له، والدفاع عنه.
ولعل من اطلع على محاوراتهم لأهل السنة في مواقع الأنترنت أن يرى الحقد الذي تحمله هذه القلوب لصاحبي رسول الله ﵌، والقحة التي تجعلهم يتبجحون ولا يستترون.
فمما دونه العاملي في كتابه "الانتصار" من هذه المحاورات، جواب أحدهم المسمى بعبد النبي، حين سُئل هل يدعوا بهذا الدعاء، فرد: «أما سؤالك فأنا أتعهد لك بالتزام هذا الدعاء من الآن فصاعدا، وأنصح الإخوان المؤمنين بالتزامه وتعهده، خصوصا عند الشدة والكرب، لأنه مجرب، وسمعت أنه سريع الإجابة، والكيفية: أن تقرأه ثم تسأل حاجتك، فإنها تقضى إن شاء الله» (١).
هذه حالهم إلا عند الخوف، فإنهم يستخدمون التقية، ويحلفون بالله ما قالوا ...
وقد يستخدمون التقية، ويعبرون بعبارات مموهة، وكأنهم يثنون على الصحابة، وهم في الحقيقة يسبونهم، ومن أمثلة ذلك في مروياتهم: «أن الصادق سئل عن أبي بكر وعمر، فقال: كانا إمامين قاسطين عادلين، كانا على الحق وماتا عليه فرحمة الله
стр. 120
عليهما يوم القيامة. فلما خلا المجلس قال له بعض أصحابه كيف قلت يابن رسول الله؟ فقال نعم، أما قولي كانا إمامين فهو مأخوذ من قوله تعالى «وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار»، وأما قولي قاسطين فهو مأخوذ من قوله تعالى «وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا»» (١) إلى آخر الرواية، ويظهر لك من هذه القصة وغيرها إتقانهم لهذا الأسلوب الذي هو فن من فنون النفاق، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وإذا كان هذا حكم أبي بكر وعمر عندهم، فسوف ترى حكمنا نحن عندهم، لكن ليس قبل أن ترى نصيب أمنا عائشة ﵂ من هذا الحقد الفارسي، وترى مكانتها عند هؤلاء الذين ينتسبون إلى القبلة ويتسمون باسم المسلمين.!
ثالثا: موقفهم من عائشة أم المؤمنين وحفصة، ﵄:
قبل أن أسوق لك أخي القارئ الكريم، ما تقوله الشيعة في أمي وأمك وأم المؤمنين أجمعين، أود أن أطرح عليك سؤالا ...
هل خطر في بالك يوما أن تسمع مسلما ممن ينتسب إلى القبلة يكفر عائشة الصديقة ويلعنها!! بل ويصفها بأبشع الصفات، ويضرب لها أخبث الأمثلة!؟
هل تصورت يوما أن تجد من المسلمين من يتهم عائشة وحفصة بأنهما قتلتا الرسول ﵌ .. ؟!
стр. 121
نعم ...
إن الشيعة تكفر عائشة أم المؤمنين وتكفر حفصة ﵄.
ولعل من المفارقات العجيبة، أن تكون أحب امرأة إلى رسولنا ﵊، والتي مات بين سحرها ونحرها، ودفن في غرفتها، أبغض النساء إلى من يزعمون حبهم لآل بيت النبي ﵌.
وتزود أخي بشيء من الصبر وأنت تقلب هذه الصفحات، فإنك سترى فيها ما يذهل المرضعات، وتنفطر له قلوب المؤمنين حسرات، وقد كنت أتوقف حين الكتابة مرات ومرات، ويضيق صدري ولا ينطلق قلمي، وأترك الكتابة لأسكب العبرات، وأحيانا يشتد بي الغيظ وتتسارع في صدري الأنفاس وتتعالى الزفرات ...
إن كون عائشة ﵂ بنت أبي بكر الصديق عدوهم الأول، جعلها تنال نصيبها شرفها الله، من اللعن والتكفير والسب والاتهام والتشنيع.
وقد نالت حفصة ﵂، بنت عدوهم الثاني عمر الفاروق ﵁ نصيبا مما نال أم المؤمنين، «ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون»
إن الشيعة لما أصلت لنفسها مبدأ الإمامة، وجعلته الركن الأهم من أركان الدين، لم يرعها أن تكفر الأمة كلها، بل خِيرتها وقدوتها، فكفرت الصحابة لأنهم لم يعترفوا بالإمامة ولا دانوا بها، وكفرت عائشة أم المؤمنين لنفس السبب، فكان تكفيرهم لها إخراجا لهم عن دائرة المسلمين، ولعنها لعنا لهم إلى يوم الدين.
