← Акыда

Акыда · id 36427

الروض الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم - صلى الله عليه وسلم -

ابن الوزير

Полный текст (691 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

حسن الدّوّاري (١) في تعليقه على ((الخلاصة)) (٢): إنه يكفي المجتهد ((أصول الأحكام)) , وأحد الكتب الصّحيحة المشهورة, وكذا قال علاّمة الشيعة: علي بن عبد الله بن أبي الخير (٣) في تعليقه على ((الجوهرة)) (٤): إنه يكفي المجتهد كتاب جامع لأكثر الأخبار الشّرعيّة كـ ((سنن أبي داود)) وغيره. فهذه كتب الزّيديّة المشهورة المتداولة بين علمائهم الأفاضل المدروسة على محقّقيهم الأواخر منهم والأوائل قد صرّحوا فيها بما يقتضي صحّة ((سنن أبي داود)) وأمثالها من كتب السّنن, فكيف بصحيحيّ البخاري ومسلم؟! وشاع ذلك وذاع ولم ينكره منهم أحد, فكيف تنكر على مدّعي الإجماع على صحّة مسند حديث البخاري ومسلم, وتقدح فيه بمخالفة أهل البيت وشيعتهم؟!.

стр. 247

وأقصى ما في الباب: أن ينقل إنكار ذلك عن بعض النّاس في بعض الأعصار, فذلك النقل في نفسه ظنّيّ نادر, واعتبار القدح بالنّادر الظّنّي في بعض الأعصار لا يقدح في إجماع أهل عصر آخر, فلا طريق إلى تكذيب مدّعي هذا الإجماع على اعتبار كثير من أهل العلم في طريق الإجماع, وقد رأينا كثيراً من أهل العلم يثبتون الإجماع السّكوتي بمثل هذا وبأقلّ من هذا. البحث الحادي عشر: أنّ الظّاهر إجماع الشّيعة من الفقهاء أن من حلف بالطّلاق على صحّة أمر, وهو يظنّ صحّته, ولم ينكشف بطلانه لم يحنث, لأنّ الأصل بقاء الزّوجيّة, فلا تبطل (١) بمجرّد الاحتمال المرجوح, كما لو حلف بطلاقها إن (٢) خرجت من بيته, ولم يعلم خروجها, ولا علمت هي أنها خرجت, ولا ظنّا ذلك فإنّها لا تطلق. ولهذا تأوّل النّواويّ تخصيص ((البخاري)) /بذلك بأنّ المراد: أنّه لا يحنث باطناً ولا ظاهراً, ولا يستحب له الاحتياط؛ لأنّ الأمّة تلقته بالقبول فهو معلوم الصّحّة بطريق نظريّ, هذا تأويل النّوويّ لمدّعي الإجماع (٣) , وليس هذا اختياره, فإنّ اختياره واختيار المحققين: أنّ ما تلقته الأمّة بالقبول يفيد الظّنّ ما لم يتواتر, وقد حكى النّواويّ القول الأوّل عن ابن الصّلاح ثمّ قال: ((وخالف ابن الصّلاح

стр. 248

الأكثرون والمحققون)) (١). قلت: حجّة الجمهور أنّ الأمّة إنّما تلقّت الحديث الصّحيح بالقبول؛ لأنّهم ظنّوا صحّته, والعمل بالظّنّ واجب عليهم, والظّنّ قد يخطيء (٢). قال ابن الصّلاح: ((وقد كنت أميل إلى هذا وأحسبه قويّاً, ثمّ بان لي (٣) أنّ ظنّ من هو معصوم من الخطأ لا يخطىء)) (٤). قلت: فتبيّن أنّ موضع النّزاع هو: أنّ ظنّ المعصوم هل يجوز أن يخطىء أم لا, وفيه دقّة, ويلزم منه أن لا يكون الإجماع حجّة في المسائل الظّنيّة, والحجج من الجهتين ظنّيّة, وقد بسطت القول فيها في ((العواصم)) (٥) وإنّما قصدت عنا بيان ظهور ما أنكره المعترض من قول العلماء: إنّ الحالف بصحّة البخاري لا يحنث, فنحبّ منه أن ينقل لنا مذاهب العلماء الذين قالوا بحنث الحالف, وطلاق زوجته, ويعيّن من قال بذلك من أهل العلم حتّى يظهر المحقّ من المبطل. وهذا الموضع يحتمل ذكر فوائد ذكرتها في ((الأصل)) (٦) منها ما

стр. 249

ذكره النّوويّ في ((شرح مسلم)) , ومنها ما لم يذكره, ثمّ اختصرتها لأنّها لا [تتعلّق] (١) بنقض كلام المعترض. قال: والذي يذهب إليه علماؤنا ويجري على أصولهم أنّ في أخبار هذه الكتب: الصّحيح, والمعلول, والمردود, والمقبول. أقول: الجواب: أنّ حديث هذه الكتب منقسم إلى أقسام: أحدها: ما بيّنوا أنّه صحيح, وأجمعوا على صحّته, وهذا القسم العمل بمقتضاه واجب بلا خلاف بينهم, وإنّما اختلفوا في أنّه هل يفيد العلم القاطع, أو الظّنّ الرّاجح على ما مضى؟ ومن نازع في الإجماع فلمدّعي الإجماع أن يبحث عليه بأحد تلك الوجوه المتقدّمة, وهذا القسم هو أرفع أقسام الصّحيح السّبعة على ما بيّنه العلماء في كتب ((علوم الحديث)) (٢). القسم الثّاني: ما اختلفوا في صحّته من أحاديث هذه الكتب, فيرجع فيه إلى كتب الجرح والتعديل, ثمّ يوزن عند التّعارض بميزان التّرجيح. القسم الثّالث: ما نصّ (٣) علماء الحديث -أو أحدهم- على ضعفه, ولم يعارضهم من يقول بصحّته, فهذا لا يؤخذ به في الأحكام

стр. 250

ويؤخذ به في الفضائل, فلا يخلو المعترض إمّا أن يريد أنّ المردود والمعلول في القسمين الأخيرين؛ فذلك مسلّم ولا خلاف فيه, أو يريد أنّه في القسم الأوّل؛ فذلك ممنوع, لأنّ المخالف إمّا أن يقرّ بورود التّعبّد بأخبار الآحاد, أو لا: إن لم يقرّ بذلك فليس ينبغي أن يراجع في هذا المقام, لأنّه فرع لذلك الأصل, ومن جحد الأصل لم يراجع في الفرع. وإن أقرّ بورود التّعبّد بأخبار الآحاد والعمل فيها بأقوى الظّنون /فلا يخلو: إمّا أن يقرّ أنّ أهل كلّ فنّ أعرف به, وأنّ المرجع في كلّ فنّ إلى أهله أو لا؛ إن لم يعترف بذلك؛ فهو معاند غير مستحق للمناظرة؛ لأنّ المعلوم من الفرق الإسلامية على اختلاف طبقاتها: الاحتجاج في كلّ فنّ بكلام أهله, ولو لم يرجعوا إلى ذلك لبطلت العلوم, لأنّ غير أهل الفنّ إمّا ألا يتكلموا فيه بشيء البتّة أو يتكلموا فيه بما لا يكفي ولا يشفي, ألا ترى أنّك لو رجعت في تفسير غريب القرآن والسّنّة إلى القرّاء, وفي القراءات إلى أهل اللّغة, وهي المعاني والبيان والنّحو إلى أهل الحديث, وفي علم الإسناد وعلل الحديث إلى المتكلمين, وأمثال ذلك لبطلت العلوم, وانطمست منها المعالم والرّسوم, وعكسنا المعقول, وخالفنا ما عليه أهل الإسلام. وإن اعترف المعترض بالحقّ, وأقرّ أنّ كلام أهل كلّ فنّ مقدّم في فنّهم على غيرهم, معتمد فيه على تحقيقهم, فلا شكّ أنّه قد اشتهر عند كل منصف ما لأهل الحديث من العناية التّامّة في معرفته, والبحث عن علله ورجاله وطرقه, والاختلاف الكثير الواقع بينهم كثير منه,

