الرّجل سأل عن عدالته, وقد اعتمد هذا الرّجل على فتواه فيما يتعلق بالتّوبة من أحكام تلك الشّريعة من الدّية وسقوط القود, وغير ذلك, والظّاهر أنّه لم يكن القود في شرعهم (١) , أو كان هناك مسقط للقود من كفر القاتل والمقتول أو غير ذلك, والله أعلم.
الأثر الرابع: وهو في ((الصّحيح)) (٢) أيضاً وذلك أنّ الله تعالى لما قال لموسى ﵇:» إنّ لنا عبداً هو أعلم منك «-يعني: الخضر ﵇ , سأل موسى من الله تعالى لقاء الخضر ليتعلم منه وسافر للقائه, ولم يرد في الحديث أنّه سأل عن عدالته بعد أن أعلمه الله تعالى بعلمه (٣) , مع أنّ من الجائز أن يكون عظيم العلم غير عدل مثل:
стр. 142
بلعام (١) وغيره, و [لكنه] (٢) تجويز بعيد, قليل الاتفاق, نادر الوقوع, فلم يجب الاحتراز منه كما لا يجب الاحتراز من تعمّد كذب الثّقة, ولا من وهم الحافظ.
وفي بعض هذه الآثار ما لو انفرد كان في الاحتجاج به نظر, لكنّها تقوى باجتماعها, وما قدّمنا في شهادة القرآن لها, ولم يذكر ابن عبد البرّ (٣) منها إلا حديث: إبراهيم بن عبد الرّحمن العذري المقدّم.
وأما الاستدلال على ذلك من النّظر فهو يظهر بذكر أنظار:
النظر الأول: أنّ الظّاهر من حملة العلم أنّهم مقيمون لأركان الإسلام الخمسة, مجتنبون لكبائر المعاصي, ولما يدل على الخسّة, معظّمون لحرمة الإسلام, لا يجترثون على الله تعالى بتعمّد الكذب عليه.
والظّاهر أيضاً فيهم قلة الوهم بعد الاعتماد على الكتابة, وظهور العناية بالفنّ, فصاحب الفنّ الشهير به قليل الغلط فيه, وإن كان يغلط في غيره, على أن الوهم المقدوح به عند أهل الأصول شرطه أن يكون أكثر من الصّواب أو مساوياً له, على اختلاف بينهم في المساوي.
стр. 143
وهذا الذي ذكروه نادر الوقوع في حقّ الشّيوخ المتأخرين, ولا شكّ أنّ هذه الأمور أمارة/ العدالة المشترطة في الرّواية التي يترجّح معها ظن الصّدق, وخوف المضرّة بالمخالفة.
النّظر الثاني: أنّه ثبت بالاجماع الظّاهر جواز رجوع العامّي في الفتوى إلى من رآه في المصر مُنتصباً للفتوى, ورأى المسلمين يأخذون عنه, وهذا كافٍ للعامّي, مع أنّ العدالة شرط في المفتي, فدلّ على أنّ ظاهر العلماء العدالة, وأنّه لا يجب البحث حتّى يظهر.
وإنّما قلنا: إنّ ذلك يكفي العامّي لأنّ العامّة ما زالوا على ذلك, ولم ينكر عليهم أحد من السّلف والخلف (١) , ولو أنّ أحداً أوجب على العامّي إذا دخل المصر يستفتي أن يختبر المفتي في سفره وحضره
стр. 144
ورضاه وغضبه ونحو ذلك لخالف الإجماع, وقد نصّ على هذا جماعة من أهل الأصول, ذكرتهم في ((الأصل)) (١).
النّظر الثالث: وجوب إجابة العامّة للقاضي الذي على هذه الصفة وامتثال قضائه, مع اشتراط العدالة فيه.
النظر الرابع: أنّه ظهر من طلبة العلم أنهم يسألون عن العارف بالفنّ, فإذا سمعوا به رحلوا إليه, وأخذوا [عنه] (٢) من أوّل المجالسة قبل طول الخبرة, وربّما طالت المجالسة, وحصلت الخبرة فيما بعد, وربّما تعجّلت الفرقة قبل الخبرة, ومع استمرار وقوع هذا في جميع أقطار الإسلام لم نعلم أنّ أحداً من العلماء قال لمن فارقه قبل الخبرة: إنه لا يجوز لك العمل بما أخذت عنّي, ولا قال لمن جالسه في أوّل المجالسة: إنّه لا يجوز لك الأخذ بما تأخذ (٣) عني حتى تطول المجالسة وتحصل الخبرة.
والمقصود بهذا النّظر أنّ العمل بهذا كثير في قديم الزّمان وحديثه؛ فإذا عمل به طالب الحديث لم ينسب إلى الشذوذ, وكذا إذا قيل: إنّ هذا مذهب ابن عبد البرّ, وابن الموّاق لم يتوهّم أنّهما شذّا بهذا.
فإذا قيل: ليس كلّ طالب علم معلوماً أنّه يريد العمل, ولا كلّ طالب [أيضاً] (٤) يظهر منه أنه يستجيز العمل قبل الخبرة, قلنا: ذلك
стр. 145
صحيح. ولكن الأكثر يظهر ذلك منهم.
فإن قيل: كيف يستنبط من هذا النّظر إجماع مع ظهور الخلاف؟ قلنا: يستنبط منه إجماع على عدم النكير (١) على من استجاز ذلك, لا على أنّ الكلّ من العلماء قائلون به.
النظر الخامس: أنّه قد ظهر تفسير كثير من الكتاب والسنة بألفاظ لغويّة ومعاني نحويّة عن كثير من الأدباء من غير عناية بمعرفة أحوالهم في التّوثيق, فإنّ التّوثيق وإن وجد في بعضهم فلا يطّرد في جميعهم, ألا ترى إلى إطباق الطوائف على الرجوع إلى ((النهاية)) (٢) لابن الأثير من غير تثبّت في توثيقه؟.
ولو قدّرنا معرفة بعض الخاصّة لذلك فالأكثر على النّقل/ منه من غير معرفة لثقة مؤلّفه, حتّى إنّ الزّيدية يعتمدون على الرجوع إلى كتابه, مع أنّه لو ثبت أنه عدل لما كفى ذلك, فإنه لم يشافه العرب, وينقل عنهم بغير واسطة, بل روى عن جماعة كثيرة من اللّغويين كما أشار إليه في خطبة كتابه, بل كلّ واحد من اولئك الذين روى عنهم روى عن خلق أيضاً, ألا ترى أنّه يروي عن الزّمخشريّ مع أنّ الزّمحشريّ معتزلي حنفيّ والظّاهر من الحنفية قبول المجهول (٣) ,
стр. 146
وهو ظاهر عن كثير من المعتزلة وغيرهم, كما ذلك مذكور في مصنّفاتهم.
