← Акыда

Акыда · id 36427

الروض الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم - صلى الله عليه وسلم -

ابن الوزير

Полный текст (691 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

وفي الأخبار: ((النّاس كإبل مائة, لا تجد فيها راحلة)) (١). وفي الأمثال العربيّة: ((المرء بأصغريه)) (٢). بل في الحديث الصّحيح عن رسول الله ﷺ : ((ربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه)) (٣). وليس كلّ من حفظ الحديث كان كالبخاري, ولا كلّ من تفقّه في الدّين كان مثل الشّافعي, ولا كلّ من قرأ النّحو والمعاني صنّف مثل ((الكشّاف)) , ولا كلّ من درس الأصول والجدل ركب بحر الدّقائق الرّجّاف/. وما كلّ دارٍ أقفرت دار عَزَّةٍ (٤) ... ولا كلّ بيضاء التّرائب زينب

стр. 177

فإذا نظرت إلى (١) المواهب الرّبانية لا تنتهي إلى حدّ, والعطايا اللّدنيّة لا تقف على مقدار, لم يحسن من العاقل أن يقطع على الخلق بتعسير ما الله قادر على تيسيره, فَيُقنّط بكلامه طامعاً, ويتحجّر من فضل الله واسعاً, بل يخلّي بين النّاس وبين هممهم وطمعهم في فضل الله عليهم, حتّى يصل كلّ أحد إلى ما قسمه الله تعالى له من الحظّ في الفهم والعلم وسائر أعمال الخير, وهذا مما لا يفتقر إلى حجاج, لولا أهل المراء واللّجاج (٢). التّنبيه الثاني: التّعرض لذكر المشاقّ التي في طلب العلم والحجّ والجهاد وسائر أعمال البرّ على سبيل التّوعير لمسالكها, والإحالة لبلوغ مراتبها عكس ما جاءت به الشّرائع, ودعت إليه الأنبياء ﵈ وكان عليه الأئمة والعلماء والوعّاظ, وإنّما السّنّة تيسير الأمور على من عسرت عليه, وتذكير القلوب الغافلة, وتنشيط النّفوس

стр. 178

الفاترة (١) , ولهذا شرعت الخطب, وصنّف الوعّاظ أحاديث الرّقائق, لتسهيل ما يصعب على النّفوس وتقريب ما تباعد على أهل القصور. وقد تكاثرت الأحاديث النّبويّة في الحثّ على ذلك, وكان ... ﵇ إذا بعث سريّة يقول لهم: ((يسّروا ولا تعسّروا, وبشّروا ولا تنفّروا)) (٢). فالمعترض على أهل الحديث, المعسّر لمعرفته, الموعّر لطريقه, مرتق لمرتبة الفتيا, منتصب في منصب التّعليم متمكّن في مكان الدعاء إلى الله بالحكمة, والموعظة الحسنة, فما [باله] (٣) يعكس السّنن, ويستن من البدعة في كل سنن!؟ نسأل الله أن ينفعنا بما علّمنا, ويعلّمنا ما ينفعنا, ويوفقنا للاقتداء بسيدنا رسول الله محمد ﷺ . التنبيه الثالث: فرع من فروع الشّجرة النّبويّة على صاحبها السّلام, ونشء من أهل بيته الكرام, تشوّف إلى مرتبة العلم, وتشوّق إلى التشبّه بأهل الفضل, ورغب في اتّباع سنّة جدّه ﷺ , فلما شِمتُم (٤) بارقة جهده صيّبة, و [شَمِمتُم] (٥) رائحة سعيه طيّبة, وتوسّمتم فيه للفائدة سمات, وتوهّمتم أنّه قارب وهيهات, تواترت عليه الرّسائل, وتواردت عليه الدّلائل, تفتّره عن عمله, وتقنّطه من أمله.

стр. 179

من قد سبقكم إلى هذا من الخلفاء الرّاشدين والعلماء الهادين!؟. وإنما بلغنا أنّ أهل العلم يحبّون من علت همّته وظهرت فطنته, ويرغّبونه بأنواع التّرغيب, ويجعلون التّصويب له مكان التّثريب, فعكستم السنّة بالتّنفير عن الحديث, وخالفتم العادات القديم منها والحديث. وإلى ههنا انتهى الجواب عن الجملة المتقدمة من كلامه, وهي الوجه الأوّل في إبطال الطريق إلى معرفة الحديث بتعذّر الإسناد الصّحيح منّا إلى المصنّفين من المحدّثين, ويتعلّق بتفاصيلها بحثان: المبحث الأول: قال وفّقه الله: ((وذكر هذا كثير من العلماء -يعني تعسر معرفة الحديث- ومنهم الغزالي والرّازي)). والجواب عليه: أنّه قصد الاستئناس بكلام العلماء بإظهار الموافقة لهم, فهيهات! فإنّه لا يوافقه على صرف الهمم عن طلب / الحديث عالم, ومقصد من أشار إليه من العلماء الذين منهم الغزالي والرّازي غير مقصد المعترض, فإنّهم قصدوا سقوط البحث عن رجال الأسانيد في الأعصار الأخيرة كما أشار إليه ابن الصّلاح, وخالفه النّووي, وغير واحد ممّن تقدّم ذكره (١) , وهم مع ذلك مقرّون ببقاء طريق المعرفة للحديث, والتعبّد به علماً وعملاً. والمعترض قصد تحريم العمل بالأخبار, والمنع من التمسّك

стр. 180

بالسّنن والآثار, وكلامهم عليه لا له, مع أنّ المعترض قد ناقض روايته هذه عن الغزالي بقوله بعد هذا: إنّ الغزالي قال: يُكتفى بتعديل أئمة الحديث, فإنّه أورد كلام الغزالي الآتي إشكالاً على كلامه الأول الذي نسبه إلى الغزالي. المبحث الثاني: ما قصدك بحكاية ما ذهبت إليه عن جماعة كثيرة من العلماء؟ إن أردت أنّه حجّة؛ فليس يخفى عليك فساد ذلك, وإن لم ترد أنّه حجّة؛ فقد أوردت الدّعوى من غير دليل, وادّعيت الحقّ من غير برهان, وهذا ما لا يعجز عنه مبطل!!. قال: الثاني (١): أن أولئك المعدّلين معلومون بمثل هذا, ومجهولة براءتهم منه -يعني الجبر والتّشبيه والإرجاء-. أقول: إمّا أن يسند القول بهذه البدع إلى جميع معدّلي حملة العلم النّبويّ أو إلى بعضهم؛ الأول: ممنوع, وبطلانه معلوم بالضّرورة, ومدّعيه لا يستحق المناظرة. والثاني: مسلّم, ولا يضر تسليمه لوجهين: أحدهما: أن نقول لهذا المعترض: هل بقي عندك حديث صحيح يمكن معرفته؟ فدلّنا عليه واهدنا إليه, فإنّما غرضنا اتّباع السّنّة المرويّة عن الثّقات بطريق صحيحة, وليس غرضنا مقصوراً على ما في بعض الكتب, ولا على ما روى بعض الثّقات. وإن كان المعترض