стр. 122
يقول أحد كبرائهم: «ومما يدل على ظلمها وعصيانها وكفرها، ما ذكره صاحب الصراط المستقيم، وهذا مختصر من كلامه: فصل في أم الشرور، أكثر اعتقاد القوم على رواياتها، وقد خالفت ربها ونبيها في قوله تعالى «وقرن في بيوتكن» ... ». (١)
وقال: «ومما يدل على كفرها وكفر حفصة: أنهما تظاهرها على رسول الله صلى الله عليه وآله، وشبههما الله بامرأة نوح وامرأة لوط، وهما كافرتان». (٢)
ويروي المجلسي وغيره عن الصادق في قوله تعالى: «وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا» أنها هي حفصة، قال: «قال الصادق ﵇: كفرت في قولها: من أنبأك هذا؟ وقال الله فيها وفي أختها: إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما، أي زاغت، والزيغ: الكفر. وفي رواية: أنه أعلم حفصة أن أباها وأبا بكر يليان الأمر، فأفشت إلى عائشة، فأفشت إلى أبيها، فأفشى إلى صاحبه، فاجتمعا على أن يستعجلا ذلك على أن يسقياه سما، فلما أخبره الله بفعلهما هم بقتلهما، فحلفا له أنهما لم يفعلا، فنزل: «يا أيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم ... »» (٣)،
стр. 123
وسترى تفاصيل اغتيالهما للنبي ﵌ كما تصوره الشيعة.
والمتتبع لتفسيرهم يرى كثيرا من الآيات، مما جاء في الكفار والمشركين، يساق بنص الأئمة المعصومين، في عائشة أم المؤمنين.
فعن أبي عبد الله قال: ««وجاء فرعون» يعني الثالث «ومن قبله» يعني الأولَين «بالخاطئة» يعني عائشة»، ثم زاد المجلسي الأمر بيانا فقال: «فمعنى قوله: «وجاء فرعون ومن قبله والمؤتفكات بالخاطئة» في أقوالها وأفعالها، وفي كل خطأ وقع فإنه منسوب إليها، وكيف جاءا بها؟ بمعنى أنهم وثبوها وسنوا لها الخلاف لمولاها، ووزر ذلك عليهم وفعل من تابعها إلى يوم القيامة» (١).
وعن سالم بن مكرم عن أبيه قال: سمعت أبا جعفر يقول في قوله: «مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا» قال: «هي الحميراء» (٢) وعلق المجلسي: «إنما كنى عنها بالعنكبوت لأنه حيوان ضعيف اتخذت بيتا ضعيفا أوهن البيوت، وكذلك الحميراء، حيوان ضعيف لقلة حظها وعقلها ودينها، اتخذت من رأيها الضعيف، وعقلها
стр. 124
السخيف، في مخالفتها وعداوتها لمولاها، بيتا مثل بيت العنكبوت في الوهن والضعف» (١).
ويروون أنها هي التي نكثت أيمانها من بعد قوة أنكاثا. (٢) كما يتؤولون فيها الكثير من الآيات مما لا يتسع المجال لذكره.
وقد مر في باب الرجعة مما ورد في كتبهم، أن عائشة ترجع عند خروج المهدي ويقيم عليها الحد، وينتقم للشيعة منها.
والشيعة تنتظر هذا الانتقام، لتأخذ الثأر وتشفي الصدر، من هذه المرأة: «وهكذا نالت عائشة في فترة وجيزة شيئا وبال أعمالها السالفة، حتى يأذن الله بالفرج الأعظم فيظهر آية الله في الأرضين، أرواحنا له الفداء، فتنال يومئذ جزاءها الأوفى. نسأل الله أن يشفي صدور بني فاطمة والشيعة جميعا». (٣) أية صدور هذه!!
كمل من هنا
يقول الشيخ محسن الشيرازي في تسجيل صوتي على الإنترنت:
(من جملة أفعال عائشة جريمة جنسية ... ويقول: شِي ءاخر -هكذا- عائشة صحيح كافرة صحيح ناصبية صحيح مجرمة، ما تقول في حقها فهو صحيح). (٤)
стр. 125
ويقول أحد المتشيعين المغاربة الذين تشبعوا بكره الصحابة: (أردت أن أقدم نموذجين لشخصيات إسلامية شربنا قداستها إلى حد الثمالة. فلم نجدها كما أراد القرآن. ولم نكن نريد الإطالة في سرد أخبار كل الصحابة، واقتصرنا على أبي بكر وعائشة كشخصيتين يمكن قياس الباقي عليهما إذ أن حصول الانحراف في مثل هؤلاء يجعل حصوله في الباقين واردا، باعتبار هؤلاء، رموزا لا يعلى عليهم في التاريخ الإسلامي) (١)
ويقول أيضا: «محمد رسول الله صلى الله عليه وآله، وزوجته مذنبة، وهذا ليس عيبا، بل حقيقة وقعت، وإذا هي لم تناف مقام النبوة فلأن لها نظيرا في تاريخ النبوة، ... ولكي نعرف عائشة ونضعها في الميزان، يجب أن نتوخى الحقيقة، ونكسر في أذهاننا صنم عائشة من أجل الحقيقة الغالية فقط». (٢)
ولهذه الحقيقة الغالية، تلعن عائشة ﵂ وحفصة وأبويهما، دبر كل صلاة.
