← Акыда

Акыда · id 36427

الروض الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم - صلى الله عليه وسلم -

ابن الوزير

Полный текст (691 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

علاقة المختصر بالأصل, وأوجه المغايرة وامتيازات المختصر قد علمنا فيما مضى أنّ ((الروض)) مختصر من ((العواصم))؛ فإنّ ((الأصل)) لما تم فأينعت ثماره, وازدانت أزهاره, أجال عليه مؤلّفه يد القطاف, فالتقط من ثماره أنضجها, ومن أزهار أطيبها, ثم أعمل يده أخرى فقدّم وآخر وهذّب وشذب, وأصلح ورتّب؛ حتى صار -بحقّ- ((روضاً باسماً)) ... وقد كان سبب الاختصار ما أشار إليه المؤلف في المقدمة فقال: ((فلأن التوسيع يملّ الكاتب والمكتوب إليه, والمتطلع إلى رؤية الجواب والوقوف عليه, مع أنّ القليل يكفي المنصف, والكثير لا يكفي المتعسّف (١))). وقال أيضاً: ((ثم إني تأملت الكتاب -بعد ذلك- (أي الأصل) فوجدت ما فيه من التطويل والتدقيق, يصرف الأكثرين عن التأمل له والتحقيق, لا سيّما والباعث لداعية النشاط إلى معرفة مثل هذا إنما هو وجود من يعارض أهل السنة, ويورد على ضعفائهم الشّبه الدقيقة, ومن عوفي من هذا ربما نفر عن مطالعة هذه الكتب نفرة الصحيح عن شرب الأدوية النّافعة, وألم المكاوي الموجعة, فاختصرت منه هذا الكتاب, على أني لم أطنب في الأصل كل الإطناب ... )) (٢) اهـ. أما جوانب المغايرة بين الأصل ومختصره ففي أمور:

стр. 72

١ - سار المؤلف في ((الأصل)) على حسب إيرادات المعترض دون تصرّف في تقديم أو تأخير, بخلاف ((المختصر)) فإنه يجمع الكلام على المسائل المتشابهة في مكان واحد, فيقدم يوخّر بحسب المقتضي. ومن أبرز الأمثلة على ذلك: ((الكلام على كفار التأويل وفُسّاقه)) فبينما هي في ((الأصل)) في أوائل الكتاب (٢/ ١٣٠ - ٣/ ٢٢٣) , كانت في ((المختصر)) في آخر الكتاب: (٢/ ٤٨١ - ٥٦٩). ثم هي في ((المختصر)) أكثر ترتيباً. ومن الأمثلة أيضاً: ذبّ المؤلّف عن أئمة الإسلام الأربعة, فبينما أورده في ((الأصل)) بحسب إيراد المعترض له, فالكلام على أبي حنيفة في (٢/ ٨١) , والكلام على مالك (٣/ ٤٥٣) , والكلام على الشافعي في (٥/ ٥) , والكلام على أحمد (٣/ ٣٠٠). إلا أنه قد ساقه في ((المختصر)) مساقاً واحداً, حرصاُ منه على جمع الذّبّ عن الأئمة في مكان واحد. ((الروض)) (ص/٢٩٥ - ٣٤٣) , والأمثلة كثيرة, انظر: ((الروض)): (١/ ٢٣٠). ٢ - من جوانب المغايرة اختصار ما لا تعلّق له بنقض كلام المعترض من الفوائد والاستطرادات العلمية فقال في (ص/١٥٤ - ١٥٥): ((وهذا الموضع يحتمل ذكر فوائد ذكرتها في ((الأصل)) , منها ما ذكره النووي في «شرح مسلم)) , ومنها ما لم يذكره, ثم اختصرتها لأنها لا تتعلق بنقض كلام المعترض)) (١) اهـ.

стр. 73

بل إنه يختصر بعض الأوهام التي وهمها المعترض مما ليس تحتها إلا مجرد الاعتراض, وبيان الوهم, فقال في (ص/٢٣٠): ((وقد رأيت أن أقتصر على ذكر أوهام وهمها في هذا الفصل من الأوهام التي لا يفيد ذكرها ولا يهم أمرها؛ فإنّ مجرّد التعرض للاعتراض من غير فائدة مما ليس تحته طائل, ولا يستكثر من ذكره فاضل)) اهـ. ٣ - أن ((الأصل)) ومختصره مبنيان على إلزام الخصم على أصوله, ولم يتعرض المؤلف لبيان المختار عنده أحياناً, وذلك لأجل التقية من ذوي الجهل والعصبية. ثم قال المؤلف عن المختصر: ((ثم إني قد اختصرت هذا الكتاب في كتاب لطيف سميته: ((الروض الباسم)) , وهو أقل تقيّة من هذا ولن يخلو, فالله المستعان)) (١) اهـ. فيستفاد من هذا فائدة جليلة, وهي معرفة اختياراته في المسائل العلمية حيث صرّح بها في ((المختصر)) , ولم يتعرض لذلك في ((الأصل)). ٤ - ومن جوانب المغايرة والامتياز في ((المختصر)) , ما فيه من زيادات على ((الأصل)) , سواء كانت في الاستدلال أو التمثيل أو التحقيق, فمن تلك المواضع: * (١/ ٩ - ١٣) بعض الأشعار في مدح أهل الحديث. * (١/ ١٣٣) شعر للمؤلف في العشرة المبشرين بالجنة. * (١/ ١٦٦) فائدة للمؤلف عمن يُخَرِّج لهم البخاري استشهاداً.

стр. 74

* (١/ ١٧٠ - ١٧١) كلام الذهبي في حديث: ((ما تقرّب إليّ عبدي)) ورد الحافظ ابن حجر عليه. * (١/ ٢٤٦ - ٢٤٨) الكلام على الوليد بن عقبة. * (٢/ ٤٦٤ - ٤٧٦) بعض الكلام والتحقيق في حديث: ((فحجّ آدم موسى)) * (٢/ ٥٤٣ - ٥٦٩) أحاديث عمرو بن العاص, والمغيرة بن شعبة في الأحكام مع ذكر شواهدها والكلام عليها. فهذه (٢٦) صحيفة ليست في ((الأصل)). * (٢/ ٥٩٠ - ٥٩٦) خاتمة المؤلف وفيها نصيحة وعِظة وعبرة, وقصيدة في التمسك بالسنة. * * *

стр. 75

غرضه منه, ومنهجه فيه أما غرضه منه: فقد أبانه بقوله في فاتحة الكتاب وهو يصف رسالة المعترض وما تعرّضت له من القدح فيه وفي السنة وفي القواعد: ((فرأيت ما يخصني غير جدير بصرف العناية إليه, ولا كبير يستحق الإقبال بالجواب عليه, وأما ما يختص بالسنن النبوية والقواعد الإسلامية؛ مثل قدحه في صحة الرجوع إلى الآيات القرآنية, والأخبار النبوية والآثار الصحابية, ونحو ذلك من القواعد الأصولية, فإني رأيت القدح فيها ليس أمراً هيّناً, والذبّ عنها لازماً متعيناً, فتعرضت لجواب ما اشتملت عليه من نقض تلك القواعد الكبار, التي قال بها الجلّة من العلماء الأخيار)) (١) اهـ. كما أبانه غاية البيان فقال: ((وقد اقتصرت في هذا ((المختصر)) على نصرة السّنن النبوية, والذبّ عنها وعن أهلها من حملة الأخبار المصطفوية, سالكاً من ذلك في محجّةٍ جليّةٍ, غير عويصةٍ ولا خفيّةٍ .. )) (٢) اهـ. وقال: (( ... والقصد بهذا كله الذب عن السنن ورواتها)) (٣). وقال: ((وقد تركت إيراد كلام متكلّمي الأشعرية في التحسين والتقبيح؛ لأن كتابي هذا كتاب نصرة للحديث وأهله, الواقفين على ما كان عليه السّلف, من ترك الخوض في عويص الكلام, ودقيق الجدال)) (٤) اهـ.

