عليك كتاب الله لا تتعدّه ... ففيه هدى للزّيغ ماح وقامع
وما سنَّهُ النّبي محمدٌ/ ... فقد خاب عاصيه وفاز المتابع
فخير الأمور السّالفات على الهدى ... وشرّ الأمور المحدثات البدائع
ومن ذلك قول الحافظ أبي عبد الله الذّهبي:
العلم قال الله قال رسوله ... إن صحّ والإجماع فاجهد فيه
وحذار من نصب الخلاف جهالة ... بين النّبي وبين رأي فقيه (١)
ومن ذلك قول بعضهم (٢):
دين النّبي محمد آثار ... نعم المطيّة للفتى الأخبار
لا ترغبنّ عن الحديث وأهله ... فالرّأي ليل والحديث نهار
وممّا قلت في ذلك:
العلم ميراث النّبي كذا أتى ... في النّصّ, والعلماء هم ورّاثه
فإذا أردتّ حقيقة تدري بمن (٣) ... وُرَّاثه فكَّرت ما ميراثُه
ما ورّث المختار غير حديثه ... فينا, وذاك متاعه وأَثاثه
فلنا الحديثُ وراثة نبويّة ... ولكلّ مُحدِث بِدعةٍ إِحداثُه
ومما قلت في الرّدّ على من كره تمسّكي بالسّنة (٤):
стр. 107
يا لائمي كُفّ عن لومي ومعتقدي ... قول النبي فهمّي في تعرُّفِه
فما قفوت سوى آثار (١) منهجه ... ولا تلوثُ سوى آياتِ مُصحفِه
ففي المجازات أمضي نحو مَعْلمه ... وفي المحاراة أبقى وسط موقِفِه
وإذا سعيت فسعي نحو كعبته ... وإن وقفت ففي وادي معرَّفه
وحقّ حبّي له أنّي به كلفٌ ... يغنيني الطّبع فيه عن تكلّفه
هذا الذي كثّر العذّال فيه فما ... تعجَّب القلب إلا من مُعَنِّقه
يستأهل القلب ما يلقاه إن بقيت ... له علاقة توليع بمألفه
ومما قلت في ذلك: القصيدة الطويلة (٢) التي أوّلها:
ظلَّت عواذله تروح وتغتدي ... وتُعيدُ تعنيف المحبّ وتَبْتَدي
يا صاحِبيَّ على الصَّبابة والهوى ... من مِنكما في حبِّ أحمد مُسعدي
حسبي بأني قد شُهرتُ بحبِّه ... شرفاً ببردته الجِميلةِ أَرتدي
لي باسمه وبحبّه وبقربه ... ذِمَمٌ عِظامٌ قد شَدَدت بها يدي
ومحمد أوفى الخلائق ذمّة ... فليبلغنّ بي الأماني في غَدِ
يا قلبُ لا تستبعدنَّ لقاءه ... ثق باللقاء, وبالوفاء فكأَن قَدِ
يا حبَّذا يوم القيامة شُهرتي ... بين الخلائق في المقام الأحمدِ
стр. 108
بمحبَّتي سنن الشّفيع وأَنَّني ... فيها عَصَيتُ معنِّفي ومفنِّدي
وتركتُ فيها جيرتي وعشيرتي ... ومكان أترابي وموضعَ مولدي
فلأشكونَّ عليه شكوى موجعٍ ... متظلِّم متجرِّم مُستنجد
وأقولُ: أنَجِد صادقاً في حُبّه ... من يُنْجدِ المظلومَ إِن لم تُنجدِ
إِني أُحبُّ محمداً فوقَ الورى ... وبه كما فَعَلَ الأوائل أقتدي
فقد انقضت خير القرون ولم يكن ... فيهم بغيرِ محمدٍ من يَهتدي (١)
هذا؛ وإنّي لما تمسّكت بعروة السّنن الوثيقة, وسلكت سنن الطريقة العتيقة؛ تناولتني الألسنة البذيّة من أعداء السّنة النّبوية, ونسبوني إلى دعوى في العلم كبيرة, وأمور غير ذلك كثيرة. حرصاً على ألا يتّبع ما دعوت إليه من العمل بسنّة سيّد المرسلين, والخلفاء الرّاشدين, والسّلف الصّالحين, فصبرت على الأذى/, وعلمت أنّ النّاس ما زالوا هكذا.
ما سَلِمَ الله من بريَّته ... ولا نبيُّ الهدى, فكيفَ أَنَا! (٢)
إلا أنّه لما اتّسع الكلام وطال, واتّسع مجال القيل والقال, جاءتني رسالة محبّرة (٣)
, واعتراضات محرّرة, مشتملة على الزّواجر
стр. 109
والعظات, والتنبيه بالكلم الموقظات, زعم صاحبها أنه من النّاصحين المحبين, وأنّه أدّى به ما عليه لي من حقّ الأقربين, وأهلاً بمن أهدى إليّ (١) النصيحة, فقد جاء الترغيب إلى ذلك في الأحاديث الصحيحة, وليس بضائر إن شاء الله ما يعرض في ذلك من الجدال, مهما وزن بميزان الاعتدال, لأنه حينئذ (٢) يدخل في السّنن, ويتناوله أمر: ﴿وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل:١٢٥] وقد أجاد من قال وأحسن:
وجِدَالُ أهلِ العلمِ ليس بضائرٍ ... ما بينَ غَالبهم إلى المَغلُوبِ
بيد أنّها لم تضع تاج المرح والاختيال, وتستعمل ميزان العدل في الاستدلال, بل خلطها من سيما المختالين بِشوب (٣) , ومالت من التّعنّت في الحجاج إلى صوب, فجاءتني تمشي الخطراء, وتميس في محافل الخطراء, مفضوضة لم تختم, مشهورة لم تكتم. متبرّجة قد كشفت حجابها, وطرحت نقابها, وطافت على الأكابر, وطاشت إلى الأصاغر, حتّى مضّت أيدي الابتذال نُضارتها, وافتضّت أفكار الرّجال بكارتها, وإنّ خير النَّصائح الخفيّ, وخير النُّصاح الحفيّ, وخير الكتاب المختوم, وخير العتاب المكتوم.
ثم إني تأملت فصولها وتدبّرت أصولها, فوجدتها مشتملة على
стр. 110
القدح تارة فيما نقل عنّي من الكلام, وتارة في كثير من قواعد العلماء الأعلام, وتارة في سنّة رسول الله عليه أفضل الصلاة والسلام, فرأيت ما يخصّني غير جدير بصرف العناية إليه, ولا كبير يستحق الإقبال بالجواب عليه, وأما ما يختص بالسنن النبوية والقواعد الإسلامية, مثل قدحه في صحة الرّجوع إلى الآيات القرآنية, والأخبار النبوية, والآثار الصّحابية, ونحو ذلك من القواعد الأصولية, فإني رأيت القدح فيها ليس أمراً هيناً, والذّبّ عنها لازماً متعيناً, فتعرّضت لجواب ما اشتملت عليه من نقض القواعد الكبار, التي قال بها الجلّة من العلماء الأخيار, وجعلت الجواب متوسّطاً بين الإطناب والاختصار, وصدّني عن التّوسيع والتكثير, خشية التنفير والتأخير:
أمّا التنفير: فلأن التوسيع [يُمل] (١) الكاتب والمكتوب إليه, والمتطلع إلى رؤية الجواب والوقوف عليه, مع أنّ القليل يكفي المنصف, والكثير لا يكفي المتعسّف, وضوء البرق المنير, يدلّ على النّوء الغزير.
