← Акыда

Акыда · id 36427

الروض الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم - صلى الله عليه وسلم -

ابن الوزير

Полный текст (691 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وغيره, ولو صحب الإنسان رجلاً (١) ساعة من نهار وسايره في بعض الأسفار لدخل في ذلك, لأنّه يصدق أن يقول: صحبت فلاناً في سفري ساعة من النّهار, ولأنّ من قال ذلك لم ينكر عليه أهل اللّغة, ولا يستهجنون كلامه. وأما السّنّة؛ فكثير غير قليل, ومن أدلّها على التّوسعة العظيمة في هذا الباب ما ورد في الحديث الصحيح من قوله ﵇ لعائشة ﵂: ((إنّكنّ صواحِبُ يوسف)) (٢) , فانظر ما أبعد هذا السّبب الذي سمّيت به النّساء صواحب يوسف! وكيف يستنكر مع هذا أن يسمّى من آمن برسول الله ﷺ /ووصل إلى حضرته العزيزة وتشرف برؤية غرّته الكريمة صاحباً له!؟ ومن أنكر على من سمّى هذا صاحباً لرسول الله ﷺ ؛ فلينكر على رسول الله ﷺ حين سمّى النّساء كلّهن صواحب يوسف. ومن ذلك الحديث الذي أُشير فيه على رسول الله ﷺ أن يقتل المنافق عبد الله بن أبيّ بن سلول فقال ﵇: ((إنّي أكره أن

стр. 212

يقال: إنّ محمداً يقتل أصحابه)) فسمّاه صاحباً مع العلم بالنّفاق للملابسة الظّاهرة, مع أنّ النّفاق المعلوم يقتضي العداوة, ويمحو اسم الصّحبة في الحقيقة العرفية, فهذا الذي ذكرته من تسميته في هذا الحديث صاحباً يحتمل في اللّغة, وقد تقدّم أوّل الفصل هذا (١) , شاهده من القرآن العظيم في قوله تعالى: ﴿فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ﴾ [الكهف:٣٤]. وليس في الآية احتمال آخر. وأمّا هذا الحديث فهو يحتمل احتمالاً آخر تركته استغناء بهذا الاحتمال, بشهادة القرآن له. وممّا يدلّ على التّوسع الكثير في اسم الصّحبة: إطلاقها بين العقلاء والجمادات, كقوله تعالى: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ﴾ [يوسف:٣٩] , ومثل تسمية ابن مسعود: ((صاحب السّواك)) (٢) وصاحب:

стр. 213

((النّعلين والوسادة)). وأما الإجماع: فلا خلاف بين النّاس أنّ رسول الله ﷺ إذا لاقى المشركين في الحرب فقتل ممن معه من المسلمين جماعة, ومن المشركين جماعة أنه يقال: قتل من أصحاب محمد ﷺ كذا وكذا, ومن المشركين كذا وكذا, وبذا جرى عمل أهل السّير (١) والمؤرّخين والرّواة والأخباريين, وكذا يقولون في أيّام صفين: قتل من أصحاب عليّ كذا, ومن أصحاب معاوية كذا, ولا يعنون بأصحاب عليّ من لازمه, وأطال صحبته, بل من قاتل معه, ولو يوماً أو ساعة (٢) , وهذا شيء ظاهر لا يستحق من قال بمثله الإنكار, وهو من أحسن ما احتجّ به أهل الحديث, على أنّ ما ذهبوا إليه حقيقة عرفية. ومن ذلك أصحاب الشّافعي, يطلق ذلك على من دخل في مذهبه وإن مات عقيب الدّخول فيه من غير مهلة, وكذلك أصحاب الظّاهر وأصحاب الرّأي. ومن التّوسع في هذا الباب: تسمية النّبيّ ﷺ صاحب الشفاعة قبل أن يشفع, وهذا أيضاً ممّا لا يشترط فيه الإطالة, بل يسمّى صاحب الشّفاعة, وإن كانت في ساعة واحدة, وهذا كلّه دليل على التّوسعة

стр. 214

الكثيرة في إطلاق اسم الصّحبة على أدنى ملابسة. وبعد؛ فإنّها لفظة لغويّة ظنّيّة, والاختلاف فيها كالاختلاف في الشّفق, هل هو الحمرة أو البياض, أو مشترك بينهما, ونحو ذلك من الألفاظ اللّغوية التي لا ينكر على من خالفها من أهل العلم. وبعد؛ فقد قال غير واحد من العلماء: يجوز إثبات اللّغة بالقياس (١) , واختاره إمام الزّيديّة المنصور بالله في كتابه ((صفوة الاختيار)) , قال قطب الدّين الشّيرازي في ((شرح المنتهى)): ((إنّه مذهب القاضي, وابن سريج من الشّافعية, وهو قول كثير من الفقهاء, ومن أهل العربية)) اهـ. ولم يعلم أنّ أحداً شنّع على /من ذهب إلى ذلك ولا قبّح عليه, فكيف بهذه المسألة المذكورة في الصّحبة! وقد تقدّم لها من الشّواهد اللّغوية ما أقلّ منه يشفي ويكفي, فلو قدّرنا خلوّها عن الشّواهد اللّغوية, ورجوع القائلين بها إلى الأمارات القياسيّة, لم يكن إلى تقبيح ذلك وقطع الخلاف فيه سبيل, ولا على القطع بإبطاله وإبطال ما ترتّب عليه من الحديث دليل. الفصل الثّاني: في بيان المختار, والمختار: أنّ ما ذكره المحدّثون جائز بالنّظر إلى وضع اللّغة, وأمّا بالنّظر إلى العرف

стр. 215

وقد ذكر في هذا الموضع ثلاثة أشياء احتجّ بها ولم يُعدها, فرأينا ذكرها في هذا الموضع: الحجّة الأولى: خبر الأعرابي الذي بال في مسجد رسول الله (١) ﷺ , قال المعترض: يلزم أنّه عدل. والجواب من وجوه: الأوّل: من أين صحّ للمعترض أنّه كان في عصره ﷺ أعرابي بال في مسجده؟ فثبوت هذا مبني على صحّة طرق الحديث وقد شكّ في تعذّرها, فلو صحّت طرق هذا بطل الشّكّ, ومن البعيد أن يصحّ طريق هذا الحديث دون غيره, ومن المعلوم أنّ صحة البعض تستلزم بطلان الشّكّ في استحالة الكلّ. الوجه الثاني: أنّا قد ذكرنا أنّ كلّ مسلم ممن عاصر النّبيّ ﷺ ؛ فإنّه عدل ما لم يعلم جرحه, وبيّنّا الحجج على هذا, وأنّه مذهب جلّة علماء (٢) الإسلام, وبيّنّا أنّه مما ادّعي فيه الإجماع, وهذا الأعرابي من جملة من دخل تحت عموم تلك الأدلّة, فيسأل المعترض: ما الموجب لتخصيصه بالذّكر؟ فإنّ الخصم ملتزم لعدالته, فيطالب بإبداء المانع منها. فإن قال: إن بوله في المسجد يمنع العدالة لأنّه محرّم. فالجواب عليه: /أنّ الجرح بذلك غير صحيح لأنّه لا دليل على