ومع أنّ الزّمخشريّ, وإن كان صالحاً عند أهل الحديث في نفسه؛ فهو عندهم داعية إلى الاعتزال, غير معروف بتحريم الرّواية عن المجاهيل في الحديث, دع عنك اللّغة, بل قد روى الموضوعات في ((كشّافه)) في فضائل السّور, مع الإطباق أنّه من أئمة اللّغة والعربيّة, والرّجوع إلى مصنّفاته في ذلك, وهذا يدلّ على ما ذهب إليه أبو عمر بن عبد البرّ من حمل كلّ صاحب علم معروف العناية فيه على السّلامة في علمه حتّى يتبيّن جرحه (١) , والله أعلم.
فإن قلت: هذه الحجج كلّها مبنيّة على تحسين الظنّ بجملة العلماء, والقول بأنّ المجروح فيهم نادر, و [أنّه] (٢) إذا كان نادراً فالحكم بالنّادر تقديم للمرجوح على الرّاجح, وذلك قبيح وفاقاً, لكن كون المجروح نادراً فيهم غير مسلّم, فإنّ وقوع الغيبة منهم والحسد فيما بينهم والمنافسة في الدّنيا كثير غير قليل.
قلت: الجواب عن ذلك أن نقول: أمّا قوله: إنّ المجروح فيهم
стр. 147
كثير غير نادر؛ فهو بناء على أنّ كلّ من وقع منه معصية فهو مجروح, ومتى سلّم له أنّ العدالة هي: ترك جميع الذّنوب؛ فالسؤال واقع, ولكن هذا ممنوع بدليل القرآن والأثر والنّظر والنّقل.
أما القرآن: فما حكى الله تعالى عن ذنوب أنبيائه وأوليائه, ونزع الغلّ من صدور أهل الجنّة, مع أنّ شهادة ذي الغلّ لا تقبل, وذكر ذلك على التفصيل يطول.
وأما الأثر: ففيه أخبار كثيرة, أذكر ما حضرني منها وهو اليسير:
الأثر الأول: قوله ﷺ : ((من نوقش الحساب عُذّب)) (١) وهو صحيح الإسناد والاستناد.
الأثر الثاني: قوله ﷺ : ((من طلب قضاء المسلمين حتّى يناله ثمّ غلب عدله جوره فله الجنّة, ومن غلب جوره عدله فله النّار)) رواه أبو داود (٢) عن أبي هريرة مرفوعاً. قال الحافظ ابن كثير: ((إسناده حسن)) (٣).
الأثر الثالث: ما ورد في تحريم قبول ذي الإحنة (٤) في الشّهادة
стр. 148
على من هو له مبغض (١) , وإن كانا مسلمين عدلين, فالإحنة على المسلم محرّمة, / وذو الإحنة مقبول على من ليس بينه وبينه إحنة؛ لأنّ مجرّد دخول الإحنة, ووجود بعض العداوة لا يمنع من العدالة, ولهذا قال الله تعالى في صفة أهل الجنّة: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِنْ غِلٍّ﴾ [الأعراف:٤٣] ولو كان صاحب الإحنة على أخيه مجروحاً في حقّ كلّ أحد, لم يكن لتخصيص ردّه إذا شهد على من يبغضه معنى.
الأثر الرابع: الحديث الصّحيح الذي فيه: ((قاربوا وسدّدوا وأبشروا, ولن يدخل الجنّة أحد إلا برحمة الله تعالى)) (٢) ونحو ذلك.
وأما النّظر: فلأنّا إذا تركنا شهادة من هذه صفته من المسلمين, وطرحنا روايتهم وفتواهم ومصنّفاتهم, واعتبرنا في الشهادة قول بعض المتعنّتين في العدالة: إنّها الخروج من كلّ شبهة, ومحاسبة النّفس في كلّ لحظة, ونحو ذلك من التّشديدات تعطّلت المصالح والأحكام, وتضرّر جميع أهل الإسلام, واختلفت (٣) الأحوال, وضاعت الحقوق
стр. 149
والأموال, ولم يجد المقلّد من يروي له مذهب إمامه, ولا العامّي من يفتيه, ولا الحاكم من يقيم له الشّهادة, ولا وجد صاحب الولاية من يصلح للقضاء, ولا وجد أهل عقد النّكاح من يشهد بينهم.
فإنّ أهل الورع الشّحيح ورياضة النّفوس على دقائق المراقبة أعزّ من العَيُّوق (١) ملمساً, ومن الكبريت الأحمر وجوداً, فإن وجدتهم لم تجدهم أهل التدريس والفتوى والشهادة بين أهل اللّجاج والحضور عند أهل الخصومات, وإذا تأمّلت وجدت السّالم من جميع المعاصي من أهل الفتوى والتّدريس عديم الوجود.
فمن منهم الذي لا يسمع منه غيبة أحد, ولا يداهن على مثل ذلك [أحد] (٢) , ويصدع بمرّ الحقّ في كلّ موقف, ولا تأخذه في الله لومة لائم, ولا يتخلّف عن إنكار منكر يجب إنكاره, ولا يتثاقل عن أداء واجب عليه لعدوّ, ولا يترخّص إن وجب عليه عداوة صديق, ولا يلين بالمداهنة لأمير, ولا يتكبر على فقير!!.
ولسنا نعتقد أنّ أهل هذه الصّفة غير موجودين, ولكن نعتقد أنّهم غير كافين للمسلمين في التّعليم والرّواية والقضاء والشّهادة, ومن أين لكلّ عاقد نكاح وبايع حقّ شاهدان كذلك؟ ومن أين لكلّ طالب علم من جميع طلبة الفنون, وكلّ طالب فتوى في جميع الأقطار من هو كذلك؟!!.
стр. 150
وأما النّقل: فعن الشّافعي ﵁ أنّه قال (١): لو كان العدل من لا ذنب له لم نجد عدلاً, ولو كان كلّ مذنب عدلاً لم نجد مجروحاً, ولكنّ العدل من اجتنب الكبائر, وكانت محاسنه أكثر من مساويه, أو كما قال الشّافعي.
وقد روى النّووي في ((الرّوضة)) (٢) عن الشّافعي هذا المعنى, ولم يحضرني لفظه/ ولا كتابه.
وروي عن أحمد بن حنبل -رضي الله تعالى عنه- أنّه قال: [إنّه] (٣) يعمل بالحديث الضعيف إذا لم يكن في الباب من الحديث الصّحيح ما يدفعه (٤) , وعن أبي داود مثله (٥).
ولهما حجّة فيما روي عن عليّ ﵁ من تحليف من اتّهمه وقبول حديثه, وسيأتي بلفظه وأنّه حسن الإسناد (٦).
وقد روي عن أبي حنيفة ﵀ أكثر من هذا في هذا في المعنى المقصود.
وبالجملة؛ فإنه أجاز قبول المجاهيل, وحكم لهم باسم العدالة متى كانوا من أهل الإسلام. وقد جاء في كلام عمر ﵁ له
стр. 151
حجّة, وهو قوله في كتابه إلى أبي موسى: ((والمسلمون عدول بعضهم على بعض في الشّهادات, إلاّ مجلوداً في حدّ, أو مجرّباً عليه شهادة الزّور)) الحديث. رواه البيهقي (١) عن معمر البصري عن أبي العوّام عنه. وقال: ((وهو كتاب معروف)).