стр. 181

يدّعي تعذّر معرفة السنّة وانطماس معالم العلم كما مرّ في كلامه, فقد بيّنّا الجواب عن ذلك فيما مضى, وبيّنّا أنّ هذا إشكال على أهل الإسلام لا على حفّاظ حديث النّبيّ ﷺ . وثانيهما: أنّ الثّقات من أهل هذه البدع مقبولون في مذهب المورد للاعتراض, ومذهب المعترض عليه. أما المورد للاعتراض؛ فسوف نبيّن عند الكلام على هذه المسألة نصوص أئمة مذهبه على القطع بأنّ قبولهم مجمع عليه من السّلف, وأنّ أحداً منهم ما اعترض على من استجاز ذلك من الخلف. وأمّا المعترض في نفسه فلا مذهب له ولا اختيار, لأنّ المسألة خلافية ظنّيّة اجتهادية كما سيأتي, وقد نصّ على تعذّر الاجتهاد في العلم, فثبت أنّه لا مذهب إلا ما ذهب إليه أسلافه على مقتضى رسالته هذه. وأمّا أنّ قبولهم مذهب المعترض عليه؛ فلأنه روى ذلك عن نفسه, وكلّ راوٍ عن نفسه فهو مصدّق لها وعليها, ومع هذا كيف يصحّ هذا الإشكال, وعلى من يرد!؟ وسوف يأتي في مسألة المتأوّلين, والكلام على قبولهم وردّهم, وذكر أدلّة الفريقين, ونقض كلام المعترض, ما يكفي ويشفي, فقد استوعبت الكلام في هذه المسألة, وبلغت في تحقيقه (١) ما لم / أسبق إليه, لله الحمد والمنّة على ذلك. وأقصى ما في الباب أن يتعذّر الإسناد على شرط أهل

стр. 182

[الصّحيح] (١) , فأين عقل المعترض عن مذاهب أسلافه, ومذهب المالكية في قبول المرسل؟ وما الذي يمنع طالب الحديث من القول بجوازه؟ وقد تقدّمت الإشارة إلى الحجّة عليه وصحّة الإسناد إليه ولكن لا ضرورة تلجىء إلى ذلك ولله الحمد. قال: الثّالث: أنّ اتصال (٢) الرّواية بكتب الجرح والتّعديل متعسّرة, أو متعذّرة على وجه العدالة الصّحيحة. أقول: المعترض -وفّقه الله- متحيّر متردّد, أهذه الأمور متعسّرة أو متعذّرة؟ فهو لا يزال يكرّر الشّكّ في ذلك, والشّاكّ في تعذّر أمر أو إمكانه, لا يصلح منه أن يعترض على من ادّعى إمكان ذلك الأمر حتّى يزول ما عنده من الشّكّ في إمكانه, ويحصل له عنده علمٌ يقين أنّه غير ممكن, فإن قطع المعترض بتعذّر ذلك سقط التّكليف به, لأنّ التّكليف لا يتعلّق بما لا يطاق. والعجب منه أنّه خصّ كتب (الجرح والتعديل) بالتعذّر أو التعسّر!! وهذا من قبيل القياس على مجرّد الوجود, فإنّه لما عسر ذلك عليه, وخرج من يديه, لبعده عن علماء هذا العلم الشّريف, ظنّ أنّ ذلك لأمر يرجع إلى ذات الفنّ, فليحط علماً أصلحه الله: أنّ تعسّر سماع كتب الجرح والتّعديل عليه عرضيّ لا ذاتيّ, فإنّ طلبة الحديث النّبوي يحافظون على سماع كتبه, وشيوخها موجودون اليوم في جميع الأمصار الكبار من المملكة الإسلامية حرسها الله, فإن كنت محبّاً في

стр. 183

العلم؛ فاطلبه حيث كان, وارحل في تحصيله وإن بَعُد المكان, ولا تقعد متّكئاً على أريكتك تقول: لا أعرف طريقاً إلى حديث رسول الله ﷺ , ولا إلى تفسير كتاب الله . ولقد زدت على من ذمّ (١) رسول الله ﷺ من المبتدعة الذين يقولون: لا نعرف إلا كتاب الله, فكيف من أنكر معرفة كتاب الله مع معرفة سنّة رسول الله!؟ نعوذ بالله. مع أن معرفة كتب الجرح والتّعديل غير مشترطة فيما نصّ [على صحّته] (٢) إمام مشهور بالحفظ والأمانة حتّى يعارضه قول من هو أرجح منه أو مثله على ما هو مذكور في مواضعه, وإنّما يحتاج إليها في معرفة كثير من أحاديث المسانيد التي لم يصحّح مصنّفوها كلّ ما رووا فيها, وقد جمع الحفّاظ ما يحتاج إلى معرفته من أحاديث الأحكام والعقائد والقواعد, وتكلّموا عليها, وكفوا المؤونة, فجزاهم الله عن المسلمين أفضل ما جزى المحسنين. وكذلك من لم يقدح في حديث بالإرسال لم يرد عليه هذا الإشكال, وقد اشتمل الكلام هذا على ردّ كلامه في هذا الفصل بأربعة وجوه لم أتأملها إلا بعد سردها غير مفصّلة فتأمّله. قال: الرّابع: أنّ تعديل هؤلاء الأئمة من بينهم وبين الرّسول إنّما يقع على سبيل الإجمال غالباً, والتّعديل الإجمالي إنّما يصحّ من موافق في المذهب بعد كونه عارفاً بوجوه الجرح والتّعديل عدلاً مرضيّاً, وقيل: لا يصحّ وإن كان المعدّل كذلك بل لابدّ من التّفصيل, وقيل

стр. 184

يصحّ الإجمال مطلقاً وهو ضعيف. أقول: ما أدري ما حمل المعترض على تجريد حكاية المذاهب في هذه المسألة, ودعوى التّصحيح والتّضعيف / [المجرّدة] (١) عن الأدلة, وهو يعلم ما في ذلك من الشّين عند أهل هذا الشّأن, وإنّما يجب الإيمان بكلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ , فلو أنّا عاملناه بمثل كلامه لسهل الجواب عليه بمجرّد نسبة القول الضّعيف إليه, فمجرّد الدّعوى لا يعجز عنها أحد, ولكن لابدّ من الإشارة إلى الدّليل على قوّة ما ضعّفه على سبيل الاختصار, فأقول (٢):الجواب على ما ذكره من وجوه: الوجه الأول: أنّ هذه مسألة خلاف بين الأصوليين وبين المحدّثين, فحكى فيها خمسة أقوال لأهل العلم: منهم: من قبل الإطلاق في الجرح والتّعديل معاً, ومنهم: من منعه فيهما معاً, ومنهم: من فصّل, واختلفوا على ثلاثة أقوال: منهم: من قبل الأجمال في التّعديل دون الجرح وهو (٣) اختيار الشّافعي وجماعة, ومنهم من عكس هذا, وقال بعضهم: إن كان الجارح أو المعدّل من أهل العلم قبل, وإلاّ لم يقبل, وأفاد صاحب الرّسالة قولاً سادساً وهو: إن كان موافقاً في الاعتقاد وكان من أهل العلم قبل وإلا لم يقبل. فإذا ثبت هذا الاختلاف الكبير في هذه