وأمّا التأخير: فلأن التوسيع يحتاج إلى تمهيد عرائس الأفكار, حتّى تستكمل الزّينة, ومطالعة نفائس الأسفار, الحافلة بالآثار المتينة, والأنظار الرّصينة.
فهذا البحر وهو الزّخّار, يحتاج من السّحب إلى مَددٍ (٢) , والبدر
стр. 111
وهو النّوار, يفتقر من الشّمس إلى يد. ومن أين يتأتّى ذلك أو يتهيّأ لي, وأنا في بوادٍ خوالي, وجبالٍ عوالي! (١)
فحيناً بطودٍ تُمطر السُّحب دونه ... أَشمَّ مُنيفٍ بالغمامِ مُؤَزَّرُ
وحيناً بشعب بطنِ وادٍ كأَنه ... حَشا قلم تُمسي به الطيرُ تصفر
إذا التفتَ الساري به نحو قلةٍ ... توهّمها من طولها تتأخّر
أجاور في أرجائه البومَ والقَطا ... فَجيرتها للمرءِ أولي وأَجدرُ/
هنالك يصفو لي من العيش وِرده ... وإلاّ فورد العيش رَنق (٢) مكدَّر
فإِن يبست ثَمَّ المراعي وأَجدبت ... فَرَوْضُ العُلا والعلم والدّين أخضر
ولا عارَ أن ينجو كريمٌ بنفسه ... ولكنَّ عاراً عجْزُهُ حين يُنصر
فقد هاجَر المختار قبلي وصحبُه ... وفرّ إلى أَرض النَّجاشي جعفرُ
ولما أنشأت هذا الجواب من هذه الجبال العالية, والبوادي الخالية, قصر باعي, وضاقت رباعي, فتمصّصتُ من بَلَلِ ما عندي بَرَضا (٣) , وما أكفى ذلك وأرضى, إذا كان ذلك طيباً محضاً!.
سامحاً بالقليل من غير عذر ... ربما أَقنع القليلُ وأرضى
ولكن هيهات لذلك! لا محيص لي عن أوفر نصيب من طَفِّ (٤)
стр. 112
الصّاع, ولا بد لي من الانخداع بداعية الطّباع. وقد قصدت وجه الله تعالى في الذّبّ عن السنن النبوية والقواعد الدينية, وليس يضرّني وقوف أهل المعرفة على مالي من التّقصير, ومعرفتهم أنّ باعي في هذا الميدان قصير, لاعترافي بأني لست من نقّاد هذا الشأن, لا من فرسان هذا الميدان. لكني لم أجد من الأصحاب من تصدّى لجواب هذه الرسالة, لما يجرّ إليه [ذلك] (١) من سوء القالة, فتصديت لذلك من غير إحسان ولا إعجاب, ومن عدم الماء تيمّم بالتراب, عالماً بأني وإن (٢) كنت باري قوسها ونبالها, وعنترة فوارسِها ونِزالها, فلن يخلو كلامي من الخطأ عند الانتقاد, ولا يصفو جوابي من الكدر عند النّقاد.
فالكلام الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه هو: كلام الله الحكيم, وكلام من شهد بعصمته القرآن الكريم. وكلّ كلام بعد ذلك فله خطأ وصواب, وقشر ولباب. ولو أنّ العلماء ﵃ تركوا الذّبّ عن الحقّ خوفاً من كلام الخلق: لكانوا قد أضاعوا كثيراً, وخافوا حقيراً.
وأكثر ما يخاف الخائض في ذلك أن يكل حسامه في معترك المناظرة وينبو, ويعثر جواده في مجال المحاجة ويكبو, فالأمر في ذلك قريب: إن أخطأ فمن الذي عُصم, وإن خُطىء فمن الذي ما وُصِم؟.
والقاصد لوجه الله تعالى لا يخاف أن يُنقد عليه خلل في كلامه,
стр. 113
ولا يهاب أن يُدل على بطلان قوله, بل يحبّ الحقّ من حيث أتَاه, ويقبل الهُدى ممن اهداه, بل المُخاشنة بالحقّ والنّصيحة, أحبّ إليه من المداهنة على الأقوال القبيحة, وصديقك من [صَدَقك] (١) لا من صدّقك.
وفي نوابغ الحكمة: عليك بمن ينذر الإبسال والإبلاس, وإيّاك من يقول: لا باسَ ولا تاسَ.
ثمّ إن الجواب (٢) لما تمّ -بحمد الله تعالى- اشتمل على علوم كثيرة, وفوائد غزيرة, أثرية ونظرية, ودقيقة وجليلة, وجدليّة وأدبية, وكلّها رياض للعارفين نضرة, وفراديس عند المحققين مزهرة, لكنّي وضعته وأنا قويّ النّشاط, متوفّر الدّاعي, ثائر الغيرة, فاستكثرت من الاحتجاج رغبة في قطع الّلجاج.
فربما كانت المسألة في كتب العلماء ﵃ مذكورة غير محتج عليها بأكثر من حجة واحدة, فأحتج عليها/ بعشر حجج, وتارة بعشرين حجة, وتارة بثلاثين حجة, وكذلك قد يتعنّت صاحب الرسالة, ويُظهر العجب بما قاله, فأحبّ أن يُظهر له ضعف اختياره, وعظيم اغتراره, فأستكثر من إيراد الإشكالات عليه, حتّى يتضح له خروج الحقّ من يديه, فربما أوردت عليه في بعض المسائل أكثر من مئتي إشكال, على مقدار نصف ورقة من كتابه.
стр. 114
ثم إنِّي تأمّلت الكتاب -بعد ذلك- فوجدت ما فيه من التطويل والتدقيق, يصرف الأكثرين عن التأمل له والتحقيق, لا سيمّا والباعث لداعية النشاط إلى معرفة مثل هذا إنما هو وجود من يعارض أهل السنّة, ويورد على ضعفائهم الشّبه الدّقيقة, ومن عوفي من هذا ربما نفر عن مطالعة هذه الكتب نفرة الصّحيح عن شرب الأدوية النّافعة, وألم المكاوي الموجعة. فاختصرت منه هذا الكتاب, على أني لم أطنب في ((الأصل)) كلّ الإطناب لما قدّمت من العذر عن ذلك, وتوعّر تلك المسالك.