وأما كلام أصحاب المعترض: فقال عبد الله بن زيد, من علماء الزّيدية في كتابه ((الدّرر المنظومة)) في تفسير لفظ العدل: ((ومعنى كونه عدلاً: أن يكون مؤدياً للواجبات مجتنباً للكبائر من المستقبحات)).
قال شيخ الاعتزال أبو الحسين البصري (٢) في كتابه ((المعتمد)) (٣) في تفسير لفظة العدل: ((وتعورف أيضاً فيمن تقبل روايته عن النّبي ﷺ , وهو من اجتنب الكبائر, والكذب, والمستخفّات من المعاصي والمباحثات)) , ومثّل المستخفات من المعاصي: بالتّطفيف بحبّة, والمستخفّات من المباحات: بالأكل على الطريق.
ومن المنقول في ذلك عن فضلاء السّلف والخلف: ما اشتهر عنهم من وصفهم لأنفسهم بمقارفة الذّنوب والوقوع في المعاصي.
فروى الأعمش عن إبراهيم التّيمي عن أبيه قال: قال عبد الله ... -يعني ابن مسعود-: ((لو تعلمون ذنوبي ما وطيء عقبي اثنان,
стр. 152
ولحثيتم على رأسي التراب, ولوددت أنّ الله غفر لي ذنباً من ذنوبي وأني دعيت: عبد الله بن روثة)) (١).
وروى الأعمش عن إبراهيم التّيمي عن الحارث بن سويد قال: أكثروا على عبد الله يوماً فقال: ((والله الذي لا إله غيره لو تعلمون [علمي] (٢) لحثيتم التّراب على رأسي)) (٣). قال الذّهبي في ((النبلاء)) (٤): ((روي هذا من غير وجه عن ابن مسعود ﵁)).
قلت: هذا؛ وقد روى علقمة عن أبي الدرداء (٥) أنّه قال: ((إنّ الله أجار ابن مسعود من الشّيطان على لسان نبيّه)).
وجاء من غير وجه عن النبي ﷺ , ((لو كنت مؤمّراً أحداً من غير مشورة لأمّرت ابن أم عبد)) (٦) , وجاء عنه ﵇: ((اهتدوا
стр. 153
بهدي عمّار وتمسّكوا بعهد ابن أم عبد)) (١) وقال ﵇: ((رضيت لأمّتي ما رضي لها ابن أم عبد)) (٢) رواه الثّوري وإسرائيل عن منصور (٣). وأجمعت الأمّة على صحة حديثه وجلالة قدره.
فإذا كان مثل هذا الصّاحب الجليل يقسم بالله الذي لا إله إلا هو: لو يعلم النّاس ذنوبه لحثوا على رأسه التّراب, فكيف يشترط في العدل أن لا تبدو منه هفوة ولا يقع في معصية؟!.
وأعظم من هذا سؤال عمر بن الخطاب ﵁
стр. 154
لحذيفة, هل هو منافق؟ وقول حذيفة بعد تزكيته: لا أزكّي بعدك أحداً (١). ولم يخف/ عمر ﵁ من النّفاق الذي هو الشّكّ في الإسلام, فإنّه يعلم براءة نفسه منه, بل نحن نعلم براءته ﵁[منه] (٢) بما شهد له به رسول الله ﷺ من الفضائل الكثيرة, والمناقب الكبيرة, وإنّما خاف ﵁ من صغائر النّفاق الذي هو: خلف الموعد, وخيانة الأمانة, والكذب في الحديث, فإنّ المؤمن الورع قد يدخل عليه من صغائر بعض هذه الخصال ما يدقّ ولا يتفطّن له, وربما كان الغير (٣) أبصر بعيب الإنسان منه.
وربّما قصد عمر تنبيه ضعفاء المسلمين على تفقّد أنفسهم, وجعل لهم بنفسه الكريمة أسوة حسنة حيث أتّهمها على أمر عظيم. وقد كان عمر ﵁ إماماً في التّقوى والمراقبة, شديد المناقشة لنفسه والمحاسبة, وقد قال لبعض الصحابة: كيف وجدتموني؟ [قالوا] (٤):صالحاً, ولو زغت لقوّمناك. فقال: الحمد لله الذي جعلني في قوم إذا زغت قوّموني (٥) أو كما قالا.
стр. 155
فهذا كله -وأمثاله مما يطول ذكره- يردّ على من يتعنّت, ويقدح على كثير من العلماء بأشياء يسيرة لا تدلّ على تجرّيهم على تعمّد الكذب على رسول الله ﷺ , وقد قال الحاكم أبو عبد الله (١): ((إنّا نظرنا فوجدنا البخاري قد صنّف كتاباً في التّاريخ, جمع أسامي من روى عنهم من زمان الصّحابة إلى سنة خمسين (٢) , فبلغ عددهم قريباً من أربعين ألفاً, إلى قوله: ثم جمعت من ظهر جرحه من جملة الأربعين الألف فبلغ مائتين وستة وعشرين, فليعلم طالب هذا العلم أنّ أكثر الرّواة ثقات)) انتهى.
والقصد بهذا كلّه الذّبّ عن السّنن ورواتها, وبيان أنّ من تشدد منهم, فقد احتاط لنفسه والمسلمين, ومن ترخّص منهم, فقد عمل بمقتضى أدلة كثيرة, ووافق في عمله غير واحد من جلّة العلماء الأعلام, وخيار أهل الإسلام.
الوجه الثامن: أنّ هذا الإشكال الذي أورده هذا المعترض لا يختصّ بأهل السّنة ورواة الحديث, بل هو تشكيك في القواعد الإسلامية, وتشكيك على أهل الملّة المحمديّة, وذلك لأنّهم أجمعوا على حسن الرّجوع إلى الكتاب والسّنة في جميع الأحوال [على الإطلاق] (٣) وأجمعوا على وجوب ذلك على بعض المكلّفين في
стр. 156
جميع الأحوال, وعلى جميع المكلّفين في بعض الأحوال.
والمعترض بالغ في التّشكيك على من أراد الرّجوع إلى الكتاب والسّنة, بحيث لو تصدّى بعض الفلاسفة للتشكيك على المسلمين في الرّجوع إلى كتاب ربّهم الذي أنزل عليهم, والاعتماد على سنّة رسولهم الذي أرسل إليهم ما زاد على ما ذكره المعترض, فإنّه تشكيك في صحة الأخبار النّبويّة, وتشكيك في جميع طرقها, فمنع القول بصحّة حديث المحدّثين, وأوجب معرفة الأسانيد وبراءة رواتها عن فسق التأويل, فمنع بذلك صحة قبول حديث المعتزلة والزّيدية, فإنّ عامّة حديثهم مرسل, ونصوا على قبول المتأولين / ومن لم يقبل المتأوّلين منهم قبل مرسل من يقبلهم كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
فإن كان لهم حديث مسند في بعض الكتب البسيطة فإن الإسناد يضرّ ولا ينفع, لأنّه: مع الإسناد لا يجوز قبول الحديث عند من يقبل المرسل, فتعيّن البحث عن السّند, وليس لهم في علم الرّجال مصنّفات يمكن الرّجوع إليها بحيث لا يكون فيها اعتماد على أهل الحديث, ولا من المعتزلة والزّيدية الذين يقبلون أهل الحديث, فثبت أنّه لابدّ من الرّجوع في علم الرّجال إلى المحدثين.