стр. 76

وقال: ((وقد اجتهدت في هذا الكتاب في نصرة الحديث الصحيح .. )) (١). فلا أصرح من هذه العبارات الدّالة على المقصود من هذا التأليف, فلم تدع قولاً لمتقوّل, ولا تخميناً لمتخرّص!!. أما ما يتعلق بمنهجه, فيمكن التماسه في النقاط الآتية: ١ - سلك المؤلف في نقضه على المعترض مسالك الجدليين فيما يلزم الخصم على أصوله, فقال: ((وقد سلكت -في هذا الجواب- مسالك الجدليين, فيما يلزم الخصم على أصوله, ولم أتعرّض في بعضه لبيان المختار عندي, وذلك لأجل التقيّة من ذوي الجهل والعصبية, فليتنبّه الواقف عليه على ذلك, فلا يجعل ما أجبت به الخصم مذهباً لي, ثم إني اختصرت هذا الكتاب (العواصم) في كتاب لطيف سميته ((الروض الباسم)) وهو أقلّ تقيّة من هذا ولن يخلو, فالله تعالى المستعان)) (٢) اهـ. وقال أيضاً: (( ... إذا المقصود إلزام الخصم ما يلزمه على مقتضى مذهبه)) (٣) اهـ. وقال: ((وصحّت أحاديثهم -أي معاوية وعمرو والمغيرة- هذه على وجهٍ لا شبهة فيه على قواعد الخصوم)) (٤) اهـ.

стр. 77

٢ - حرص أن ينصر ما يرجحه بالطرق التي يتّفق عليها الفريقان (١) فقال: ((وقد اجتهدت في هذا الكتاب في نصرة الحديث الصحيح بالطرق التي يتفق الفريقان على صحتها أو يتفقون على قواعد تستلزم صحّتها, كما يعرف ذلك من تأمل هذا الكتاب كلّه)) (٢) اهـ. ٣ - يورد المؤلف كلام المعترض المتعلق بمسألة واحدة ثم ينقضه, فيبين له أولاً مخالفته لأصحابه من الزيدية والمعتزلة, وأنهم قائلون بما أنكره أو أكثرهم, وأنّ ما يلزم أهل السنة من إلزامات المعترض؛ فهو لازم لأصحاب المعترض, فما كان جوابه عن أصحابه كان جوابنا عن أهل السنة. والمعترض على أحسن الأحوال قد جهل تلك الأقوال, ومثل هذا المعترض كما قال شيخ الإسلام: (( ... حتى أن كثيراً من هؤلاء يعظّم أئمة, ويذم أقوالاً, قد يلعن قائلها أو يكفره, وقد قالها أولئك الأئمة الذين يعظمهم, ولو علم أنهم قالوها لما لعن القائل, وكثير منها يكون قد قاله النبي ﷺ , وهو لا يعرف ذلك!)) (٣) اهـ. والمؤلف متثبّت في نقله, فهو ينقل مذاهب الزيدية والمعتزلة من كتبهم المعتبرة (٤) , من طرقٍ مختلفة ووجوه متغايرة فيها مقنع للمنصف والمتعسّف!. ثم إن ساق المعترض دليلاً على قوله؛ نقضه ببيان ضعفه, أو

стр. 78

ضعف الاستدلال به, أو قلب دليله دليلاً عليه. ثمّ إن نسب المعترض لأهل السنة قولاً لم يقولوا به؛ بيّن خطأه في ذلك بنقل قولهم من كتبهم -مع بعده عن ديارهم, وقلّة مصنفاتهم الحافلة- والاستدلال لها من الأصلين, حتى إذا لم يبق بين يديه دليل ولا شبهة دليل؛ إنهال عليه بوابل من الإشكالات, وسيل من الإلزامات, من جنس ما يورده هو على أهل السنة, وهذه من أحسن طرق المناظرة, فتجعله يتملّص من قوله لكثرة الواردات عليه!. قال شيخ الإسلام: ((ومن الطرق الحسنة في مناظرة هذا (أي الحلّى) أن يورد عليه من جنس ما يورد على أهل الحق وما هو أغلظ منه, فإن العارضة نافعة, وحينئذ فإن فَهِم الجواب الصحيح عَلِم الجواب عما يورده على الحق, وإن وقع في الحيرة والعجز عن الجواب؛ اندفع شرّه بذلك, وقيل له: جوابك عن هذا هو جوابنا عن هذا)) (١) اهـ. وقد اعتذر المؤلف ﵀ عن التحقيق في بعض المسائل, واكتفى فيها بإيراد المعارضات, وذكر الجواب الجُمْليّ: ((أما التحقيق؛ فلا مكانُهُ ولا زمانُهُ, ولا فرسانُهُ ولا ميدانُهُ)) (٢).

стр. 79

وينبغي التنبيه هنا على أن هذه المعارضات والأسئلة لا تلزم المورد لها, بل يورد السؤال والمعارضة وإن كان ضعيفاً عند المورد بل باطلاً, وذلك لأمرين: ((أ- ليدفع المورِدُ عن نفسه ما يرد عليه من ذلك القبيل, فيدفع الباطل بالباطل, ويكتفي بالشر من غير خروج من حقّ, ولا دخولٍ في باطل. ب- تعريف الخصم بضعف قوله الذي استلزم تلك الأشياء الضعيفة, فإنّ القويّ لا يستلزم الضعيف)) (١) اهـ. حتى أن المؤلف من شدة انتصاره على خصمه ودفاعه عن الحديث الذي هو من رواية المرجئة الثقات قال -تنبيهاً للقاريء من وهم قد يقع فيه-؛ ((وقد اكثرت من الانتصار لظنّ صدقهم وقبول روايتهم, حتى ربما توهّم بعض الضعفاء أني أميل إلى رأيهم, ومعاذ الله تعالى من ذلك! فعقيدة أهل السنة أصح مباني وأوضح معاني, وحسبك أنها جامعة لمحاسن العقائد .. )) (٢) اهـ. ٤ - لم يتعرّض المؤلف لجميع المسائل العقدية أو الأصولية التي يمكن أن تورد, لأن المعترض قد أعرض عن ذكرها فأعرض المؤلف عن إيرادها؛ لأنه مجيب لا مبتدي, وقد نبّه على ذلك حتّى لا يتوهّم من يقف على كلامه أنه ينصر قولاً مبتدعاً, أو يسوّي بين أهل السنة وأهل البدعة فيما لم يذكره من القضايا (٣).