وقد اقتصرت في هذا ((المختصر)) على نصرة السّنن النّبويّة, والذّبّ عنها وعن أهلها من حملة الأخبار المصطفوية, سالكاً من ذلك في محجّة جليّة, غير عويصة ولا خفيّة, وتركت التعمّق في الدّقائق, والتقحّم في المضايق, رجاء أن ينتفع بهذا المختصر المبتدي والمنتهي, والأثري والنّظري, وسمّيته: ((الروض الباسم, في الذّبّ عن سنّة أبي القاسم ﷺ , وجعلنا من جيران حِماه المحرّم.
وهذا حين الشّروع في الجواب, والله الهادي إلى الصّواب:
قال: معرفة الأخبار مبنية على معرفة عدالة الرّواة [ومعرفة عدالتهم] (١) في هذا الزّمان مع كثرة الوسائط كالمعتذرة, ذكر هذا كثير من العلماء منهم: الغزالي, والرّازي. وإذا كان ذلك في زمانهم فهو في زماننا أصعب, وعلى طالبه أتعب, لازدياد الوسائط كثرة والعلوم دروساً وفترة. فإن قيل: نحن نقول بما قال الغزالي: إنّا نكتفي بتعديل
стр. 115
أئمة الحديث: كأحمد بن محمد بن حنبل, ويحيى بن سعيد الأنصاري (١) , وعلي بن المديني, ويحيى بن معين, ومحمد بن إسماعيل البخاري, فإنّ هؤلاء قد تكلّموا في الرّواة, وبيّنوا العدل ممن سواه. قلنا: هذا لا يصح لوجوه؛ أحدها: أنّا إذا قبلنا تعديلهم فيمن كان متقدماً, فما يكون فيمن بعدهم من الرّواة؟ فإنّ اتصال رواية الحديث من وقتنا إلى مصنّفي الكتب الصّحاح كالبخاري ومسلم على وجه الصّحة متعسر لأجل العدالة.
ثمّ خرج المعترض إلى ذكر شيء يتعلّق بمسألة [المتأَولين] (٢) فتركته, لأنّ الكلام عليها يأتي مستقلاً كما فعل المعترض (٣) , فإنه أفردها.
أقول: الجواب على هذا المعترض يتبيّن بذكر وجوه:
الوجه الأول: طلب الحديث ومعرفته شرط في الاجتهاد (٤) , والاجتهاد فرض واجب على الأمّة بلا خلاف (٥) , لكنّه من فروض
стр. 116
الكفايات التي تسقط بوجود من هو قائم بها وتتعيّن عند عدم ذلك.
فإذا ثبت أنّه فرض لزم أنّه من الدين, وإذا لزم أنّه من الدين لزم أنّه غير متعسّر ولا متعذّر لقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيكُم فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨] وقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ اليُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ﴾ [البقرة:١٨٥]. وقول رسول الله ﷺ :/ ((بعثت بالحنيفيّة السّمحة)) (١).
والمعترض مقرٌ بأن الله يريد بنا اليسر ولا يريد بنا العسر, ومقرّ أن الله يريد منا الاجتهاد ومعرفة الحديث الصّحيح. فقوله: إنّ معرفة الحديث متعسّر يستلزم أنّ الله تعالى يريد منّا المتعسّر, بل لم يقنع حتّى قال: إنّه متعسّر أو متعذّر, واستلزم أن الله تعالى يريد منا المتعسّر أو المتعذّر.
فإن قال: إنّما أردت بذلك مشقّة, والمشقّة تلازم التّكاليف غالباً.
قلنا: مجرّد المشقّة لا يسمّى عُسراً في العرف العربي, فإنّ
стр. 117
المشقة ملازمة لأكثر الأعمال الدنيوية والأخروية, وقد يشقّ على الإنسان قيامه من مجلسه إلى بيته, ونحو ذلك.
والعُسر في عرف اللسان العربي مستعمل في الأمور العظيمة لا في كل أمر فيه مشقّة, فإذا قيل: فلان في عسر, أفاد أنّه في شدّة عظيمة من مرض أو خوف أو فقر شديد أو غير ذلك, وقد يطلق على ما هو دون ذلك مع القرينة, فأمّا إذا تجرّد الكلام عن القرينة, وقيل: إنّ فلاناً في عسر, لم يسبق إلى الفهم أنّ معنى ذلك: أنّه في قراءة في العلم, وتعليق للفوائد, ولو كان هذا عسراً لكان الجهاد [عسراً] (١) والحج عسراً, والورع الشّحيح عُسرين اثنين, وعبادة الله كأنك تراه أعسر وأعسر, ولكانت الشّريعة كلّها أو أكثرها تشديداً وتعسيراً وتحريجاً وتغليظاً. وما بهذا نطق القرآن, ولا به جاء صاحب بيعة الرضوان. بل نفى الله الحرج عن الدين, ووصف الشّريعة بالسّهولة سيد المرسلين, وإنّما الحرج في صدور المتعنّتين.
فإن قيل: فإذا كانت الشريعة سهلة فما معنى: ((حفّت الجنة بالمكاره)) (٢) , ولأي شيء مدح الله الصابرين, ووصّى عباده بالصبر؟.
قلنا: لأن النّفوس الخبيثة تستعسر السّهل من الخير لنفرتها عنه وعدم رياضتها عليه, لا لصعوبته في نفسه, ولهذا نجد أهل الصّلاح يستسهلون كثيراً مما يستعسره غيرهم, فلو كان العسر في نفس (٣) الأمر
стр. 118
المشروع لكان عسيراً على كلّ واحد, وفي كلّ حال.
وقد نصّ الله تعالى على هذا المعنى فقال في الصلاة: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الخَاشِعِينَ﴾ [البقرة:٤٥] فدلّ على أنّ العسر والحرج لا يكون في أفعال الخير, وإنّما يكون في النُّفوس السُّوء, قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجعَل صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرِجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام:١٢٥] فمدار المشقّة التي في الطّاعات على الدّواعي والصّوارف, ولهذا ترى (١) قاطع الصّلاة يقوم نشيطاً إلى أعمال كثيرة أشق من الصّلاة.
وقد يكون العسر الموهوم في أعمال الخير من قساوة القلب, وكثرة الذنوب, وعدم الريّاضة وملازمة البطالة, ألا ترى إلى ما في قيام الليل وإحيائه بالعبادة (٢) من المشقّة على النّفوس, وهو يسهل عليها سهره في كثير من الأحوال في العرسات والأسمار, والسّروات في الأسفار.
فإذا عرفت هذا فاعلم أن من الناس من يحصل له من شدّة الرّغبة في العلم وسائر الفضائل ما يسهّل عليه عسيرها, ويقرّب إليه بعيدها, فلا معنى لتعسير الأمر الشّرعي في نفسه, لأنّ ذلك يخالف كلام الله/ تعالى وكلام رسوله ﷺ .