لكنّ المعترض قد منع ذلك فلزمه طرح الحديث كلّه: حديث أهل الأثر, وحديث المعتزلة والزّيدية, لأنّه يمنع من قبول كلّ حديث احتمل أنّ في رواته (١) فاسق تأويل مجرّد احتمال, وقال: لابدّ من تبرئة صحيحة, وسيأتي تحقيق هذا.
стр. 157
فثبت أنّ المعترض سدّ الطّريق إلى معرفة السّنة النّبوية على الإطلاق, ثمّ إنّه شكّك في معرفة علم (١) الحديث على تقدير صحّته, وذكر صعوبة (٢)
معرفة النّاسخ والمنسوخ, [و] (٣) العام والخاص.
ثمّ إنّه شكّك في معرفة القرآن العظيم بما فيه من النّاسخ والمنسوخ, والعام والخاصّ, ووقوف العمل بالعامّ على معرفة مافي السّنة من المخصّصات, مع أنّه قد سدّ طريق معرفة السّنة, فأشكل الأمر حينئذ, وبقي القرآن مع العرب بل مع النّحاة كما هو مع العجم في عدم المعرفة بتفسيره, وتحريم العمل بمعناه.
ثمّ إنّه شكّك في معرفة اللّغة والعربيّة (٤) اللتين هما عمود تفسير
стр. 158
الكتاب والسّنة, فمنع صحّتهما عن اللّغويين والنّحويين, وصرّح بأنّ اتصال الرّواية الصّحيحة بهم متعذّر, هكذا أطلق القول بهذا, وجزم به, وقطعه عن الشّكّ.
ثمّ إنّه شكّك في قبول النّحويين واللّغويين على على تسليم صحّة الرّواية عنهم فقال: ((إن قبولها منهم على سبيل التّقليد لهم)) , ومنع من التّفسير بهذا الوجه, وهذا ما لم يقل به أحد ممّن يعتدّ به. وليت شعري كيف الاجتهاد في علم العربية (١)؟ وهل ثمّة طريق إليها إلاّ قبول الثّقات, مثل ما أنّه لا معنى للاجتهاد والخروج من التّقليد في قبول الحديث [إلاّ بقبول الثقات] (٢) , ومتى كان قبول الثّقات في اللّغة والحديث تقليداً محرّماً على المجتهد, فكيف السّبيل إلى الاجتهاد! إلاّ أن يبعث الله الموتى من العرب فيشافهوا العالم باللغّة, وكذلك يبعث النبي ﷺ حتّى يأخذ العلماء الحديث عنه ويسلموا من تقليد الثّقات, وقد انعقد إجماع المسلمين على وجوب قبول الثّقات (٣) فيما لا يدخله النّظر, وليس في ذلك تقليداً بل عمل بمقتضى الأدلّة القاطعة الموجبة لقبول أخبار الآحاد, وهي محرّرة في موضعها من الفنّ الأصوليّ (٤).
ولم يخالف في هذا إلا شرذمة يسيرة, وهم: متكلّموا بغداد من
стр. 159
المعتزلة, والإجماع منعقد قبلهم وبعدهم على بطلان قولهم؛ فقد تبيّن بهذا أنّ المعترض شكّك في رجوع المسلمين إلى القرآن العظيم والسّنة النبوية, والله تعالى جعل الكتاب والسنّة النبويّة عصمة لهذه الأمّة, ولم يجعلهما عصمة للقرن الأوّل ولا للثّاني, فالمشكّك في هذا يجب عليه أن ينظر في الجواب حتّى على مذهب المعتزلة والزّيدية, فليس هذا يخصّ أهل الحديث, [لكن في إيراد المعترض لهذا الإشكال عليهم أعظم شهادة لهم بأنّهم أهل القرآن والحديث] (١) , الذين يذبّون عنهما ويحامون عليهما, والحمد لله والمنّة.
الوجه التاسع: قال الله تعالى في وصف رسول الله ﷺ : ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الهَوَى, /إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣ - ٤] وقال فيما أوحاه إلى رسوله ﷺ : ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩] , وهذا يقتضي أنّ شريعة رسول الله ﷺ لا تزال محفوظة, وسنته لا تبرح محروسة, فكيف ينكر هذا المعترض على أهل السّنة, ويشوّش قلوب الرّاغبين في حفظها, ويوعّر الطّريق على السّالكين إلى معرفة معناها ولفظها؟
فإن قال: فإنّه قد ورد على رفع العلم في آخر الزّمان, وذلك في حديث ابن عمرو بن العاص: ((إن الله لا يرفع العلم انتزاعاً ينتزعه, ولكن يقبض العلم بقبض العلماء, حتّى إذا لم يبق عالماً اتّخذ النّاس رؤوساً جهّالاً فأفتوا بغير علم فضلّوا وأضلّوا)) (٢).
стр. 160
والجواب من وجهين:
الأول: أنّ هذا غير مذهب الزّيدية والمعتزلة, فإنّهم لا يجيزون خلوّ الزّمان عن مجتهد.
الثّاني: أنّ الحديث محمول على وقت مخصوص لم يأت بعد, وهو بعد نزول عيسى ﵇ وموته وموت المهديّ المبشّر به, وذلك مبيّن في أحاديث صحيحة, وقد ورد في ((الصّحيح)) (١): ((لا تزال طائفة من أمّتي ظاهرين على الحق حتّى يقاتل آخرهم الدّجال)) , وهذا يفسّر ذاك, لأنّه خاصّ وذلك عامّ, ولا يمكن أن يكون ذلك الضّلال العامّ مع وجود هذه الطائفة الموصوفة بالظّهور على الحقّ,
стр. 161
فدلّ على أنّه بعد انقراض هذه الطائفة.
ولا يعترض على هذا بأدلّة عصمة الأمة عن الضلالة لأنّه يحتمل أنّ هذا يكون بعد موت الأمّة, بل قد ورد معنى ذلك منصوصاً في الحديث الصحيح الذي فيه: ((إنّ الله يبعث ريحاً ألين من الحرير, لا تترك أحداً ممن في قلبه مثقال حبّة خردل من إيمان إلا توفّته)) (١) أو كما ورد, وذلك بعد ظهور المهدي ونزل عيسى, وأدلّة المعتزلة على ما يخالف هذا عامّة, وهذه الأدلّة أخصّ فوجب المصير إليها.