стр. 216

أنه فعله وهو يعلم بالتّحريم, ويقوّي هذا أنّ النّبيّ ﷺ منع من قطع درّته, ونهى من نهاه وقال: ((إنّ منكم منفّرين)) , ولو كان في فعله لارتكاب ما حرّمه الله مجترئاً معانداً لم يكن يستحق هذا الرّفق العظيم, ولكان الأشبه أن يزجر عن الجرأة كما زجر السّائل عن الضّالّة, الذي قال له رسول الله ﷺ : ((لا وجدت)) (١) وإنّما ذكرنا هذا الوجه لزيادة قوّة الحجّة على الخصم, وإلا فالأصل جهل الأعرابيّ بالتّحريم والتّمسك بالأصل كافٍ. فإن قال المعترض: أنّ البول في المسجد يدلّ على الجرح من حيث إنّه يدلّ على الخسّة وقلّة الحياء, إذ البول في حضرة النّاس يدلّ على ذلك كالأكل في السّوق. قلنا: ليس كما توهّم, فإنّ ما يدل على الخسّة, وقلّة الحياء يختلف بحسب اختلاف عرف أهل بلد الفاعل لذلك وأهل زمانه, والأعراب في ذلك الزّمان وفي غيره لا تستنكر ذلك في باديتها غالباً, وكلّ ما كان أهل الصّيانة يفعلونه من المباحات في بلد أو زمان, لم يقدح في عدالة أحد من أهل تلك البلد وذلك الزمان, وقد كان رسول الله ﷺ يمشي في المدينة بغير رداء, ولا نعل, ولا قلنسوة, يعود المرضى كذلك في أقصى المدينة, ذكره ابن حزم في ((سيرته)) (٢). ومثل هذا في بعض الأمصار في هذه الأعصار المتأخّرة مما لا يفعله بعض أهل الحياء, ومما يتكلّم بعض الفقهاء في فاعله,

стр. 217

لعُرف (١) مختصّ بهذه الأزمنة الأخيرة في الأمصار العظيمة, وإلا فمن أشد حياء من رسول الله ﷺ ؟ فقد كان أشد حياء من العذراء في خدرها (٢) , وكان لا يثبت بصره في وجه أحد لكثرة حيائه ﷺ , ولكن هذا الذي فعله كان عادتهم في ذلك العصر, وإنّما الحياء يتولّد من مخالفة العادة حتّى إنّ الرّجل الفقير المستمرّ على البذاذة (٣) في الملبس, لو لبس في دفعة واحدة لباس الأكابر الذي لا يعتاده قط, وطاف به الأسواق, لكان معدوداً من أهل المجون, وقلّة الحياء لمجاهرة النّاس بمخالفة العادة من غير تدريج, ولا التماس فضيلة, وكذلك قد ورد عنه ﵇ أنّه أخذ قطعة من لحم وجعل يلوكها في فيه وهو يمشي في السّكة [أو] (٤) يمشي بين أصحابه أو نحو ذلك, ذكر معناه أبو داود (٥) , وقد أردف ﵇ امرأة خلفه في

стр. 218

بعض الغزوات (١) , وربّما كان [هذا] (٢) ممّا يتجنّبه بعض أهل الحياء في بعض الأزمان والبلدان لاختلاف العرف. والقصد الاحتجاج بأفعاله ﷺ على أنّها ليست في ذلك الزّمان مما يستحيى منه, لا على أنّه كان يفعل ما يُستحيى منه في زمانه ﵇ , فتأمّل ذلك ولا تغلط فيه, فإنّ الغلط فيه عظيم. الوجه الثالث: لو قدّرنا أنّ هذا مما يجرح به لكان مما يحتمل النّظر والاختلاف, ولا يعاب على من جرح به ولا على من لم يجرح. الوجه الرّابع: سلّمنا تسليم جدل أنّه مجروح فنحبّ (٣) من المعترض أن يبيّن لنا أنّ أهل الصّحاح رووا عن هذا الأعرابي, ويبيّن لنا كم رووا عنه لا سيّما من أحاديث الأحكام, فإنّ الحاجة إلى معرفة ذلك ماسّة. الوجه الخامس: سلّمنا أنّهم رووا عنه وأنّه مجروح, فما وجه الاحتجاج بذلك على الشّكّ في [تعذّر] (٤) معرفة السّنن وبطلان العلم؟ وليس هذا يمنع من معرفة الحديث الصّحيح, بل كلّما كثر المجروحون قلّ الصّحيح, وكلّما قلّ سهل حفظه وأمكن /ضبطه,

стр. 219

والكلام من أصله إنّما هو متعسّر أو متعذّر. الحجة الثانية: وفد بني تميم (١). قال المعترض: إنه يلزم قبول حديثهم, وقد قال الله تعالى: ﴿إَنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُم لاَ يَعْقِلُونَ﴾ [الحجرات:٤]. والجواب من وجوه: الأوّل: من أين صحّ أنّها نزلت فيهم؟ وأنّها نزلت بعد إسلامهم؟ والطّريق إلى صحّة ذلك عندك مشكوك في إمكانها وتعذّرها كما في سائر الأخبار. الثّاني: من أين صحّ فيهم (٢) أن نداءهم له ﵇ من وراء الحجرات كان بعد إسلامهم؟ وما المانع أن يكون قبله فيكون ذمّهم على فعل فعلوه قبل الإسلام, فلا يستحقّون الذّم بعد الإسلام, فإنّ الإسلام يجبّ ما قبله من الكفر والكبائر, كيف ما لا يعلم أنّه من ذلك؟ ونزول الآية بعد إسلامهم لا يصلح مانعاً في ذلك كما نزل بعد التّوبة على آدم ﵇ قوله تعالى: قوله تعالى: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه:١٢١]. الثالث: أنّ قوله تعالى: ﴿أَكْثَرُهُم لاَ يَعْقِلُونَ?﴾ [الحجرات:٤] ليس على ظاهره, لوجهين: أحدهما: أنّهم مكلّفون, وشرط التّكليف العقل.