стр. 185

المسألة؛ فلا معنى للإنكار على من ذهب إلى أحد هذه الأقوال, إذ ليس فيها ما يخالف الإجماع القطعيّ, بل ولا الظّنيّ, ولا ما يخالف النّصّ المتواتر المعلوم معناه, بل ولا الآحادي المظنون معناه, فالتّشعيب على طلبة علم السّنة بذكر ذلك من جملة مبتدعات المعترض في [رسالته] (١) , فإنّه ابتكر فيها من منكرات الأساليب, وتعسّفات أهل اللّجاج, ما لم يسبقه إليه مبتدع, ولا سيّما وقد أنكر المعترض في هذه المسألة القول المشهور, المعمول عليه عند الجمهور. الوجه الثاني: وهو المعتمد في الجواب, وذلك أنّ المختار الصّحيح الذي قامت عليه الأدلّة, ومضى عليه عمل السّلف والخلف هو: الاكتفاء في التّعديل بالإطلاق, والدّليل عليه وجوه: أولها: أنّا متى فرضنا أنّ المعدّل ثقة مأمون, وأخبرنا خبراً جازماً بعدالة رجل آخر فإنّه يجب قبول قوله, لأنّه خبر ثقة معروف بالعدالة, فوجب قبوله كسائر أخبار الثقات. وثانيها: إمّا أن يترجح صدقه أو لا, إن لم يترجح لم (٢) يقبل, لكن هذا الفرض لا يقع إلا لعلة, وكلامنا في توثيقه إذا لم يكن معلوماً بما يدلّ على وهمه, أو معارضاً بأقوى منه, وإن ترجّح صدقه وجب قبوله, وإلا لزم المساواة بين الرّاجح والمرجوح, وهو قبيح اتفاقاً. وثالثها: إن ردّ قوله تهمةً له بالكذب والخيانة, أو بالتّقصير

стр. 186

والإقدام على ما لم يتقن حفظه, والفرض أنّه عدل مأمون, وتهمة العدل المأمون بغير موجب محرّمة, وما استلزم المحرّم لا يكون مشروعاً. ورابعها: أنّ الله تعالى إنّما اشترط في الشّاهد أن يكون ذا عدل, وكذلك الرّاوي, مع أنّه أصل, والمعدّل له فرع, والفرع لا يكون أعظم من أصله, ولا آكد, فكما أن العدل في الشّهادة والرّواية لا يجب عليه التّفصيل فيما يحتمله؛ فكذلك العدل لا يجب عليه ذلك في التّعديل. فإن قلت: وكيف يحتمل التّفصيل في الشّهادة والرّواية؟ قلت: أمّا الشّهادة فإذا شهد بالمال لزيد سئل عن سبب اعتقاده لملك زيد للمال, فربّما استند اعتقاده لذلك إلى ما لا يدل على الملك / من: خبر ثقة, أو بيع باطل, أو غير ذلك, وهذا يجوز على الشّاهد الثّقة إذا لم يكن فقيهاً, ولا مخالطاً لأهل الفقه مخالطة كثيرة. وأمّا الرّواية فقد يجوز في راوي الحديث أنه رواه باللّفظ أو بالمعنى, وقد يجوز فيمن روى بالمعنى أن يعتقد أنه روى بالمعنى (١) مع الخطأ الذي يدقّ على كثير, ونحو ذلك مما يدلّ على قبول الثّقة من غير تفصيل وإن احتمل التفصيل. ومما يزيد ذلك وضوحاً: أنّ كلّ دليل دلّ على وجوب قبول أقوال العدول بمجرّد عدالتهم؛ فهو بعمومه يدلّ على قبولهم على

стр. 187

الإطلاق, ويدخل في ذلك قبولهم في التّعديل. وخامسها: -وهو المعتمد- أنّ اشتراط التّفصيل في التّعديل يودّي إلى ذكر اجتناب المعدّل لجميع المحرّمات, وتأديته لجميع الواجبات, على حسب مذهب المعدّل في تفسير العدالة, فإن كان ممن يتشدد ذكر ذلك كلّه, وإن كان ممن يترخص ذكر اجتنابه لجميع الكبائر معدّداً لها, ولجميع معاصي الأدنياء الدّالّة على الخسّة وقلّة المبالاة بالدّين, وذكر أداءه لجميع الواجبات التي يدلّ تركها على الجرح. ومعلوم أنّ التّعديل بهذه الصّفة لم يكن قط, لا من معدّلي حملة العلم, ولا من معدّلي الشّهود في الحقوق, فإنّ تعديد هذه الأشياء مما يفوت ذهن المعدّل, ولو سئل ذلك ما استحضره, فإنّه يحتاج إلى تأمّل كثير, وجمع وتأليف, وقد عددتّ من ذلك في ((الأصل)) (١) شيئاً كثيراً فبلغ إلى بطلان عدالة العدول ويترتّب على ذلك من المفاسد الدّينية ما لا يقول به منصف. فإن قيل: أقلّ من ذلك التّفصيل يكفي, قلنا: إن كفى الإجمال في صورة ما, كفى قوله: ثقة, وإن لم يكف وجب ذلك التّفصيل, فأمّا أنّ الإجمال يجوز في موضع دون موضع فهذا تحكّم. فإن قيل: إنّما يشترط التّفصيل من الفاسق والكافر المتأوّلين لأنّه لا يؤمن أن يعدّلا من يعتقد اعتقادهما, وهو غير عدل عند من لم يقبل

стр. 188

المتأوّلين, وإنّما أشار إلى هذا صاحب الرّسالة. فالجواب: أن لا معنى لهذا, لأنّ من يقبله فهو يقبله, [و] (١) يقبل من عدّله من المبتدعة, ومن لا يقبله فإنه لا يقبله. وإن فصّل في التّعديل؛ فالخلاف إنّما هو في قبوله لا في قبول ما أطلقه من تعديله, وأمّا من لا يقبل بعض المبتدعة ويقبل بعضهم فإنّه يشكل عليه تعديل المبتدع المقبول. مثاله: مبتدع غير داعية عدل عند بعض أهل مذهبه, فيحتمل أنّ المعدّل داعية إلى مذهبه (٢) , فإذا اتفق هذا ففيه احتمالان: أحدهما: أن يقبل تعديل غير الدّاعية حتّى يثبت أنّ المعدّل داعية, لأنّ الأصل أنّه غير داعية, وقد ورد التّمسّك بالأصل في الشّريعة في يومي الشّكّ وغير ذلك, وهو ظاهر إطلاق أهل القول بقبول التّعديل الإجمالي. وثانيهما: أن يقبل في عدالة من عدّله في جميع الأمور إلاّ في كونه داعية فيبحث عن ذلك حتى يظنّ عدمه, ويؤخذ بتعديل المبتدع المقبول فيما عدا ذلك من شرائط العدالة والله أعلم. وأمّا الجرح: فالقول باشتراط التّعيين فيه أقرب, لأنّ الجارح إذا قال: فلان ليس ثقة, لأنّه يشرب الخمر, أو غير ذلك كفى ذلك, ولم يلزمه تعديد جميع المعاصي فظهر الفرق.