стр. 80

وههنا ينبّه على أمور لها علاقة بالمنهج: *أولها: يمكن الجزم بأن المؤلف ﵀ قد أنشأ هذا الجواب من حفظه, ويدل على ذلك أمور: ١ - أنه أنشأ الجواب في عزلته بعيداً عن نفائس الأسفار, فقال: ((ومن أين يتأتى ذلك أو يتهيّأ لي (أي: مطالعة نفائس الأسفار) وأنا في بوادٍ خوالي وجبال عوالي)) (١). وقال -لما ذكر روايات مروان بن الحكم عن الصحابة-: ((إلا عبد الرحمن بن الأسود؛ فلم أظفر بروايته عنه وقت تعليق هذا الكتاب؛ لبعدي عن أهل الحديث, وعدم وجود مصنفاتهم الحافلة)) (٢) اهـ, ولهذا النص دلالة أخرى سأذكرها. وقال أيضاً -لما ذكر إيواء عثمان للحكم-: ((وقد خاض الناس في ذلك خوضاً كثيراً قديماً وحديثاً, ولم يحضرني وقت كتابة هذا الجواب شيء من هذه الكتب المذكور ذلك فيها فأنقل ما قال العلماء في ذلك, ولا حفظت في ذلك ما يُقنِع ... , وأما الجواب المقنع عند النقاد؛ فهو ما ألقاه الله تعالى على خاطري في ذلك ... )) (٣). ٢ - بعض المواضع في ((الروض)) تؤيد أن أصله ((العواصم)) لم يكن بين يدي المؤلف حال تأليف مختصره, بل كان يكتب من حفظه. فمن ذلك أنه لما تكلّم عن روايات مروان بن الحكم عن

стр. 81

الصحابة, وأنه لم يظفر بروايته عن عبد الرحمن بن الأسود وقت تعليق هذا الجواب, وأنه سوف يلحق ذلك, فإن عاق الموت؛ فالمنّة لمن أفاد ذلك (١). فإذا ما رجعنا إلى ((الأصل)) (٢) وجدناه قد ذكر هذه الرواية, وتكلم عليها, وذكر شواهدها ... فهذا إما أن يدل على أن ((العواصم)) لم يكن بين يديه وقت الاختصار, أو أنه بيّض لهذا الحديث في الكتابين, ثم ألحقه بـ ((الأصل)) فنقل ذلك اللحق, ولم يلحقه بـ ((المختصر)) ذهولاً أو نسياناً, أو ألحقه بـ ((المختصر)) إلا أن الاستنساخ وقع قبل إضافة اللحق, فبقي كذلك في جميع النسخ الفرعية. ومن ذلك أنه لمّا سرد أحاديث معاوية (٣) ﵁ في الأحكام لم يقع في جميع النسخ (الحديث السادس والعشرون) , بينما نجد جميع أحاديث معاوية مستوفاة في ((الأصل)) لا خرم فيها (٤). ٣ - صرّح المؤلّف ﵀ بأنه لم يقف على كتب بعينها, ثم هو مع ذلك ينقل منها إما نصّاً أو بالمعنى أو يشير إلى وجود المبحث فيها معتذراً عن نقله بنصّه لعدم توفر الكتاب بين يديه, وذلك مثل: - ((روضة الطالبين)) للنووي, انظر (١/ ٥٥, ٢٣٢).

стр. 82

-بعض كتب يحيى بن حمزة مثل ((التحقيق والشامل والانتصار)). انظر (١/ ٩٨) - ((شرح مسلم)) للنووي, انظر (٢/ ٤٥١) , نقل من قرابة الصفحة, ثم قال: ولم يحضرني ((شرح مسلم)). - ((سير أعلام النبلاء)) للذهبي, انظر (١/ ٢٦٩). وعلى كلّ حال؛ فمن ادّعى أن ((الأصل)) قد كتبه من حفظه (١)؛ فادعاء مثل ذلك في ((المختصر)) أولى وأحرى. *ثانياً: ينبغي التنبّه لمواقع إطلاقات المؤلف ﵀ عند ذكره لأهل السنة والبدعة, فإنه قد قال في ((إيثار الحق)) (٢): ((واعلم أني قد أذكر المبتدعة وأهل السنة كثيراً في كلامي؛ فأمّا المبتدعة فإنما أعني بهم أهل البدع الكبرى الغلاة ممن كانوا, فأما البدع الصغرى فلا تسلم منها طائفة غالباً. وأما أهل السنة؛ فقد أريد بهم أهلها على الحقيقة, وقد أريد بهم من تسمّى بها وانتسب إليها. فتأمّل مواقع ذلك)) اهـ. ومن ذلك ما قد يطلقه المؤلّف ويريد به اصطلاحاً خاصاً, مثل إطلاقه أهل السنة في مقابلة الشيعة والرافضة, فيدخل في (أهل السنة) حينئذ من خالف الشيعة في مسائل الإمامة والصحابة ... ويدلّ على هذا تفريقه بين طوائف أهل الكلام من الأشعرية والمعتزلة والشيعة, وبين أهل الحديث؛ فقد قال في معنى حديث

стр. 83

(الرؤية): ((فأمّا أهل الحديث؛ فيؤمنون به كما ورد, على الوجه الذي أراده رسول الله ﷺ . وأما المتكلمون من الأشعرية والمعتزلة والشيعة؛ فيجتمعون على أنه تعالى لا يرى في جهة متحيزاً كما يرى القمر, ثم يفترقون في تفسير معناه ... )) (١) اهـ. *ثالثاً: الاعتذار للمؤلف لخوضه في (علم الكلام). لم يفتأ المؤلف ﵀ يحذر من الدخول في علم الكلام أو تعلمه أو استعماله في مواضع كثيرة, لو أفردت لكانت كتاباً مستقلاً (٢). إلا أنه اضطر أحياناً للولوج فيه لنقض كلام المعترض, ومع ذلك فهو يعتذر عن الخوض فيه (٣). وقد اعتذر الإمام الصنعاني (٤) للمؤلف وغيره ممن اضطر للدخول مع المبتدعة في مباحثهم وعلومهم, فقال: ((إلا أنّ عذر الناظم (ابن الوزير) ﵀ أنه بلي بالمبتدعة وبلسع عقاربهم, فاحتاج أن يدافع عن نفسه ودينه وعقيدته بالخوض معهم في ابتداعهم, دفعاً لشرهم, ومداواة لعللهم, فهو معذور بل مأجور مشكور, وجزاه الله خيراً, وهذا عذره وعذر كل من ألجأه الحال إلى الخوض في الابتداع ضرورة مع أهل الجدال)) اهـ. وبعد؛ فرغم تحري المؤلف ﵀ للحق, واجتهاده في