стр. 251

الدّال على عدم تقليد بعضهم في الحديث لبعض, وعدم المتابعة لمجرّد (١) العصبيّة, بحيث لو كانوا في القلّة في حدّ يمكن تواطؤهم على التّعصّب؛ لوجب ترجيح كلامهم, وقبول قولهم في فنّهم, كيف وهم من الكثرة في حدّ لا يمكن معه تواطؤهم على ذلك؛ لاختلاف أزمانهم وبلدانهم وأغراضهم وأديانهم! ومع ذلك فقد اشتهر عن أئمتهم القول بصحّة مسند ((صحيحي البخاري ومسلم)) , وادّعى غير واحد من ثقاتهم انعقاد الإجماع على ذلك؛ وخبر الثّقة في رواية الإجماع واجب القبول, كما هو المنصور المصحّح في موضعه من كتب الأصول (٢). وعلى تسليم أنّه ليس بمقبول (٣) , وأنّ ذلك الإجماع غير صحيح؛ فلا أقلّ من أن يكون ما ادّعي الإجماع على صحّته قول جماهير نقاد علم الحديث, وأئمة فرسان علم الأثر, وهذا من أعظم وجوه التّراجيح, بل أئمة علماء الأصول, والغوّاص على الدقائق والحقائق من أهل علوم المعقول, يقضون بوجوب التّرجيح بأخفّ أمارة, وأخفى دلالة تثير أقلّ الظّنّ, وتثمر يسير القوّة, فكيف بما نقّحه, وصحّحه (٤) إمام الحفّاظ الثّقات, والنّقّاد الأثبات: محمد بن إسماعيل البخاري, ومسلم بن الحجّاج النّيسابوريّ, وانتقياه من ألوف أحاديث صحاح, مع تواتر إمامتهما وأمانتهما ونقدهما ومعرفتهما,

стр. 252

فلو لم يتابعهما غيرهما لكان التّرجيح بهما كافياّ, والتّعويل على قولهما واجباً, كيف وقد خضعت لهما رقاب النّقّاد! وأطبق على تصحيح دعواهما أئمة علماء الإسناد!. فإن قلت: أليس قد اختلف في توثيق بعض رواتهما, وعلّل بعض الحفّاظ شيئاً من حديثهما, وصنّف الدّارقطنيّ في ذلك كتاب ((الاستدراكات والتّتبّع)) (١) وصنّف في ذلك أبو مسعود الدّمشقي (٢) وأبو علي الغسّاني الجيّانيّ (٣) , فكيف يصحّ مع ذلك دعوى الإجماع؟!. قلنا: قد ذكر العلماء في علوم الحديث, وشروح الصّحاح جميع ذلك, واستوعبوا الجواب عليه وبيّنوا القول فيه, ولابدّ من ذكر /نكتة يسيرة من ذلك على قدر هذا (المختصر) فأقول: اعلم أنّ المختلف فيه من حديثهما هو اليسير, وليس في ذلك

стр. 253

اليسير ما هو مردود بطريق قطعيّة ولا إجماعيّة, بل غاية ما فيه أنّه لم ينعقد عليه الإجماع, وأنّه لا يعترض على من عمل به, ولا على من توقّف في صحّته, وليس الاختلاف يدلّ على الضّعف ولا يستلزمه, فقد اختلف في الرّاشدين الذين هم أفضل الصّحابة, وكفّرتهم طوائف الرّوافض والنّواصب والخوارج, وسلم من التّكفير والاختلاف من هو دون الخلفاء ﵃ من صغار الصّحابة, فليس مجرّد ذكر الاختلاف بضائر للثقات من رجال الصّحيحين, ولا مشعر بضعف حديثهم, وإنّما الحجّة في الإجماع لا في الخلاف, والإجماع لم ينعقد على ضعف شيء فيهما, وإنّما انعقد على صحّتهما إلا ما لا نسبة له إلى ما فيهما من الصّحيح, فإنّه وقع فيه الاختلاف الذي هو ليس بحجّة على الضّعف ولا على الصّحّة, إذ لو دلّ على شيء (١) لم يكن بأن يدلّ على الضّعف أولى من أن يدلّ على الصّحّة, إذ كلّ منهما قد قال به قائل, بل يكون القائل بالصّحّة أولى لأنّه مثبت, والمضعّف للحديث إذا لم يبيّن سبب التّضعيف ناف والمثبت أولى من النّافي. وقد ألف زين الدّين كتاباً في الجواب عن ذلك (٢) , وذكر

стр. 254

النّووي في ((شرح مسلم)) (١) أنّه قد أجاب عن ذلك, أو عن أكثره في شرحه, على أنّ الأمر قريب في ذلك الخلاف, وهو ينحصر في نوعين: النّوع الأوّل: تعليل بعض أحاديثهما, ومثاله: أن يرفع الحديث بعض الثّقات ويقفه الباقون, أو يسنده ويرسلوه, ونحو ذلك من العلل, وهذا النّوع مما اختلف في القدح به, وأكثر علماء الأصول على أنّه لا يقدح في صحّة الحديث ولا في الرّاوي, وأكثر المحدّثين على القدح به في الحديث إذا غلب على الظّنّ وقوع الوهم فيه, وفي الرّاوي إذا أكثر من ذلك, ومذهب المعتزلة والزّيديّة: أنّه لا يقدح بهذا النّوع في الحديث ولا في الرّاوي. ومثال ما وقع في البخاري منه: ما أخرجه البخاري (٢) عن الشّعبيّ عن جابر مرفوعاً: ((لا تنكح المرأة على عمّتها)) هذا حديث رواته ثقات, لكن له علّة وهي: أنّ المشهور عن الشّعبيّ أنّه رواه عن أبي هريرة لا عن جابر, وقد خرّجه البخاريّ كذلك أيضاً, لكنّه رأى أنّه لا مانع من كون الشّعبيّ يرويه عن جابر وأبي هريرة [معاً] (٣) فرواه [عنه] (٤) عنهما.

стр. 255

والمحدّثون يرون أنّه لو كان يحفظه عنهما معاً لرواه كذلك لتلامذته وطلبة العلم منه, ولمن يقبل ذلك أن يقول: يحتمل أنّه ذكر تلك الطّريق الثّانية بعد نسيان, أو استفادها بعد جهل, أو تذكّرها بسبب سؤال عنها, أو ذكرها بحسب الدّاعي إلى ذكرها أو نحو ذلك, فمع هذه التّجويزات لا يحسن طرح مثل ذلك, فإن ترجّح طرحه لأحد؛ فلا وجه للاعتراض على من قبله, فبان لك أنّ الأمر في مثل هذا قريب النظر إلى الحديث في نفسه, وكذلك النّظر إلى راوي الحديث؛ لأنّه إنّما يدلّ على أنّ الثّقة وهم في روايته, والوهم جائز على الثّقات, /ولايقدح بمطلقه إجماعاً, بل ادّعى عبد الله بن زيد العنسي الإجماع على قبول حفظه أكثر من وهمه, ذكره في ((الدّرر المنظومة)) , وذلك هو المشهور في كتب الأصول, ولكن لم يصرّحوا بدعوى الإجماع عليه. وأمّا إذا استوى وهمه وحفظه؛ فاختلفوا: فالمشهور ردّ حديثه ببطلان رجحان صدقه, ومنهم من قال: لا يجوز ردّ حديثه لأنّ الأدلّة الموجبة لقبوله تعمّ هذه الصّورة, واستواء حفظه ووهمه لا ينتهض مخصّصاً مانعاً من العمل بالعام مسقطاً للتّكليف بقبوله, وممّن اختار هذا من الزّيديّة: عبد الله بن زيد في ((الدّرر)) , والإمام المنصور بالله في ((الصّفوة)) وإنّما أجمع العلماء على ردّ حديث من (١) وهمه أكثر من إصابته. وأمّا المحدّثون: فهم أكثر النّاس تشديداً في القدح بالوهم؛