стр. 189

قال: الخامس: أنّ هؤلاء الأئمة في الحديث يرون عدالة الصّحابة جميعاً, ويرى أكثرهم/ أنّ الصّحابي من رأى النّبيّ ﷺ مؤمناً به وإن لم تطل ولم يلزم, وهذان المذهبان باطلان, وبِبُطلانهما يبطل كثير من الأخبار المخرّجة في الصّحاح. أمّا المذهب الأول: فلأنّ من حارب عليّاً ﵇ مروح, ومن قعد عن نصرته كذلك, لأنّ النّبيّ ﷺ قد قال: ((اللهمّ وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله)) (١) , وقال: ((لا يبغضك إلا منافق شقي)) (٢) وأقل أحوال هذا ألا تقبل روايته. وأمّا الثّاني: فيلزمهم أن يكون الأعرابي الذي بال في مسجد رسول الله ﷺ (٣) عدلاً بتعديل الله, ولا يحتاج إلى تعديل أحد, وكذلك

стр. 190

كثير من رواتهم الذين هم من أعراب, أو يفدون عليه مرة واحدة كما جاء في حديث وفد تميم (١) وأنزل الله تعالى فيه: ﴿إَنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُم لاَ يَعْقِلُونَ﴾ [الحجرات:٤] , وكحديث وفد عبد القيس (٢). أقول: اشتمل كلامه في هذا الوجه على مسائل: المسألة الأولى: القدح على المحدّثين بقبول المجهول من الصّحابة ﵃, وقولهم: [إنّ] (٣) الجميع عدول بتعديل الله, والجواب عليه من وجوه: الوجه الأوّل: أنّ الذّاهب إلى هذا المذهب لا يستحق الإنكار؛ لأنّ هذا المذهب إن لم يكن هو الحق دون غيره؛ فلا أقلّ من أن يكون غير محرّم ولا منكر, لأنّه لا دليل قاطع على تحريمه, ومن ادّعى شيئاً من ذلك فليدلّ عليه. والعجب من المعترض أنه خصّ المحدثين بهذا المذهب, وهو مذهب أكثر أهل الإسلام من المحدّثين والفقهاء وغيرهم, بل هو مرويّ عن أصحاب رسول الله ﷺ , وهو مذهب مشهور مستفيض حتّى

стр. 191

في مذهب المعتزلة والزّيدية. أمّا المعتزلة: فرواه ابن الحاجب عنهم الجميع, لفظه: ((قالت المعتزلة: الصحابة (١) عدول إلا من حارب عليّاً)). وذكروه أيضاً في كتبهم, فممن ذكره منهم: عالمهم وإمامهم بغير منازعة: الشّيخ أبو الحسن البصريّ في ((المعتمد)) (٢) فإنه قال فيه ما لفظه: ((واعلم أنّه إذا ثبت اعتبار العدالة وغيرها من الشّروط التي ذكرناها, وجب إن كان لها ظاهر أن يعتمد, وإلا لزم اختبارها, ولا شبهة أن في بعض الأزمان كزمن النّبي ﷺ قد كانت العدالة منوطة بالإسلام, فكان الظاهر من المسلم كونه عدلاً, ولهذا اقتصر النّبيّ ﷺ في قبول خبر الأعرابي عن رؤية الهلال على ظاهر إسلامه, واقتصرت (٣) الصّحابة على إسلام من كان يروي الأخبار من الأعراب)). وقال الحاكم المحسن بن كرامة المعتزلي في: ((شرح العيون)) له ما لفظه: ((إن أحوال المسلمين كانت أيّام رسول الله ﷺ معلومة, وكانت مستقيمة مستغنية عن اعتبارها (٤))). وأمّا الزّيدية: فقد ثبت عن كثير منهم ما يدل على ذلك كما سنذكره, من ذلك قول الإمام الكبير المنصور بالله عبد الله بن حمزة بن

стр. 192

سليمان ﵁ , فإنّه قال في: ((الرسالة الإمامية, في الجواب على المسائل التّهامية)) (١) ما لفظه: ((فأمّا ما ذكره المتكلّم حاكياً عنّا من تضعيف آراء الصحابة, فعندنا أنّهم أشرف قدراً, وأعلى أمراً, وأرفع ذكراً من أن تكون آراؤهم ضعيفة, أو موازينهم في الشّرف والدّين خفيفة. فلو كان ذلك, لما اتّبعوا رسول الله ﷺ , ومالوا عن إلف دين الآباء والأتراب و [القرباء] (٢) إلى أمر لم يسبق لهم به أُنس, ولم يسمع له /ذكر, شاقّ على القلوب, ثقيل على النّفوس فهم خير النّاس على عهد رسول الله ﷺ وبعده, فرضي الله عنهم, وجزاهم عن الإسلام خيراً)) إلى قوله: ((فهذا مذهبنا لم نخرجه غلطة, ولم نكتم سواه تقيّة. وكيف وموجبها زائل! ومن هو دوننا مكانة وقدرة يسبّ ويلعن, ويذمّ ويطعن, ونحن إلى الله سبحانه من فعله براء, وهذا ما يقضي به علم آبائنا منّا إلى علي ﵇)) إلى قوله: ((وفي هذه الجهة من يرى محض الولاء بسبّ الصّحابة ﵃ والبراءة منهم فتبرّأ من رسول الله ﷺ من حيث لا يعلم. إذا كنت لا أَرمِي وتُرمي كِنانتي ... تُصب جانحات النّبل كشحِي ومِنكبِي انتهى ما أردنا نقله من كلام المنصور بالله, وما فيه من نسبة مذهبه هذا إلى جميع آبائه ﵃.

стр. 193

وفي كلامات المؤيد بالله يحيى بن حمزة ﵁ في الذّبّ عن الصّحابة والثّناء عليهم, ما هو أكثر من هذا, ولكن لم يحضرني تأليفه فأنقل ألفاظه في ذلك, وقد أفرد الكلام في ذلك وجوّده في كتابه ((التحقيق)) (١) وانتصر للذّبّ عن الصّحابة غاية الانتصار, وذكر مثل ذلك في كتابيه: ((الشامل)) (٢) و ((الانتصار)) (٣). وأمّا المنصور بالله فله في ذلك كلامات مختلفة, في أماكن من كتبه متفرقة. من ذلك كلامه في كتاب ((هداية المسترشدين)) , واحتجاجه بتأمير النّبي ﷺ لعتّاب بن أسيد ثاني يوم من إسلامه واكتفاؤه في أمره بمجرّد الإسلام. وفي ((الاستيعاب)) (٤) وغيره أنّه أسلم يوم الفتح, وولاّه النّبي ﷺ حين خرج إلى حنين. وفي الاحتجاج على العدالة بالولاية نظر, لكن المنصور بالله

стр. 194

ذكر أنّه ولاه على القضاء فيما حكى لي بعض أهل العلم. فعلى الجملة؛ فغرضنا حاصل بكلام المنصور, فإنّ القصد الاستشهاد به على ذهاب المنصور بالله إلى عدالة مجهول الصّحابة, وفي هذا الاحتجاج ما يؤخذ له منه عدالة الصّحابة كلّهم ﵃ على أنّه قد ثبت في كلام غير واحد من الزّيديّة: أنّه يقبل المجهول من جميع المسلمين؛ الصّحابة وغيرهم. كما قدّمنا ذلك من كلام عبد الله بن زيد, والمنصور بالله, وأبي طالب, فخذه من مكانه المقدّم (١). وذلك أيضاً مشهور عن الحنفية وغيرهم. فمع هذا ما سبب إنكار هذا المعترض على المحدّثين, وتخصيصهم بردّ هذا المذهب من بين سائر طوائف المسلمين؟ وهل هذا إلا محض الجهل أو التّجاهل, وصريح التّعنّت والتّحامل؟ والله المستعان. الوجه الثاني: أنّ الشّيخ أبا الحسن روى في ((المعتمد)) (٢) عن الصّحابة أنّهم اقتصروا على إسلام من كان يروي الأخبار من الأعراب, وهذا يفيد إجماع الصّحابة على ذلك. والمعترض يعتقد عدالة الصّحابة, وقبول خبره, وقد كان الرّجل -على ما ذهب إليه, من أهل الدّيانة والأمانة, يعترف له بذلك أهل المعرفة بعلم الرّجال من المحدّثين كما ذكره الذّهبي (٣) , وإنّما الذي قدحوا به عليه كونه كان رأساً في الاعتزال داعية إلى القول به, وذلك كثير في الرّواة الثقات