стр. 84

ذلك بكلّ ما أمكنه, إلا أن الجواد قد يكبو: وأيّ حسام لم تصبه كلالة ... وأي جواد لم تخنه الحوافر؟! فمن الذي عصم, ومن الذي ما وُصم!!. ويكفي في عذر المؤلف ﵀ ما قاله هو في خاتمة كتابه ((الإيثار)): (ص/٤١٨) , قال: ((ثم إني أختم هذا المختصر المبارك بأني أستغفر الله وأسأله التجاوز عني, والمسامحة في كل ما أخطأت فيه من هذا ((المختصر)) وغيره, فإني محلّ الخطأ والغلط والجهل وأهله, وهو أهل المغفرة والسعة والمسامحة, والغني الأعظم, والكريم الأكرم ... )) اهـ. وقال شيخ الإسلام في ((المنهاج)) (٥/ ٢٥٠): ((والمؤمن بالله ورسوله باطناً وظاهراً, الذي قصد اتباع الحق وما جاء به الرسول, إذا أخطأ ولم يعرف الحقّ, كان أولى أن يعذره الله في الآخرة من المعتمد العالم بالذنب, فإن هذا عاصٍ مستحق للعذاب بلا ريب, وأما ذلك فليس متعمداً للذنب, بل هو مخطىء, والله قد تجاوز لهذه الأمة عن الخطأ والنسيان)) اهـ. أقول: وقد علّقت على ما رأيته من ذلك في حواشي الكتاب بعبارة وجيزة, وإشارة لطيفة. * * *

стр. 85

طبعات الكتاب طبع الكتاب عدة مرات: ١ - بالمطبعة المنيرية, لصاحبها الشيخ محمد منير الدمشقي ... (١٣٦٧هـ) ﵀, سنة (١٣٢١هـ) (١) , وقد كان الاعتماد فيها على نسخة جاء في آخرها (٢): ((انتهى تحصيل هذا الكتاب الجليل من نسخة قال فيها: نقلت هذا الكتاب من نسخة بخط المؤلف, ذكر في آخرها: تمّ الكتاب بحمد الله ومنِّهِ وحُسن توفيقه يوم الأربعاء, الثالث من شهر شعبان الكريم من شهور سنة سبع عشرة وثمان مئة. وتاريخ أمّ هذه النسخة المباركة, خامس شهر رجب من سنة ألف ومئة واحد وعشرون ختمها الله بالحسنى)) اهـ. ولم يذكر تاريخ نِساخَتهِ لها!. وقد صُوّرت في دار المعرفة سنة (١٣٩٩هـ). وهذه الطبعة, قد وقع فيها ما يقع في الكتب المنشورة عن نسخة واحدة متأخرةٍ, أو غير متقنة, من عدم تبين بعض الكلمات, أو السقط في النسخة الناتج عن انتقال نظر الناسخ, خاصة إذا لم تكن معارضة بالأصل المنسوخ منه. كما وقع فيها سقط في مواضع عديدة, يبلغ مجموع الأسطر الساقطة صفحات. أما التحريفات الطباعية فكثيرة!. إلا أنّ لهذه الطبعة فضل إحياء هذا الكتاب ونشره.

стр. 86

٢ - طبعة المطبعة السلفية: بعناية قصيّ بن محبّ الدين الخطيب, سنة (١٣٨٥هـ) الطبعة الأولى. وقد اعتمد على النسخة نفسها التي اعتُمِدَت في الطبعة المنيريّة, كما جاء في خاتمتها (١) , ويُقال في هذه الطبعة ما قد قيل في سابقتها؛ إلا أن ههنا عدة أمور: أ- تمتاز هذه الطبعة بتلافي كثير من الأخطاء الطباعية, وتمتاز -أيضاً- بالاعتناء بعلامات الترقيم وعزو الآيات القرآنية, بينما ينعدم هذان الأمران في الطبعة المنيرية. ب- أقحم الناشر قلمه في عدد من صفحات الكتاب معلّقاً على كلام المؤلف, ومُتعقباً له, ومتوعّداً له بالردّ, إلا أنه اعتذر عن ذلك بأنّ هذا ليس مكانه؟!!. وفي كل تلك المواضع ينتصر الناشر لبني أُميّة, وقَتَلَة الحسين ﵁!! مُحيلاً في ذلك على تعليقات أبيه: الشيخ محبّ الدين الخطيب على ((المنتقى)) للذهبي, و ((العواصم من القواصم)) لابن العربي!. وكأنه لا مساعد له في قوله إلا تلك التعليقات!! حتى وصل به الحد إلى إنكار بعض الروايات الثابتة, بإسلوب تهكميّ جريء. وقد كنت أعددت جدولاً بالأخطاء والسقط في هذه الطبعة, ثم بدا لي الاستغناء عن ذلك بما أثبته في حواشي هذه المطبوعة, مما فيه

стр. 87

دلالة على وقوع تحريف أو سقط في (س). ٣ - طبعة المكتبة اليمنية للنشر والتوزيع بصنعاء: سنة (١٤٠٥هـ) , وقد أعاد الناشر تنضيد الكتاب اعتماداً على الطبعات السابقة. ٤ - وقد أشار العلامة الأكوع في كتابه الموسوعي: ((هِجَرُ العلم ومعاقله في اليمن)) (٣/ ١٧٤١) , إلى طبعة لكتاب ((الروض)) , طبعت قبل سنة ... (١٣٥٠هـ) بدعم من الأمير محمد بن الإمام يحيى حميد الدين, ولم أقف على هذه الطبعة. وقد تُرجم هذا الكتاب إلى اللغة (التاملية) (١) , ذكره الأكوع في «هجر العلم)) (٣/ ١٣٧٥). * * *

стр. 88

مخطوطات الكتاب لا يزال الحصول على المخطوطات من الخزائن في الدول العربية (خاصّةً!!) عقبة كؤوداً في طريق الباحثين, فقد يمضي الباحث مدة مديدة في سبيل الحصول على مخطوطة ما دون جدوى, وفي أحسن الأحوال يحصل على بعض طَلِبَتِهِ!!. وهذا ما حصل لي في هذا الكتاب؛ فقد انتظرت قرابة السنة رجاء الحصول على مخطوطات الكتاب من مكتبات اليمن, حتى أوشكت على الإياس من ذلك, إلى أن يسّر الله تعالى الحصول على بعضها -كما سيأتي- بمساعدة من أخي الكريم أحمد أبو فارع وفقه الله لكل خير. وكنت قبل هذا قد حصلت على نسخة للكتاب من مكتبة عارف حكمت (١) بالمدينة النبوية -حرسها الله- وقابلت الكتاب عليها؛ ثم ظهر أنها عديمة الجدوى كما سيأتي. وقد حصلت على ثلاث نسخ خطيّة للكتاب, وهذا وصفها: ١ - نسخة خطية في (١١٤) ورقة في المكتبة الغربية بالجامع الكبير بصنعاء برقم (٧٠/علم كلام) , مسطرتها: ٣٢×٢١سم, وعدد الأسطر: ٣١ سطراً, خطها نسخي متوسط. كتبت سنة (١١٧٩هـ) في شهر ذي القعدة في ليلة الاثنين كما جاء في آخرها. وناسخها هو العلامة لُطْف الباري بن أحمد بن