فقد كان إمامهم أبو عبد الله «يلعن في دبر كل مكتوبة أربعة من الرجال وأربعا من النساء فلان وفلان وفلان، ومعاوية ويسميهم وفلانة وفلانة، وهند وأم الحكم أخت معاوية» (٣)،
стр. 126
وقد مر بك من هن فلانة وفلانة المقصودتان في دعاء صنمي قريش: «اللهم صل على محمد وآل محمد والعن صنمي قريش، وجبتيهما، وطاغوتيهما، وإفكيهما، وابنتيهما»
ومن أجل تلك الحقيقة، يرتب على لعنهما ولعن أبويهما أعظم الثواب كما مر.
والأدهى من هذا والأمر، أنهم يتهمونها وحفصة بقتل الرسول ﵌، فلم يكن لواضع هذه العقيدة، أن يبتعد عن سنة قومه في قتل الأنبياء، وجره الحنين إلى أصله، فلم يستطع أن يترك المشهد خاليا من لقطة درامية ينهي بها هذه المسرحية، ويجسد الغدر والخيانة في أقرب الناس إلى رسولنا صلى الله عليه وآله، لتبقى البصمات اليهودية التي صاغت هذه المشاهد، والتي مارست قتل الأنبياء، دالة على مُنشئ هذه العقيدة ومُؤسسها، والبعرة تدل على البعير.
روى المجلسي وغيره: عن أبي عبد الله قال: «تدرون مات النبي أو قتل إن الله يقول: «أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم» فسم قبل الموت، إنهما سقتاه، فقلنا: إنهما وأبواهما شر من خلق الله» (١).
стр. 127
قال المجلسي: «بيان: يحتمل أن يكون كلا السمين دخيلين في شهادته صلى الله عليه وآله» (١) أي سم اليهودية، وسم عائشة وحفصة.
ويقول أحد معاصريهم بعد أن أورد الرواية: «قرأنا في رواية العياشي ﵀ لفظة «سمتاه»، وفي رواية الفيض قدس سره، لفظة «سقتاه»، والمعنى إلى مؤدى واحد، أي وضعتا للنبي صلى الله عليه وآله السم، أو جعلتا السم في ما يشرب من ماء أو لبن مثلا، فشربه صلى الله عليه وآله وسقي معه السم الذي دس فيه» (٢).
وفي رواية عن الحسين بن المنذر قال: «سألت أبا عبد الله ﵇ «أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم» القتل أو الموت؟! قال: يعني أصحابه الذين فعلوا ما فعلوا». (٣)
ولقد اهتم متأخروهم بهذه القضية، وجعجعوا حولها، بل ألف فيها أحد معاصريهم كتابا مستقلا أسماه «اغتيال النبي» حوى فيها مرويات هذه المسرحية.
وقد جمع في كتابه كل ما تفرق في كتبهم عن عائشة وحفصة ﵄، واستدل لقضية الاغتيال، وأبدأ فيها وأعاد،
стр. 128
وقال بعد أن سق بعض قصص عائشة مع النبي ﵌ مما وقع من غيرتها الفطرية ﵂، قال: «من يفعل هذه الأفعال يكون من السهل عليه ارتكاب جريمة أخرى، وهذا ما يؤيد إقدامها على قتل رسول البشرية صلى الله عليه وآله لتهيئة الأرضية لحكومة أبيها، ويدعم ذلك الروايات الصحيحة في اشتراكها في قتل رسول الله صلى الله عليه وآله» (١)
وقال: «وفعلاً، كان عمر بن الخطاب وابنته حفصة وأبو بكر وابنته عائشة عند حسن ظن كفار قريش، إذ أقدموا على اغتيال رسول الله صلى الله عليه وآله وابنته فاطمة ﵍، وقبضوا على سلطة المسلمين» (٢).
كم هو محزن أن يكون في أمة محمد من يقدح في زوجة محمد ﵌ ...
وكم هو محزن أن يتأذى حبيبنا في أحب زوجاته مرتين، مرة من منافقي المدينة في قصة الإفك، ومرة أخرى من هؤلاء الشيعة الحاقدين، ومهما تجردت عند كتابة هذا الموضوع، ومهما حاولت أن أنسلخ من عواطفي وأذيب في الماء أحاسيسي، فإن للصبر حدودا، وإن ألذع الكلمات لتتدافع الآن أمامي، لأذب عن أمنا الطاهرة، وأرد عن زوجة حبيبنا المصطفى حمى الله عرضه عما يفترون،
стр. 129
ولكني التزاما بمنهج البحث العلمي لن أزيد على أن أقول (ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون).
رابعا: الإمامية وموقفهم من أهل السنة:
تعتبر المدنية والحضارة والاجتماع عنصر كرامة الإنسان وسر استخلافه، مع ما وهبه الله من العقل والعلم والحكمة.