الوجه العاشر: لو فرضنا - والعياذ بالله- خلوّ الزّمان عن الحفّاظ الثّقات, والرّواة الأثبات لما تعذّر الرّجوع إلى السّنة العزيزة, وذلك لأنّ الكتب الصحيحة المتقنة موجودة في المدارس الإسلامية, والعمل بما في الكتب -التي عليها خطوط الثّقات الحفّاظ شاهدة بالصّحة- جائز عند كثير من أهل العلم, وهو الذي يقوى في النّظر ويظهر عليه الدّليل, بل هو الذي أجمع على جوازه أصحاب رسول الله ﷺ كما سيأتي, والعجب من المعترض كيف غفل عن ذلك! وهو قول أئمة الزّيدية والمعتزلة كما سيأتي, والعمل بهذا هو المعروف في علم الحديث بـ ((الوجادة)) (٢) , وهو أحد أنواع علوم الحديث, وقد ذكرها
стр. 162
ابن الصّلاح في ((علوم الحديث)) (١) وطوّل الكلام فيها, وحكى القول بوجوب العمل بها عن الإمام الشّافعي, وطائفة من نظّار أصحابه في [أصول] (٢) الفقه.
قال ابن الصّلاح ﵀: ((وما قطع به هو الذي لا يتّجه غيره / في الأعصار المتأخرة, فإنه لو توقّف العمل فيها على الرّواية لانسدّ باب العمل [بالمنقول] (٣) لتعذّر شرط الرّواية فيها على ما تقدّم في النّوع الأوّل)) (٤).
قلت: الذي تقدّم في النّوع الأوّل أنّه لا يجوز للمتأخرين تصحيح الحديث إذا لم ينصّ أحد من المتقدمين على صحّته لعدم خلوّ الإسناد في هذه الأعصار ممن يعتمد على كتابه من غير تمييز لما فيه, هذا كلام ابن الصّلاح (٥) , وقد خالفه النّووي (٦) , وزين الدين بن العراقي, ذكر ذلك زين الدين في ((تبصرته)) (٧) وقال: ((هو الذي عليه عمل أهل الحديث, فقد صحّح غير واحد من المعاصرين لابن الصّلاح وبعده أحاديث لم نجد لمن تقدّمهم فيها تصحيحاً كأبي
стр. 163
الحسن بن القطان (١) , والضّياء المقدسيّ (٢) , والزّكي عبد العظيم (٣) , ومن بعدهم.
قلت: فالأولى ألا يحتج على جواز العمل بـ ((الوجادة)) بما ذكره ابن الصلاح, ألا ترى أنّ الشّافعي جوّز العمل بها مع أنّ زمانه كان زمان إمكان العمل بغيرها, بل سوف يأتي أنّ الصّحابة ﵃ عملوا بها, والدّليل على ذلك حديث: عمرو بن حزم, وقد ذكر طرقه الحافظ ابن كثير في ((إرشاده)) (٤) , وقال بعد ذكر الاختلاف في بعض طرقه:
((وعلى كلّ تقدير؛ فهذا الكتاب متداول بين أئمة الإسلام قديماً وحديثاً, يعتمدون عليه, ويفزعون في مهمّات هذا الشأن إليه, كما قال يعقوب بن سفيان (٥): ((لا أعلم في جمع الكتب كتاباً أصحّ من كتاب عمرو بن حزم؛ كان الصّحابة (٦) والتّابعون يرجعون إليه ويدعون آراءهم)).
وصحّ عن ابن المسيّب: أنّ عمر ترك رأيه ورجع إليه. قال ابن كثير: ((رواه الشّافعي و [النّسائي] (٧) بإسناد صحيح إلى ابن المسيب)).
стр. 164
ونحن نبيّن للمعترض أنه غفل عن مذاهب أسلافه في هذا فنقول:
ممّن أجاز هذا ونصّ عليه من الزّيدية والمعتزلة الإمام المنصور في كتاب: ((صفوة الاختيار)) في أصول الفقة, [و] (١) ادّعى إجماع الصّحابة على ذلك لرجوعهم إلى كتاب عمرو بن حزم, وصرّح أنّهم عوّلوا على مجرّد الخطّ لما غلب على ظنّهم صحّته.
قلت: ظاهر كلام المحافظين: يعقوب بن سفيان, وابن كثير: دعوى إجماع الصّدر الأوّل على قبول حديث عمرو بن حزم, وذلك يقتضي دعوى الإجماع على جواز العمل بـ ((الوجادة)) كما ذكره المنصور.
ومنهم: الإمام يحيى بن حمزة, فإنّه ذكر في ((المعيار)) (٢) جواز العمل بذلك مع ظنّ الصّحة, قال: ((وهو قول أبي يوسف ومحمد, واختاره ابن الخطيب الرّازي)) (٣).
ولكنّ الإمام يحيى قال: ((يجوز العمل بذلك دون الرّواية, لأنّ العمل إنّما مستنده الظّنّ)).
وقال الإمام محمد بن المطهّر في كتاب ((عقود
стр. 165
العقيان)) (١): ((إن ذلك جائز عنده وعند والده, وأنه مستند للعمل والرّواية, وحكاه عن الإمام أحمد بن سليمان, والمنصور بالله)). قال: ذكره المنصور بالله في ((الصفوة)) وغيرها.
وقال المحسّن بن كرّامة المعتزلي (٢) المعروف بالحاكم في ((شرح العيون)) (٣): ((إنه قول الشّافعي وأبي يوسف, ومحمد, وأكثر العلماء: فيما (٤) وجد بخطه في كتابه وعلم أنّه سمعه على الجملة ولا يعلم أنه سمعه مفصّلاً؛ [فإنّه يجوز أن يرويه] (٥))).
لكنّه قال في ((الاحتجاج)): ((إنّ الصحابة كانوا يروون من الكتب من غير نكير, وكان بعضهم يعمل على كتاب بعض, وكان عمر يكتب إلى عمّاله وقضاته فيعملون بذلك, وكذلك كتب النّبيّ ﷺ
وروى الشيخ أبو الحسين في كتاب ((المعتمد)) (٦) عن الصّحابة مثل ذلك, ذكره محتجاّ به / على جواز مثله.
стр. 166
وقال عبد الله بن زيد في ((الدّرر المنظومة)): ((لا خلاف أنّه متى عرف خطّه أو خطّ أستاذه, وعلم أنّه لا يكتب إلاّ ما سمعه قبلت روايته, وإنّما اختلفوا إذا ظنّ أنّه خطّه أو خطّ أستاذه فمذهبناً أنّه تقبل روايته, وهو مذهب طائفة من العلماء)) , واحتجّ بعمل النّبيّ ﷺ بذلك, وكذلك الصحابة.
وبهذا الوجه العاشر نجيب على من يجيز خلوّ الزّمان من المجتهدين مع بقاء الأمّة على الهدى, محتجّاً بأنّ طلب الاجتهاد -وإن كان فرض كفاية- فقد سقط عنهم بموت العلماء, فلا يكونون (١) مجتمعين على ضلالة, وكيف يصح هذا العذر وقد استنبط الأوائل العربيّة و [الأصلين] (٢) من غير شيوخ, فالحال في هذه الفنون واحدة. بل هي اليوم أيسر قطعاً, كيف لا وقد قطع النّقاد أعمارهم في فنون كثيرة في تسهيل صعبها (٣) , وإيضاح غامضها وجمع متفرّقها؟! وقد أمكن استنباطها قبل ذلك, فكيف بعده؟! وأمّا علوم السّماع فهي أسهل العلوم على مريدها, وإنّما تسهّلت وتمهّدت في هذه الأعصار الأخيرة (٤).