стр. 220

وثانيهما: أنّه لا يذمّ ما لا يعقل كما لا يذمّ الأنعام لعدم العقل, إذ من لا عقل له لا ذنب له في عدم العقل, وإنّما قال الله تعالى: ﴿إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالأَنْعَامِ﴾ [الفرقان:٤٤]. ذمّاً للغافلين عن تدبّر الآيات, لا ذمّاً للأنعام السّائمات (١). إذا ثبت ذلك فالمراد ذمّهم بالجفاوة, وعدم الفهم للعوائد الحميدة (٢) , وآداب أهل الحياء والمروءة, وهذا ليس من الجرح في شيء, فإنّ لطف الأخلاق, والكيس في الأمور, ليس من شروط الرّواية, لأنّ مبني الرّواية على ظنّ الصّدق, وأولئك الأعراب لا سيما ذلك الزّمان كانوا من أبعد النّاس عن الكذب والظّنّ لصدقهم قوي, لا سيّما في الحديث عن الرسول ﷺ , ولابدّ إن شاء الله تعالى من الإشارة إلى أنّ الكذب على الله ورسوله أبعد ما يجوز وقوع المسلم فيه من المعاصي في غالب الأحوال, إلا أعداء الله تعالى من الدّجالين الكذّابين خذلهم الله تعالى. الوجه الرّابع: أنّ صدور مثل هذه القوارع على جهة التّأديب للجاهلين والإيقاظ للغافلين من الله تعالى, أو من رسوله ﷺ لا يدلّ على فسقه وخروجه من ولاية الله تعالى, فقد نزل من الآيات القرآنية ما فيه تقريع لبعض الصّالحين, وتأديب لبعض الأنبياء والمرسلين, وقد قال الله تعالى لخيار المهاجرين والأنصار: ﴿لَولاَ كِتَابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُم فِيمَا

стр. 221

أَخَذْتُم عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال:٦٨] , وأنزل الله في الممتحنة في شأن حاطب بن أبي بلتعة, وشدّد فيها على من والى أعداء الله تعالى, ولم يكن ذلك جرحاً في حاطب, فقد عذره رسول الله ﷺ ونهى عنه عمر ﵁ , وقال له: ((إنّك لا تدري لعلّ الله اطّلع على أهل بدر فقال لهم: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)) (١). وقد ثبت في ((صحيح مسلم)) (٢) مرفوعاً: أنّ حاطباً يدخل الجنة ﵁. وقد نزل الوعيد في رفع الأصوات عند رسول الله ﷺ , فأشفق بعض أصحابه ﵃ من ذلك, وكان جهوري الصّوت (٣) , ولم يكن شيء من ذلك جرحاً في أحد من أولئك. وقد أنزل الله تعالى سورة (عبس) في تأديب صفوته من خلقه ﷺ وأنزل في أوّل أنبيائه آدم ﵇: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه:١٢١].

стр. 222

وقال رسول الله ﷺ لأبي ذر -الذي ورد فيه أنّه: ((ما أظلّت الخضراء ولا أقلّت الغبراء أصدق لهجة منه)) (١) -: ((إنّك امرؤٌ فيك جاهليّة)) /قاله ﵇ وقد سبّ امرأة, رواه البخاري (٢). وقد روى عن علي أنّه قال لابن عبّاس ﵃ وقد راجعه في المتعة: ((إنّك امرؤٌ تائه)) (٣) , ولم يدلّ شيء من ذلك على الجرح, فكذلك الآية (٤).

стр. 223

الوجه الخامس: أنّ هذا يؤدّي إلى جرح قبيلة من قبائل المسلمين, وهذا لا يصحّ عند أحد من أهل العلم, لأنّ العادة الغالبة تمنع من وجود [مثل ذلك] (١) , ولهذا لم يقع إلى الآن من أوّل الإسلام. الوجه السّادس: سلّمنا أنّ ذلك الجرح مانع من قبول الرّواية, فإنّما يستلزم ترك حديثهم, وترك حديثهم متيسّر غير متعسّر ولا متعذّر, فما وجه الاحتجاج بذلك على تعسّر معرفة الحديث وتعذّرها إذا تركنا حديث وفد تميم؟!. الحجة الثّالثة: وفد عبد القيس, ولم أعلم وجه تخصيصهم بالذّكر؛ فإنّهم من جملة الأعراب, إلا أنّه ارتدّ بعضهم بعد الإسلام. والجواب على ما ذكره من وجوه: الأوّل: أنّ إسلامهم يقتضي قبول حديثهم ما داموا مسلمين؛ وردّتهم تقتضي ردّ حديثهم من حين ارتدوا, ولا مانع من ورود التّعبّد بهذا في العقل ولا في الشّرع المنقول بالتواتر المعلوم بالضّرورة معناه, بل قد بيّنّا فيما تقدّم قبول رسول الله ﷺ لمن أسلم عقيب إسلامه, والدّليل عام لوفد عبد القيس ولغيرهم. الثّاني: إمّا أن يكون المعترض أنكر قبولهم لأنّ من أسلم لا يقبل حتّى يخبر, أو لأنّهم ارتدّوا بعد الإسلام؟ إن كان الأول فلم خصّهم بالذّكر؟ ولم أنكر ذلك المذهب وقد بيّنّا أنّه قول الجمهور, وأنّه

стр. 224

بالأدلة الأثريّة والنّظريّة منصور؟ أقصى ما في الباب: أنّه لم يترجّح للمعترض موافقة الجماهير من علماء الإسلام, لكن لا يحل له الإنكار عليهم. وإن كان يوافق على أن قبول المسلمين ذلك الزّمان قبل الاختبار مذهب صحيح, غير مدفوع ولا منكر, وإنما الذي أنكره قبول المسلم الذي يريد أن يرتدّ بعد إسلامه, فهذا لا يصح لأمرين: أحدهما: أنّ العلم بأنّه يريد أن يرتد من قبيل علم الغيب الذي استأثر الله به, وقد حكم عليّ ﵁ بشهادة رجلين, ثمّ انكشف أنّهما [شهدا زوراً] (١) فلم يلزمه أحد بذلك محذوراً. وثانيهما: أنّ العدل المخبور إذا فسق بعد العدالة لم يقدح ذلك في شهادته وروايته قبل الفسق, وقد ثبت أنّ المسلمين في ذلك الزّمان عدول عقيب إسلامهم, فإذا كفروا بعد العدالة لم يقدح كفرهم فيهم قبل أن يكفروا, ولا قال أحد بأنّ الكفر يقدح في الرّاوي قبل أن يكفر. الثّالث: سلّمنا أنّ وفد عبد القيس مجاهيل أو مجاريح, فما لمعرفة الحديث والتّعذّر أو التعسّر, وأحاديث الصّحابة الكبار هي المتداولة في كتب الحديث والفقه والتّفسير, وأحاديث الأعراب الجفاة غير معروفة إلا أن يكون شيئاً نادراً, وعلى تقدير كثرتها فتركها لا يكون سبباً لتعذّر معرفة الحديث, ولا تعسّرها, بل ذلك من أسباب السّهولة كما بيّنّا, وترك الكثير في السّهولة مثل ترك اليسير, وإنّما يختلف في ذلك حفظ الكثير واليسير, وتمييز أحاديث كبار الصّحابة