стр. 195

المتفق على إخراج حديثهم في ((الصّحيحين)) , وغيرهما كقتادة وغيره. وإذا ثبت ذلك؛ فكيف ينكر المعترض على المحدّثين, مذهباً قد روى الثّقة عنده أنّه قول الصّحابة, بل الذي روى أوسع من مذهب المحدّثين فإنّهم اقتصروا على قبول من رأى النّبيّ ﷺ , وأبو الحسين روى قبول الصّحابة لمن أسلم من الأعراب من غير تقييد لذلك برؤية النّبيّ ﷺ . وقال النّواويّ/ ﵁: إنه قول من يعتبر به من الأمّة أو كما قال, ذكره في ((شرح مسلم)) (١) وهذه العبارة تفيد دعوى الإجماع. وقد روى الحفّاظ من فرسان علم الأثر ما يدلّ على كلام الشّيخ أبي الحسين. فمن ذلك: ما روى معمر البصريّ عن أبي العوّام البصري قال: كتب عمر إلى موسى -وساق كتابه الطّويل في القضاء- وفيه من كلام عمر ﵁: ((والمسلمون عدول بعضهم على بعض في الشّهادات, إلا مجلوداً في حدّ, أو مجرّباً عليه شهادة الزّور, أو ظنيناً في ولاءٍ أو دية (٢). فإن الله تعالى تولّى من العباد السّرائر, وستر عليهم الحدود إلا بالبيّنات والأيمان)) وساق بقيّة كتابه, رواه البيهقي هكذا, ثم قال: ((وهذا [كتاب] (٣) معروف مشهور)) (٤).

стр. 196

وفيه ما يدلّ على مذهب المحدّثين, وأنّ مذهبهم هذا مشهور في السّلف والخلف. وفي حديث شقيق [ابن سلمة] (١) عن كتاب عمر ﵁: ((لا تفطروا حتّى يشهد رجلان مسلمان [أنّهما] (٢) أهلاّه بالأمس)) رواه الدّارقطنيّ (٣) والبيهقي, قال: ((وهو أثر صحيح)) (٤) ذكره ابن النّحويّ في ((البدر المنير)) و ((الخلاصة)) (٥) (٦).

стр. 197

ومن ذلك أثر عليّ ﵁ وفيه: أنه كان يستحلف بعض الرّواة [إذا اتّهمه] (١) , فإن حلف صدّقه. وقد روى ذلك عنه من الزّيديّة الإمام المنصور محتجّاً به, وكذلك رواه الإمام أبو طالب وهو -أيضاً- معروف عند حفّاظ الحديث, رواه أبو عبد الله الذّهبي في ((تذكرة الحفّاظ)) (٢) وقال: ((وهو حديث حسن)) (٣). وهو يدلّ على مثل مذهب المحدّثين, لأنّ التّهمة والتّحليف لا يكون للمخبورين المأمونين. وإنما يكون لمن يجهل حاله فيقوى الظّنّ بيمينه. فإن قيل: هذا يدلّ على خلاف مذهب المحدّثين, لأنّ المفهوم منه: أنّه لو لم يحلف له الرّاوي ما قبله. والجواب: أنّ ذلك عير صحيح لوجهين: أحدهما: أنّ المحدّثين إنما يقولون بذلك في الصّحابة الذين رأوا رسول الله ﷺ , وليس يعلم أنّ هذا منهم لجواز أن يكون من الأعراب. وثانيهما: أنّهم لا يقولون: [إنه] (٤) لا يجوز الوهم على الصّحابي, إنّما قالوا: إنه ثقة, والوهم جائز على الثّقة, وعليّ ... - رضي

стр. 198

الله عنه - لم يتّهم الرّاوي بتعمّد الكذب؛ لأنّه لو اتّهمه بذلك لاتّهمه بالفجور باليمين, ولم يصدّقه إذا حلف, وإنّما اتّهمه بالتّساهل في الرّواية بالظّنّ الغالب, فمع يمينه قوي ظنّه بأنّه متقن لما رواه حفظاً. ومع امتناعه من اليمين يعرف أنّه غير متقن ولا مستيقن, فتكون هذه علّة في قبول حديثه. ولا شكّ أنّ حديث الثّقة قد يكون معلولاً بأمر يوجب الوقف, ولهذا توقّف النبي ﷺ في قبول حديث ذي اليدين (١) حتّى سأل, وتوقّف عمر ﵁ في قبول حديث فاطمة بنت قيس (٢) , وذلك مقرّر في مواضعه من الأصول. الوجه الثالث: أنّ الأدلّة قد دلّت على ما ذهب إليه أهل الحديث, وغيرهم من قبول الصّحابة ﵃ المعروف منهم بالعدالة والمجهول حاله. والأدلّة على ذلك من الكتاب, والسنّة, والنّظر كثيرة, نذكر طرفاً يسيراً [منها] (٣): أما الكتاب؛ فمثل قوله تعالى: ﴿كُنتُم خَيرَ أُمَّةٍ أُخرِجَت لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠]. وأمّا السّنّة؛ ففي ذلك آثار كثيرة, نذكر منها نبذة يسيرة: الأثر الأول: ما روى ابن عمر عن أبيه ﵄: أنّ

стр. 199

رسول الله ﷺ قام فيهم فقال: ((أوصيكم بأصحابي, ثمّ الذين يلونهم, ثم الذين يلونهم, ثم يفشو الكذب حتّى يحلف الرّجل ولا يستحلف, ويشهد الشّاهد ولا يستشهد)) (١) , الحديث رواه أحمد والتّرمذيّ. وقد رواه عن شعبة: أبو داود الطّيالسيّ, عن عبد الملك بن عمير, عن جابر ابن سمرة, عن عمر, وله طرق أُخر, وهو حديث مشهور جيّد, قال ذلك الحافظ ابن كثير في ((إرشاده)) (٢). قلت: وفيه ما يدلّ على أنّه أراد بأصحابه أهل زمانه, يفهم (٣) من قوله: ((ثمّ الذين يلونهم)) , فإنّه جعل أهل زمانه طبقة, ثمّ الذين يلونهم, فلم يكن ليخرج من لم يره ممن أدرك زمانه, مع دخول من لم يره من التّابعين الذين لم يدركوا زمانه. الأثر الثاني: عن ابن عبّاس ﵄ قال: جاء أعرابي إلى النّبيّ ﷺ فقال: إني رأيت الهلال -يعني رمضان- فقال: ((أتشهد أنّ لا إله إلا الله, وأنّ محمداً رسول الله؟)) قال: نعم. /فقال: ((يا بلال أذّن في النّاس أن يصوموا غداً)) رواه أهل السّنن (٤) , وابن حبان

стр. 200

صاحب ((الصحيح)) (١) والحاكم أبو عبد الله (٢) وقال: ((حديث حسن صحيح)). وذكره الحاكم أبو سعد (٣) في ((شرح العيون)) واحتجّ به أبو الحسين في ((المعتمد)) واحتجّ به: عبد الله بن زيد العنسيّ. الأثر الثالث: حديث أبي محذورة فإن رسول الله ﷺ علّمه الأذان عقيب إسلامه, واتّخذه مؤذناً (٤) من ذلك الوقت, وذلك يدلّ على عدالته من قبل الخبرة؛ لأنّ العدالة معتبرة في المؤذن [إذ] (٥) هو مخبر بدخول وقت الصلاة (٦) معتمد عليه في تأدية (٧) الفرائض وإجزائها.