واعلم أنّ من العقوق, لوم الخلي للمَشُوق, وفي هذا يقول
стр. 119
أبو الطّيّب (١):
لا تَعْذُل المُشتاق في أشواقِهِ ... حتّى يكونَ حَشاكَ في أَحشائِهِ
أما علمت أنّ حبّ المعالي, يُرخص الغوالي (٢) , ويقوّي ضعف الصّدور على الصَّبر للعوالي. وربما بُذلت الأرواح, لما هو أنفس منها من الأرباح. قال ابن الفارض (٣):
بذلت له روحي لراحِة قُربهِ ... وغير عجيب بذلي الغالِ بالغالي (٤)
وفي ((المقالات)) (٥) للزّمحشري: ((عزّة النّفس وبعد الهمّة, الموت الأحمر والخطوب المدلهِمّة. ولكن من عرف منهل الذّلّ فعافه؛ استعذب نقيع العزّ وزُعافه (٦))).
стр. 120
وقد أجاد وأبدع من قال في هذا المعنى:
صحبُ اللهُ راكبين إلى العز ... طريقاً من المخافة وَعرْا
شرِبُوا الموت في الكريهة حُلواً ... خوفَ أن يشربوا من الضّيمِ مُرَّاً
يا هذا! إن الدّواعي تحرّك القُوى, وإنّ القلوب ليست بسَوَى. إنّ الإبل إذا كلّت قواها, ونفخت في بُراها, أطربها السّائق بحداها, فنفحت في سُراها, فعلّلوها بحديث حاجِرٍ, ولتصنع الفلاة ما بدا لها. هذا وهي غليظة الطّباع بهيميّة, فكيف بأهل القلوب الرّوحانية؟! وأنشد الحجّة (١) في هذا المعنى في كتابه: ((سر العالمين وكشف ما في الدّارين)) (٢):
стр. 121
انظر إلى الإبل اللَّوا ... تي هُنّ أغلظ منك طَبعا
تُصغي إلى قول الحدا ... ة فَتَقطع الفلواتِ قَطعَا
فإيّاك والاستبعاد لكلّ ما عزّ عليك, والاستنكار لوجود ما خرج من يديك. طالب المعالي لا يعنو كمداً, ولا يهدأ أبداً. وكلّما قيل له قف تسترح جُزت المدى, قال: وهل نِلتُ المدى؟!.
الوجه الثاني: إفراط المعترض على أهل السنة وطلبة الحديث في تعسير معرفته حتّى قال: إنّ الأمر متعسّر أو متعذّر, وذلك يقتضي أنّه شاكّ في تعذّره غير قاطع بدخوله في حيّز الممكنات. وقد بيّنت (١) أن الاجتهاد من الفروض الدينية, والشّعائر الإسلامية, وأنّه رأس معارفه العزيزة, وعمود شرائطه الأكيدة, فيجب القطع بأنّه غير متعذّر؛ لأنّ المتعذّر غير مطاق, والاجتهاد وطلب الحديث مشروع واجب, فلو أوجبه الله وهو متعذّر لكان الله قد كلّفنا ما لا نطيقه, وهذا يستلزم القول بتكليف ما لا يطاق, وهو مردود عند جماهير أهل المذاهب كلهم, وأمّا المعتزلة والزيدية فعندهم أنّ تجويزه كفر وخروج من الملّة, إلا القليل منهم, فيقولون: تجويزه بدعة محرّمة ومعصية ظاهرة (٢) , لا سيمّا ومذهب الزّيدية أنّه لا يجوز خلوّ الزّمان
стр. 122
عن عالم مجتهد جامع لشرائط الإمامة, فعلى أيّ المذاهب بَنَيْتَ (١) هذه الرّسالة, وعلي أي الأسباب ركبت هذه الجهالة؟
الوجه الثالث: أنّ كلام هذا المعترض مستلزم لخلوّ الزّمان من أهل المعرفة بالحديث ومن أهل الاجتهاد في العلم, بل قد صرّح/ بذلك في غير موضع, وقد غفل عما يلزم في مذهبه من هذا, فإنّه يلزم منه تعيّن وجوب طلب الاجتهاد وطلب علم الحديث على كلّ مكلّف؛ لأنّ هذا حكم فرض الكفاية إذا لم يقم به البعض تعيّن الطّلب على الجميع, فكان الواجب عليه على مقتضى تعسيره أن يقول: إنّ الزّمان خالٍ من المجتهدين, وأنّه يتعيّن علينا القيام بما يجب من فريضته, ونحو ذلك من كلام العلماء العاملين.
وأمّا أنّه يقرّ بخلوّ الزّمان من القائم بهذه الفريضة, وينهى من اشتغل ببعض شرائطها: فهذا هو النّهي عن المعروف, والوقوع في المحظور, نعوذ بالله منه!!.
وفي هذا الوجه والذي قبله خلاف, ومباحث لطيفة تركتها اختصاراً, إذ المقصود إلزام الخصم ما يلتزمه على مقتضى مذهبه, وسوف تأتي الإشارة إلى عمدتها في (الوجه العاشر) , فخذه من هناك (٢).
الوجه الرابع: أنّه لا فرق فيما ذكره بين علم الحديث وسائر
стр. 123
علوم الإسلام, ومصنّفات العلماء الأعلام, بل كتب الحديث مختصّة بصرف العناية من العلماء إلى سماعها وتصحيحها, وكتابة خطوطهم عليها شاهدة لمن قرأها بالسّماع, ولا يوجد في شيء من كتب الإسلام مثل ما يوجد فيها من العناية العظيمة في هذا الشأن, حتّى صار كأنه خصّيصة لها دون غيرها, وذلك من العلماء ﵃ تعظيم لشعارها, ورفع لمنارها, وبيان لكونها أساس العلوم الإسلامية, وركن الفنون الدينية, فلا يخلو المعترض:
إمّا أن يخصّها بتحريم إسناد ما فيها إلى أربابها دون سائر المصنّفات؛ فهذا عكس المعقول, لأنّها أقوى العلوم أثراً في هذا الشّأن.
وإمّا أن يورد هذا الإشكال على جميع العلوم السّمعية الظّنيّة؛ فهذا إشكال يعم جميع أهل الإسلام [و] (١) لا يخصّ حملة أخبار المصطفى ﵊؛ لأنه يلزم [منه] (٢) القدح في إسناد فقه الأئمّة المتبوعين في الفروع إلى أهله فيحرم تقليدهم, مع أنّه قد أنسدّ باب الاجتهاد بتعذّر معرفة السّنن النّبوية, فيصبح أهل الإسلام في عمياء لا إمام ولا مأموم ولا منصوص ولا مفهوم.
وكذلك يحرم على الأصوليين والنّحويين نقل ما في كتبهم من الأقاويل المنسوبة إلى قائلها, وكذلك يحرم على أهل السّير والتّاريخ,
стр. 124
فما (١) خصّ علم الحديث بالتّرسّل على من أخذ في تعلمّه وتعليمه والعمل به والدّعاء إليه؟
وهلا وضع المعترض كتاباً آخر [إلى] (٢) من أراد القراءة في فنّ من سائر الفنون؟
الوجه الخامس: أجمعت الأمّة على جواز إسناد ما في الكتب الصّحيحة إلى أهلها بعد سماعها على من يوثق به (٣) , والدّليل على ذلك: أنّ العلماء ما زالوا ينسبون في مصنّفاتهم الأحاديث إلى من أخرجها والأقاويل إلى من قالها, فيقولون في الحديث:
أخرجه البخاري وأخرجه مسلم, وكذلك سائر مصنّفي الحديث والفقه من غير نكير في هذا على الرّاوي عنهم, مع كثرة وقوع هذا منذ صنّفت/ هذه الكتب إلى هذا التاريخ, وذلك قريب من خمسمائة سنة, ما علمنا أنّ أحداً من المسلمين حرّم على من سمعها على الثّقات أن ينسب ما وجد فيها إلى مصنّفيها ولا شكّك, ولا حرّج في هذا.