стр. 225

عن أحاديث جفاة الأعراب ممكن غير متعذّر, فرجال السّنّة قد صنّفوا كتباً كثيرة في معرفة الصّحابة وبيّنوا فيها من هو معروف العدالة من الأصحاب, ومن لا يعرف إلا بظاهر حاله من الاعراب, ومن له رواية /عن النّبيّ ﷺ ومن ليس له رواية, ومن أطال الصّحبة, ومن لم يطلها, بل تعرّضوا فيها لبيان السّابق من المسبوق, والأفضل من المفضول, والأقضى والأحفظ والأذكى, بل هم بعد هذا يبرزون صفحة الإسناد للنّقّاد, ولا يكتمون شيئاً مما قيل في رجال الحديث وعلله على سبيل الإرشاد, لمن يحبّ التّرجيح في التّقليد والاجتهاد. وإنّما يلزم اختلاط أحاديث ثقات الأصحاب بأحاديث جفاة الأعراب لو أرسلوا الأحاديث ولم يسندوها, وقطعوها ولم يصلوها, فأين تعذّر معرفة الحديث؟ وما معنى التّشويش على طلبة الحديث بأنّ وفد عبد القيس ارتدّوا؟! وإذا ارتدّ وفد عبد القيس فمه؟! أتبطل السّنن, ويضيع العلم, ويلزم من ذلك ألا يصحّ حديث الثّقات من أصحاب رسول الله ﷺ ؟ ما هذا الكلام [المعتلّ, والاستدلال] (١) المختلّ؟. وهذا ذكر جلّة الرّواة من الصّحابة ﵃, رأيت ذكر أسمائهم ليعرف أنّ حديثهم هو الذي يدور عليه الفقه وينبني عليه العلم, وأنّ أحاديث جفاة الأعراب المجاهيل شيء يسير نادر على تقدير وقوعه, فيعلم أنّه لم يُبنَ على حديث جفاة الأعراب حكم شرعي, فإن اتّفق ذلك ففي نادر الأحوال ممن يستجيز ذلك من أهل العلم من غير ضرورة إلى ذلك. فإنّه لو لم يستجز الرّواية عنهم كان له

стр. 226

في القرآن وما صحّ من السّنّة والإجماع, وصحيح القياس غنية وكفاية. وإذا أردتّ أن تعرف صدق هذا الكلام فأرنا المسائل التي احتجّ عليها الفقهاء والمحدّثون بأحاديث الجفاة من الأعراب من غير عموم من القرآن, ولا شاهد من سائر الأدلّة, وفي عدم ذلك أو نذرته ما يدلّك على ما ذكرناه من أنّ جلّة الرّواة هم عيون الأصحاب لا جفاة الأعراب, فدع عنك هذه الشّبه الضّعيفة, والمسالك الوعرة (١) , وإمّا أن يكون من أهل العلم المجدّدين لما درس من آثاره, المجتهدين [في الردّ على] (٢) من أراد خفض ما رفع الله من مناره, وإلا فبالله عليك أرحنا من تعفيتك لرسومه وتغييرك لوجوهه, فحديث رسول الله ﷺ ركن الشريعة المطهّرة المحفوظة إلى يوم القيامة, وليس يضرّ أهل الإسلام جهالة بعض الأعراب, فلنا من حديثهم غنية بما رواه عيون الأصحاب مثل: الخلفاء الراشدين الأربعة المهديّين ﵃ وسائر إخوانهم العشرة المشهود لهم بالجنّة, وقد جمعتهم في بيت واحد فقلت:

стр. 227

للمصطفى خير صحب نصّ أنّهم ... في جنّة الخلد نصّاً زادهم شرفاً هم طلحة وابن عوف والزّبير مع ... أبي عبيدة والسّعدان والخلفا ومثل: الحسن والحسين سيّدي شباب أهل الجنّة, وأمّهما سيدة النّساء-﵃ ومثل من لا يتّسع لذكره هذا ((المختصر)) من نبلاء المهاجرين والأنصار, مثل: عمّار بن ياسر, وسلمان الفارسي, وذي الشّهادتين: خزيمة بن ثابت, وخادم رسول الله ﷺ أنس بن مالك, وأمّ المؤمنين عائشة ﵂ وحبر الأمّة المفقّه في الدّين المعلّم التأويل ابن عبّاس ﵄, ووالده العبّاس, وأخيه الفضل, وجابر بن عبد الله, وأبي سعيد الخدري, وصاحب السّواك (١) عبد الله بن مسعود, وعبد الله بن عمر بن الخطاب, والبراء بن عازب, وأم سلمة أمّ المؤمنين, وأبي ذر الغفاري الذي نصّ رسول الله ﷺ : ((أنّ السّماء لم تظل أصدق لهجة منه)) (٢) , /وعبد الله بن عمرو الذي أذن له ﵇ بكتابة حديثه الشريف (٣) , وكتب ما

стр. 228

لم يكتبه غيره؛ فاستكثر من طيّب, وأبي أمامة الباهليّ, وحذيفة بن اليمان, والحافظ الكبير: أبي هريرة الدّوسيّ الذي قرأ له رسول الله ﷺ في نمرته, ثمّ أمره فلفّها فلم ينس شيئاً مما سمعه منه ﷺ (١) , وأبي أيّوب الأنصاريّ, وجابر بن سمرة الأنصاريّ, وأبي بكرة مولى رسول الله ﷺ , وأسامة بن زيد مولاه ﵇ , وأبي مسعود الأنصاريّ البدريّ, وعبد الله بن أبي أوفى, وزيد بن ثابت, وزيد بن خالد, وأسماء بنت يزيد بن السّكن, وكعب بن مالك, ورافع بن خديج, وسلمة بن الأكوع, وميمونة أمّ المؤمنين, وزيد بن أرقم, وأبي رافع مولى النّبي ﷺ , وعوف بن مالك, وعديّ بن حاتم, وأمّ حبيبة أمّ المؤمنين, وحفصة أمّ المؤمنين, وأسماء بنت عميس, وجبير بن مطعم, وذات النّطاقين أسماء بنت أبي بكر الصّدّيق, وواثلة بن الأسقع, وعقبة بن عامر الجهني, وشدّاد بن أوس الأنصاري, وعبد الله بن يزيد, والمقدام أبي كريمة (٢) , وكعب بن عجرة, وأمّ هانىء بنت أبي طالب, وأبي برزة, وأبي جحيفة, وبلال المؤذن, وجندب بن عبد الله بن سفيان, وعبد الله بن مغفّل, والمقداد,

стр. 229

ومعاوية (١) بن حيدة, وسهل بن حنيف, وحكيم بن حزام, وأبي ثعلبة الخشني, وأمّ عطيّة, ومعقل بن يسار, وفاطمة بنت قيس, وعبد الله بن الزّبير, وخبّاب بن الأرت, ومعاذ بن أنس, وصهيب, وأمّ الفضل بنت الحارث, وعثمان بن أبي العاص الثقفي, ويعلى بن أميّة, [وعتبة بن عبد] (٢) , وأبي أسيد السّاعديّ, وعبد الله بن مالك بن بُحينة (٣) , وأبي مالك الأشعري, وأبي حميد السّاعديّ, ويعلى بن مرّة, وعبد الله بن جعفر, وأبي طلحة الأنصاريّ, وعبد الله بن سلام, وسهل بن أبي حثمة, وأبي المليح الهذلي, وأبي واقد اللّيثي, ورفاعة بن رافع, وعبد الله بن أنيس, وأوس بن أوس, وأمّ قيس بنت محصن, وعامر بن ربيعة, وقرّة, والسّائب, وسعد بن عبادة, والرُّبيّع بنت معوّذ, وأبي بردة, وأبي شريح, وعبد الله بن جراد, والمسور بن مخرمة, وصفوان بن عسّال, وسراقة بن مالك, وسبرة بن معبد الجهني, وتميم الدّاري, وعمرو بن حريث بن خولة الأزديّ,