إن مسألة التكفير، هي الجرثومة التي تقضي على مواد كرامة الإنسان، فبالتكفير تخرب البلدان، وتسفك الدماء وتستباح الأعراض والأوطان، فيفقد الإنسان عناصر الكرامة والسمو، وتبقى فيه حيوانيته وبهيميته ووحشيته وظلمه وعدوانه.
إن الشيعة تحكم على أهل السنة بالكفر والخلود في النار، وتروي روايات عن أئمتها المعصومين في كتبها المعتبرة، تبيح قتل السني وأخذ ماله ونسائه، وتحكم عليه بالكفر وبأنه شر من اليهود والنصارى.
وإذا كان الشيعة لم يتورعوا عن تكفير أصحاب الرسول ﵌ وأزواجه، الذين زكاهم الله في القرآن ورضي عنهم ورضوا عنه، فهل سيتورعون عن تكفير من هم دونهم من باقي المسلمين؟!
لقد بلغت روايات التكفير عند الشيعة من الكثرة ما يجعل هذا الفاضح عاجزا عن أن يكشف معشار ما تحمله هذه الكتب من هذا الوباء القاتل، وباء التكفير والتقتيل باسم الدين.
стр. 130
ولا بد لنا هنا من بعض التدبير والتقسيم لعناصر الموضوع، لنقطف لك من كل قتادة شوكة، ومن كل حنظلة ثمرة، فسنستبيحك عذراً لشيء من التطويل، ونجعل الموضوع في ستة أبواب:
أ- تكفيرهم لأهل السنة واستحلال دمهم:
لقد أطلقت الشيعة كلمة الناصب على مخالفيهم، وهذه الكلمة تعني ناصب العداوة لآل البيت، لكن الشيعة تجعلها في كل مخالفيها، سواء نصب لأهل البيت العداوة، أم أحبهم ووالاهم كأهل السنة الذين يحبون عليا وآل بيته.
يقول شيخهم البحراني والذي يلقبونه بالمحقق: «والتحقيق المستفاد من أخبار أهل البيت ﵈، كما أوضحناه بما لا مزيد عليه في كتاب "الشهاب الثاقب" أن جميع المخالفين العارفين بالإمامة والمنكرين القول بها، كلهم نصاب وكفار ومشركون ليس لهم في الإسلام ولا في أحكامه حظ ولا نصيب ... ». (١)
ويقول شيخهم المجلسي مقررا هذا المعنى للناصب: «اعلم أن إطلاق لفظ الشرك والكفر على من لم يعتقد إمامة أمير المؤمنين والأئمة من ولده ﵈، وفضل عليهم غيرهم، يدل على أنهم كفار مخلدون في النار» (٢).
стр. 131
ويكفي في كونه ناصبيا، تقديمه لأبي بكر وعمر ﵄، وقد طُرح هذا السؤال على الإمام المهدي في سردابه، إذ كتب إليه أحدهم: «هل أحتاج في امتحانه -أي الناصب- إلى أكثر من تقديمه الجبت والطاغوت واعتقاد إمامتهما؟ فرجع الجواب: من كان على هذا فهو ناصب» (١).
وعلق البحراني على هذا الحديث قائلا: «ومعنى الخبر هو أنه لما استفاضت الأخبار عنهم ﵈، بكفر الناصب وشركه ونجاسته وحل ماله ودمه، كتب إليه يسأله عن معنى الناصب ومظهر النصب بما يعرف، حتى تترتب عليه الأحكام المذكورة وأنه هل يحتاج إلى شيء زائد على مجرد تقديم الجبت والطاغوت، واعتقاده إمامتهما؟ فرجع الجواب أن مظهر النصب والعداوة لأهل البيت ﵈، هو مجرد التقديم والقول بإمامة الأولين». (٢)
فمرادف الناصبي إذن هو السني، كما صرح أحد علمائهم: «بل أخبارهم ﵈، تنادي بأن الناصب هو ما يقال له عندهم سنيا» (٣)
وعن أبي عبد الله قال: «ليس الناصب من نصب لنا أهل البيت، لأنك لا تجد رجلا يقول: أنا أبغض محمدا وآل محمد، ولكن الناصب من نصب لكم وهو يعلم أنكم تتولونا وأنكم من شيعتنا». (٤)
стр. 132
وكمثال توضيحي أورد عالمهم محسن المعلم بعض هؤلاء النواصب فقال: «ومنهم - أي النواصب - عمر بن الخطاب وأبو بكر وعثمان وعائشة وأنس بن مالك وحسان بن ثابت والزبير بن العوام وسعيد بن المسيب وسعد بن أبي وقاص وطلحة بن عبيد الله والإمام الأوزاعي والإمام مالك والأشعري وعروة بن الزبير وابن حزم وابن تيمية والإمام الذهبي والبخاري والزهري والمغيرة بن شعبة والباقلاني ... وغيرهم كثير». (١)
إذاً فالنواصب هم نحن، ولن تخدعنا التقية إن سمعنا بعضهم يفرق بين الناصب والمخالف، أو يزعم لنا ليرضينا أنهم لا يكفرون إلا من نصب العداوة لآل البيت.