стр. 89

عبد القادر بن الورد (١). وهي نسخة تامّة جيدة صحيحة قليلة الأخطاء, مقابلة على الأصل المنسوخة منه فقد جاء في آخرها: ((بلغ مقابلة على أصله (عناية) حسب الإمكان, وذلك يوم الأحد لعلّه سابع شهر محرم الحرام سنة [١١٨٠] (٢) , وكتب الفقير إلى رحمة ربه: لطف الباري بن أحمد, عفى الله عنه وغفر له ولوالديه ولمسامحه ولجميع المؤمنين آمين)) اهـ. وعلى هوامش النسخة تعليقات كثيرة ومتنوعة لجماعة من العلماء, منها ما هو بخط ناسخها, ومنها ما هو بخط المطالعين, وقد ظهرت أغلب هذه التهميشات إلا القليل منها فقد أصابه بعض

стр. 90

الطمس, أما العلماء أصحاب التعليقات فهم: ١ - الإمام محمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني (١١٨٢هـ) وتعليقاته متنوعة ومفيدة, وهي كثيرة في أوائل الكتاب وتقلّ تدريجيّاً حتى تندر في أواخره؛ وقد أثبت جميع تعليقاته. ٢ - القاضي محمد بن عبد الملك الآنسي (١) (١٣١٦هـ) قال زبارة: ((القاضي الحافظ الناقد الضابط البارع التقي)) اهـ. وكان أديباً شاعراً علاّمة في عدد من الفنون, ولد سنة (١٢٧٣هـ) , وتوفي سنة (١٣١٦هـ) وعمره (٤٣) سنة. ٣ - أحمد بن عبد الله الجنداري (٢) (١٣٣٧هـ). وهو عالم مبرّز في علوم كثيرة, كان زيدياً متعصّباً ثم انقطع إلى علوم السنة, وترك التعويل على آراء الرجال, وانتهت إليه في أواخرأيامه الرياسة في علوم السنة ومعرفة الحديث والرجال ومتعلقاتها, وانتفع به خلق كثير وجمّ غفير على هذه الطريقة, منهم الإمام يحيى بن محمد حميد الدين (٣) , وإن لم يجاهر بذلك حرصاً على منصب الإمامة!. وقد أَثْبَتُّ في الهامش جلّ تعليقات هذين العالمين, إلا مالم يظهر تامّاً في المصورة أو مالم أر في إثباته نفعاً, وكان من قبيل

стр. 91

المجادلات الكلامية, أو ذكر مذاهب بعض الزيدية. ٤ - العلاّمة هاشم بن يحيى بن محمد الشامي (١) (١١٥٨هـ). ٥ - العلاّمة محمد بن حسين العمري (٢) (١٣٣٠هـ). ٦ - كاتب النسخة وقد تقدمت ترجمته. وتعليقات هؤلاء العلماء قليلة جداً في الكتاب ولم ألتزم بإثباتها جميعاً. وقد اتخذت هذه النسخة أصلاً, ورمزت لها بـ ((الأصل)) أو (أ). ٢ - نسخة خطية تقع في (٧٩) ورقة في المكتبة الغربية بالجامع الكبير بصنعاء برقم (٦٩/ علم كلام) , مسطرتها: ٣٥×٢٤سم, عدد الأسطر: ٣٢ سطراً, خطها: نسخي جيد حديث. كتبت سنة (١٣٣٦هـ) في شهر ذي القعدة في يوم الجمعة. كما جاء في آخرها. وناسخها هو لطف بن سعد السّميني (٣) , كما جاء في آخر المجموع الذي بخطه الذي بدأ بـ ((ترجمة ابن الوزير)) ثم بـ ((الروض)) ثم بـ ((العلم الشامخ)) للمقبلي (ق/٢١٩أ). وهذه النسخة كسابقتها تامّة جيدة نادرة الخطأ, مقابلة بعناية, فقد جاء في آخرها: ((بلغ بحمد الله تعالى مقابلة هذه النسخة ليلة ... (٣) رمضان الكريم سنة (١٣٤٠هـ) , والحمد لله حمداً

стр. 92

كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربّنا ويرضى)) اهـ. وقد كان الشروع في مقابلتها في (١٣) ذي الحجة الحرام سنة ... (١٣٣٩هـ) كما جاء على طرّة النسخة. ويبدو أن أصل هذه النسخة نسخة بخط القاضي العلاّمة محمد بن عبد الملك الأنسي, فقد جاء في خاتمتها ما صورته: ((قال القاضي العلاّمة محمد بن عبد الملك الآنسي ﵀ في آخر النسخة التي بقلمه التي قابلنا هذه النسخة عليها: [وجد] بخط سيدي العلاّمة إسحاق بن يوسف ﵀ في آخر نسخته من هذا التأليف ما لفظه: انتهى ما أردت من مطالعة هذا السّفر الجليل الذي هو برؤ العليل وشفاء الغليل, فرحم الله مؤلفه رحمة واسعة وحشرة في زمرة حبيبه الشفيع, وحرّر في رمضان سنة (١١٣٧هـ) انتهى)) اهـ. وعلى هوامش النسخة تعليقات كثيرة لجماعة من العلماء تتفق في معظمها مع ما في نسخة (الأصل) وقد تزيد عليها أحياناً. ويظهر من هوامش النسخة أن كثيراً من تعليقاتها منقولة من هوامش نسخة العلاّمة الجنداري (١) , أو من نسخة مقروءة عليه. والقول في إثبات هذه التعليقات كالقول في نسخة الأصل. وقد جعلتها نسخة مساعدة في قراءة كلمة أو إثبات ما هو أولى. ورمزت لها بـ (ي). ٣ - نسخة خطية (١٠٢) ورقة, في مكتبة الملك عبد العزيز بالمدينة

стр. 93

النبوية, مجموعة الشيخ عارف حكمت برقم (٧٠٢). مسطرتها: ٣٠×١٢.٥سم, عدد الأسطر: ٣١ سطراً, خطها: نسخي معتاد مضطربة النقط, كتبت سنة (١١٧٩هـ) في آخر شهر ذي الحجة الحرام, كما جاء في آخرها, ولم يكتب الناسخ اسمه. وهي نسخة سقيمة, كثيرة التحريف والسقط الناتج عن انتقال النظر, إضافة إلى النقط العشوائي, وهناك سقط كبير وهو (الوهم الثالث عشر) برمّته (١) من (٣٥٤ - ٣٦٦) من هذه الطبعة!!. وكنت قد قابلت جميع هذه النسخة وأثبت ما وقع فيها من سقط وتحريف, ثم عدلت عن ذلك؛ إذ لا جدوى من وراءه, وقد استفدت منها في مواضع لا تزيد على العشرة. وعلى هوامش النسخة بعض العناوين لموضوعات الكتاب, بقلم كبير. وهناك نسخ للكتاب إلا أني لم أقف عليها وهي: -نسخة في مكتبة الأوقاف بصنعاء في (١٣٢) ورقة. مسطرتها: ٢١×١٥سم عدد الأسطر: ٢٣ سطراً, ناسخها: إبراهيم بن أبي القاسم بن مطير, خطها: نسخي معتاد, في يوم الخميس من ذي الحجة سنة (٩٥٦هـ). من وقف محمد بن علي قيس (٢). انظر ((الفهرس)) (٢/ ٦٣٨).