стр. 230

وأسيد بن الحضير (١) , والنّوّاس بن سمعان الكلابي, وعبد الله بن [سرجس] (٢) , وعبد الله بن الحارث بن جزء, والصّعب بن جثّامة, وقيس بن سعد بن عبادة, ومحمد بن مسلمة, ومالك بن الحويرث الليثي, وأبي لبابة بن [عبد المنذر] (٣) , وسليمان بن صرد, وخولة بنت حكيم, وعبد الرّحمن بن شبل, وثابت بن الضّحّاك, وطلق بن عليّ, وعبد الرّحمن بن سمرة, و [الحكم] (٤) بن عمير, وسفينة مولى رسول الله ﷺ , وكعب بن مرّة, وأبي محذورة, وعروة بن مضرّس, ومجمع بن جارية (٥) , ووابصة بن معبد الأسديّ, وأبي اليسر, وأبي ليلى الأنصاري, ومعاوية بن الحكم, وحذيفة بن أسيد الغفاريّ, وسلمان بن عامر, وعروة البارقيّ, وأبي بصرة الغفاري, وعبد الرحمن بن أبزى, وعمرو بن سلمة (٦) , وسبيعة الأسلميّة,

стр. 231

وزينب بنت جحش أمّ المؤمنين, وضباعة بنت الزّبير بن عبد المطلب, وبسرة بنت صفوان, وصفيّة أمّ المؤمنين, وأمّ هاشم بنت حارثة الأنصاريّة, وأمّ كلثوم, وأمّ كرز, وأمّ سليم بنت ملحان, وأمّ معقل الأسديّة. وضِعف هؤلاء, بل أكثر من ضعفهم ممّن لو ذكرناهم على الاستقصاء لطال ذكرهم وطاب نشرهم, فطالعهم -إن شئت- في كتاب ابن عبد البرّ ((الإستيعاب)) وغيره من كتب معرفة الأصحاب, فمعرفتهم أحد أنواع علم الحديث كما ذكره المصنّفون فيها كـ ((ابن الصّلاح)) (١) /وزين الدين العراقي (٢) , وغير واحد. وقد ألّفوا في معرفة الصّحابة كتباً كثيرة. فمنها: ((الصّحابة)) (٣) لابن حبّان مختصر في مجلد. و ((معرفة الصّحابة)) (٤) لابن منده, كتاب جليل, ولأبي موسى

стр. 232

المدينيّ عليه ذيل (١) كبير. ومنها: ((الصّحابة)) (٢) لأبي نعيم الأصبهاني, جليل القدر, ومنها ((معرفة الصّحابة)) (٣) للعسكري. ومنها كتاب أبي الحسن عليّ بن محمّد بن الأثير [الجزريّ] (٤) المسمّى بـ ((أسد الغابة في معرفة الصّحابة)) (٥) وهو أجمع كتاب في هذا, جمع فيه بين كتاب ابن منده, وذيل أبي موسى عليه, وكتاب أبي نعيم, و ((الاستعياب)) , وزاد من غيرها أسماء. واختصره (٦) جماعة, منهم: الحافظ أبو عبد الله الذّهبيّ في

стр. 233

مختصر لطيف (١) , وذيّل عليه [زين الدّين بعدّة أسماء] (٢) لم تقع له (٣). ومنهم: الكاشغريّ (٤). وقد ذكروهم أيضاً في تواريخ الإسلام (٥) , وكتب رجال الكتب الستة (٦) , وأنفس كتاب فيهم كتاب: عزّ الدّين بن الأثير (٧) , وكتب الحافظين الكبيرين: أبي الحجّاج المزّيّ, وتلميذه أبي عبد الله الذّهبيّ, فبمعرفة هذه الكتب الحافلة أو بعضها يتميّز لك الصّحابي من الأعرابيّ, بل يتميّز معرفة الفاضل من

стр. 234

المفضول, والسّابق من المسبوق, فقد بيّن علماء الحديث -في كتب ((علوم الحديث)) على الإجمال, وفي كتب ((معرفة الصّحابة)) على التّفصيل- أنهم ﵃ ينقسمون إلى اثنتي عشرة طبقة: الأولى: قدماء السّابقين الذين أسلموا بمكّة كالخلفاء الأربعة ... ﵃. الثانية: أصحاب دار النّدوة. الثالثة: مهاجرة الحبشة. الرّابعة: أصحاب العقبة الأولى. الخامسة: أصحاب العقبة الثانية. السّادسة: أوّل المهاجرين الذين وصلوا إليه ﵇ إلى قباء قبل أن يدخل المدينة. السّابعة: أهل بدر. الثامنة: المهاجرين بين بدر والحديبية. التّاسعة: أهل بيعة الرّضوان. العاشرة: من هاجر بين الحديبية وفتح مكة. الحادية عشرة: مسلمة الفتح. الثّانية عشرة: صبيان وأطفال رأوا رسول الله ﷺ يوم الفتح, وفي حجة الوداع وغيرهما.

стр. 235

قال ابن الصّلاح (١): ((ومنهم من زاد على ذلك)). وأمّا ابن سعد فجعلهم خمس طبقات فقط. قال ابن عبد البرّ في خطبة ((الاستيعاب)) (٢): ((قال الله جلّ ذكره: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَينَهُمُ تَرَاهُم رُكَّعاً سُجَّداً يَبتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح:٢٩] , إلى أن قال: وليس كذلك جميع من رآه وآمن به وسترى منازلهم من الدّين والإيمان, والله تعالى قد فضّل بعض النّبيين على بعض, وكذلك سائر المسلمين, والحمد لله رب العالمين)) تمّ مختصراً, وفيه ما يدلّ على معرفتهم بدقائق تفاصيل التّفضيل, وتمييزهم للمشاهير عن المجاهيل. فيا أيها المعترض على أهل السّنّة بأحاديث جفاة الأعراب, واختلاطها بأحاديث الأصحاب, خذ من أحاديث هؤلاء الأعلام ما صفا وطاب, وأجمع على الاعتماد عليه أولوا الألباب, ودع عنك التّشكيك في صحّة السّنن /والاتياب, والتردد في ثبوت الآثار والاضطراب, وليأمن خوفك من ضياع السّنّة والكتاب, ولتطب نفسك بحفظ ما ضمن حفظه ربّ الأرباب. قال: المسألة الثّانية: إن قيل: الصّحيح من حديث الرّسول ما أخرج البخاري ومسلم وأبو داود, وكذلك أصحاب الصّحاح, وهي معروفة عند المحدّثين والفقهاء, وفي بعضها خلاف. وأمّا ما روي في