стр. 256

لأنّهم يقدحون به متى كثر, وإن لم يكن أكثر من الصّواب, ولهذا تجد كثيراً من أئمة الجرح والتّعديل يتردّدون في الرّاوي فيوثّقونه مرّة ويضعّفونه أخرى, وذلك لأنّ دخول وهمه حيّز الكثرة مما لا يوزن بميزان معلوم, وإنّما يُظنّ (١) ويرجح فيه التّحرّي والاجتهاد, فصار النّظر فيه كنظر الفقهاء في الحوادث الظّنيّة, فلذا يكون لابن معين في الرّاوي قولان: التّوثيق والتّضعيف ونحو ذلك. ومنهم من يغلو و (٢) يقدح بالوهم وإن لم يكثر, وإنّما يقدح بهذا من قلّ فقهه وبصره بمعنى العدالة, والاحتراز عن الوهم غير ممكن, والعصمة مرتفعة عن العدول, بل العصمة لا تمنع من الوهم إلا في التّبليغ, فقد وهم رسول الله ﷺ أنّه صلّى بعض الفرائض على الكمال, فقال له ذو اليدين: ((أقصرت الصّلاة أم سهوت (٣) يا رسول الله؟ فقال: كلّ ذلك لم يكن)) (٤) الحديث, وهذا وهم, وبناء على ما اعتقده ﷺ , والحديث في ((الصّحيح)) , وقال ﷺ : ((رحم الله فلاناً لقد أذكرني آية كنت أُنسيتها)) رواه [مسلم] (٥) , وفي ((الصّحيح)) (٦) عن عائشة -رضي

стр. 257

الله عنها- أنّها قالت في حق ابن عمر: ((ماكذب ولكنّه وهم)). وقد صحّ عن عمر ﵁ أنّه نسي حديث التّيمّم الذي رواه عمّار (١) ولم يذكره بالتّذكير مع أنّه مما لا ينسى [مثله] (٢) , ونسي أيضاً قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَيِّتُونَ﴾ [الزمر:٣٠] حتّى ذكّره ذلك أبو بكر ﵁ حين خطب بعد موت رسول الله ﷺ (٣). بل نصّ القرآن على جواز النّسيان على أهل رتبة النّبوّة الذين هم أعلى طبقات البشر, فقال تعالى: ﴿وَمَا أَرسَلنَا مِنْ قَبلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلاَ نَبِيِّ/ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّى أَلقَى الشَّيطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللهُ مَا يُلقِي الشَّيطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللهُ آيَاتِهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الحج:٥٢]. أي: إذا تلا ألقى الشّيطان في تلاوته على سبيل السّهو, ثمّ ينسخ الله ذلك, يعرّف الله (٤) الأنبياء والرّسل به, حتّى لا تبطل العصمة به عن الخطأ في التّبليغ. وقال في حقّ آدم ﵇: ﴿فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً﴾ [طه:١١٥] , ولو أردنا أن نستقصي ما ورد في هذا الباب لطال الكلام, والمقصود بهذا أن القدح على رواة الصّحاح بالتّهمة لهم (٥) بالوهم النّادر مما لا يقتضي جرحهم, ولا يقدح في حديثهم.

стр. 258

النّوع الثّاني: مما قدح به على البخاريّ ومسلم: الرّواية عن بعض من اختلف في جرحه وتوثيقه, وقد ذكر النّووي في ((شرح مسلم)) (١) وذكر الجواب عنه بوجوه قد ذكرها أيضاً ابن الصّلاح (٢): أحدها: أن يكون ذلك فيمن هو ضعيف عند غيره ثقة عنده, ولا يقال: الجرح مقدّم على التّعديل؛ لأنّ ذلك فيما إذا كان الجرح ثابتاً مفسّراّ بسبب, وإلا فلا يقبل الجرح إذا لم يكن كذلك, وقد قال الإمام الحافظ أبو بكر أحمد بن عليّ بن ثابت الخطيب البغداديّ وغيره: ما احتجّ البخاريّ ومسلم وأبو داود به من جماعة علم الطّعن فيهم من غيرهم محمول على أنّه لم يثبت الطّعن المؤثر مفسّر السبب. انتهى كلام النّوويّ. قلت: فإن قيل: أليس قد ثبت في علوم الحديث أنّ الجرح الذي لم يفسّر سببه, وإن لم يجرح به لكنّه يوجب ريبة, فيجب التّوقّف عن قبول من قبل ذلك فيه, وعن ردّه؟. فالجواب: أنّ ذلك إنّما يوجب الرّيبة في غير المشاهير بالعدالة والثّقة, وأمّا من وثّقه أهل الخبرة التّامّة من أئمّة هذا الشأن؛ فإنّ الجرح المطلق لا يزيل ظنّ ثقته, ومن زال عنه ظنّ ثقته بالرّاوي كان له ترك حديثه, ولم يكن له الاعتراض على من قبله ممّن لم يؤثّر ذلك في ظنّه لثقة الرّاوي وأمانته.

стр. 259

ألا ترى أنّهم قد اختلفوا [اختلافاً] (١) كثيراً في جرح حمزة بن حبيب أحد القرّاء السّبعة (٢) , فلم يضرّه ذلك مع شدّة الاختلاف فيه (٣) , بل انعقد الإجماع بعد ذلك على قبوله وتوثيقه, وكذلك كثير ممّن اختلف فيه من رواة البخاريّ ومسلم قد أجمع على قبوله وزال الخلاف, وأقلّ أحوال هذا الإجماع الظّاهر أن يكون مرجّحاً, فإنّ العلماء يتمسّكون في التّراجيح بأشياء ضعيفة لا تقارب هذا في القوة والله أعلم. وهذا من نفيس (علوم الحديث) ولطيف كلام أئمة أهل هذا الشأن. وممّن ذكر هذا الجواب الإمام الحافظ زين الدين ابن العراقيّ في ((تبصرته)) (٤) لكنّه لم يستوفه.

стр. 260

ومن لطيف علم هذا الباب: أن يعلم أنّ لفظة / ((كذّاب)) قد يطلقها كثير من المتعنّتين في الجرح على من يهم ويخطىء في حديثه, وإن لم يتبيّن أنّه تعمّد ذلك, ولا تبيّن أنّ خطأه أكثر من صوابه ولا مثله, ومن طالع كتب الجرح والتّعديل عرف ما ذكرته, وهذا يدلّ على أنّ هذا اللفظ من جملة الألفاظ المطلقة التي لم يفسّر سببها, ولهذا أطلقه كثير من الثّقات على جماعة من الرّفعاء من أهل الصّدق والأمانة, فاحذر أن تغترّ بذلك في حقّ من قيل فيه من الثّقات الرّفعاء, فالكذب في الحقيقة اللّغوية ينطلق على الوهم والعمد معاً ويحتاج إلى التّفسير, إلا أن يدلّ على التّعمد قرينة صحيحة (١). قال النّووي -رحمه الله تعالى-: الثّاني: أن يكون ذلك واقعاً في المتابعات والشّواهد, وقد اعتذر الحاكم أبو عبد الله بالمتابعة والاستشهاد في إخراجه عن جماعة ليسوا من شرط الصّحيح, منهم: مطر الورّاق, وبقيّة بن الوليد, ومحمد بن إسحاق بن يسار, وعبد الله بن عمر العمريّ, والنّعمان بن راشد, وأخرج مسلم عنهم في الشّواهد في أشباه لهم كثيرين. قلت: وقد صرّح مسلم بهذا كما يأتي في الوجه الرّابع, وقد استخرجت مثل ذلك للبخاري من وجه صحيح وهو: أنّه قد نصّ على تضعيف جماعة ثمّ روى عنهم في الصّحيح, ذكر ذلك الذّهبيّ في تراجمهم في ((الميزان)) (٢) , ولم يذكر أنّ البخاريّ أخرج حديثهم