ولقد بالغوا في التكفير حتى عدوه من ضروريات مذهبهم وأسسه التي ينبني عليها.
يقول صاحب أوائل المقالات: «أقول: إن كفر الناصب من ضروريات مذهب الشيعة وقد صرح به المفيد في المقنعة وغيره، ولم يخالف فيه فقيه واحد أصلا» (٢).
ولآخر: «لا خلاف بين أصحابنا رضوان الله عليهم، من هؤلاء القائلين بهذا القول وغيرهم في كفر الناصب ونجاسته وحل دمه وماله، وأن حكمه حكم الكافر الحربي». (٣)
стр. 133
وقد نص مرجعهم الخوئي على أنه «لا فرق بين المرتد والكافر الأصلي الحربي والذمي والناصب» (١)
وعقد المجلسي في بحاره بابا في ذم مبغضهم -أي الأئمة- وأنه كافر حلال الدم. (٢)
كما خصص الجواهري في كتابه الفقهي جواهر الكلام بابا باسم «حلية دم الناصبي»، وذكر فيه روايات كثيرة منها:
«عن داود بن فرقد، قال: قلت لأبي عبد الله ﵇ ما تقول في قتل الناصب، قال: حلال الدم لكني اتقي عليك فإن قدرت أن تقلب عليه حائطا أو تغرقه في ماء لكيلا يُشهد به عليك فافعل، قلت: فما ترى في ماله، قال توِّه ما قدرت عليه» (٣)
وعن علي بن حديد قال: سمعت من سأل أبا الحسن ﵇، فقال: «إنى سمعت محمد بن بشير يقول: إنك لست موسى بن جعفر، الذي أنت إمامنا وحجتنا فيما بيننا وبين الله. فقال: لعنه الله ثلاثا وأذاقه الله حر الحديد، قتله الله أخبث ما يكون من قتلة -كل هذا لأنه أنكر إمامة واحد من الأئمة- فقلت: جعلت فداك، إذا أنا سمعت ذلك منه أو
стр. 134
ليس حلال لي دمه مباح، كما أبيح دم الساب لرسول الله ﵌ والإمام؟ فقال: نعم، بلى والله حل دمه، وأباحه لك ولمن يسمع ذلك منه، إلى أن قال: فقلت أرأيت إن أنا لم أخف أن أرمي به بريئا ثم لم أفعله ولم أقتله، ما علي من الوزر؟ فقال: يكون عليك وزره أضعافا مضاعفة من غير أن ينتقص من وزره شيء» (١).فيا ويل من استطاع قتل سني دون أن يخاف على نفسه أو غيره ولم يفعل.
قال الكلبيكاني -من كبار علماءهم في هذا القرن- معلقا بعد أن أورد هذه الرواية: «وقد علمت التهديد الوارد في الرواية الأخيرة بالنسبة إلى من قدر على قتله ولم يفعل ... كما أنه قد استفيد من الأدلة أن هذا الحكم متعلق بما إذا لم يكن في إقدامه على قتله ضرر وإلا فليس عليه ذلك». (٢)
وتروي كتبهم قصة رجل منهم، أنكر على رجل يسمى بأبي بجير، كان قتل سبعة من السنة، فتحاكما إلى إمامهم أبي عبد الله، فقال له أبو عبد الله: «وكيف قتلتهم يا أبا بجير؟ فقال: منهم من كنت أصعد سطحه بسلم حتى أقتله، ومنهم من جمع بيني وبينه الطريق فقتلته، ومنهم من دخلت عليه بيته فقتلته، وقد خفي علي ذلك كله، قال: فقال أبو عبد الله ﵇: يا أبا بجير عليك بكل رجل قتلته منهم كبش تذبحه
стр. 135
بمنى، لأنك قتلته بغير إذن الإمام، ولو أنك قتلتهم بإذن الإمام لم يكن عليك شيء». (١)
قال عالمهم نعمة الله الجزائري: «فانظر إلى هذه الدية الجزيلة التي لا تعادل دية أخيهم الأصغر، وهو كلب الصيد، فإن ديته خمس وعشرون درهما، ولا دية أخيهم الأكبر، وهو اليهودي أو المجوسي، فإنها ثمانمائة درهم، وحالهم في الدنيا أخس وأبخس». (٢)
ولهذا، فليس يمنعهم من قتل أهل السنة إلا الخوف، فإذا ذهب الخوف، وقعوا في دماءهم، كما تنص عليه هذه الوصية التي يوصيهم فيها إمامهم قائلا: «لولا أنا نخاف عليكم أن يقتل رجل منكم برجل منهم، والرجل منكم خير من ألف رجل منهم، ومائة ألف منهم، لأمرناكم بالقتل لهم». (٣) ولا أدري في أي لغة يعدى القتل باللام، أما نحن فلا نقول في لغتنا قتلت له، وإنما نقول قتلته، فلو كان واضع هذا عربيا لقال (لأمرناكم بقتلهم).