стр. 167
وإذا كانت الصّحابة عملت بـ ((الوجادة)) -مع قرب عهدهم- واحتاجت إلى ذلك فيكف بنا؟. وأمّا قول قطب الدّين الشّيرازي في ((شرح مختصر المنتهى)) (١): ((إنه يمكن أن يجاب بمنع كون التّفقّه في الدّين فرضاً مع إمكان معرفة العوامّ أحكام الشّرع بالنّقل المظنون عن العلماء السّابقين, فهو ضعيف جداً؛ لإمكان وقوع حادثة غير منصوصة لمن تقدّم, ووجود من لا يستجيز ويرى الفتوى (٢) بأقوال المجتهدين ولإمكان وجود مكلّفين لا يستجيزون تقليد الميّت, ولأنّ حديث ابن عمرو (٣) الصّحيح يقتضي أنّ أهل الزّمان الخالي عن العلماء ضالون, المفتي منهم والمستفتي, ولا شكّ أنّ المفتي المقلّد لا يسمّى عالماً, فدلّ هذا على أنّ التّقليد لو كان يقوم مقام العلم ما استحقّ المفتي أن
стр. 168
يسمّى مُضِلاً والمستفتي مُضَلاً, وقد سمّاها بذلك في الحديث الصّحيح (١). والله سبحانه أعلم.
الوجه الحادي عشر: لو صحّ ما ذكره المعترض -والعياذ بالله- من انطماس معالم العلم, وتعفّي رسوم الهدى, إلا تقليد العلماء -رضي الله تعالى عنهم- يلزم من ذلك أن يبطل الطريق إلى جواز التّقليد, لأنّ تقليدهم لا يجوز إلا بعد معرفة الدّليل, والدّليل لا بد أن يكون مستنداً إلى معرفة الكتاب والسّنة, وهذا ظاهر على أصول المعتزلة والزّيدية, فإنّهم قد شحنوا مصنّفاتهم بتحريم الإقدام على ما لا يؤمن قبحه.
وأمّا أهل السّنّة قد نقل ابن الحاجب في ((مختصر المنتهى)) (٢)
стр. 169
و [شرّاحه] (١) ما يقتضي ذلك, ولم يذكروا فيه خلافاً, ذكره ابن الحاجب في بيان حدّ التّقليد والمقلّد؛ وإنّما قلنا: إنّ ذلك يستلزم بطلان التّقليد لأنّ أدلّته من النّصّ والإجماع مترتبة على ذلك.
وبيانه أنّ الاستدلال بقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنتُم لاَ تَعلَمُونَ﴾ [الأنبياء:٧]. يحتاج إلى معرفة أنّها غير منسوخة ولا مخصّصة ولا معارضة, ويحتاج إلى معرفة معنى الآية, فهذان أمران:
أحدهما: معرفة أنّ الآية غير منسوخة ولا معارضة ولا مخصّصة, / وهذا ينبني على أنّ هنا سنّة صحيحة, يخصّص بها, وينسخ بمتواترها أو بها على قول, وعلى أنّ إلى معرفة تلك السّنّة [طريقاً] (٢) يمكن معها معرفة ذلك.
وثانيهما: معرفة معنى الآية, ولابدّ فيه من النّظر في قواعد العربيّة واللّغة, إذ ليس معلوماً بالضّرورة, فاحتاج النّاظر في معنى الآية إلى أن يكون من أهل الاجتهاد.
فإن قلت: إن دلالتها على جواز التّقليد جليّة لا تحتاج إلى اجتهاد.
قلت: ليس كذلك, فإن في معناها غموضاً واختلافاً, والذي يدلّ على ذلك أنّ السّؤال من الأفعال التي تُعدّى إلى مفعولين, تارة بواسطة حرف الجرّ مثل: سألت العالم عن الدّليل, وتارة بغير واسطة مثل: سألت الأمير مالاً, وسألت العالم دليلاً. إذا عرفت هذا فاعلم
стр. 170
أنّه لابد من مسئول ومسئول عنه, فالمسئول مذكور في الآية, وهم أهل الذّكر, والمسئول عنه محذوف, والقول بأنّ المسئول عنه هو: أقوال المجتهدين, من هذه الأمة مجرّدة عن الأدلة هو [مما] (١) لا يدلّ عليه دليل, وهذا المسئول عنه المحذوف يحتمل أنّه الأدلّة, ويحتمل أنّه (٢) المذاهب من غير أدلّة, وقد قال بعض العلماء: هو السّؤال عمّا أنزل الله تعالى, لقوله تعالى: ﴿اتَّبِعُواْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُم مِنْ رَبِّكُم﴾ [الأعراف:٣] فلمّا أمر (٣) بسؤال أهل الذكر, كان المفهوم أنّه أمرنا بسؤالهم عمّا أمرنا باتّباعه مما أنزله علينا من الشّرائع.
وهذه [الأقوال] (٤) كلّها مخالفة للمفهوم على قواعد العربيّة, والمختار: أنّ المراد: السّؤال عن الرّسل هل كانوا بشراً؟ لأنّ ذلك هو المذكور في أوّل الآية, والعرف العربيّ يقضي بأنّ ذلك هو المراد, والقرائن تسوق الفهم إليه.
فإنّه تعالى لما قال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِم فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ [الأنبياء:٧]. كان السّابق إلى الأفهام؛ فاسألوهم عن كوننا ما أرسلنا إلا رجالاً, كما لو قال القائل: واجهت اليوم الخليفة, وسل وزراءه, كان المفهوم واسألهم عن كوني واجهته. وهذا الذي ذكرت أنّه المحذوف هو الذي اختاره الزّمخشري في ((كشّافه)) (٥) ,
стр. 171
ولكن لم يذكر الوجه في ذلك لجلائه عنده.
والعجب أنّ الأصوليين استدلوا بهذه الآية على جواز التقليد من غير بيان لوجه الدّلالة, ولا ذكر لهذا [الإشكال] (١) مع جلائه!!.
فإنّ قيل: إنّها وإن نزلت على هذا السّبب لم تقصر عليه عند الجمهور, فلذا لم يتعرّض الأصوليين لذلك.
قلنا: ليس هذا من ذاك, فإن ذلك إنّما يقال فيما لفظه عامّ وسببه خاصّ, وهذه الآية لفظها غير ظاهر لما فيه من الحذف, ومعناها خاصّ غير عام, فظهر الفرق.
وأمّا الاستدلال بالإجماع على جواز التّقليد؛ فلا يصح أيضاً مع فرض عدم المعرفة بالكتاب والسّنّة, لأنّ الأدلّة على كون الإجماع حجة إنّما هي ظواهر تحتاج في معرفة معناها إلى ثبوت اللّغة والعربيّة, وبعد ذلك لابدّ من معرفة عدم النّاسخ والمعارض والمخصّص, والمعترض على أهل الحديث قد منع من معرفة اللّغة, وجزم بتعذّر معرفتها, ومعاني الكتاب والسّنة المستنبط منها جواز التّقليد, وكون الإجماع حجة مما يفتقر إلى ثبوت اللّغة والعربيّة, فإذا بطل معرفة تفسير القرآن, وبطلت طريق معرفة الأخبار, / بطل أيضاً ما هو فرع ذلك وهو جواز التّقليد, فيلزم الخصم أن يبطل التكليف تقليداً واجتهاداً على مقتضى [إشكاله] (٢).