стр. 261

متابعة, فدلّ هذا على أنّ صاحبي الصّحيح قد يخرجان من الطريق التي فيها ضعف, لوجود متابعات وشواهد, تجبر ذلك الضّعف, وإن لم تورد تلك المتابعات والشّواهد في ((الصحيحين)) قصداً للاختصار والتقريب على طلبة العلم, مع أن تلك المتابعات والشواهد معروفة في الكتب البسيطة والمسانيد الواسعة, وربّما أشار بعض شرّاح ((الصّحيحين)) إلى شيء منها. قال النّوويّ: الثّالث: أن يكون ضعف الضّعيف الذي احتجّ به طرأ بعد أخذه عنه, باختلاط حدث عليه غير قادح فيما رواه من قبل في زمن استقامته, كما في أحمد بن عبد الرحمن بن وهب ابن أخي عبد الله بن وهب, فذكر الحاكم أبو عبد الله (١): أنّه اختلط بعد الخمسين ومئتين بعد خروج مسلم من مصر, وهو في ذلك كسعيد بن أبي عروبة, وعبد الرزّاق, وغيرهما ممّن اختلط آخراً, ولم يمنع ذلك من صحّة الاحتجاج في ((الصّحيحين)) بما أخذ عنهم قبل ذلك. الرّابع: أن يعلو بالشّخص الضّعيف إسناده وهو عند من رواية الثّقات نازل فيقتصر على العالي, ولا يطوّل بإضافة النّازل إليه مكتفياً بمعرفة أهل الشأن في ذلك, وهذا العذر قد رويناه عنه تنصيصاً -يعني مسلم- وهو خلاف حاله فيما رواه عن الثّقات أولاً ثمّ أتبعهم من دونهم متابعة, وكأنّ ذلك وقع منه بحسب حصول باعث النّشاط وغيبته.

стр. 262

رُوّينا عن سعيد بن عمرو البرذعي أنّه حضر أبا زرعة وذكر ((صحيح مسلم)) وإنكار أبي زرعة عليه روايته عن أسباط بن [نصر] (١) , وقطن بن نسير, وأحمد بن عيسى المصريّ -إلى قوله- فقال: ((إنّما أدخلت (٢) من حديث أسباط, وقطن, /أحمد: ما قد رواه الثّقات عن شيوخهم, إلا أنّه ربما وقع إليّ عنهم بالارتفاع, ويكون عندي من رواية أوثق منهم بنزول, فأقتصر على ذلك, وأصل الحديث معروف من رواية الثّقات-إلى قوله-: فهذا مقام وعر, وقد مهّدته بواضح من القول لم أره مجتمعاً في مؤلف ولله الحمد)). انتهى كلام النّوويّ ﵁ , وفيه ما يدلّ على أنّه لا يعترض على حفّاظ الحديث إذا رووا حديثاً عن بعض الضّعفاء, وادّعوا صحّته حتّى يعلم أنّه لا جابر لذلك الضّعف من الشّواهد والمتابعات, ومعرفة هذا عزيزة لا تحصل إلا للأئمّة الحفّاظ (٣) , أهل الدّربة التّامّة بهذا الشأن. فقد رُئي عند (٤) بعض الحفّاظ الجزء النّيف (٥) و [العشرين] (٦) من مسند أبي بكر الصّدّيق لا تزيد على خمسين حديثاً, أو لا تكون

стр. 263

خمسين حديثاً؟ فقال: إنّ الحديث يكون عندي من مئة طريق, أو قال: إذا لم يكن عندي من مائة طريق, فهو عندي يتيم أو نحو هذا, رواه الذّهبيّ في ((التّذكرة)) (١) و ((الميزان)) (٢). ومن الغرائب في هذا المعنى: أنّ كثيراً من أهل المعرفة بالحديث يذكرون أنّ حديث: ((الأعمال بالنيات)) حديث غريب ما رواه إلا عمر بن الخطّاب, ممّن نصّ على ذلك الحافظ أبو بكر أحمد بن عبد الخالق بن عمرو البزّار في ((مسنده)) (٣) فإنّه ذكر أنّه لا يصح إلا من حديث عمر. قال حافظ العصر ابن حجر (٤): ((وكأنّه أراد بهذا اللّفظ والسّياق, وإلا فقد رُوّينا معناه من حديث: أنس, وعبادة بن الصّامت, وأبي ذرّ, وأبي الدّرداء, وأبي أمامة, وصهيب, وسهل بن سعد, والنّواس بن سمعان, وغيرهم, ورُوّيناه بلفظ حديث عمر من حديث: عليّ بن أبي طالب, وأبي سعيد الخدريّ, وأبي هريرة, وأنس, وابن مسعود)). وأغرب من هذا أنّ الصّلاح -مع إمامته, وسعة معرفته- مثّل

стр. 264

ما ينفرد به الثّقة من الزّيادة في الحديث بما رواه مالك عن نافع عن ابن عمر: ((أنّ رسول الله ﷺ فرض زكاة الفطر من رمضان على كلّ حرّ أو عبد ذكر أو أنثى من المسلمين)) (١) فذكر ابن الصّلاح -وهو من أهل المعرفة بالحديث- أنّ مالكاً تفرّد بلفظ: ((من المسلمين)) في الحديث, وأنّ عبد الله بن عمر, وأيّوب وغيرهما رووا هذا الحديث عن نافع عن ابن عمر بغير هذه الزّيادة (٢). وقال زين الدّين بن العراقي: ((هذا المثال غير صحيح, فقد تابع مالكاً على ذلك (٣) عمر بن نافع, والضّحّاك بن عثمان, ويونس بن يزيد, وعبد الله بن عمر, والمعلّى بن إسماعيل, وكثير بن فرقد, واختلف في زيادتها على عبيد الله بن عمر وأيّوب)) (٤). وكذلك أبو عبد الله الذّهبي فإنّه قال في حديث أبي هريرة المرفوع: ((ولا يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنّوافل حتّى أحبّه, فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به, وبصره الذي يبصر به)) (٥) الحديث, قال الذّهبيّ في ((الميزان)) (٦): ((لولا هيبة الجامع الصّحيح لعدّوا هذا

стр. 265

الحديث من منكرات خالد بن مخلد)) ذكره في ترجمته. وردّ ذلك /على الذّهبيّ ابن حجر العسقلاني, فقال: ((إنّ لحديث خالد هذا شواهد في الحديث, وروى له ثلاثة شواهد: أحدها: نحوه من حديث هشام الكناني عن أنس ﵁. وثانيها: ببعضه من حديث معاذ. وثالثها: نحوه من حديث عروة عن عائشة بإسناد لا بأس به (١). فهذا يدلّك على أنّ الحكم على الحديث بالغرابة أو النّكارة أو الشّذوذ مقام وعر تدحض فيه أقدام أئمة الحفّاظ فكيف بغيرهم, فينبغي من القاصر الاعتراف لأهل الإتقان بالإمامة والتّقدّم في علومهم, وكفّ [أكفّ] (٢) الاعتراض على إمامي المحدّثين: البخاريّ ومسلم وأمثالهما, ومن وقف على قدح في بعض رواتهما أو تعليل لبعض حديثهما وكان ذلك من النّادر الذي لم يتلقّ بالقبول؛ فالذي يقوى عندي وجوب العمل بذلك لأنّ القدح بذلك محتمل. والثّقة العارف إذا قال: إن الحديث صحيح [عنده] (٣) وجزم بذلك ولم يكن له في التّصحيح قاعدة معلومة الفساد, وجب قبول حديثه بالأدلّة العقليّة والسّمعيّة الدّالّة على قبول خبر الواحد, وليس