حتّى إنّ هذا المعترض زعم أنّ البخاري مبتدع, بل كافر!! صانه الله عن ذلك! واحتجّ عليه بشيء نقله من صحيحه, يدلّ على أنّ البخاري يؤمن بالقدر, مع أنّ التكفير عند المعتزلة والزّيدية لا يجوز إلا بنقل متواتر, فكيف يحتجّ على البخاري بما في صحيحه وهو عنده لا يصحّ بطريقة ظنيّة؟ مع أنّ صحيحه ما اشتمل على ما يلزمه ما
стр. 125
توهّمه.
وكذلك فإن هذا المعترض صنّف تفسيراً نقله من تفاسير العلماء, فتراه يروي فيه عن البخاري [ومسلم] (١).
بل أغرب من هذا أنّه يقرأ كتب الحديث ويجيز روايتها عنه عن شيوخه عن أهلها, لكنّه غضب من العمل بها وظهور التّعظيم لها, وكلّ ما ذكرته يدلّ على انعقاد الإجماع على ما ذكرته. والله أعلم.
الوجه السادس: أنّ كلام هذا المعترض مبنيّ على تحريم قبول المراسيل كلها (٢) , وما أدرى لم بنى كلامه على هذا! وهو لا يدري ما اختيار خصمه ولا ما يختاره طالب علم الحديث؟
فجواز قبول المراسيل مذهب المالكيّة والمعتزلة والزّيدية, ونصّ عليه منهم أبو طالب (٣) في كتاب ((المجزي)) (٤).
стр. 126
والمنصور (١)
في كتاب ((صفوة الاختيار)) (٢).
وروى أبو عمر بن عبد البر في أوّل كتاب ((التمهيد)) (٣) عن العلاّمة محمد بن جرير الطّبري: إجماع التّابعين على ذلك.
ومذهب الشافعية قبول بعض المراسيل على تفصيل مذكور في كتب علوم الحديث (٤) والأصول (٥) , وهو المختار على تفصيل فيه, وهو:
قبول ما انجبر ضعفه لعلّة الإرسال بجابر يقوّي الظّن بصحته, إمّا: بمعرفة حال من أرسله وأنّه لا يرسل إلاّ عن ثقة كمراسيل ابن المسيّب, وما جزم به البخاري من تعاليق ((الصّحيح)) ولم يورده بصيغة التّمريض (٦)
стр. 127
وما صنّفه المتأخرون الحفّاظ في كتب الأحكام (١) واقتصروا على نسبة الحديث إلى مخرّجه من غير إسناد من المصنّف إلى مخرج الحديث, وغير ذلك من المراسيل المعضودة بما يقوّيها.
بل مراسيل الصّحابة والتّابعين وأئمة الحديث المعروفين مقبولة إذا لم يعارضها مسند صحيح, إلا مرسل من عرف منهم بالإرسال عن الضّعفاء (٢) , وأدلّة وجوب قبول خبر الواحد تتناول ذلك.
وموضع بيان الحجّة على جواز ذلك كتب الأصول, والمسألة نظريّة لا يجوز الإنكار فيها على من ذهب إلى أحد المذاهب. ومن أحسن ما يحتجّ به [في ذلك] (٣) الإجماع على قبول اللّغة والنّحو مع بناء تفسير الحديث عليهما بغير إسناد صحيح على شرط أصحاب الحديث.
إذا عرفت هذا؛ فاعلم أنّ أقوى المراسيل ما أرسله العلماء من
стр. 128
أحاديث هذه الكتب, وذلك لوجوه:
أولها: أنّ نسبة الكتاب إلى مُصنِّفه معلومة في الجملة بالضّرورة, فإنّا نعلم بالضّرورة أنّ محمد بن إسماعيل البخاري ألّف كتاباً في الحديث, وأنّه هو الموجود في أيدي المحدّثين/, وإنما يقع الظّنّ في تفاصيله, وما عُلِمت جملته وظنّت تفاصيله أقوى مما ظنّت جملته وتفاصيله.
وثانيها: أنّ أهل الكذب والتّحريف قد يئسوا من إدخال الكذب في هذه الكتب, فكما أنّه لا يمكن أحداً أن يدخل على الفقهاء في المذاهب الأربعة غير مذاهب أئمتهم, فَيُدخل في ((المنهاج)) (١)
للنّووي أنّ الشّافعي لا يشترط النّصاب في زكاة ما أخرجت الأرض, ويدخل على الحنفية مثل ذلك. وكذا لا يستطيع أحد أن يدخل على الزّيدية في كتاب ((اللّمع)) (٢) الذي هو مَدْرَسهم (٣) مسألة للفقهاء وينسبها إلى أئمة الزّيدية, ولا يستطيع أحد أن يدخل على النّحاة في كتبهم المدروسة ما ليس فيها.
стр. 129
فكذلك يتعذّر أن يدخل في البخاري أحاديث ((الشّهاب)) (١) ونحوه ويمضي ذلك على الحفّاظ, ولو تقدّر ذلك في حق بعض الضّعفاء لا نكشف الحقّ عن قريب, وكان ذلك المغرور غير مؤاخذ عند الله, بل لابد أن يكون عاملاً على بعض مذاهب العلماء غالباً, كما سيأتي بيان ذلك عند تذكر كثرة الطّرق في الرّاوية, واتّساع كثير من العلماء في ذلك واعتمادهم على العمل بالظّنّ.
وثالثها: أنّ النّسخ المختلفة تنزّل منزلة الرّواة المختلفين, فاتفاقها يدلّ على صحة ما فيها عن المصنّف قطعاً أو ظاهراً.
فإنك إذا وجدت الحديث منسوباً إلى البخاري في نسخة نسخت باليمن, ووجدته منسوباً إليه في نسخة غربية أو شاميّة أو عراقية, ووجدت ذلك الحديث كذلك في شرح البخاري, ومصنّفه كان في بلاد أخرى أو زمان آخر ووجدته في الكتب المستخرجة من كتب الحديث والمختصرة منها, فتجده في ((جامع الأصول)) لأبي السّعادات ابن الأثير و ((المنتقى)) لعبد السلام (٢) , و ((أحكام عبد الحق)) (٣) ,
стр. 130
و ((الإلمام)) للشيخ تقي الدين (١) , ونحوها, وتجده في كتب الفقه البسيطة (٢) المشتملة على ذكر المذاهب والحجج. وتجده في شواهد الفقه المجرّدة مثل: ((شواهد المنهاج)) لابن النّحوي (٣) , و ((شواهد التنبيه)) (٤) لابن كثير ونحوها, ونحو هذه الكتب قد توجد كلها ويوجد الحديث فيها, وقد يوجد كثير منها ويوجد الحديث في كثير منها.