стр. 94

-نسخة في دار المخطوطات اليمنية بصنعاء, صوّرها معهد المخطوطات العربية بمصر, وتقع في (٣٥٨) ورقة!! منسوخة في سنة (١٠٦٨هـ). -نسخة في دار الكتب المصرية في (٦١) ورقة برقم (٣٢٣). مسطرتها: ٣١×٢٢سم, عدد الأسطر: ٤٠ سطراً, بقلم: عبد الله بن علي بن علي بن محمد ابن مهدي بن أحمد الجيوري (١) , سنة ... (١٣١٩هـ). انظر: ((فهرس دار الكتب)) (١/مصطلح/٢٣١). * * *

стр. 95

خطة العمل في الكتاب ١ - قدمت بمقدمة, أَبَنتُ فيها عن مشروعية الرد على المخالف, وأنه باب جهادي. ٢ - نشرت ترجمة المؤلف لمحمد بن عبد الله بن الهادي الوزير ... (٨٩٧هـ) , حفيد أخي المؤلف, وتلميذه. ٣ - عرّفت بالكتاب, وذلك في نقاط عديدة. ٤ - قابلتُ ما وقع لي من نسخ الكتاب الخطية, معتمداً في ذلك على نسخة (الأصل) المشار إليها بـ (أ) , وسبق سبب اعتمادها أصلاً, وجعلت نسخة (ي) أصلاً آخر يعتمد عليه, وقد يترجح ما فيه إذا قوي حظه من النظر, ولم أجمد على ما في نسخة (أ). وكذلك استفدت من الطبعة السلفية, ورمزت لها بـ (س) , كما استفدت -أيضاً- من (الأصل) وهو ((العواصم)) في مواضع, وكذلك من نسخة (ت). فما كان من بقية النسخ أو زيادة من عندي لصالح النص, وضعتها بين معكوفتين هكذا []. ٥ - خدمت نصّ الكتاب على ما هو متعارف عليه عند محققي التراث والمعتنين به, على ما أسعفني به الوقت والمراجع. ٦ - لم أسهب في تخريج الأحاديث, ولا في التعليق على بعض القضايا, بل حرصت على الاقتصاد ما استطعت إليه سبيلاً, إذ التطويل في ذلك يخرج الكتاب عن المقصود. ٧ - ثم صنعت فهارس نظرية؛ للآيات والأحاديث والأشعار والأعلام والكتب.

стр. 96

وفهارس علمية؛ للموضوعات على الفنون, وللفوائد المنثورة, ولموضوعات الكتاب على تسلسلها. وأرجو بهذا أن أكون قد وفّقت لخدمة هذا السّفر النفيس مع اعترافي بالعجز والتقصير, وصلى الله على نبيّنا محمدٍ وعلى آله وصحبه وسلّم. * * * *

стр. 97

النص المحقق

стр. 98

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله الذي أرسل محمداً ﷺ بشيراً ونذيراً, وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً. بعثه الله تعالى رحمة للعالمين, ومعلّماً للأمّيين بلسان عربيّ مبين, وقال وهو أصدق القائلين: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيّينَ رَسُولاً مِنهُم يَتلُو عَلَيهِم آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِم وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالحِكمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ [الجمعة:٢]. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, له الملك وله الحمد, وهو على كل شيءٍ قدير. وأشهد أنّه كما وصف ذاته الكريمة في كتابه المنير: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]. وأنّه مُنزّه عن إجبار العباد, وأنّه لا يرضى لعباده الكفر, ولا يحب الفساد, وأنّه لا يظلم العبيد, وأنّه لا يخلف الوعد ولا الوعيد, وأنّه المختصّ بصفات الكمال, ونعوت الجلال, وأنّه منزّه عن الأشكال والأمثال. وأشهد أنّ محمداً عبده ورسوله المبعوث بالكتاب الكريم, المنعوت بالخلق العظيم. الموعود يوم القيامة مقاماً محموداً, وحوضاً موروداً, وشرفاً مشهوداً, وأصلّي وأسلّم صلاة دائمة النّماء, تملأ الأرض والسّماء وما بينهما, عليه وعلى آله الكرماء, الثّقل المذكور مع القرآن (١) أئمة الإسلام, وأركان الإيمان المتوّجين بتاج: ﴿قُل لاَّ

стр. 99

أَسأَلُكُم عَلَيهِ أَجْراً إِلاَّ المَوَدَّةَ فِي القُربَى﴾ الشاهد بمناقبهم كتاب: ((ذخائر العقبى)) (١) , وعلى أصحابه حماة الإسلام, وليوث الصّدام, وهداة الأنام, وأهل المشاهد العظام, أهل مكّة والهجرتين, وطيبة والعقبتين, الذين أغناهم نصّ القرآن على فضلهم عن أخبار الآحاد والقياس, حيث قال تعالى [في خطابهم] (٢): ﴿كُنتُم خَيرَ أُمَّةٍ أُخرِجَت لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠]. أما بعد: فإنّ الله لما اختار محمداً ﷺ رسولاً أميناً, ومعلّماً مبيناً, واختار له ديناً قويماً, وهداه صراطاً مستقيماً, ارتضاه لجميع البشر إماماً, وجعله للشرائع النّبوية ختاماً, وأقسم في كتابه الكريم تبجيلاً [له] (٣) وتعظيماً, فقال عزّ قائلاً كريماً: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَينَهُم ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِم حَرَجاً مِّمَّا قَضَيتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسلِيماً﴾ [النساء:٦٥] ثم إنه أثار أشواق

стр. 100

العارفين إلى الاقتداء برسوله؛ بكثرة الثّناء عليهم في تنزيله, مثل قوله في التعظيم لهم والتبجيل: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكتُوباً عِندَهُم فِي التَّورَاةِ وَالإِنجِيلِ﴾ [الأعراف:١٥٧]. إلى غير ذلك من الآيات الكريمة, الشّاهدة لمتبعيه بالطريقة القويمة. فلمّا وعت هذه الآيات آذان العارفين, وتأمَّلتها قلوب الصّادقين, حرصوا على الاقتداء به في أفعاله, والاستماع منه في أقواله, فكانوا له أتبع من الظّلم, وأطوع من النّعل: فعلّمهم أركان الإسلام وشرائعه وفرائضه ونوافله, وكان بهم رءوفاً رحيماً, وعلى تعليمهم حريصاً أميناً, كما وصفه ربّ العالمين, حيث قال في كتابه المبين: ﴿لَقَد جَآءَكُم رَسُولٌ/ مِّن أَنفُسِكُم عَزِيزٌ عَلَيهِ مَاعَنِتُّم حَرِيصٌ عَلَيكُم بِالمُؤمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨]. فلم يزل ﵊ يرشدهم إلى أفضل الأعمال, ويهديهم إلى أحسن الأخلاق, ويلزمهم ما فيه النجاة والفوز في الآخرة, والسلامة والغبطة في الدنيا, من لزوم الواجب [والمسنون, ومجانبة المكروه, وترك الفضول, فلم يترك خيراً قطّ إلا أمرهم به] (١) ففعلوه, ودعاهم إليه فأجابوه, حتّى لم يكن شيء في زمانه من أعمال البرّ متروكاً, ولا منهجاً من مناهج الخير إلا مسلوكاً, فلمّا تمّ ما أراده الله تعالى برسوله من هداية أهل الإسلام, وبلّغ إلى الأنام جميع ما عنده من الأحكام؛ من العقائد والآداب والحلال والحرام, أنزل الله في ذلك تنصيصاً وتبييناً: ﴿اليَومَ أَكمَلتُ لَكُم دِينَكُم وَأَتمَمْتُ عَلَيكُم نِعمَتِي