стр. 266

ذلك بتقليد له, بل هو عمل بمقتضى ما أوجب الله تعالى من قبول أخبار الثقات, ولو كان مجرّد الاحتمال يقدح لطرحنا جميع أحاديث الثّقات لاحتمال الوهم والخطأ في الرّواية بالمعنى, بل احتمال تعمّد الكذب لا يمنع القبول مع ظنّ الصّدق, وقد ثبت عن عليّ ﵁ أنّه كان إذا اتّهم الرّاوي حلّفه, فإذا حلف له صدّقه كما رواه الذّهبيّ في ((تذكرته)) (١) وحسّنه, والإمامان: المنصور في ((الصّفوة)) , وأبو طالب في ((المجزي)). فهذا أمير المؤمنين عليّ ﵁ مع سعة علمه, وقرب عهده, احتاج إلى الأخذ بحديث من يتّهمه ولا تطيب نفسه بقبوله إلا بعد يمينه, فكيف بأهل القرن التّاسع إذا تعنّتوا في الرّواة وقدحوا في حديث (٢) أئمة الأثر وتعرّضوا لإبطال ما صحّحه كبار الحفّاظ؟ أليس ذلك يؤدّي إلى محو آثار العلم, وسدّ أبواب الفقه, وطمس معالم الدّين؟. وقد قبل رسول الله ﷺ حديث الأعرابيّ في الشّهادة على هلال رمضان كما صحّحه الحاكم (٣) وغيره من حديث ابن عباس (٤). وتواتر عن رسول الله ﷺ أنّه بعث الرّسل إلى الآفاق معلّمين ومبلّغين مع أنّ

стр. 267

أهل الآفاق لم يكونوا قد خبروا رسله إليهم على طريقة المتعنّتين في الخبرة, وعلم رسول الله ﷺ ذلك من المفتي والمستفتي, والرّاوي والمرويّ له, والقاضي والمقضيّ عليه, ولم ينكر شيئاً من ذلك على أحد منهم. والعدالة شرط في صحّة الفتيا والرّواية والقضاء, وكذلك قد روى أبو الحسين في ((المعتمد)) (١) عن أصحاب رسول الله ﷺ أنّهم كانوا يقبلون أحاديث الأعراب, فرحم الله امرءاً ترك التعمّق في الأمور, واقتدى برسول الله ﷺ , وبأصحابه خير أمّة أخرجت للنّاس ﵃ أجمعين- وعلى التّابعين لهم بإحسان إلى يوم الدّين. قال: والضّابط في ذلك: أنّ ما صحّحه أئمتنا من ذلك فهو صحيح, وما ردّوه أو طعنوا في رواته؛ فهو مردود, مثل: خبر الرّؤية عن قيس بن أبي حازم عن جرير بن عبد الله, وإنّما كان ما ردّوه وجرحوا رواته مردوداً, ومن جرحوه مجروحاً (٢) /لوجهين: أحدهما: أنّ أئمتنا عدول لصحّة اعتقادهم, واستقامة أعمالهم, والقطع أنّه إذا جرح الرّاوي جماعة عدول, فإنّ جرحهم مقبول؛ لأنّ الجارح مقدّم على المعدّل. الثّاني: أنّها إذا تعارضت رواية العدل الذي ليس على بدعة ورواية المبتدع قدّمت رواية العدل الذي ليس على بدعة, وهذا مجمع عليه.

стр. 268

أقول: الجواب على هذه الجملة يظهر بذكر وجوه جمليّة ووجوه تفصيليّة. أمّا الجمليّة: فالأول منها أن نقول: ما مرادك بالأئمة هنا؟ هل الجميع أو البعض منهم؟ إن أردت البعض فقولهم ليس بحجّة, لا عند الزّيديّة, ولا عند أهل الحديث, وإنّما هم من جملة الثّقات الذين يجوز عند جميع المسلمين أن تعارض رواياتهم برواية من هو مثلهم أو فوقهم في الحفظ والصّدق, فإنّ كلّ ثقة يجوز وجود من هو مثله أو فوقه في باب الرّواية, ولم نعلم أحداً من مصنّفي الزّيديّة والمعتزلة جعل الخلافة, ولا نسب فاطمة ﵂ من أسباب التّرجيح في الرّواية, على أنّ في ولد فاطمة ﵂ الشّافعيّ والحنفيّ والمالكيّ والحنبليّ, كما أنّ فيهم الزّيديّ والإماميّ, وقد بيّنّا من قبل اختصاص أحاديث البخاريّ ومسلم بوجه من وجوه التّرجيح لا يوجد في غيرهما, وهو تلقّي الأمّة لأحاديثهما بالقبول, وبيّنّا أنّ أهل البيت وأئمة الزّيديّة من جملة من تلقّى أحاديثهما بالقبول. وإن أردت الكلّ من الأئمة فما أردت أيضاً بتخصيصهم بالذّكر؟ هل توهّمت أنّهم هم جميع أهل البيت حتّى ينعقد بإجماعهم إجماع أهل البيت؟ فهذا وهم فاحش, فلم يقل أحد إنّ أهل البيت هم الخلفاء دون غيرهم, على أنّ القول بأنّ إجماع أهل البيت حجة مسألة خلاف بين أهل البيت, فإنّ فيهم من لا يقول بذلك -أعني الزّيديّة منهم- أمّا سائر الفرق فظاهر, فهؤلاء المعتزلة أقرب الفرق إلى الزّيديّة يخالف

стр. 269

أكثرهم في هذه المسألة. أقصى ما في الباب: أنّ إجماعهم حجة قاطعة, لكنّا قد بيّنّا من قبل أنّهم مجمعون على صحّة أحاديث كتب السّنّة التي صحّحها أئمّة الحديث, وبيّنّا أنّهم يعوّلون في أحاديث الأحكام عليها ويفزعون في مهمّات حوادث الشّريعة إليها, وأنّ ذلك مستمر شائع ذائع في ديارهم من غير ظهور نكير, وهذه إحدى طرق الإجماع, أقصى ما في الباب أن ينازع في صحّة كتب الحديث, وهذا القدر -أعني أنّ فيهم من يقول بذلك- معلوم لا يمكن إنكاره, ومع ذلك بطل عليك إجماعهم, ولم تكن في الاحتجاج ببعضهم أولى من خصمك في الاحتجاج [بمن] (١) خالف من قلّدته ونازع من تابعته. الوجه الثّاني: أنّ قولك بالرّجوع في الحديث وتصحيحه وتضعيفه وردّه وتعليله إلى أئمة الزّيديّة يحتاج إلى تمهيد قاعدة, وهي: أنّ يكون أئمة الزّيديّة قد صنّفوا في معرفة صحيح الحديث, ومعلومه, ومقبوله, ومردوده ما يكفي أهل الاجتهاد من أهل الإسلام, والمعلوم خلاف ذلك, فإنّ من أهل الاجتهاد من لا يقبل المرسل, ومنهم من لا يقبل [ما] (٢) وقفه الأكثرون ورفعه بعض الثّقات؛ أو وصله وقطعوه, أو أسنده وأرسلوه, ومعرفة هذا يحتاج إلى تأليف في العلل, والذي كتب العلل هم علماء الحديث: كالدّارقطنيّ