ولا شكّ أنّ النّاظر فيها إن لم يستفد العلم الضّروري باستحالة تواطؤ مصنّفيها على محض الكذب والبهت؛ لأنه يستحيل اجتماعهم واتفاقهم على ذلك لتباعد أغراضهم وبلدانهم وأزمانهم ومذاهبهم, فأقلّ الأحوال أنّ ذلك يفيد من الظّنّ ما يفيده الإسناد إلى المصنّف مع السّماع على الثّقة ولكن بغير إسناد, فإذا كان الجمّ الغفير من الأئمة من فرق الإسلام قد نصّوا على وجوب قبول المرسل, وادّعى ابن جرير وغيره الإجماع على ذلك مع خلوّ المرسل عن مثل هذه القرائن,
стр. 131
فكيف ينكر على من قبله مع مثل هذه القرائن الكثيرة؟ وإذا كان المعتبر (١) في باب الرّواية هو الظّنّ المطلق كما يأتي تحقيقه عند كثير من أهل العلم, فكيف ينكر على من استند إلى مثل هذا الظّنّ القوي؟
/فإن قيل: إنّ أهل الحفظ والثقة قد يسندون عن معمَّرين (٢) لا يعرفون الحديث, ولا يضبطونه؛ فكان هذا قدحاً في رواية الحديث (٣) عنهم.
قلنا: أهل الحديث لا يعتمدون على أولئك المعمّرين في جواز الرّواية والعمل بالحديث, بل يعتمدون على من قرأ لهم, وعلى من أثبت طباق السّماع لهم, وإنّما احتاجوا إلى أولئك لأجل علوّ السّند, ذكر معنى ذلك الذّهبي في خطبة ((الميزان)) (٤) وقال: ((إنّه مبسوط في علوم الحديث)) , وقال: ((من المعلوم أنّه لابدّ من صون الرّاوي وستره)).
وذكر ذلك كلّه زين الدّين في كتابه في ((علوم الحديث)) (٥) والله أعلم.
الوجه السّابع: أنّ أقصى ما في الباب أن يروي المحدث عن المجاهيل من المسلمين والمجاهيل من العلماء, فقد قال
стр. 132
بذلك (١) من أهل العلم المجمع على فضلهم ونبلهم من لا يحصى, فقد ذهب أئمة الحنفيّة إلى قبول المجهول من أهل الإسلام, وذهب إلى ذلك كثير من المعتزلة والزّيدية, وهو أحد قولي المنصور بالله: ذكر ما يقتضي ذلك في كتابه: ((هداية المسترشدين)) , وهو الذي ذكره عالم الزّيدية ومصنّفهم وعابدهم وثقتهم عبد الله بن زيد العنسي (٢) , ذكره في ((الدّرر المنظومة)) (٣) بعبارة محتملة للرّواية عن مذهب الزّيدية كلّهم, وهو الذي أشار إلى ترجيحه أبو طالب في كتاب: ((جوامع الأدلة)) (٤) وتوقّف فيه في كتاب: ((المجزي)) وذكر أنّه محل نظر, وحكاه المنصور في ((الصّفوة)) عن الشّافعي.
فكيف تنكر أيّها الزّيدي ما ذهب إليه جلّة من أئمة الزّيدية ومحقّقيهم؟ ّ! على أنّ المحدث غنيّ عن النزول إلى هذا الحدّ في الترخّص, وأكثر ما يحتاج إليه في بعض الأحوال: الرّواية عن المجهول مطلقاً, وقول ابن عبد البرّ, وابن الموّاق (٥) معهم, فقد وافقوهما على
стр. 133
قبول مجهول العلماء لأنه من جملة المجاهيل, لكنّهما خالفاهم في قبول من عدا هذا الجنس, ولهما من الحجج على ما اختاراه ما يمكن الرّكون إليه والاعتماد عليه, لولا عدم الحاجة إلى ذلك, ومحبّة الاحتياط بسلوك أوضح المسالك, وقد ذكرت في ((الأصل)) (١) لهما حججاً في ذلك, وطوّلت الكلام عليها, وأنا أذكرها في هذا ((المختصر)) وأحذف من التّطويل فأقول:
يمكن أن يحتج لهما بحجج قرآنية, وأثريّة, ونظرية:
أما القرآنية: فقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِكْرِ إِنْ كُنتُم لاَ تَعلَمُونَ﴾ [الأنبياء:٧] , فإطلاق هذا الأمر القرآني يدلّ وجوب سؤال العلماء إلا ما خصّه الإجماع وهو: الفاسق المتعمّد؛ وهذا نادر في العلماء, وإن اتّفق ذلك من أحد منهم فهو معروف غير معتمد, وإنّما يصدر منهم من المعاصي ما لم يجمع على [الجرح] (٢) به كما سيأتي/ قريباً.
وأما الأثريّة؛ فقد ورد في ذلك آثار:
الأثر الأول: النّبي ﷺ : ((يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله (٣))). روي مرفوعاً مسنداً من طريق أبي هريرة, وعلي بن أبي
стр. 134
طالب, وعبد الله بن عمرو بن العاص, وعبد الله بن عمر بن الخطاب, وأبي أمامة, وجابر بن سمرة.
واختلفوا في صحة إسناده وإرساله؛ فأسنده العقيلي (١) عن أبي هريرة, وابن عمرو بن العاص وقال: الإسناد أولى, وضعّف إسناده
стр. 135
زين الدّين ابن العراقي (١) , وقال ابن القطّان (٢): الإرسال أولى. وتوقّف في ذلك الحافظ ابن النّحوي الشّافعي المصري. وقال ابن عدي (٣): ((رواه الثّقات عن الوليد بن مسلم عن إبراهيم بن عبد الرحمن [ثنا] (٤) الثّقة من أصحابنا أنّ رسول الله ﷺ قال ... )) وساقه. قال الذّهبي (٥): ((رواه غير واحد من معان يعني ابن رفاعة عن إبراهيم بن عبد الرّحمن العذري التّابعي)).
فالقوي صحّة الحديث كما ذهب إلى ذلك: إمام أهل الحديث أحمد بن حنبل, والعلاّمة الحافظ أبو عمر بن عبد البرّ, روى تصحيحه عن أحمد بن حنبل غير واحد وابن النّحوي في ((البدر المنير)) (٦) والزّين ابن العراقي في ((التبصرة)) (٧) وقال: ((ذكر الخلال في ((كتاب العلل)) أنّ أحمد سئل عنه فقيل له: كأنّه كلام موضوع؟ فقال: لا, هو صحيح, فقيل له: ممن سمعته؟ قال: من غير واحد)).
قلت: الظّاهر صحته أو حسنه, فإنّما علّل بالإرسال, والاختلاف في معان.