стр. 201

الأثر الرّابع: وهو أثر صحيح, ثابت في دواوين الإسلام, بل معلوم, متواتر النّقل, وهو حجّة قويّة, وذلك: أنّ رسول الله ﷺ أرسل إلى اليمن عليّاً ومعاذاً ﵄, واليين قاضيين ومفتيين (١) , ولا شكّ أنّ القضاء بين النّاس, متركّب على عدالة الشّهود, ومعرفة الحاكم عدالتهم أو عدالة معدّليهم, وهما غريبان في أرض اليمن, لا يعرفان عدالتهم, ولا يخبران أحوالهم, وهم لا يجدون شهوداً على ما يجري بينهم من الخصومات إلا منهم, فلولا أنّ الظّاهر العدالة في أهل الإسلام ذلك الزّمان؛ وإلا لما كان إلى حكمهما بين أهل اليمن على الإطلاق سبيل. وهذا يدلّ على عدالة أهل الإسلام ذلك الزمان, لا على عدالة من صحب النّبيّ ﷺ دون غيره, وهذا أوسع من مذهب المحدّثين, ولأمر ما أشار أبو الحسين إلى إجماع الصّحابة عليه مع ذكاء أبي الحسين, فقد قال الذّهبيّ -مع كراهته للمعتزلة-إنّها كانت لأبي الحسين شهرة بالذّكاء والدّيانة (٢) , فتأمّل أحوال الصّحابة ﵃ تعلم صحّة ما قاله, وحُسن استخراجه. الأثر الخامس: ما ثبت عن عليّ ﵁ أنّه ((كان يستحلف من اتّهمه من الرّواة, فإن حلف له صدّقه)) رواه الذّهبيّ في

стр. 202

((تذكرة الحفّاظ)) (١) وحكم بحسنه. وقد احتجّ به غير واحد من أئمة الزّيديّة -منهم الإمامان أبو طالب, والمنصور بالله- ووجه الحجّة فيه: أنّ التّحليف والتّهمة إنّما يكون لمجهول الحال, أو من هو شرّ منه من المخبورين بقلة أهل الإسلام في ذلك الزّمان. الأثر السادس: حديث الجارية السّوداء راعية الغنم التي أراد رسول الله ﷺ أن يتعرّف إيمانها, ويختبر إسلامها, فقال لها: ((من ربّك)) فأشارت, أي: ربها الله. فقال لها: ((من أنا؟)) قال: رسول الله. قال ﵇: ((هي مؤمنة)) , والمؤمن مقبول. وقد وصف الله رسوله بتصديق المؤمنين في قوله تعالى: ... ﴿وَيُؤمِنُ لِلْمُؤمِنِينَ﴾ [التوبة:٦١]. وحديث الجارية هو ثابت في ((صحيح مسلم)) (٢) رواه الشّافعيّ (٣) عن مالك (٤) ذكر ذلك ابن النّحويّ في ((البدر المنير)) و ((الخلاصة)) (٥). الأثر السابع: حديث عقبة بن الحارث المتفق على صحّته وفيه

стр. 203

أنّه تزوج أمّ يحيى بنت أبي إهاب, فجاءت أمة سوداء وقالت: قد أرضعتكما, فذكرتُ ذلك للنّبيّ ﷺ فأعرض عنّي, فتنحّيتُ فذكرت ذلك له فقال: ((وكيف وقد زعمت أن قد أرضعَتُكُما)) هذا لفظ البخاري (١) ومسلم (٢). /وفي رواية التّرمذيّ (٣) بإسناد حسن صحيح: ((أنه زعم أنّها كاذبة)) وأنّ النّبيّ ﷺ نهاه عنها, فدلّ على اعتبار قولها مع الجهالة وتكذيب المدّعى عليه, ولو لم يعتبر قولها لم ينهه (٤) , ولا أمره بالطّلاق, لعدم [تحقّق] (٥) انفساخ النّكاح, ولخيّره بين الإمساك مع الكراهة, أو الطّلاق [للحيطة] (٦) , فإنّ التّفريق بين الزّوجين من مؤكّدات الأمور, وقد قال بمقتضى ذلك مع يمين المرأة: ابن عبّاس وأحمد وإسحاق (٧) , وإنّما ترك العمل بظاهره بعض أهل العلم لتعلّقه بحقوق المخلوقين التي ورد الشّرع باعتبار الشّهادة فيها.

стр. 204

فأمّا قبول الخبر النّبويّ في الأحكام؛ فمقبول من المرأة الصّحابيّة وإن لم تعرف, بدليل هذا الحديث وغيره. الأثر الثامن: أنّ الكافر كان يأتي النّبيّ ﷺ فيسلم, فيأمره النّبيّ ﷺ [أن يذهب] (١) إلى [قومه] (٢) داعياً لهم إلى الإسلام ومعلّماً لهم ما علّمه النّبيّ ﷺ من شرائع الإسلام, وهذا موجود في السّيرة, لكنّها لم تحضرني فأنقله بلفظه (٣). ومثل هذا له شواهد كثيرة يعرفها من طالع السّيرة النّبويّة, وفيه دلالة على عدالة الدّاخل في الإسلام, وإلا لوجب أن يبين له النّبيّ ﷺ أنّه لا يحل لقومه أن يتعلّموا منه شيئاً حتّى يختبروه بعد إسلامه, وفي هذا الأثر وفي السابع إشارة إلى آثار كثيرة, والله أعلم. وأما النظر: فلأنّ العدل من ظهر عليه من القرائن ما يدلّ على الدّيانة والأمانة دلالة ظنّية. [إذ] (٤) لا طريق إلى العلم بالبواطن؛ وهذا ظاهر في الصّحابة, فإنهم كما قال المنصور بالله: ((لولا ثقل موازينهم في الشّرف والدّين ما تبعوا رسول الله ﷺ , ومالوا عن إلف دين الآباء, والأتراب والقرباء إلى أمرٍ شاقّ على القلوب, ثقيل على النّفوس, لا سيّما وهم في ذلك الزّمان أهل الأنفة العظيمة والحميّة الكبيرة,