стр. 270

وغيره, وليس لأئمة الزّيديّة في ذلك تصنيف /البتّة, ومن لم يفرد للعلل تأليفاً من المحدّثين ذكرها في تأليفه في الحديث كما يصنع أبو داود والنّسائيّ وغيرهما, بخلاف من جمع الحديث من الزّيديّة فإنّه لا يتعرّض لذلك, وكذلك المجتهد يحتاج عند تعارض الأحاديث إلى معرفة الرّاجح بكثرة الرّواة أو زيادة معدّليهم أو كون بعضهم مجمعاً عليه وبعضهم مختلفاً فيه, وهذا يحتاج إلى معرفة فنّين عظيمين: أحدهما: معرفة طرق الحديث, وهو فنّ واسع لا نعرف للزّيديّة فيه تأليفاً, وقد تعرّض لذلك جماعة من أهل المسانيد والصّحاح والسّنن من المحدّثين, وجمع الحافظ الماسرجسي (١) في ذلك ((المسند الكبير)) الذي فرغ في قدر ثلاث مئة مجلّد كبار (٢) , واختصر الحفّاظ منهم أحاديث الأحكام وجرّدوها من هذه المؤلّفات الواسعة, وذكروا ما يجب معرفته من وجوه التّرجيح على أخصر ما يمكن تسهيلاً

стр. 271

على الأمّة وتمهيداً لقواعد الملّة. الفنّ الثّاني: علم الجرح والتّعديل, وما فيه من تعريف مراتب الثّقات والضّعفاء الذين لا يتم ترجيح حديث بعضهم على بعض إلا بعد معرفته, وهو علم واسع صنّف الحفّاظ فيه الكتب الواسعة الحافلة. حتّى جمع الفلكيّ (١) فيه كتاباً فرغ في ألف جزء (٢) , ثمّ لم يزل الحفّاظ يهذّبونه ويختصرون ما لابدّ من معرفته حتّى انضبط ذلك بعد الانتشار الكثير في مقدار الخمسة المجلدات أو ما يقاربها, وليس للزّيديّة في هذا الفنّ تأليف البتّة. وهذه علوم جليلة لابدّ من معرفتها عند من يعتقد وجوب معرفتها من أهل الاجتهاد. فقول المعترض: إنّ الواجب هو الرّجوع إلى أئمّة الزّيديّة في علوم الحديث قول مغفّل! لا يعرف أنّ ذلك مستحيل في حقّ أكثر أهل العلم الذين يشترطون في علوم الاجتهاد ما لم تقم به الزّيديّة!! وإنّما هذا مثل قول (٣) من يقول: إنّه يجب الرّجوع في علم الطّب إلى الأحاديث النّبويّة والآثار الصّحابيّة ولا يجوز تعدّيها إلى غيرها, ومثل من يقول: إنّه يجب الرّجوع في علوم الأدب إلى أئمة الزّهادة وأقطاب أهل الرّياضة.

стр. 272

ولقد ذكر إمام الحرمين الجويني في كتاب ((البرهان)) (١) أنّه لا يجوز لأحد التزام مذهب أحد من علماء الصّحابة ﵃, وقال شارح (٢) ((البرهان)): ((إنّ العلّة في ذلك كون الصّحابة ﵃ ليس لهم نصوص على الحوادث تكفي الملتزم لمذهب أحدهم كأئمة الفقه المتبوعين)) , فكذلك أئمة الزّيديّة ليس لهم من التّأليف في علم الحديث ما يكفي المجتهدين, فما للمعترض والتّعرّض لانتقاص المحدّثين الذين قاموا بما قعد عنه غيرهم من علوم الدّين, وهذا أمر يعرفه من له أدنى تمييز, وإنّما أُتي المعترض في انتقاض المحدّثين من قلّة الإنصاف ومحبّة الاعتساف, ولله درّ من قال: أقلّوا عليهم لا أبا لأبيكم من اللّوم, أو سدّوا المكان الذي سدّوا (٣) الوجه الثّالث: أنّا لو رجعنا إلى تصانيف الزّيديّة في الحديث, لكنّا قد رجعنا إلى أضعف مما استضعفت (٤) وأنكر مما استنكرت, وذلك لأنّ المصنّفين من الزّيديّة في الحديث ليس إلا /القاضي زيد, والإمام أحمد بن سليمان, والأمير الحسين, والإمام يحيى بن حمزة, هؤلاء الذين توجد تصانيفهم في أيدي الزّيديّة في نجد اليمن.

стр. 273

أمّا القاضي زيد, فقد ادّعى في شرحه الذي يروي فيه الحديث إجماع الأمّة على قبول خبر أهل الأهواء. وأمّا الإمام أحمد بن سليمان, فقد صرّح في خطبة كتابه بالنّقل من كتب المحدّثين, بل ذكر أنّ جميع (١) كتابه, من كتب مسموعة, وكتب غير مسموعة, ولم يميّز ما رواه من الكتب المسموعة, مع أنّ كتابه عمدة عند علماء الزّيديّة معتمد عند المجتهدين منهم. وأمّا الأمير الحسين فينقل من كتب المحدّثين, وهما معاً ينقلان من كتاب القاضي زيد, وكلّ كتبهم خالية عن الإسناد, وعن بيان من خرّج الحديث من الأئمة. وأمّا الإمام يحيى بن حمزة فينقل عنهم الجميع, وعن جميع أهل التأويل ويصرّح بذلك (٢). وأمّا من لم يصنّف في الحديث من أئمة الزّيديّة ولكن توجد الأحاديث في كتبه؛ فمنهم من صرّح بقبول أهل الأهواء: فسّاقهم وكفّارهم كالمؤيد بالله, مع إجماع الزّيديّة على قبول ما أرسله, بل قال

стр. 274

المؤيّد بالله: إنّ الظّاهر من قول أصحابنا قبول شهادة كفّار التّأويل بلفظة (أصحابنا) , وهذا يقتضي روايته لذلك عن جميع [علماء] (١) الزّيديّة؛ وهو مجمع على ثقته عند الزّيديّة فوجب قبول روايته, [وهي] (٢) تقتضي أنّ الرّجوع إلى حديث الزّيديّة مشكل على من لا يقبل حديث كفّار التّأويل. وكذلك المنصور بالله ﵇ فإنّه قال في ((المهذّب)) (٣) ما لفظه: ((وقد ذكر أهل التّحصيل من العلماء جواز قبول أخبار المخالفين في الاعتقادات. وروى عنهم المحقّقون بغير مناكرة)). هذا لفظه, وهو رواية منه عن أهل التّحصيل, وقد ادّعى الإجماع على قبول فسّاق التّأويل في كتاب ((الصّفوة)) , وكذلك الإمام يحيى بن حمزة, والفقيه عبد الله بن زيد ادّعيا الإجماع على قبول فسّاق التّأويل, ودعواهم الإجماع يفيد روايتهم لذلك عن أسلافهم. وأمّا الهادي والقاسم ﵉ فقد اختلفوا عليهما في ذلك, فرواية هؤلاء تفيد أنّهما يذهبان إلى ذلك, وكذا رواية أبي مضر عنهما, وتخريج (٤) المؤيد بالله ﵇ لهما وأحد تخريجيّ أبي طالب, وهو يقتضي أنّ ذلك مذهبهما, وهو أرجح من أحد

стр. 275

تخريجي أبي طالب ورواية أبي جعفر, لأنّ هؤلاء أكثر [وأخير] (١) , ولأنّ عمل الهادي ﵇ في الأحكام يوافق ذلك, فإنّه روى عن المخالفين, بل عن ضعفاء المخالفين, فروى عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه (٢) , وروى عن الحسين بن عبد الله بن ضميرة (٣) عن أبيه عن جدّه. وعلى الجملة؛ فالزّيديّة إن لم يقبلوا كفّار التّأويل وفسّاقه؛ قبلوا مرسل من يقبلهم من أئمتهم, وإن لم يقبلوا المجهول؛ قبلوا مرسل من يقبله, ولا يعرف فيهم من يحترس من هذا البتّة. وهذا يدلّ على أنّ حديثهم في مرتبة لم (٤) يقبلها إلا من جمع بين قبول المراسيل بل المقاطيع, وقبول المجاهيل, وقبول الكفّار والفسّاق من أهل التّأويل فكيف يقال مع هذا: إنّ الرّجوع إلى حديثهم أولى من الرّجوع إلى حديث أئمة الأثر ونقّاده الذين أفنوا أعمارهم في معرفة ثقاته, وجمع متفرّقاته, وبيان صحاحه من مستضعفاته, فتكثّرت بهم فوائده,