стр. 136
أمّا الإرسال: فقد ارتفع بقول ابن عديّ: إنّ الثّقات رووه عن إبراهيم بن عبد الرحمن [ثنا] (١) الثقة مع شهادة تلك الطرق المقدّمة لإسناده, وإن كان زين الدّين ضعّفها؛ فالضعيف يستشهد به, وقد تكثر الطّرق الضّعيفة فيقوى المتن على حسب ذلك الضّعف في القلّة والكثرة, كما يعرف ذلك من عرف كلام أهل [هذا] (٢) العلم في مراتب التّجريح والتّعديل.
وأمّا مُعان؛ فقد قال أحمد: ((لا بأس به)) (٣) ووثّقه ابن المديني, لكن ليّنه ابن معين (٤) والتّليين لا يقتضي ردّ الحديث, بل يسقطه من مرتبة الصّحة, ويجوز أن يكون حسناً لا سيمّا وهو من قبيل الجرح المطلق, وهو مردود مع التوثيق الرّاجح, وموقوف فيه مع انفراده.
وهذا الجرح المطلق معارض بما هو أرجح منه, وهو كلام أحمد وابن المديني فإنّهما أرجح من ابن معين لأجل العدد, وإن كان مثلنا أقلّ من أن يرجح بينهم في المعرفة بالحديث, فأمّا التّرجيح بالعدد فهو ظاهر, على أنه لم يصرّح (٥) بما يعارض كلاميهما.
فقد يقال فيمن يجب قبوله: ((فيه لين)) , وقد تطلق هذه العبارة في بعض رجال الصّحيح, وإنّما فائدتها: ترجيح من لم يقل فيه ذلك
стр. 137
على [من] (١) قيل فيه عند التعارض, كيف وقد وردت شواهد لحديث مُعان! فقد قال ابن عدي: ((رواه الثقات عن إبراهيم بن عبد الرحمن)) فالثّقات جمع أقلّه ثلاثة, وقد رواه أحمد بن حنبل عن غير واحد, منهم مسكين, إلا أنّه وهم في اسم إبراهيم بن عبد الرحمن, فقال: القاسم بن عبد الرحمن.
هذا كلّه من غير اعتبار/ الطّرق المسندة التي اوردها ابن العراقي في ((التّبصرة)) (٢).
وأمّا إبراهيم بن عبد الرحمن؛ فقد قال ابن الأثير في ((أسد الغابة)): (٣) إنّه من الصّحابة, وقد قيل: إنّه ليس بصحابيّ.
لكن المثبت أولى من النّافي, والزّيادة من العدل مقبولة إذا لم تكن معلولة, وقال جماعة: تقبل وإن كانت معلولة ولم تضعّف, بل قد قال الذّهبي (٤) ((ما علمته واهياً)) , وحديثه مقبول عند طوائف من العلماء.
أما المحدّثون؛ فلأنّ إمامهم أحمد بن حنبل يقبله, ولأنّ له قاعدة في تصحيح الأخبار معروفة (٥) عندهم, ولا يظن بمثله أنّه يقضي
стр. 138
بصحّته قبل تمهُّد قاعدةِ الصحّة, وكذلك ابن عبد البر, وقد روى عنه غير واحد من الثّقات فخرج عن مطلق الجهالة, ولأنّه قد قال فيه الثقة: إنه صحابي.
وأما الحنفيّة؛ فإنهم يقبلون المجهول, كيف إذا كان تابعيّاً! كيف إذا قيل: إنه صحابيّ!.
وأمّا المالكيّة؛ فإنّهم يقبلون المرسل.
وامّا الشّافعيّة فإنّهم يقبلون بعض المراسيل, وإذا جمعت طرق هذا كلّه وجدته أقرب إلى القبول على قواعدهم.
فهذه الوجوه مع تصحيح أحمد, وابن عبد البر, وترجيح العقيلي لإسناده (١) مع سعة اطّلاعهم, وإمامتهم: تقضي بجواز التّمسّك به.
وأمّا ما اعترض به زين الدّين على هذا الحديث من جهة المعنى, فإنه ضعيف.
فإنه قال: ((لو كان خبراً لما وجد في حملة العلم من ليس بعدل, فوجب حمله على الأمر به)) (٢).
والجواب: أنّ هذا غير لازم؛ لأنه يجوز تخصيص الأخبار كما يجوز تخصيص الأوامر, وذلك مستفيض في القرآن والسّنة, ومنه:
стр. 139
﴿وَأُوتِيَت مِنْ كُلِّ شَيءٍ﴾ [النمل:٢٣] , وقد قال الله تعالى في أهل عصر النبي ﷺ : ﴿كُنتُم خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ [آل عمران:١١٠].
مع صحة ارتداد جماعة منهم, كما ذكره أئمة الحديث في تأويل قوله ﵊: ((فأقول سحقاً لمن بدّل بعدي)) (١) , فلم يوجب ذلك تأويل الآية على الأمر (٢) , وسلب الصّحابة ﵃ هذه الفضيلة العظمى.
والوجه في ذلك أنّ التخصيص كثير في الشّريعة واللّغة, حتّى قال بعضهم: إنّ كلّ عموم في القرآن مخصوص إلا قوله تعالى: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شِيءٍ عَلِيمٍ﴾ [الأنعام:١٠١] وقوله: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٍ﴾ [المائدة:١٢٠].
وحتّى قال بعض الأصوليين: إنّ ألفاظ العموم مشتركة بينه وبين الخصوص, بخلاف ورود الخبر بمعنى الأمر فإنّه ليس في هذه المرتبة (٣) , وما كان أكثر وقوعاً كان أرجح.
وأمّا قوله: إنّ ذلك قد جاء في بعض طرق [ابن] أبي حاتم (٤) , فمردود بضعفه وإعلاله لمخالفة جميع الرّواة الثّقات وغير الثّقات (٥).
стр. 140
الأثر الثاني: قوله ﷺ : ((من يرد الله به خيراً يفقّهه في الدّين)) (١) , رواه جماعة من الصّحابة عن النبي ﷺ , وهو صحيح صحّحه محمد بن إسماعيل البخاري, / وأبو عيسى الترمذي (٢) وغيرهما, وهو دليل على أن الله قد أراد الخير لأهل الفقه, ولا معنى لتخصيصهم بذلك إلا لوقوع ما أراده بهم, أمّا عند أهل السنة فظاهر, وأمّا عند المعتزلة فلتخصيصهم بالذّكر, وأمّا الزّيدية فقد احتجوا بمثله في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ البَيتِ وَيُطَهِّرَكُم تَطْهِيراً﴾ [الأحزاب:٣٣].وهذا الأثر يخصّ من فقه في دينه دون غيره من أهل العلم, والكلام فيمن يطلق عليه ذلك يتعلق بشروح الحديث.