стр. 236

غير تلك الكتب فليس بصحيح -إلى قوله- أمّا هذا الفصل (١) فزعم القائل به أنّ مؤلّفي الصّحاح أعرف النّاس به, وقد تعرّضوا لحصر (٢) الصّحيح, فما لم يذكروه فليس بصحيح, إلى آخر ما ذكره في هذا المعنى. أقول: كلام المعترض هنا لا يحتاج إلى جواب أكثر من تعريفه [بأنّه] (٣) أفرط في الجهل, ورمى أهل الحديث بما نصّوا على البراءة منه نصوصاً كثيرة متواترة, فممّن نصّ على ذلك البخاري ومسلم: أمّا البخاريّ فإنّه اشتهر عنه أنّه خرّج صحيحه من مائة ألف حديث صحاح (٤) , مع أنّ صحيحه لا يشتمل إلا على قدر أربعة آلاف (٥) حديث من غير المكرّر, وهذا في رواية الفِربريّ, ورواية

стр. 237

حمّاد بن شاكر دونها بمئتي حديث, ودون هذه بمئة حديث رواية إبراهيم بن معقل (١) , فمن نصّ على أنّه أخرج أربعة آلاف حديث من مئة ألف صحاح كيف ينسب إلى دعوى حصر الصّحيح؟!. وأمّا مسلم؛ فروى النّواوي عنه في ((شرح مسلم)) (٢) النّصّ الصّريح على أنّه ما قصد حصر الصّحيح, وكذا روى النّواويّ في ((الشّرح)) (٣) إنكار ذلك على ابن وارة وأبي زرعة, وذكر الحاكم أبو عبد الله في خطبة ((المستدرك)) (٤) أنّ البخاريّ ومسلماً (٥) ما ادّعيا ذلك, وقد نصّ على ذلك علماء الحديث: منهم ابن الصّلاح, وزين الدّين, والحاكم وغيرهم, ولم يختلفوا في ذلك, وإنّما اختلفوا في عدد أقسام الصّحيح. فالحاكم عدّ أقسامه عشرة (٦) , وجعل حديث البخاريّ ومسلم

стр. 238

قسماً منها, وابن الصّلاح وزين الدّين [جعلا] (١) أقسام الصّحيح سبعة أقسام (٢) , و [جعلا] حديث البخاري ومسلم ثلاثة أقسام: ما اتفقا عليه قسماً, وما انفرد به كلّ واحد منهما قسماً, وابن الأثير في ((الجامع)) (٣) تبع الحاكم في تقسيمه المذكور. ولم يزل علماء الحديث وأئمّته يستدركون على صاحبي الصّحيح ما تركاه مما هو على شرطهما, ويحتجّون بما حكم بصحّته غيرهما كالبرقانيّ, وابن خزيمة, وابن حبان, والدّارقطنيّ, والبيهقي, والحاكم, وعبد الغني المقدسيّ, وعبد الحقّ, وتقيّ الدين ابن دقيق العيد, وابن سيّد النّاس, وأبي الحسن بن القطّان, والزّكيّ عبد العظيم وغيرهم, وهذا ظاهر لا يحتاج إلى تطويل, ومعلوم لا يفتقر إلى دليل. وليس يصحّ في الأفهام (٤) شيء ... إذا احتاج النّهار إلى دليل قال: وأمّا الفصل الأوّل -وهو أنّ كلّ ما في هذه الكتب فهو صحيح- ففيه موضعان: الأوّل: في حكاية المذهب, والثّاني: في

стр. 239

الدّليل. أمّا الأوّل فقد ذهب قوم إلى ذلك, وممّن قال به ابن الصّلاح /وحكى عن إجماع الفقهاء أنهم أفتوا من حلف بطلاق امرأته إن لم يكن [ما] (١) بين دفّتي ((صحيح البخاري)) قاله رسول الله ﷺ أنّ امرأته لا تطلق. وليت شعري كيف كان هذا الإجماع؟ أكان بأن طاف هذا السّائل جميع البقاع, أم بأن جُمع له علماء الأمّة في صعيد واحد وأذّن فيهم بهذا السّؤال, وأجابوه جميعاً بأنّ امرأته له حلال؟ وأيّ إجماع صحيح بغير علماء أهل البيت الأطهار, وشيعتهم الأخيار؟ أقول: الجواب على هذا الكلام يظهر بإيراد مباحث: البحث الأوّل: أنّ المعترض روى عن ابن الصّلاح, وعن قوم مجاهيل القول بأنّ جميع ما في هذه الكتب صحيح, والظّاهر أنّه أراد بهذه الكتب (٢): الكتب السّتّة؛ لأن الرّجل نصّ في كتابه ((علوم الحديث)) (٣) أنّ كتب (السّنن الأربعة) يدخلها ما هو ضعيف, وإنّما تكلّم الرّجل في صحّة المسند من البخاري ومسلم دون التّعاليق (٤) كما

стр. 240

سيأتي بيانه -إن شاء الله-, فالمعترض إن كان جهل الفرق بين السّتّة والاثنين, فليس من العقلاء, وإن كان حسب أنّ مثل هذا التّجاهل يمضي على أهل الحديث فليس من الفطناء. وأمّا القوم المجاهيل الذين نسب هذا المذهب الغريب إليهم: فإن كان يريد أنّهم أهل الحديث (١)؛ فنصوصهم على خلاف ذلك تشهد بتكذيب المعترض عليهم, وتكفي في تسويد وجه المعترض نسبة (٢) ذلك إليهم, فإنّهم قد نصّوا في كتب علوم الحديث, وذِكر شروط الأئمّة على خلاف ذلك, وإن كان يريد أنّ أولئك القوم من غير أهل الحديث؛ فما الموجب للاعتراض على أهل الحديث بذلك؟!. البحث الثاني: أنّه حكى عن ابن الصّلاح: أنّه الذي روى الإجماع على أنّ الحالف بصحّة ما في البخاريّ لا تطلق زوجته, والذي روى الإجماع على ذلك هو الحافظ أبو نصر السّجزيّ, وإنّما روى ابن الصّلاح ذلك عنه (٣) , وهذا يدلّ على عدم تثبّت المعترض في النّقل, وبناءه لكثير من كلامه على الوهم والجهل, ومن كان كذلك لا يصلح منه مناظرة الفطناء ومعارضة العلماء. البحث الثالث: أنّه أثبت في كلامه سائلاً سأل الأمّة, والرّجل لم