стр. 276

وتمهّدت بهم قواعده, وتقيّدت أوابده. وهل هذا إلا مثل إنكار الشّعوبية لفضل علماء العربيّة, بل هو أقبح منه بدرجات عديدة, ومسافات بعيدة, /لأنّ الآثار النّبويّة هي ركن الإيمان, وأخت القرآن, وهي شعار الفقه والدثار, وعليها في أمور الإسلام المدار. وأمّا الوجوه التّفصيليّة: فقد اشتمل كلامه على مسائل: المسألة الأولى: مثّل المردود من كتب المحدّثين بحديث (١): جرير بن عبد الله البجلي في الرّؤية (٢) وهذا من الإغراب الكثير والجهل العظيم, فإنّ المحدّثين يروون في الرّؤية أحاديث كثيرة تزيد على ثمانين حديثاً عن خلق كثير من الصّحابة أكثر من ثلاثين صحابيّاً, منهم: أبو هريرة, وأبو سعيد الخدريّ, وأبو موسى, وعديّ بن حاتم, وأنس بن مالك, وجرير بن عبد الله, وكلّ هؤلاء أحاديثهم متفق عليها مخرّجة في صحيح البخاريّ ومسلم معاً, وفي غيرهما من كتب الحديث. ومنهم: بُريدة بن الحُصيب, وأبو رزين العُقيلي, وجابر بن عبد الله, وأبو أمامة, وزيد بن ثابت, وعمّار بن ياسر, وعبد الله بن عمر بن الخطّاب, وعمارة ابن رويبة (٣) , وأبو بكر الصّدّيق, وعائشة أمّ المؤمنين, وسلمان الفارسيّ, وحذيفة بن اليمان, وعبد الله بن

стр. 277

العباس, وعبد الله بن عمرو بن العاص, وكعب بن عجرة, وفضالة بن عبيد, والزّبير بن العوّام, ولقيط بن صبرة, وعمر (١) بن ثابت الأنصاري (٢) , وعبد الله بن بُريدة, وأبو برزة الأسلميّ, وأبو الدّرداء, وأبو ثعلبة الخشني, وعبادة بن الصّامت, وأُبيّ بن كعب, وروى حديث الرؤية علماء الحديث كلّهم في جميع دواوين الإسلام من طرق كثيرة, حتى رووه من طريق زيد بن عليّ -رضي الله تعالى عنهما-. وفي الصّحيحين منها ثلاثة عشر حديثاً, اتفقا منها على ثمانية أحاديث, وانفرد البخاريّ بحديثين, ومسلم بثلاثة أحاديث, ولولا خوف التّطويل لذكرت ما في كتب السّنن, وقد استوفاها شيخنا الحافظ (٣) النّفيس العلوي اليمنيّ (٤) -أدام الله علوّه- في كتابه ((الأربعين)) (٥) وذكر كثيراً منها الحافظ الكبير البارع الشّهير بابن قيّم الجوزيّة في كتابه ((حادي الأرواح إلى دار الأفراح)) (٦) وغيرهما.

стр. 278

فاعتقاد المعترض أنّ حديث الرّؤية مرويّ من طريق جرير بن عبد الله فقط, وأنّ جريراً مطعون فيه بما لم يصحّ, من تخريب عليّ ﵁ لداره, بل بما لو صحّ (١) لم يكن قادحاً على مذهب المحدّثين ولا مذهب الزّيديّة, أمّا [المحدّثون] (٢) فظاهر, وأمّا الزّيديّة فلأنّ المتأوّلين عندهم مقبولون, وإن لم يكونوا من أصحاب رسول الله ﷺ , فإذا كانوا أصحابه كانوا أولى بالقبول لأنّ صحبة رسول الله ﷺ من أسباب الزّيادة لا من أسباب النّقص, فثبت بهذا أنّه قدح بما لا يقدح به [في مذهبه, ولا] (٣) في مذهب خصمه, وأنّه باعتقاده لانفراد جرير بالحديث في مرتبة ينبغي أن يرحم صاحبها, لما هو عليه من البعد عن المعرفة والتّعاطي للرّدّ على من لم يحط من علمه بشيء يعتدّ به, فالله المستعان!. وهذا كلّه من /تعرّضه لما لا يحسنه, ودخوله فيما لا يعرفه, فإنّ علم الحديث علم جليل القدر غزير البحر, والخوض مع نقّاده بغير البصيرة يؤدّي إلى التّخبّط في مثل هذه الجهالة. والتّورّط في مثل هذه الضّلالة, وإنّما الذي كان يحسنه هذا المعترض أن ينقل من (([تعليق] (٤)

стр. 279

الخلاصة)) (١) كلام المعتزلة في الدّليل على استحالة رؤية الله تعالى في جهة, وأنّ الدّليل العقليّ يوجب تأويل ما ورد من السّمع بخلافه, ويقف على هذا الحدّ ولا يتعرّض بعده لأحد (٢). المسألة الثّانية: قال: والقطع أنّه إذا جرح الرّاوي جماعة عدول فإنّ جرحهم مقبول؛ لأنّ الجارح يقدّم على المعدّل. قلت: هذا القطع الذي ذكره قطع بغير تقدير (٣) , ولا هدى ولا كتاب منير؛ لأنّ المسألة ظنّيّة لا قطعيّة, وخلافيّة لا إجماعيّة, بل الواجب التّفصيل في الجرح: فإن كان مطلقاً غير مفسّر السّبب, فالجرح به مختلف فيه, والصّحيح عند المحقّقين: أنّه لا يجرح [به] (٤) لاختلاف النّاس في الأسباب التي يجرح بها, وتفسير جماعة من الثّقات ما أطلقوه من الجرح بأمور لا يوافقون على الجرح بها.

стр. 280

وأمّا إن كان الجرح مفسّر السّبب, فإما أن يعارضه تعديل جامع لشرائط المعارضة, مثل أن يقول [الجارح: إنّ الرّاوي] (١) ترك صلاة الظّهر يوم كذا في تاريخ كذا, ويقول المعدّل: إنّه صلّى تلك الصّلاة في ذلك التّاريخ. أو يقول المعدّل: إنّه كان في ذلك الوقت نائماً أو مغلوباً على اختياره أو صغيراً غير مكلّف أو معدوماً غير مخلوق أو غائباً عن حضرة الجارح, أو نحو ذلك؛ فهنا يجب الرّجوع إلى التّرجيح أيضاً, ولا يجب قبول الجرح مطلقاً لا قطعاً ولا ظنّاً. وأمّا إن لم يعارض الجرح توثيق معارضة حقيقيّة خاصة, ولكن معارضة عامّة, مثل أن يقول الجارح: إنّ الرّاوي كان ممّن يخلّ بالصّلاة ويتناول المسكر, ويقول المعدّل: إنّه ثقة مأمون ونحو ذلك, فلا يخلو: إمّا أن تكون عدالة الرّاوي معلومة بالتّواتر مثل: مالك والشّافعيّ ومسلم والبخاري, وسائر الأئمة الحفّاظ (٢) , فإنه لا يقبل جرحهم بما يعلم نزاهتهم عنه, ولو كان ذلك مقبولاً لكان الزّنادقة يجدون السّبيل إلى إبطال جميع السّنن المأثورة بأن يتعبد بعضهم ويظهر الصّلاح حتّى يبلغ إلى حدّ يجب في ظاهر الشّرع قبوله, ثمّ يجرح الصّحابة ﵃ فيرمي عمّار بن ياسر يإدمان شرب المسكر, وسلمان الفارسيّ بالسّرقة لما فوق النّصاب, وأبا ذر بقطع الصّلاة, وأُبيّ بن كعب بفطر رمضان, وأمثال هذا في أئمة التّابعين وسائر أئمة المسلمين في كلّ عصر, فإنّ من جوّز هذا فليس بأهل