الأثر الثالث: ما ورد في ((الصّحيح)) (٣) من قصّة الرّجل الذي قتل تسعة وتسعين, وسأل عن أعبد أهل الأرض, فدلّ عليه, [فسأله] (٤) فأفتاه ألاّ توبة له فقتله, ثمّ سأل عن أعلم أهل الأرض, فدلّ عليه, فسأله فأفتاه بأن توبته مقبولة, وفيه: بأنّه من أهل الخير.
فحكى رسول الله ﷺ قصّته, ولم يحك فيها أنّه بعد معرفة علم
стр. 141
الرّجل سأل عن عدالته, وقد اعتمد هذا الرّجل على فتواه فيما يتعلق بالتّوبة من أحكام تلك الشّريعة من الدّية وسقوط القود, وغير ذلك, والظّاهر أنّه لم يكن القود في شرعهم (١) , أو كان هناك مسقط للقود من كفر القاتل والمقتول أو غير ذلك, والله أعلم.
الأثر الرابع: وهو في ((الصّحيح)) (٢) أيضاً وذلك أنّ الله تعالى لما قال لموسى ﵇:» إنّ لنا عبداً هو أعلم منك «-يعني: الخضر ﵇ , سأل موسى من الله تعالى لقاء الخضر ليتعلم منه وسافر للقائه, ولم يرد في الحديث أنّه سأل عن عدالته بعد أن أعلمه الله تعالى بعلمه (٣) , مع أنّ من الجائز أن يكون عظيم العلم غير عدل مثل:
стр. 142
بلعام (١) وغيره, و [لكنه] (٢) تجويز بعيد, قليل الاتفاق, نادر الوقوع, فلم يجب الاحتراز منه كما لا يجب الاحتراز من تعمّد كذب الثّقة, ولا من وهم الحافظ.
وفي بعض هذه الآثار ما لو انفرد كان في الاحتجاج به نظر, لكنّها تقوى باجتماعها, وما قدّمنا في شهادة القرآن لها, ولم يذكر ابن عبد البرّ (٣) منها إلا حديث: إبراهيم بن عبد الرّحمن العذري المقدّم.
وأما الاستدلال على ذلك من النّظر فهو يظهر بذكر أنظار:
النظر الأول: أنّ الظّاهر من حملة العلم أنّهم مقيمون لأركان الإسلام الخمسة, مجتنبون لكبائر المعاصي, ولما يدل على الخسّة, معظّمون لحرمة الإسلام, لا يجترثون على الله تعالى بتعمّد الكذب عليه.
والظّاهر أيضاً فيهم قلة الوهم بعد الاعتماد على الكتابة, وظهور العناية بالفنّ, فصاحب الفنّ الشهير به قليل الغلط فيه, وإن كان يغلط في غيره, على أن الوهم المقدوح به عند أهل الأصول شرطه أن يكون أكثر من الصّواب أو مساوياً له, على اختلاف بينهم في المساوي.
стр. 143
وهذا الذي ذكروه نادر الوقوع في حقّ الشّيوخ المتأخرين, ولا شكّ أنّ هذه الأمور أمارة/ العدالة المشترطة في الرّواية التي يترجّح معها ظن الصّدق, وخوف المضرّة بالمخالفة.
النّظر الثاني: أنّه ثبت بالاجماع الظّاهر جواز رجوع العامّي في الفتوى إلى من رآه في المصر مُنتصباً للفتوى, ورأى المسلمين يأخذون عنه, وهذا كافٍ للعامّي, مع أنّ العدالة شرط في المفتي, فدلّ على أنّ ظاهر العلماء العدالة, وأنّه لا يجب البحث حتّى يظهر.
وإنّما قلنا: إنّ ذلك يكفي العامّي لأنّ العامّة ما زالوا على ذلك, ولم ينكر عليهم أحد من السّلف والخلف (١) , ولو أنّ أحداً أوجب على العامّي إذا دخل المصر يستفتي أن يختبر المفتي في سفره وحضره
стр. 144
ورضاه وغضبه ونحو ذلك لخالف الإجماع, وقد نصّ على هذا جماعة من أهل الأصول, ذكرتهم في ((الأصل)) (١).
النّظر الثالث: وجوب إجابة العامّة للقاضي الذي على هذه الصفة وامتثال قضائه, مع اشتراط العدالة فيه.
النظر الرابع: أنّه ظهر من طلبة العلم أنهم يسألون عن العارف بالفنّ, فإذا سمعوا به رحلوا إليه, وأخذوا [عنه] (٢) من أوّل المجالسة قبل طول الخبرة, وربّما طالت المجالسة, وحصلت الخبرة فيما بعد, وربّما تعجّلت الفرقة قبل الخبرة, ومع استمرار وقوع هذا في جميع أقطار الإسلام لم نعلم أنّ أحداً من العلماء قال لمن فارقه قبل الخبرة: إنه لا يجوز لك العمل بما أخذت عنّي, ولا قال لمن جالسه في أوّل المجالسة: إنّه لا يجوز لك الأخذ بما تأخذ (٣) عني حتى تطول المجالسة وتحصل الخبرة.
والمقصود بهذا النّظر أنّ العمل بهذا كثير في قديم الزّمان وحديثه؛ فإذا عمل به طالب الحديث لم ينسب إلى الشذوذ, وكذا إذا قيل: إنّ هذا مذهب ابن عبد البرّ, وابن الموّاق لم يتوهّم أنّهما شذّا بهذا.
فإذا قيل: ليس كلّ طالب علم معلوماً أنّه يريد العمل, ولا كلّ طالب [أيضاً] (٤) يظهر منه أنه يستجيز العمل قبل الخبرة, قلنا: ذلك
стр. 145
صحيح. ولكن الأكثر يظهر ذلك منهم.
فإن قيل: كيف يستنبط من هذا النّظر إجماع مع ظهور الخلاف؟ قلنا: يستنبط منه إجماع على عدم النكير (١) على من استجاز ذلك, لا على أنّ الكلّ من العلماء قائلون به.
النظر الخامس: أنّه قد ظهر تفسير كثير من الكتاب والسنة بألفاظ لغويّة ومعاني نحويّة عن كثير من الأدباء من غير عناية بمعرفة أحوالهم في التّوثيق, فإنّ التّوثيق وإن وجد في بعضهم فلا يطّرد في جميعهم, ألا ترى إلى إطباق الطوائف على الرجوع إلى ((النهاية)) (٢) لابن الأثير من غير تثبّت في توثيقه؟.
ولو قدّرنا معرفة بعض الخاصّة لذلك فالأكثر على النّقل/ منه من غير معرفة لثقة مؤلّفه, حتّى إنّ الزّيدية يعتمدون على الرجوع إلى كتابه, مع أنّه لو ثبت أنه عدل لما كفى ذلك, فإنه لم يشافه العرب, وينقل عنهم بغير واسطة, بل روى عن جماعة كثيرة من اللّغويين كما أشار إليه في خطبة كتابه, بل كلّ واحد من اولئك الذين روى عنهم روى عن خلق أيضاً, ألا ترى أنّه يروي عن الزّمخشريّ مع أنّ الزّمحشريّ معتزلي حنفيّ والظّاهر من الحنفية قبول المجهول (٣) ,