стр. 205

يرون أن يقتل جميعهم وتستأصل شأفتهم حذراً من أيسر عار يلم بساحتهم أو ينسب إلى قرابتهم, ولا أعظم عاراً عليهم من الاعتراف بضلال الآباء, وكفرهم, وتفضيل الأنعام السّائمة عليهم, فلولا صدقهم في الإسلام ومعرفتهم لصدق الرّسول ﵇ , ما لانت عرائكهم [لذلك] (١) ولا سلكوا في مذلّلات المسالك. وممّا يدلّ على صحّة ذلك ويوضّحه: أنّ أكثرهم تساهلاً في أمر الدّين: من يتجاسر على الإقدام على الكبائر, لا سيما معصية الزّنا, فقد علمنا أنّ جماعة من أهل الإسلام في ذلك العصر من رجال ونساء وقعوا في ذلك, فهم (٢) فيما يظهر لنا أكثر أهل ذلك الزّمان تساهلاً في الوقوع في المعاصي, وذلك دليل خفّة الأمانة ونقصان الدّيانة, لكنّا نظرنا في حالهم فوجدناهم فعلوا ما لا يفعله المتأخرين إلا أهل الورع الشّحيح, والخوف العظيم, ومن يُضرب بصلاحه المثل, ويتقرّب بحبه إلى الله , وذلك أنّهم بذلوا أرواحهم في مرضاة ربّ /العالمين, وليس يفعل هذا إلا من يحقّ له منصب الإمامة في أهل التّقوى واليقين, وذلك كثير في أخبارهم, مشهور الوقوع في زمانهم. من ذلك حديث المرأة التي [زنت] (٣) فجاءت النّبيّ ﷺ مقرّة بذنبها, سائلة للنّبيّ ﷺ أن يقيم الحدّ عليها, فجعل رسول الله ﷺ يستثبت في ذلك, فقالت: يا رسول! إنّي حبلى به, فأمر أن تُمهل

стр. 206

حتّى تضع, فلمّا وضعت جاءت بالمولود وقالت: يا رسول الله هو هذا قد ولدته, فقال: ((أرضعيه حتّى يتمّ رضاعه)) , فأرضعته حتّى أتمّت مدة الرّضاع, ثمّ جاءت به في يده كسرة من خبز, فقالت: يا رسول الله! هو هذا يأكل الخبز, فأمر بها فرجمت (١). رواه الحافظ ابن كثير في ((إرشاده)) (٢). فانظر إلى عزم هذه الصّحابية ﵂ على أصعب قتلة على النّفوس, وأوجع ميتة للقلوب, وبقاء عزمها على ذلك هذه المدّة الطّويلة, ومطالبتها في ذلك غير مكرهة ولا متوانية, وهذا -أيضاً- وهي من النّساء الموصوفات بنقصان العقول والأديان, فكيف برجالهم ﵃!؟. ومن ذلك حديث الرّجل الذي أتى إلى النّبيّ ﷺ فأخبره أنّه سرق, فأمر بقطع يده, فلما قطعت قال: الحمد لله الذي خلّصني منك, أردت أن تدخليني النّار (٣) , أو كما قال.

стр. 207

وحديث المجامع في رمضان (١). وحديث ماعز بطوله (٢). وحديث الذي قال: إنّي أتيت امرأة فلم أترك شيئاً مما يفعله الرّجال بالنّساء إلا أتيته, إلا أنّي لم أجامعها (٣)؛ وغير ذلك مما لا يحضرني الآن الإشارة إليه. فأخبرني على الإنصاف: من في زماننا, وقبل زماننا من أهل الدّيانة قد سار إلى الموت نشيطاً, وأتى إلى ولاة الأمر مقرّاً بذنبه, مشتاقاً إلى لقاء ربّه, باذلاً في مرضاة الله لروحه, ممكّناً للولاة والقضاة من الحكم بقتله؟ وهذه الأشياء تنبّه الغافل, وتقوّي بصيرة العاقل, وإلا ففي قوله تعالى: ﴿كُنتُم خَيرَ أُمَّةٍ أُخرِجَت لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠]. كفاية وغنية, مع ما عضدها من شهادة المصطفى ﵇ بأنهم خير القرون,

стр. 208

وبأنّ غيرهم لو أنفق مثل أُحد ذهباً ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه, إلى أمثال ذلك من مناقبهم الشّريفة ومراتبهم المنيفة. وقد ذكر ابن عبد البرّ في ديباجة ((الاستيعاب)) (١) جملة شافية ممّا يدلّ على فضل أهل ذلك الزّمان, [وذكر في ذلك أحاديث كثيرة] (٢). منها الحديث الصّحيح الشّهير أنه ((لا يدخل النّار أحد شهد بدراً والحديبية)) (٣) رواه من طرق كثيرة. وروى الحديث المشهور من طريق أبي الزّبير عن جابر مرفوعاً ((لا يدخل النّار أحد بايع تحت الشجرة)) (٤) ثمّ روى أنّ أهل الحديبية كانوا ألفاً وأربع مائة, وأهل بيعة الرضوان ألفاً وخمس مائة, وأهل بدر ثلاث مئة وبضعة عشر, وذكر الحديث ((ألا إنّكم توفّون /سبعين أمّة أنتم خيرها وأكرمها على الله)) (٥) والحديث الذي فيه: ((إنّ الله نظر إلى قلوب العباد فوجد قلوب أصحاب محمد خير قلوب العباد)) (٦) ,

стр. 209

وأمثال ذلك. وقد ظهر بهذه الجملة بيان قوّة ما أنكره المعترض على أهل الحديث, وأنّه مذهب العلماء الجلّة, من أهل الملّة, قويّ الموادّ, منصور الأدلّة. والحمد لله. المسألة [الثانية] (١): ممّا اشتمل عليه كلامه, إنكاره لقول أهل الحديث: إنّ الصّحابيّ من رأى النّبيّ ﷺ مؤمناً به, وقوله: إنّ هذا باطل, وأنّه يبطل ببطلانه كثير من حديث الصّحاح. وقد تحامل المعترض على أهل الحديث في هذه المسألة, وأطلق عليها اسم ((الباطل)) الذي لا يطلق على أمثالها من المسائل الظّنّيّة المحتملة, والخلاف في هذه المسألة مشهور في الأصول, وعلوم الحديث, وقد ذكر ابن الحاجب في ((مختصر المنتهى)) (٢): أنها

стр. 210

لفظيّة؛ لأنّ النّزاع فيها راجع إلى من يصدق عليه إطلاق هذا القول (١) , وهذا مدرك ظنّيّ لغويّ, أو عرفي لا يدخله التّأثيم, ويستحق اسم الباطل, وذلك يظهر بالكلام في فصلين: الفصل الأوّل: في بيان ما يستغربه المعترض من تسمية يسير المخالطة: ((صحبة)) , وبيان ظهور ذلك في الكتاب والسّنّة والإجماع, ولنقدّم قبل ذلك مقدّمة, وهي: أنّ ((الصّحبة)) في اللّغة تطلق كثيراً في الشّيئين إذا كان بينهما ملابسة, وسواء كانت كثيرة أو قليلة, حقيقيّة أو مجازيّة, وهذه المقدّمة تبيّن ما نورده من كلام الله تعالى, وكلام رسوله ﷺ , وما أُجمع على صحّته من العبارات في هذا المعنى. أما القرآن: فقال الله تعالى: ﴿فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ﴾ [الكهف:٣٤] و ﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ﴾ [بالكهف:٣٧] , فقضى بالصّحبة مع الاختلاف في الإسلام الموجب للعداوة لما جرى بينهما من الخطاب المتقدّم, وقد أجمعت الأمّة على اعتبار الإسلام في اسم الصّحابيّ, وقد ثبت بالنًصّ القرآني أنّ الله تعالى سمّى الكافر صاحباً للمسلم, فيجب أن يكون اسم الصّحابيّ عرفيّاً اصطلاحياً, ويكون لكلّ طائفة أن تصطلح فيه على عرف كما سيأتي تحقيقه. وقال تعالى: ﴿وَالصَّاحِبُ بِالْجَنْبِ﴾ [النساء:٣٦]. وهو المرافق في السّفر, ولا شكّ أنّه يدخل في إطلاق هذه الآية الملازم