стр. 281

للمراجعة, ولا جدير بالمناظرة, وكثيراً ما /يقول أئمة الجرح والتّعديل في أهل هذه الطبقة: فلان ((لا يُسأل عن مثله)) (١) فإن تكلّموا فيهم بتوثيق, أو تليين, أو نحو ذلك؛ فإنّما يعنون به التّعريف بمقدار حفظهم, وأنّهم في العليا من مراتب الحفظ أو الوسطى. وأمّا إن كانت عدالة الرّاوي مظنونة غير معلومة؛ فظاهر كلام الأصوليين تقديم الجرح المفسّر وقبوله من غير تفصيل, وتعليلهم بالرّجحان يقتضي أنّ ذلك يختلف بحسب اختلاف القرائن والأسباب المرجّحة لأحد الأمرين, وهذا هو القويّ عندي, ولا نضر [للنّظّار] (٢) يخالفه. فنقول: لا يخلو إمّا أن تكون عدالة الرّاوي أرجح من عدالة الجارح له أو مثلها أو دونها, إن كانت عدالة الرّاوي أرجح وأشهر من عدالة الجارح؛ لم نقبل الجرح؛ لأنّا إنّما نقبل الجرح من الثّقة لرجحان صدقه على كذبه, ولأجل حمله على السّلامة, وفي هذه الصّورة كذبه أرجح من صدقه, وفي حمله على السّلامة إساءة الظّنّ بمن هو خير منه وأوثق وأعدل وأصلح. وأكثر ما يقول أئمة هذا الشّأن في أهل هذه الطّبقة إذا سُئلوا عنهم: أنا أُسأل عن فلان؟ بل هو يُسأل عنّي!.

стр. 282

وأمّا إن كان مثله في العدالة, فيجب الوقف لتعارض أمارتي صدق الجارح وكذبه, فإنّ عدالة الجارح أمارة صدقه, وعدالة المجروح أمارة كذبه, وهما على (١) سواء, وليس أحدهما بالحمل على السّلامة أولى من الآخر, فإن انضم إلى عدالة المجروح مُعدّل كان وجهاً لترجيح عدالته. وأمّا إن كانت عدالة الرّاوي أضعف من عدالة الجارح, فإنّ الجرح هنا يقبل إلا أن تقتضي القرائن والعادة والحال -من العداوة ونحوها- أنّ الجارح واهم في جرحه أو كاذب (٢) , فإنّ القرائن قد يعلّ

стр. 283

بها حديث الثّقة وإن كان معيناً مثبتاً, ويسمّيه المحدّثون: معلّلاً, وقالوا في تفسير العلّة التي يعلّ بها حديث الثّقة: ((هي عبارة عن أسباب خفيّة غامضة طرأت علىالحديث, فأثّرت فيه, أي قدحت في صحّته, وتدرك العلّة بتفرّد الرّاوي وبمخالفة غيره له, مع قرائن تنضمّ إلى ذلك يهتدي النّاقد بها إلى اطلاع على إرسال في الموصول, أو وقف في المرفوع, أو دخول حديث في حديث, أو وهم واهم بغير ذلك بحيث غلب على ظنّه ذلك فأمضاه وحكم به, أو تردّد في ذلك فوقف وأحجم عن الحكم بصحّة الحديث, فإن لم يغلب على ظنّه التّعليل بذلك فظاهر الحديث المعلّ السّلامة من العلّة)) (١) هذا كلامهم بلفظه. فأيّ فرق يجده النّاظر المنصف بين إعلال رواية الثّقة بحديث معيّن, وإعلال رواية الثّقة بجرح معيّن في رجل معيّن, بل العلل العارضة بين الجارح والمجروح أكثر من العلل العارضة بين الرّاوي والحديث, لما يقع بين النّاس في العادة من العداوة إمّا لأجل الاختلاف في المذاهب أو في غير ذلك, فهذه حجّة قويّة مأخوذة من

стр. 284

نصوص أئمة الحديث. وأمّا الحجّة على ذلك من أنظار علماء الأصول فهي أن نقول: الجرح المبيّن السبب (١) إنّما قدّم على التّعديل لأنّه أرجح, إذ كان القريب في المعقول أنّ الجارح يطّلع على ما لم يطّلع عليه المعدّل, وفي قبوله حمل الجارح والمعدّل على السّلامة معاً, ولم يقل أحد: إنّ الجرح مقدّم لمناسبة طبيعيّة ذاتيّة بين اسم الجرح الذي حروفه الجيم والرّاء والحاء المهملة, وبين صدق /من ادّعاه, وحينئذ يظهر أنّ العبرة بالرّجحان الذي هو ثمرة التّرجيح, وإنّما هذا الذي أوجب تقديم الجرح في بعض الصّور, وهو نوع من التّرجيح أوجب الرّجحان, فإذا انقلب الرّجحان في بعض الصّور إلى جَنَبة التّعديل, وقامت على ذلك القرائن وترجّح ذلك في ظنّ النّاظر في التّعارض: فإمّا أن يوجبوا عليه أن يقضي بالرّاجح عنده؛ فذاك الذي نقول, أو يوجبوا عليه العمل بالمرجوح عنده؛ فذلك خلاف المعقول والمنقول. فتأمّل هذا الكلام فإنّه مفيد مانع من المسارعة إلى قبول الجرح من غير بصيرة, وإيّاك والاغترار بقول الأصوليين: إنّ الجرح المفسّر مقدّم, فإنّ الرّجال ما أرادوا إلا تلك الصّورة التي نظروا فيها إلى تجرّدها عن جميع الأمور إلا الجرح المفسّر والتّعديل الجملي, وهذه الصّورة لم يخالف فيها, وهم أعقل من أن يطردوا هذا القول لما يلزمهم من جرح أئمة الصّحابة والتّابعين بقول من أظهر الصّلاح من

стр. 285

الزّنادقة ليتوصّل (١) إلى ذلك وأمثاله من مكايد الدّين. فإن قلت: إنّما تخصّص عموم كلامهم في هذه الصّورة؛ لأنّها تؤدّي إلى تقديم المظنون على المعلوم لو لم يتأوّل كلامهم, بل خبر الثّقة حين صادم المعلوم لا يسمّى مظنوناً بل كذباً. قلنا: وكذلك الصّور التي ذكرناها يجوز تخصيصها؛ لأنّها من قبيل تقديم الموهوم المرجوح على المظنون الرّاجح, وقد علم من قواعدهم أنّ ذلك لا يجوز فقواعدهم هي المخصّصة لعموم كلامهم, على أنّ مخالفتهم بالدّليل جائزة غير ممنوعة, وقد اتّضح الدّليل على ما أخبرته (٢) , وبان بالإجماع بطلان قطع المعترض على أنّ الجرح مقدّم مطلقاً ولله الحمد. المسألة [الثّالثة] (٣): قال: الثّاني أنّه إذا تعارض رواية العدل الذي ليس على بدعة ورواية المبتدع, قدّمت رواية العدل الذي ليس على بدعة, وهذا مجمع عليه. والجواب عليه من وجوه: أحدها: منع الإجماع الذي ادّعاه بشهرة الخلاف, فقد أجمع أئمة الحديث على تقديم الحديث الصّحيح على الحديث (٤) الحسن مع إخراجهم لأحاديث كثير من أهل البدع في الصّحيح, بل في أرفع
следующие страницы →