الوجه الثّاني عشر: أنّه لو صحّ ما توهّمه من
стр. 172
بطلان (١) معرفة الكتاب والسّنة, وتعذّر الطّريق إلى ذلك؛ لزم أنّ الله تعالى قد قبض العلم بقبض العلماء, وأنّه لم يبق عالماً, وأنّ النّاس قد اتّخذوا رءوساً جهّالاً, فأفتوا بغير علم فضلّوا وأضلّوا, كما ورد ذلك في حديث ابن عمرو الثّابت في ((الصحيحين)) (٢) وغيرهما, وإنّما يلزم ذلك من كلام هذا المعترض على طلبة علم الحديث؛ لأنّ من ليس بعالم بالكتاب والسنّة لا يستحق أن يسمّى في الشّرع عالماً, وإن عرف جميع العلوم ماعدا الكتاب والسّنة, وهذا ظاهر لا نعلم فيه نزاعاً فنطوّل بذكر الحجّة عليه, وقد صح عن رسول الله ﷺ أنها لا تزال طائفة من أمته ظاهرين على الحق حتّى يقاتل آخرهم الدّجال (٣) , وأجمع أهل العلم على ذلك وإن اختلفوا في معناه, فثبت أنّ ما جاء في حديث ابن عمرو لم يأت وقته إلى الآن, وإلا لزم مع وجود هذه الطائفة الظّاهرين على الحقّ: أنّ الله تعالى لم يبق عالماً, وأنّ أهل الفتوى قد ضلّوا في أنفسهم, وأضلّوا العامّة السّائلين لهم, وذلك يستلزم ضلال المسلمين كلّهم, وألا تبقى فيهم طائفة ظاهرة على الحقّ.
وفي هذا القدر كفاية في الجواب على تنفيره عن طلب الحديث والتّفسير, وتوعيره لطريق ذلك, والتّشكيك في دخوله في حيّز الإمكان, والتّشويش على من أراده من أهل الإيمان.
стр. 173
ويلحق بهذا تنبيهات (١) حسنة تعلّق بالجواب على سؤاله, لكنه يليق إفرادها عن الأجوبة, لأنّ بعضها من قبيل تعليم الأدب وبعضها مما يحتمل المنازعة في كونه جواباً مقنعاً, وجدلاً قامعاً, أو خطاباً خطابيّاً, أو تنبيهاً أدبياً.
التنبيه الأوّل: المراجعة في أنّ طلب الحديث متيسّر أو متعسّر من الأساليب المبتدعة والأمور المتعسّفة؛ لأنّ مقادير التّسهّل والتّعسّر غير منضبطة بحدّ, ولا واقفة على مقدار, ولا جارية على قياس, ولا يصحّ في [معرفة] (٢) مقاديرها برهان العقل, ولا نصّ الشّرع ولا تعرف مقاديرها بكيل ولا وزن ولا مساحة ولا خرص, فإنّ من قال: إن طلب الحديث أو أنّ حفظ القرآن أو الفقه متيسّر عليه أو متعسّر, لم يُعقد له مجلس المناظرة كما يُعقد للمخالفين في العقائد, لأنّ الذي ادّعاه أمر ممكن وهو يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال.
وطلب العلم متسهّل على ذكي القلب, صادق الرّغبة, خليّ البال من الأشغال, واجد الكتب المفيدة, والشّيوخ المبرّزين, والكفاية فيما يحتاج إليه, ونحو ذلك, وطلب العلم متعسّر على من فقد هذه الأمور كلّها, وبينهما في التسهّل والتّعسّر درجات غير
стр. 174
منحصرة ومراتب غير منضبطة, وبين النّاس من التّفاوت ما لا يمكن ضبطه ولا يتهيّأ, وأين الثّريّا من الثّرى؟
وجامد الطّبع بليد الذّهن, إذا سمع [من] (١) يدّعي سهولة ارتجال القصائد والخطب, وتحبير الرّسائل والكتب؛ توهّم أنّه بمنزلة من يدّعي إحياء الموتى, وإبراء الأكمة والأبرص, وكذلك الجبان الفشل إذا سمع [من] يدّعي سهولة مقارعة الأقران ومنازلة الشّجعان.
وكم عاصر أئمة العلم والنّحاة والنّظّار وحفّاظ الحديث من طالب للعلم مجتهد في تحصيله؛ فلم يبلغ مبلغهم ولا قارب شأوهم, وإنّما تميّز عن الأقران أفراد من الخلق, وخواصّ منحهم الله الفهم والفطنة وآتاهم الفقه والحكمة, وقد وقع التّفاضل بين الصّحابة ﵃: فكان علي ﵁ أقضاهم, ومعاذ أفقههم, وأبيّ أقرأهم, وأبو هريرة أحفظهم, والخلفاء أفضلهم, وزيد أفرضهم (٢) , بل قد فاضل الله تعالى بين الأنبياء ﵈ قال الله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُم عَلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة:٢٥٣] وقال تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً﴾ [الأنبياء:٧٩] , فهذا تفضيل في الفهم بين داود وسليمان ﵉ مع الاشتراك في النّبوّة, والتّقارب ما بين الأبوّة والبنوّة, وكذلك قد فاضل الله بينهم فيما هو دون هذه المرتبة, وذلك في البيان والفصاحة
стр. 175
وضوح العبارة, مثل ما نصّ الله عليه من إيتاء داود فصل الخطاب (١) , ومثل قوله تعالى في الحكاية لقول موسى في أخيه ﵉: ﴿هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً﴾ [القصص:٣٤].
وعموم (٢) التّفاوت الذي يدور عليه, وميزانه الذي يعتبر به في أغلب الأحوال هو: التّفاوت في صحّة الفهم, وصفاء الذّهن, واعتدال المزاج, وسلامة الذّوق, ورجحان العقل, واستعمال الإنصاف, فهذه الأشياء هي مبادىء المعارف, ومباني الفضائل, ولأجلها يكون الرّجل غنيّاً من غير مال, وعزيزاً من غير عشيرة, ومهيباً من غير سلطان, إلى غير ذلك من الصّفات الحميدة والنُّعون الجميلة, ومن ههنا حصل التّفاوت الزائد, حتّى عدّ ألف بواحد, ومما أنشدو في ذلك:
ولم أر أمثال الرِّجال تفاوتاً ... لدى المجدِ حتّى عدّ ألف بواحد
وقال ابن دريد (٣) في المعنى:
والنّاس ألفٌ مِنهم كواحدِ ... وواحد كالألفِ إن أَمرٌ عنى
وأنشدوا في المعنى:
يا بني البُعد في الطّباع ... [لا] (٤) مع القُربِ في الصّور
стр. 176
وفي الأخبار: ((النّاس كإبل مائة, لا تجد فيها راحلة)) (١).