стр. 241

يقل إنّ أحداً سأل الأمّة, وإنّما قال: لو أنّ رجلاً سأل الفقهاء, فلو كان يلزمه ثبوت ما بعد ((لو)) لزم مثله (١) في قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] , والمعترض من المتصدّرين للتّدريس في غوامض العربيّة؛ فكيف نسي أنّ ((لو)) تفيد امتناع الشيء لامتناع غيره؟. البحث الرّابع: أنّ كلامه في القدح في الإجماع يلزمه زيادة شروط في صحّة الإجماع لم يشترطها أحد. أحدها: أنّه يشترط في راوي الإجماع أن يطوف جميع البقاع, أو تجمع له الأمّة (٢) في صعيد واحد. الثّاني: أن يؤذّن فيهم بالحادثة. الثّالث: أن يجيبوه جميعاً, ولا يكون فيهم من سكت (٣) في تلك الحال, ثمّ أجاب بعد ذلك أو روى مذهبه بواسطة. وهذا كلّه مجرّد تشنيع لا يفيد, وتهويل لا يمضي. البحث الخامس: أن المعترض قد ادّعى في كتابه إجماعات كثيرة ولم يحصل فيها شيء من /هذه الشّرائط, وهذا من الحيف الذي لا يرتضيه أهل التمييز في المباحث العلميّة. البحث السّادس: أنّه روى عن ابن الصّلاح في أوّل كلامه أنّه

стр. 242

ادّعى إجماع الفقهاء, ثمّ ألزمه أن يجمع له جميع الأمّة في صعيد (١) , ومن لم يفرّق بين الأمّة والفقهاء فليس بأهل لمراسلة العلماء, فإن الفقهاء لا تكون جزءاً من ألف جزء من الأمّة ولا ما يقارب ذلك. البحث السّابع: قال: وأيّ إجماع صحيح بغير أهل البيت وشيعتهم؟!. قلنا: ومن أين يلزمه دخولهم (٢)؟ وأنت إنّما رويت عنه دعوى إجماع الفقهاء, وأهل البيت عندكم لا يدخلون في ذلك عرفاً ولا لغة, فإنّكم تروون الخلاف بين أهل البيت والفقهاء, كما أنّ أهل البيت لا يدخلون في المحدّثين وإن كانوا يعرفون الحديث ولا في القرّاء والنّحاة ونحو ذلك, والفقهاء عندكم اسم مختصّ في العرف بأئمة المذاهب الأربعة وأتباعهم. البحث الثّامن: أن الرّجل ادّعى إجماع العلماء لا إجماع الفقهاء, ولكن المعترض لا يدري ما ينقل ولا يعقل ما يقول!. البحث التّاسع: من أين عرفت أنّ أهل عصر من علماء أهل البيت والشّيعة لم يجمعوا على صحة حديث البخاريّ؟ وما آمنك أنّهم قد أجمعوا على ذلك, وأنّك جهلت إجماعهم عليه؟ ألا ترى أنّ كثيراً

стр. 243

من علماء أهل البيت والشّيعة ادّعوا الإجماع على قبول أهل التّأويل كما سيأتي ذكره, وأنت جهلت ذلك؟. وأقصى ما في الباب أنّك طلبت فلم تجد, فليس عدم الوجدان يدلّ على عدم الوجود, وأنّك وجدت في ذلك خلافاً فليس ذلك يمنع من ثبوت الإجماع عند كثير من أهل العلم, وذلك حيث يكون المخالف من أهل عصر, والمجمعون أهل عصر آخر, لا سيّما إذا كانوا متقدّمين والمخالف بعدهم, و (١) يكون المخالف شاذّاً نادراً, [أو] يكون ممن لا يعتدّ بخلافه, [أو] (٢) ينعقد الإجماع على رأسه لأحد الأسباب المذكورة في كتب الأصول. ومع هذه الاحتمالات؛ كيف يحسن ممّن يدّعي الذّكاء والمعرفة أن يعترض على من يدّعي (٣) الإجماع؟ والاعتراض على هذا الوجه المقتضي لتقبيح الخلاف لا يحسن إلا فيما أدلّته برهانيّة قطعيّة دون المسائل الخلافيّة الظّنيّة. البحث العاشر: أنّك إمّا أن تقبّح [التّمسّك] (٤) بالإجماع السّكوتي وتحرّم الاحتجاج له أو لا, إن حرّمته وقبّحته لزمك تأثيم أكثر الأمّة والأئمّة فإنّهم يقولون بصحّة الاحتجاج به, فقد ذكره الإمام المنصور بالله في: ((الصّفوة)) وغيره من أئمة الشّيعة وعلمائهم,

стр. 244

وكذلك سائر علماء الفرق (١) , وأكثر الإجماعات المدّعاة لا تكون إلا منه. وإن كنت لا تنكر التّمسّك بالإجماع السّكوتي, ولا تحرّمه, فالظّاهر من [أقوال] (٢) أئمّة الزّيديّة من أهل البيت وشيعتهم؛ موافقة سائر العلماء من المحدّثين والفقهاء وأهل السّنّة على ما /ادّعوه من صحّة الصّحيح من حديث هذه الكتب, وإنّما قلنا: إنّ الظّاهر إجماعهم على ذلك, لأنّ الاحتجاج بما صحّحه أهل هذه الكتب ظاهر في كتبهم, شائع بين علمائهم من غير نكير, فقد روى عنهم الإمام أحمد بن سليمان (٣) في كتابه ((أصول الأحكام)) (٤) على وجه يوجب القول بصحّتها, فإنّه صنّف كتابه في أحاديث الأحكام, وصرّح في خطبته بالرّواية منها, ولم يميّز حديثها من حديث أهل البيت, فتأمّل ذلك. وكذلك الإمام المنصور بالله في كثير من مصنّفاته, منها كتاب: ((العقد الثمين)) (٥) , ونصّ فيه على صحّة أسانيدها.

стр. 245

وكذلك الأمير العلاّمة الحسين بن محمد (١) في كتابه ((شفاء الأوام)) (٢) الذي لم يصنّف أحد من الزّيديّة في الحديث مثله, فإنّه صرّح فيه (٣) بالرّواية منها على سبيل الاحتجاج بحديثها, وكذلك صاحب ((الكشّاف)) فإنّه روى من ((صحيح مسلم)) وسمّاه: صحيحاً, وفي ((تعليق اللّمع)) الذي هو (٤) مدرس الزّيديّة أنّه يكفي المجتهد في معرفة الحديث: ((الموطأ)) أو ((سنن أبي داود)) , ذكره الفقيه علي بن يحيى الوشلي (٥) في تعليقه (٦) , وكذلك قال القاضي العلاّمة عبد الله بن

стр. 246

حسن الدّوّاري (١) في تعليقه على ((الخلاصة)) (٢): إنه يكفي المجتهد ((أصول الأحكام)) , وأحد الكتب الصّحيحة المشهورة, وكذا قال علاّمة الشيعة: علي بن عبد الله بن أبي الخير (٣) في تعليقه على ((الجوهرة)) (٤): إنه يكفي المجتهد كتاب جامع لأكثر الأخبار الشّرعيّة كـ ((سنن أبي داود)) وغيره. فهذه كتب الزّيديّة المشهورة المتداولة بين علمائهم الأفاضل المدروسة على محقّقيهم الأواخر منهم والأوائل قد صرّحوا فيها بما يقتضي صحّة ((سنن أبي داود)) وأمثالها من كتب السّنن, فكيف بصحيحيّ البخاري ومسلم؟! وشاع ذلك وذاع ولم ينكره منهم أحد, فكيف تنكر على مدّعي الإجماع على صحّة مسند حديث البخاري ومسلم, وتقدح فيه بمخالفة أهل البيت وشيعتهم؟!.