стр. 136
ولعل هذه الروايات أن تجعلنا أكثر إدراكا للدوافع التي تحرك هذا الصراع المرير بين السنة والشيعة، فبينما تجد كتب الشيعة مليئة بهذه الروايات، وبما هو أطم، تجد كتب السنة خالية من أي حديث أو نص مقدس أو رواية عن معصوم، تجيز فضلا عن أن تأمر بقتل الشيعي، أو تصرح بكفره، وعلى كل منصف يريد أن يعرف سبب هذا الصراع، أن ينظر في كتب هؤلاء وكتب هؤلاء، ليعرف من مِن الطرفين، يشحذ أتباعه بمثل هذه النصوص، ويرتب على قتل الآخر هذا الثواب، بل يتوعد من قدر على القتل ولم يفعل.
ب- استباحة أموالهم:
لم تكتف روايات الشيعة وكتبهم، بأن تكفر السني وتبيح دمه، بل نصت على حلية ماله وجواز أخذه، كما روي عن إمامهم أنه قال: «مال الناصب وكل شيء يملكه حلال لك، إلا امرأته فإن نكاح أهل الشرك جائز». (١)
وما عليك إلا أن تخرج منه الخمس.
فعن أبي عبد الله ﵇ قال: «خذ مال الناصب حيثما وجدته وادفع الينا الخمس» (٢).
стр. 137
وهذا ما قام به رجل منهم يسمى علباء الأسدي، كان قد عمل لبني أمية فأفاد سبعمائة ألف دينار ودواب ورقيقا، قال: «فحمل ذلك كله حتى وضعه بين يدي أبي عبد الله ﵇، ثم قال: إني وليت البحرين لبني أمية، وأفدت كذا وكذا وقد حملته كله إليك، وعلمت أن الله لم يجعل لهم من ذلك شيئا، وأنه كله لك، فقال له أبو عبد الله ﵇: هاته، قال: فوُضع بين يديه، فقال له: قد قبلنا منك، ووهبناه لك، وأحللناك منه، وضمنّا لك على الله الجنة». (١)
وهكذا فإن ولاءهم الدائم هو لأئمتهم، ولا عبرة بالحكومة التي يخضعون لها، والتاريخ شاهد على ذلك.
ج- حكم مناكحتهم:
«عن أبي جعفر قال: ذكر النصاب فقال: لا تناكحهم ولا تأكل ذبيحتهم ولا تسكن معهم» (٢).
وسأل أحدهم أبا جعفر عن المرأة العارفة -أي بالإمامة- هل يزوجها الناصب؟ قال: «لا لأن الناصب كافر». (٣)
وقد تعرضت كتبهم الفقهية لهذه المسألة، وساق الطوسي في كتابه الفقهي "تهذيب الأحكام" هذه الروايات في باب من يحرم نكاحهن
стр. 138
بالأسباب دون الأنساب، وأورد رواية تستثني البُلْه من النساء أي: «المستضعفات اللاتي لا ينصبن ولا يعرفن ما أنتم عليه» (١)، والنصب كما علمت تقديم الجبت والطاغوت، والاعتقاد بإمامتهما، فكفر الناصب من ضروريات المذهب، وترتب عليه جميع الأحكام الفقهية.
ولا يفُتك أن بناء الأحكام الفقهية على النصوص، أكبر دليل على صحة تلك النصوص عندهم واعتبارها في مذهبهم، بحيث لا يبقى مجال للشك في أنهم يعتقدون هذه العقيدة بل يبنون عليها أحكامهم وفتاويهم.
أما أنكحة أهل السنة فيما بينهم فصحيحة: «فأما الناصب ومخالف الشيعة فأنكحتهم صحيحة، وإن كانوا كفارا ضلالا، وليس يجب إذا لم يخرجوا ما وجب عليهم من حقوق الإمام، أن يكون عقود أنكحتهم فاسدة، لأن اليهود والنصارى مخاطبون عندنا بشرائعنا ومعبدون بعباداتنا، وهم غير مخرجين من أموالهم هذه الحقوق وعقود أنكحتهم صحيح» (٢) فانظر كيف صحح أنكحة المسلمين قياسا على أنكحة اليهود والنصارى.
стр. 139
د- الصلاة خلفهم:
يقول شيخهم الطوسي في مختصره الفقهي: «ولا تصل خلف الناصب، ولا خلف من يتولى أمير المؤمنين، إذا لم يتبرأ من عدوه، إلا في حال التقية» (١)، فلن يصلي الشيعي خلفك حتى وإن توليت عليا ما لم تتبرأ من أبي بكر وعمر ﵄.
وعن الباقر أنه سُئل عن الصلاة خلف المخالفين، فقال: «ما هم عندي إلا بمنزلة الجدر». (٢)
يقول الخميني: «ثم إنه قد وردت روايات خاصة تدل على صحة الصلاة مع الناس والترغيب في الحضور في مساجدهم والاقتداء بهم والاعتداد بها، كصحيحة حماد بن عثمان عن أبي عبد الله أنه قال: من صلى معهم في الصف الأول كان كمن صلى خلف رسول الله صلى الله عليه وآله في الصف الأول، ولا ريب أن الصلاة معه صحيحة ذات فضيلة جمة فكذلك الصلاة معهم حال التقية». (٣)
أما مع عدم التقية فلا.