وفي الأمثال العربيّة: ((المرء بأصغريه)) (٢).
بل في الحديث الصّحيح عن رسول الله ﷺ : ((ربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه)) (٣).
وليس كلّ من حفظ الحديث كان كالبخاري, ولا كلّ من تفقّه في الدّين كان مثل الشّافعي, ولا كلّ من قرأ النّحو والمعاني صنّف مثل ((الكشّاف)) , ولا كلّ من درس الأصول والجدل ركب بحر الدّقائق الرّجّاف/.
وما كلّ دارٍ أقفرت دار عَزَّةٍ (٤) ... ولا كلّ بيضاء التّرائب زينب
стр. 177
فإذا نظرت إلى (١) المواهب الرّبانية لا تنتهي إلى حدّ, والعطايا اللّدنيّة لا تقف على مقدار, لم يحسن من العاقل أن يقطع على الخلق بتعسير ما الله قادر على تيسيره, فَيُقنّط بكلامه طامعاً, ويتحجّر من فضل الله واسعاً, بل يخلّي بين النّاس وبين هممهم وطمعهم في فضل الله عليهم, حتّى يصل كلّ أحد إلى ما قسمه الله تعالى له من الحظّ في الفهم والعلم وسائر أعمال الخير, وهذا مما لا يفتقر إلى حجاج, لولا أهل المراء واللّجاج (٢).
التّنبيه الثاني: التّعرض لذكر المشاقّ التي في طلب العلم والحجّ والجهاد وسائر أعمال البرّ على سبيل التّوعير لمسالكها, والإحالة لبلوغ مراتبها عكس ما جاءت به الشّرائع, ودعت إليه الأنبياء ﵈ وكان عليه الأئمة والعلماء والوعّاظ, وإنّما السّنّة تيسير الأمور على من عسرت عليه, وتذكير القلوب الغافلة, وتنشيط النّفوس
стр. 178
الفاترة (١) , ولهذا شرعت الخطب, وصنّف الوعّاظ أحاديث الرّقائق, لتسهيل ما يصعب على النّفوس وتقريب ما تباعد على أهل القصور.
وقد تكاثرت الأحاديث النّبويّة في الحثّ على ذلك, وكان ... ﵇ إذا بعث سريّة يقول لهم: ((يسّروا ولا تعسّروا, وبشّروا ولا تنفّروا)) (٢). فالمعترض على أهل الحديث, المعسّر لمعرفته, الموعّر لطريقه, مرتق لمرتبة الفتيا, منتصب في منصب التّعليم متمكّن في مكان الدعاء إلى الله بالحكمة, والموعظة الحسنة, فما [باله] (٣) يعكس السّنن, ويستن من البدعة في كل سنن!؟ نسأل الله أن ينفعنا بما علّمنا, ويعلّمنا ما ينفعنا, ويوفقنا للاقتداء بسيدنا رسول الله محمد ﷺ .
التنبيه الثالث: فرع من فروع الشّجرة النّبويّة على صاحبها السّلام, ونشء من أهل بيته الكرام, تشوّف إلى مرتبة العلم, وتشوّق إلى التشبّه بأهل الفضل, ورغب في اتّباع سنّة جدّه ﷺ , فلما شِمتُم (٤) بارقة جهده صيّبة, و [شَمِمتُم] (٥) رائحة سعيه طيّبة, وتوسّمتم فيه للفائدة سمات, وتوهّمتم أنّه قارب وهيهات, تواترت عليه الرّسائل, وتواردت عليه الدّلائل, تفتّره عن عمله, وتقنّطه من أمله.
стр. 179
من قد سبقكم إلى هذا من الخلفاء الرّاشدين والعلماء الهادين!؟.
وإنما بلغنا أنّ أهل العلم يحبّون من علت همّته وظهرت فطنته, ويرغّبونه بأنواع التّرغيب, ويجعلون التّصويب له مكان التّثريب, فعكستم السنّة بالتّنفير عن الحديث, وخالفتم العادات القديم منها والحديث.
وإلى ههنا انتهى الجواب عن الجملة المتقدمة من كلامه, وهي الوجه الأوّل في إبطال الطريق إلى معرفة الحديث بتعذّر الإسناد الصّحيح منّا إلى المصنّفين من المحدّثين, ويتعلّق بتفاصيلها بحثان:
المبحث الأول: قال وفّقه الله: ((وذكر هذا كثير من العلماء -يعني تعسر معرفة الحديث- ومنهم الغزالي والرّازي)).
والجواب عليه: أنّه قصد الاستئناس بكلام العلماء بإظهار الموافقة لهم, فهيهات! فإنّه لا يوافقه على صرف الهمم عن طلب / الحديث عالم, ومقصد من أشار إليه من العلماء الذين منهم الغزالي والرّازي غير مقصد المعترض, فإنّهم قصدوا سقوط البحث عن رجال الأسانيد في الأعصار الأخيرة كما أشار إليه ابن الصّلاح, وخالفه النّووي, وغير واحد ممّن تقدّم ذكره (١) , وهم مع ذلك مقرّون ببقاء طريق المعرفة للحديث, والتعبّد به علماً وعملاً.
والمعترض قصد تحريم العمل بالأخبار, والمنع من التمسّك
стр. 180
بالسّنن والآثار, وكلامهم عليه لا له, مع أنّ المعترض قد ناقض روايته هذه عن الغزالي بقوله بعد هذا: إنّ الغزالي قال: يُكتفى بتعديل أئمة الحديث, فإنّه أورد كلام الغزالي الآتي إشكالاً على كلامه الأول الذي نسبه إلى الغزالي.
المبحث الثاني: ما قصدك بحكاية ما ذهبت إليه عن جماعة كثيرة من العلماء؟ إن أردت أنّه حجّة؛ فليس يخفى عليك فساد ذلك, وإن لم ترد أنّه حجّة؛ فقد أوردت الدّعوى من غير دليل, وادّعيت الحقّ من غير برهان, وهذا ما لا يعجز عنه مبطل!!.
قال: الثاني (١): أن أولئك المعدّلين معلومون بمثل هذا, ومجهولة براءتهم منه -يعني الجبر والتّشبيه والإرجاء-.
أقول: إمّا أن يسند القول بهذه البدع إلى جميع معدّلي حملة العلم النّبويّ أو إلى بعضهم؛ الأول: ممنوع, وبطلانه معلوم بالضّرورة, ومدّعيه لا يستحق المناظرة. والثاني: مسلّم, ولا يضر تسليمه لوجهين:
أحدهما: أن نقول لهذا المعترض: هل بقي عندك حديث صحيح يمكن معرفته؟ فدلّنا عليه واهدنا إليه, فإنّما غرضنا اتّباع السّنّة المرويّة عن الثّقات بطريق صحيحة, وليس غرضنا مقصوراً على ما في بعض الكتب, ولا على ما روى بعض الثّقات. وإن كان المعترض