стр. 247

وأقصى ما في الباب: أن ينقل إنكار ذلك عن بعض النّاس في بعض الأعصار, فذلك النقل في نفسه ظنّيّ نادر, واعتبار القدح بالنّادر الظّنّي في بعض الأعصار لا يقدح في إجماع أهل عصر آخر, فلا طريق إلى تكذيب مدّعي هذا الإجماع على اعتبار كثير من أهل العلم في طريق الإجماع, وقد رأينا كثيراً من أهل العلم يثبتون الإجماع السّكوتي بمثل هذا وبأقلّ من هذا. البحث الحادي عشر: أنّ الظّاهر إجماع الشّيعة من الفقهاء أن من حلف بالطّلاق على صحّة أمر, وهو يظنّ صحّته, ولم ينكشف بطلانه لم يحنث, لأنّ الأصل بقاء الزّوجيّة, فلا تبطل (١) بمجرّد الاحتمال المرجوح, كما لو حلف بطلاقها إن (٢) خرجت من بيته, ولم يعلم خروجها, ولا علمت هي أنها خرجت, ولا ظنّا ذلك فإنّها لا تطلق. ولهذا تأوّل النّواويّ تخصيص ((البخاري)) /بذلك بأنّ المراد: أنّه لا يحنث باطناً ولا ظاهراً, ولا يستحب له الاحتياط؛ لأنّ الأمّة تلقته بالقبول فهو معلوم الصّحّة بطريق نظريّ, هذا تأويل النّوويّ لمدّعي الإجماع (٣) , وليس هذا اختياره, فإنّ اختياره واختيار المحققين: أنّ ما تلقته الأمّة بالقبول يفيد الظّنّ ما لم يتواتر, وقد حكى النّواويّ القول الأوّل عن ابن الصّلاح ثمّ قال: ((وخالف ابن الصّلاح

стр. 248

الأكثرون والمحققون)) (١). قلت: حجّة الجمهور أنّ الأمّة إنّما تلقّت الحديث الصّحيح بالقبول؛ لأنّهم ظنّوا صحّته, والعمل بالظّنّ واجب عليهم, والظّنّ قد يخطيء (٢). قال ابن الصّلاح: ((وقد كنت أميل إلى هذا وأحسبه قويّاً, ثمّ بان لي (٣) أنّ ظنّ من هو معصوم من الخطأ لا يخطىء)) (٤). قلت: فتبيّن أنّ موضع النّزاع هو: أنّ ظنّ المعصوم هل يجوز أن يخطىء أم لا, وفيه دقّة, ويلزم منه أن لا يكون الإجماع حجّة في المسائل الظّنيّة, والحجج من الجهتين ظنّيّة, وقد بسطت القول فيها في ((العواصم)) (٥) وإنّما قصدت عنا بيان ظهور ما أنكره المعترض من قول العلماء: إنّ الحالف بصحّة البخاري لا يحنث, فنحبّ منه أن ينقل لنا مذاهب العلماء الذين قالوا بحنث الحالف, وطلاق زوجته, ويعيّن من قال بذلك من أهل العلم حتّى يظهر المحقّ من المبطل. وهذا الموضع يحتمل ذكر فوائد ذكرتها في ((الأصل)) (٦) منها ما

стр. 249

ذكره النّوويّ في ((شرح مسلم)) , ومنها ما لم يذكره, ثمّ اختصرتها لأنّها لا [تتعلّق] (١) بنقض كلام المعترض. قال: والذي يذهب إليه علماؤنا ويجري على أصولهم أنّ في أخبار هذه الكتب: الصّحيح, والمعلول, والمردود, والمقبول. أقول: الجواب: أنّ حديث هذه الكتب منقسم إلى أقسام: أحدها: ما بيّنوا أنّه صحيح, وأجمعوا على صحّته, وهذا القسم العمل بمقتضاه واجب بلا خلاف بينهم, وإنّما اختلفوا في أنّه هل يفيد العلم القاطع, أو الظّنّ الرّاجح على ما مضى؟ ومن نازع في الإجماع فلمدّعي الإجماع أن يبحث عليه بأحد تلك الوجوه المتقدّمة, وهذا القسم هو أرفع أقسام الصّحيح السّبعة على ما بيّنه العلماء في كتب ((علوم الحديث)) (٢). القسم الثّاني: ما اختلفوا في صحّته من أحاديث هذه الكتب, فيرجع فيه إلى كتب الجرح والتعديل, ثمّ يوزن عند التّعارض بميزان التّرجيح. القسم الثّالث: ما نصّ (٣) علماء الحديث -أو أحدهم- على ضعفه, ولم يعارضهم من يقول بصحّته, فهذا لا يؤخذ به في الأحكام

стр. 250

ويؤخذ به في الفضائل, فلا يخلو المعترض إمّا أن يريد أنّ المردود والمعلول في القسمين الأخيرين؛ فذلك مسلّم ولا خلاف فيه, أو يريد أنّه في القسم الأوّل؛ فذلك ممنوع, لأنّ المخالف إمّا أن يقرّ بورود التّعبّد بأخبار الآحاد, أو لا: إن لم يقرّ بذلك فليس ينبغي أن يراجع في هذا المقام, لأنّه فرع لذلك الأصل, ومن جحد الأصل لم يراجع في الفرع. وإن أقرّ بورود التّعبّد بأخبار الآحاد والعمل فيها بأقوى الظّنون /فلا يخلو: إمّا أن يقرّ أنّ أهل كلّ فنّ أعرف به, وأنّ المرجع في كلّ فنّ إلى أهله أو لا؛ إن لم يعترف بذلك؛ فهو معاند غير مستحق للمناظرة؛ لأنّ المعلوم من الفرق الإسلامية على اختلاف طبقاتها: الاحتجاج في كلّ فنّ بكلام أهله, ولو لم يرجعوا إلى ذلك لبطلت العلوم, لأنّ غير أهل الفنّ إمّا ألا يتكلموا فيه بشيء البتّة أو يتكلموا فيه بما لا يكفي ولا يشفي, ألا ترى أنّك لو رجعت في تفسير غريب القرآن والسّنّة إلى القرّاء, وفي القراءات إلى أهل اللّغة, وهي المعاني والبيان والنّحو إلى أهل الحديث, وفي علم الإسناد وعلل الحديث إلى المتكلمين, وأمثال ذلك لبطلت العلوم, وانطمست منها المعالم والرّسوم, وعكسنا المعقول, وخالفنا ما عليه أهل الإسلام. وإن اعترف المعترض بالحقّ, وأقرّ أنّ كلام أهل كلّ فنّ مقدّم في فنّهم على غيرهم, معتمد فيه على تحقيقهم, فلا شكّ أنّه قد اشتهر عند كل منصف ما لأهل الحديث من العناية التّامّة في معرفته, والبحث عن علله ورجاله وطرقه, والاختلاف الكثير الواقع بينهم كثير منه,
следующие страницы →