стр. 211

وغيره, ولو صحب الإنسان رجلاً (١) ساعة من نهار وسايره في بعض الأسفار لدخل في ذلك, لأنّه يصدق أن يقول: صحبت فلاناً في سفري ساعة من النّهار, ولأنّ من قال ذلك لم ينكر عليه أهل اللّغة, ولا يستهجنون كلامه. وأما السّنّة؛ فكثير غير قليل, ومن أدلّها على التّوسعة العظيمة في هذا الباب ما ورد في الحديث الصحيح من قوله ﵇ لعائشة ﵂: ((إنّكنّ صواحِبُ يوسف)) (٢) , فانظر ما أبعد هذا السّبب الذي سمّيت به النّساء صواحب يوسف! وكيف يستنكر مع هذا أن يسمّى من آمن برسول الله ﷺ /ووصل إلى حضرته العزيزة وتشرف برؤية غرّته الكريمة صاحباً له!؟ ومن أنكر على من سمّى هذا صاحباً لرسول الله ﷺ ؛ فلينكر على رسول الله ﷺ حين سمّى النّساء كلّهن صواحب يوسف. ومن ذلك الحديث الذي أُشير فيه على رسول الله ﷺ أن يقتل المنافق عبد الله بن أبيّ بن سلول فقال ﵇: ((إنّي أكره أن

стр. 212

يقال: إنّ محمداً يقتل أصحابه)) فسمّاه صاحباً مع العلم بالنّفاق للملابسة الظّاهرة, مع أنّ النّفاق المعلوم يقتضي العداوة, ويمحو اسم الصّحبة في الحقيقة العرفية, فهذا الذي ذكرته من تسميته في هذا الحديث صاحباً يحتمل في اللّغة, وقد تقدّم أوّل الفصل هذا (١) , شاهده من القرآن العظيم في قوله تعالى: ﴿فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ﴾ [الكهف:٣٤]. وليس في الآية احتمال آخر. وأمّا هذا الحديث فهو يحتمل احتمالاً آخر تركته استغناء بهذا الاحتمال, بشهادة القرآن له. وممّا يدلّ على التّوسع الكثير في اسم الصّحبة: إطلاقها بين العقلاء والجمادات, كقوله تعالى: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ﴾ [يوسف:٣٩] , ومثل تسمية ابن مسعود: ((صاحب السّواك)) (٢) وصاحب:

стр. 213

((النّعلين والوسادة)). وأما الإجماع: فلا خلاف بين النّاس أنّ رسول الله ﷺ إذا لاقى المشركين في الحرب فقتل ممن معه من المسلمين جماعة, ومن المشركين جماعة أنه يقال: قتل من أصحاب محمد ﷺ كذا وكذا, ومن المشركين كذا وكذا, وبذا جرى عمل أهل السّير (١) والمؤرّخين والرّواة والأخباريين, وكذا يقولون في أيّام صفين: قتل من أصحاب عليّ كذا, ومن أصحاب معاوية كذا, ولا يعنون بأصحاب عليّ من لازمه, وأطال صحبته, بل من قاتل معه, ولو يوماً أو ساعة (٢) , وهذا شيء ظاهر لا يستحق من قال بمثله الإنكار, وهو من أحسن ما احتجّ به أهل الحديث, على أنّ ما ذهبوا إليه حقيقة عرفية. ومن ذلك أصحاب الشّافعي, يطلق ذلك على من دخل في مذهبه وإن مات عقيب الدّخول فيه من غير مهلة, وكذلك أصحاب الظّاهر وأصحاب الرّأي. ومن التّوسع في هذا الباب: تسمية النّبيّ ﷺ صاحب الشفاعة قبل أن يشفع, وهذا أيضاً ممّا لا يشترط فيه الإطالة, بل يسمّى صاحب الشّفاعة, وإن كانت في ساعة واحدة, وهذا كلّه دليل على التّوسعة

стр. 214

الكثيرة في إطلاق اسم الصّحبة على أدنى ملابسة. وبعد؛ فإنّها لفظة لغويّة ظنّيّة, والاختلاف فيها كالاختلاف في الشّفق, هل هو الحمرة أو البياض, أو مشترك بينهما, ونحو ذلك من الألفاظ اللّغوية التي لا ينكر على من خالفها من أهل العلم. وبعد؛ فقد قال غير واحد من العلماء: يجوز إثبات اللّغة بالقياس (١) , واختاره إمام الزّيديّة المنصور بالله في كتابه ((صفوة الاختيار)) , قال قطب الدّين الشّيرازي في ((شرح المنتهى)): ((إنّه مذهب القاضي, وابن سريج من الشّافعية, وهو قول كثير من الفقهاء, ومن أهل العربية)) اهـ. ولم يعلم أنّ أحداً شنّع على /من ذهب إلى ذلك ولا قبّح عليه, فكيف بهذه المسألة المذكورة في الصّحبة! وقد تقدّم لها من الشّواهد اللّغوية ما أقلّ منه يشفي ويكفي, فلو قدّرنا خلوّها عن الشّواهد اللّغوية, ورجوع القائلين بها إلى الأمارات القياسيّة, لم يكن إلى تقبيح ذلك وقطع الخلاف فيه سبيل, ولا على القطع بإبطاله وإبطال ما ترتّب عليه من الحديث دليل. الفصل الثّاني: في بيان المختار, والمختار: أنّ ما ذكره المحدّثون جائز بالنّظر إلى وضع اللّغة, وأمّا بالنّظر إلى العرف

стр. 215

وقد ذكر في هذا الموضع ثلاثة أشياء احتجّ بها ولم يُعدها, فرأينا ذكرها في هذا الموضع: الحجّة الأولى: خبر الأعرابي الذي بال في مسجد رسول الله (١) ﷺ , قال المعترض: يلزم أنّه عدل. والجواب من وجوه: الأوّل: من أين صحّ للمعترض أنّه كان في عصره ﷺ أعرابي بال في مسجده؟ فثبوت هذا مبني على صحّة طرق الحديث وقد شكّ في تعذّرها, فلو صحّت طرق هذا بطل الشّكّ, ومن البعيد أن يصحّ طريق هذا الحديث دون غيره, ومن المعلوم أنّ صحة البعض تستلزم بطلان الشّكّ في استحالة الكلّ. الوجه الثاني: أنّا قد ذكرنا أنّ كلّ مسلم ممن عاصر النّبيّ ﷺ ؛ فإنّه عدل ما لم يعلم جرحه, وبيّنّا الحجج على هذا, وأنّه مذهب جلّة علماء (٢) الإسلام, وبيّنّا أنّه مما ادّعي فيه الإجماع, وهذا الأعرابي من جملة من دخل تحت عموم تلك الأدلّة, فيسأل المعترض: ما الموجب لتخصيصه بالذّكر؟ فإنّ الخصم ملتزم لعدالته, فيطالب بإبداء المانع منها. فإن قال: إن بوله في المسجد يمنع العدالة لأنّه محرّم. فالجواب عليه: /أنّ الجرح بذلك غير صحيح لأنّه لا دليل على
следующие страницы →