стр. 101

وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسلاَمَ دِيناً﴾ [المائدة:٣]. فكمل الدين في ذلك الزّمان, ووضحت الحجّة والبرهان, ودحضت وساوس المشبّهين؛ وانحسمت مواد المبطلين, إذ لا حجّة على الله بعد الرّسل لأحد من العالمين, بنصّ كتابه المبين. هذا؛ وإنّي لما رَتَبْت (١) رتوب الكعب في مجالسة العلماء السّادة, وثبتُ ثبوت القطب في مجالس العلم والإفادة, ولم أزل منذ عرفت شمالي من يميني مشمّراً في طلب معرفة ديني, أنتقل في رتبة الشّيوخ من قدوة إلى قدوة, وأَتَوَقَّل (٢) في مدارس العلم من ربوة إلى ربوة, ولم يزل يراعي بلطائف الفوائد نَوَاطِف, وبناني للطف المعارف قَوَاطِف: لم يكن حتماً أن يرجع طرف نظري عن المعارف خاسئاً حسيراً, ولم يجب قطعاً أن يعود جناح طلبي للفوائد مَهيضاً كسيراً, ولم يكن بدعاً أن تنسّمت من أعطارها روائح, وتبصّرت من أنوارها لوائح, أشربت قلبي محبّة الحديث النّبوي, والعلم المصطفوي, وكنت ممن يرى الحظ الأسنى في خدمة علومه, وتمهيد ما تعفَّى من رسومه. ورأيت أولى ما اشتغلت به: ما تعيّن فرض كفايته بعد الارتفاع, وتضيّق وقت القيام به بعد الاتساع, من الذَّبَّ عنه, والمحاماة عليه, والحثّ على اتّباعه والدُّعاء إليه.

стр. 102

فإنه علم الصّدر الأوّل, والذي عليه بعد القرآن المعوّل. وهو لعلوم الإسلام أصل وأساس. وهو المفسّر للقرآن بشهادة: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ﴾ [النحل:٤٤]. وهو الذي قال الله فيه تصريحاً: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٤]. وهو الذي وصفه الصّادق الأمين, بمماثلة القرآن المبين؛ حيث قال في التوبيخ لكل مترف إمّعة: ((إني أوتيت بالقرآن ومثله معه)) (١). وهو العلم الذي لم يشارك القرآن سواه, في الإجماع على كفر جاحد المعلوم من لفظه ومعناه. وهو العلم الذي إذا تجاثت الخصوم للرّكب, وتفاوتت العلوم في الرتب, أصمَّت مِرْنانُ (٢) نوافله كلّ مناضل, وأَصمَّت برهان معارفه كلّ فاضل. وهو العلم/ الذي ورّثه المصطفى المختار, والصّحابة الأبرار, والتّابعون الأخيار. وهو العلم الفائضة بركاته على جميع أقاليم الإسلام, الباقية

стр. 103

حسناته في أمّة الرّسول ﵊. وهو العلم الذي صانه الله عن عبارات الفلاسفة, وتقيّدت عن سلوك مناهجه فهي راسفة (١) في [الأغلال] (٢) آسفة. وهو العلم الذي جلي للإسلام به في ميدان الحجّة وصلى, وتجمّل بديباج ملابسه من صام لله وصلّى. وهو العلم الفاصل حين تلجلج الألسنة بالخطاب, الشاهد له بالفضل رجوع عمر بن الخطّاب (٣). وهو العلم الذي تفجّرت منه بحار العلوم الفقهية, والأحكام الشّرعية, وتزيّنت بجواهره التفاسير القرآنية, والشّواهد النّحوية, والدّقائق الوعظية. وهو العلم الذي يميز الله به الخبيث من الطّيّب, ولا يرغم إلا المبتدع المتريّب. وهو العلم الذي يسلك بصاحبه نهج السّلامة, ويوصله إلى دار الكرامة, والسّارب (٤) في رياض حدائقه, الشّارب من حياض حقائقه, عالم بالسنّة, ولابس من كلّ خوف جنّة, وسالك منهاج الحق إلى

стр. 104

الجنّة. وهو العلم الذي يرجع إليه الأصولي, وإن برز في علمه, والفقيه وإن برّز في ذكائه وفهمه, والنّحوي وإن برّز في تجويد لفظه, واللّغوي وإن اتسع في حفظه, والواعظ المبصّر, والصّوفي والمفسّر, كلّهم إليه راجعون, ولرياضه منتجعون. ولنورد نبذة لطيفة ونكتة شريفة مما قيل فيه من أشعار الحكمة, وكلمات أحبار هذه الأمة, ارتياحاً إلى ذكر ممادحه, والتذاذاً بِسَطر فضائله. فمن ذلك ما قال الحافظ الصّوري (١): قل لمن عاند الحديث وأضحى ... عائباً أهله ومن يدّعيه أبعلم تقول هذا أبن لي ... أم بجهل فالجهل خلق السّفيه أيعاب الذين هم حفظوا الدين ... من الترهات والتّمويه وإلى قولهم وما قد رووه ... راجع كل عالم وفقيه (٢) ومن ذلك قول الحافظ الحُميدي (٣): كتاب الله قولي ... وما صحّت به الآثار ديني

стр. 105

وما اتفق الجميع عليه بدءاً ... وعوداً فهو من حقّ يقين (١) فدع ما صدّ عن هذا وخذها ... تكن منها على عين اليقين (٢) ومن ذلك قول أبي محمد هبة الله بن الحسن الشّيرازي (٣): عليك بأصحاب الحديث فإنهم ... على منهج ما زال بالدين معلما وا النور إلاّ في الحديث وأهله ... إذا ما دجى الليل البهيم وأظلما فأعلى البرايا من إلى السّنن اعتزى ... وأغوى البرايا من إلى البدع انتمى ومن يترك الآثار ظل بسعيه (٤) ... وهل يترك الآثار من كان مسلماً ومن ذلك قول العلاّمة مجد الدّين محمد بن أحمد بن [الظهير] (٥) الإربلي (٦): إذا شئت أن تتوخّى الهدى ... وأن تأتي الحقّ من بابه فدع كلّ قول ومن قاله ... لقول النّبيّ وأصحابه فلم تنج من محادثات الأمور ... بغير الحديث وأربابه ومن ذلك قول الحافظ أبي محمد علي بن أحمد الفارسي:

стр. 106

عليك كتاب الله لا تتعدّه ... ففيه هدى للزّيغ ماح وقامع وما سنَّهُ النّبي محمدٌ/ ... فقد خاب عاصيه وفاز المتابع فخير الأمور السّالفات على الهدى ... وشرّ الأمور المحدثات البدائع ومن ذلك قول الحافظ أبي عبد الله الذّهبي: العلم قال الله قال رسوله ... إن صحّ والإجماع فاجهد فيه وحذار من نصب الخلاف جهالة ... بين النّبي وبين رأي فقيه (١) ومن ذلك قول بعضهم (٢): دين النّبي محمد آثار ... نعم المطيّة للفتى الأخبار لا ترغبنّ عن الحديث وأهله ... فالرّأي ليل والحديث نهار وممّا قلت في ذلك: العلم ميراث النّبي كذا أتى ... في النّصّ, والعلماء هم ورّاثه فإذا أردتّ حقيقة تدري بمن (٣) ... وُرَّاثه فكَّرت ما ميراثُه ما ورّث المختار غير حديثه ... فينا, وذاك متاعه وأَثاثه فلنا الحديثُ وراثة نبويّة ... ولكلّ مُحدِث بِدعةٍ إِحداثُه ومما قلت في الرّدّ على من كره تمسّكي بالسّنة (٤):

стр. 107

يا لائمي كُفّ عن لومي ومعتقدي ... قول النبي فهمّي في تعرُّفِه فما قفوت سوى آثار (١) منهجه ... ولا تلوثُ سوى آياتِ مُصحفِه ففي المجازات أمضي نحو مَعْلمه ... وفي المحاراة أبقى وسط موقِفِه وإذا سعيت فسعي نحو كعبته ... وإن وقفت ففي وادي معرَّفه وحقّ حبّي له أنّي به كلفٌ ... يغنيني الطّبع فيه عن تكلّفه هذا الذي كثّر العذّال فيه فما ... تعجَّب القلب إلا من مُعَنِّقه يستأهل القلب ما يلقاه إن بقيت ... له علاقة توليع بمألفه ومما قلت في ذلك: القصيدة الطويلة (٢) التي أوّلها: ظلَّت عواذله تروح وتغتدي ... وتُعيدُ تعنيف المحبّ وتَبْتَدي يا صاحِبيَّ على الصَّبابة والهوى ... من مِنكما في حبِّ أحمد مُسعدي حسبي بأني قد شُهرتُ بحبِّه ... شرفاً ببردته الجِميلةِ أَرتدي لي باسمه وبحبّه وبقربه ... ذِمَمٌ عِظامٌ قد شَدَدت بها يدي ومحمد أوفى الخلائق ذمّة ... فليبلغنّ بي الأماني في غَدِ يا قلبُ لا تستبعدنَّ لقاءه ... ثق باللقاء, وبالوفاء فكأَن قَدِ يا حبَّذا يوم القيامة شُهرتي ... بين الخلائق في المقام الأحمدِ

стр. 108

بمحبَّتي سنن الشّفيع وأَنَّني ... فيها عَصَيتُ معنِّفي ومفنِّدي وتركتُ فيها جيرتي وعشيرتي ... ومكان أترابي وموضعَ مولدي فلأشكونَّ عليه شكوى موجعٍ ... متظلِّم متجرِّم مُستنجد وأقولُ: أنَجِد صادقاً في حُبّه ... من يُنْجدِ المظلومَ إِن لم تُنجدِ إِني أُحبُّ محمداً فوقَ الورى ... وبه كما فَعَلَ الأوائل أقتدي فقد انقضت خير القرون ولم يكن ... فيهم بغيرِ محمدٍ من يَهتدي (١) هذا؛ وإنّي لما تمسّكت بعروة السّنن الوثيقة, وسلكت سنن الطريقة العتيقة؛ تناولتني الألسنة البذيّة من أعداء السّنة النّبوية, ونسبوني إلى دعوى في العلم كبيرة, وأمور غير ذلك كثيرة. حرصاً على ألا يتّبع ما دعوت إليه من العمل بسنّة سيّد المرسلين, والخلفاء الرّاشدين, والسّلف الصّالحين, فصبرت على الأذى/, وعلمت أنّ النّاس ما زالوا هكذا. ما سَلِمَ الله من بريَّته ... ولا نبيُّ الهدى, فكيفَ أَنَا! (٢) إلا أنّه لما اتّسع الكلام وطال, واتّسع مجال القيل والقال, جاءتني رسالة محبّرة (٣) , واعتراضات محرّرة, مشتملة على الزّواجر

стр. 109

والعظات, والتنبيه بالكلم الموقظات, زعم صاحبها أنه من النّاصحين المحبين, وأنّه أدّى به ما عليه لي من حقّ الأقربين, وأهلاً بمن أهدى إليّ (١) النصيحة, فقد جاء الترغيب إلى ذلك في الأحاديث الصحيحة, وليس بضائر إن شاء الله ما يعرض في ذلك من الجدال, مهما وزن بميزان الاعتدال, لأنه حينئذ (٢) يدخل في السّنن, ويتناوله أمر: ﴿وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل:١٢٥] وقد أجاد من قال وأحسن: وجِدَالُ أهلِ العلمِ ليس بضائرٍ ... ما بينَ غَالبهم إلى المَغلُوبِ بيد أنّها لم تضع تاج المرح والاختيال, وتستعمل ميزان العدل في الاستدلال, بل خلطها من سيما المختالين بِشوب (٣) , ومالت من التّعنّت في الحجاج إلى صوب, فجاءتني تمشي الخطراء, وتميس في محافل الخطراء, مفضوضة لم تختم, مشهورة لم تكتم. متبرّجة قد كشفت حجابها, وطرحت نقابها, وطافت على الأكابر, وطاشت إلى الأصاغر, حتّى مضّت أيدي الابتذال نُضارتها, وافتضّت أفكار الرّجال بكارتها, وإنّ خير النَّصائح الخفيّ, وخير النُّصاح الحفيّ, وخير الكتاب المختوم, وخير العتاب المكتوم. ثم إني تأملت فصولها وتدبّرت أصولها, فوجدتها مشتملة على

стр. 110

القدح تارة فيما نقل عنّي من الكلام, وتارة في كثير من قواعد العلماء الأعلام, وتارة في سنّة رسول الله عليه أفضل الصلاة والسلام, فرأيت ما يخصّني غير جدير بصرف العناية إليه, ولا كبير يستحق الإقبال بالجواب عليه, وأما ما يختص بالسنن النبوية والقواعد الإسلامية, مثل قدحه في صحة الرّجوع إلى الآيات القرآنية, والأخبار النبوية, والآثار الصّحابية, ونحو ذلك من القواعد الأصولية, فإني رأيت القدح فيها ليس أمراً هيناً, والذّبّ عنها لازماً متعيناً, فتعرّضت لجواب ما اشتملت عليه من نقض القواعد الكبار, التي قال بها الجلّة من العلماء الأخيار, وجعلت الجواب متوسّطاً بين الإطناب والاختصار, وصدّني عن التّوسيع والتكثير, خشية التنفير والتأخير: أمّا التنفير: فلأن التوسيع [يُمل] (١) الكاتب والمكتوب إليه, والمتطلع إلى رؤية الجواب والوقوف عليه, مع أنّ القليل يكفي المنصف, والكثير لا يكفي المتعسّف, وضوء البرق المنير, يدلّ على النّوء الغزير. وأمّا التأخير: فلأن التوسيع يحتاج إلى تمهيد عرائس الأفكار, حتّى تستكمل الزّينة, ومطالعة نفائس الأسفار, الحافلة بالآثار المتينة, والأنظار الرّصينة. فهذا البحر وهو الزّخّار, يحتاج من السّحب إلى مَددٍ (٢) , والبدر
следующие страницы →