стр. 140
هـ- الصلاة عليهم:
لقد كنت أستبشر ككل مسلم، عندما أرى الشيعة يصلون على موتى المسلمين في مكة أو المدينة، ويقفون مع صفوفهم خاشعين، وكنت أقول في نفسي: لو كانوا يحملون أي عداء لأهل السنة لما صلّوا على موتاهم! وكنت أعد هذا علامة على الأخوة الدينية، والرابطة العقدية.
لكن إليك ما يقوله الشيعة وهم منتصبون للصلاة على هذا السني الذي قد أفضى إلى ما قدم، وهو في أمس الحاجة إلى دعوة صالحة:
يقول شيخهم المفيد في مختصره الفقهي: «وإن كان ناصبا فصل عليه تقية، وقل بعد التكبيرة الرابعة: عبدك وابن عبدك لا نعلم منه إلا شرا، فاخزه في عبادك، وبلادك، واصله أشد نارك، اللهم إنه كان يوالي أعداءك، ويعادي أولياءك، ويبغض أهل بيت نبيك، فاحش قبره نارا، ومن بين يديه نارا، وعن يمينه نارا، وعن شماله نارا، وسلط عليه في قبره الحيات والعقارب» (١)
وفي رواية «اللهم إن فلانا لا نعلم منه إلا أنه عدو لك ولرسولك، اللهم فاحش قبره نارا واحش جوفه نارا، وعجل به إلى النار، فإنه كان يتولى أعداءك، ويعادي أولياءك، ويبغض أهل بيت نبيك، اللهم ضيق عليه قبره، فإذا رفع فقل: اللهم لا ترفعه ولا تزكه». (٢)
стр. 141
وفي الأصل لا يجوز الصلاة عليه إلا لتقية.
يقول ابن البراج في مختصره الفقهي" المهذب": «فلا يجوز الصلاة على الناصب للعداوة لأهل بيت النبي صلى الله عليه وآله إذا كانت التقية مرتفعة». (١)
ويروون عن رسول الله ﵌، أصدقِ الناس لهجة، وأصرحِهم سريرة، أنه صلى على عبد الله بن أبي المنافق تقية، وأنه قال: «اللهم احش جوفه نارا واملأ قبره نارا واصله نارا». (٢) وما أدري ما كان يخشى من عبد الله بن أبي حتى يتقيه.
وبعد أن أورد الميرزا النوري بعض الروايات في الدعاء على السني، خرج بخلاصة فقال: «وقد ذكروا في الدعاء عليه وجوها كثيرة دلت على أن ليس شيئا منها مؤقت، ولكن يجتهد في الدعاء عليه على مقدار ما يعلم من نصبه وعداوته». (٣)
و- نجاستهم:
ومن رواياتهم التي تثير العجب، وتدلك على مدى الحقد الذي تعاني منه هذه الطائفة، ما رووا عن إمامهم أنه قال: «إياك أن تغتسل من غسالة الحمام ففيها تجتمع غسالة اليهودي والنصراني والمجوسي والناصب لنا أهل البيت
стр. 142
وهو شرهم، فإن الله ﵎ لم يخلق خلقا أنجس من الكلب، وإن الناصب لنا أهل البيت أنجس منه». (١)
وعن أبي عبد الله: «أنه كره سؤر ولد الزنا، وسؤر اليهودي والنصراني والمشرك، وكل من خالف الإسلام، وكان أشد ذلك عنده سؤر الناصب». (٢)
لذلك فإنه إذا شرب في إناء ينجسه.
«بل لا إشكال في نجاسة الناصب المعلن عداوته ولو بالنسبة إلى أوليائهم، إذا كان لأجل الولاء، والأحوط تعفير إنائهم، كتعفيره من ولوغ الكلاب». (٣)
وتغسل يدك إذا صافحته.
«قلت لأبي عبد الله ﵇: ألقى الذمي فيصافحني قال: امسحها بالتراب وبالحائط قلت: فالناصب؟ قال: اغسلها» (٤).
بل ذكروا الإجماع على نجاستهم: «وعلى كل تقدير فالظاهر أنه لا إشكال في نجاسة الناصب مطلقا كما هو المعروف بل المجمع عليه في الحدائق، كما عن كتاب الأنوار للسيد الفاضل المحدث الجزائري» (٥).
стр. 143
ز- الحكم عليهم بالخلود في النار:
عن أبي جعفر قال: «لو أن كل ملك خلقه الله ، وكل نبي بعثه الله، وكل صديق وكل شهيد شفعوا في ناصب لنا أهل البيت أن يخرجه الله جل وعز من النار ما أخرجه الله أبدا، والله يقول في كتابه: ماكثين فيه -هكذا-أبدا» (١)
وعن الصادق قال: «إن الناصب لنا أهل البيت لا يبالي صام أم صلى، زنا أم سرق، إنه في النار إنه في النار» (٢)
خامسا: شهادات تاريخية:
لقائل أن يقول، إن ما مر من الروايات، والحجج البينات، لا يعد دليلا كافيا على أن الشيعة تضمر العداء لأهل السنة، فلعل ما نقلت عنهم إنما هو شذوذ من القول، لا يقول به شيعة اليوم ولا يعتقدونه.
وهنا تأتي أهمية التاريخ، إذ يستمع الجميع لشهادته بإذعان، فهي التي تعطيك الربط بين الفكر والفعل، وبين العقيدة والمواقف، ومن هنا تتضح أهمية هذا المبحث كشاهد حي على ما تكنه الصدور، وتخفيه الابتسامات.
لقد اغتاظ كثير من المسلمين، لمِا رأوا من تعاون بيّنٍ، وتؤازر ظاهر، بين الشيعة وقوات التحالف الغازية، ضد إخوانهم من المسلمين في العراق، وفي أفغانستان، وكيف كان الشيعة في هذه البلدان، الدرع الذي درأ به الكفار ... في وجه المسلمين.
لكن التاريخ ينظر إلى هذا الحدث بعين هادئة، ولا يثير عنده هذا الأمر دهشة أو استغرابا، فقد اعتاد هذا المشهد، وتكرر
стр. 144
أمامه بحيث أصبح حقيقة تاريخية، وأمرا معتادا، لا ينكره إلا من لم يكلف نفسه دراسة التاريخ، ولم يسمع شهادة الأيام.
لقد مر بك ما ترتبه الشيعة من الثواب على قتل السني، المنكر للإمامة، بل تنص رواياتهم على أن من استطاع قتله ولم يفعل، فعليه من الذنوب ما عليه، وله من العقاب ماله.
لذا فإن الشيعة تحرص كل الحرص على تنفيذ أوامر أئمتها المعصومين، وإليك بعض الوقائع، وليس كلها، فإن الأمر يحتاج إلى تجريد كتاب لهذا الموضوع، لكني أسوق هنا ما يربط لك ما تقدم من النصوص بواقع هؤلاء الشيعة مع إخوانهم من المسلمين، ويعطيك تجسيدا ملموسا لما تولد عن هذه النصوص والروايات، وما أدت إليه من المجازر والمذابح، منذ القرون الأولى.
١ - الوزير علي بن يقطين:
جاء في كتب الشيعة أن علي بن يقطين وهو وزير الرشيد: (قد اجتمع في حبسه جماعة من المخالفين وكان من خواص الشيعة، فأمر غلمانه وهدوا سقف الحبس على المحبوسين فماتوا كلهم وكانوا خمسمائة رجل، فأراد الخلاص من تبعات دمائهم فأرسل إلى مولانا الكاظم فكتب ﵇ إليه جواب كتابه، بأنك لو كنت تقدمت إلي قبل قتلهم لما كان عليك شيء من دمائهم، وحيث إنك لم تتقدم إلي فكفر عن كل رجل قتلته منهم بتيس، والتيس خير منه» (١)
стр. 145
وهم يستدلون بهذه الرواية في باب جواز قتل النواصب، ومع أن الرواية نصت على كونهم مخالفين، وليسوا نواصب، فإنها أجازت قتلهم وسفك دمهم، ففيها دليل على أن الناصب عندهم هو المخالف، سواء جاهر بعداوة أهل البيت، أو لم يعادهم أصلا.
وبهذا يَبرز لنا هذا الوزير الشيعي كثمرة من ثمرات تلك الأحقاد التي غرست بعقيدة الولاية، وسقيت بنصوص التكفير.
٢ - نصير الدين الطوسي والوزير ابن العلقمي:
لقد وصلت الأمة الإسلامية في أواخر الخلافة العباسية إلى حالة من الضعف والهوان، وتكالبت عليها الأكلة، وكان جيش المغول أكبر خطر كاد أن يقضي على الأمة الإسلامية ويستبيح بيضتها، لولا لطف الله.
فلقد اجتاحت جيوشهم العالم الإسلامي من شرق آسيا حتى وصلوا إلى بغداد، وملؤوا القلوب رعبا والبلدان دماء، ومسحوا مدنا كاملة عن آخرها.
لكن بقيت بغداد معقل الخلافة، ومعقر العالم الإسلامي ...
وهنا لعب هذين الرجلين أكبر دور في هذه الهزيمة، وسجَّلا أعظم خيانة لطخت أيادي الشيعة بالدماء، قبل أن تلطخ جبين الأمة الإسلامية بالعار، إلى اليوم.
فقد كان الطوسي وزيرا لهولاكو قائد التتر، وجاء معه في جيشه، وكان مقربا ومستشارا، فأشار عليه بقتل الخليفة وقتل أهل بغداد جميعا.