← Акыда

Акыда · id 36427

الروض الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم - صلى الله عليه وسلم -

ابن الوزير

Полный текст (691 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

للمراجعة, ولا جدير بالمناظرة, وكثيراً ما /يقول أئمة الجرح والتّعديل في أهل هذه الطبقة: فلان ((لا يُسأل عن مثله)) (١) فإن تكلّموا فيهم بتوثيق, أو تليين, أو نحو ذلك؛ فإنّما يعنون به التّعريف بمقدار حفظهم, وأنّهم في العليا من مراتب الحفظ أو الوسطى. وأمّا إن كانت عدالة الرّاوي مظنونة غير معلومة؛ فظاهر كلام الأصوليين تقديم الجرح المفسّر وقبوله من غير تفصيل, وتعليلهم بالرّجحان يقتضي أنّ ذلك يختلف بحسب اختلاف القرائن والأسباب المرجّحة لأحد الأمرين, وهذا هو القويّ عندي, ولا نضر [للنّظّار] (٢) يخالفه. فنقول: لا يخلو إمّا أن تكون عدالة الرّاوي أرجح من عدالة الجارح له أو مثلها أو دونها, إن كانت عدالة الرّاوي أرجح وأشهر من عدالة الجارح؛ لم نقبل الجرح؛ لأنّا إنّما نقبل الجرح من الثّقة لرجحان صدقه على كذبه, ولأجل حمله على السّلامة, وفي هذه الصّورة كذبه أرجح من صدقه, وفي حمله على السّلامة إساءة الظّنّ بمن هو خير منه وأوثق وأعدل وأصلح. وأكثر ما يقول أئمة هذا الشّأن في أهل هذه الطّبقة إذا سُئلوا عنهم: أنا أُسأل عن فلان؟ بل هو يُسأل عنّي!.

стр. 282

وأمّا إن كان مثله في العدالة, فيجب الوقف لتعارض أمارتي صدق الجارح وكذبه, فإنّ عدالة الجارح أمارة صدقه, وعدالة المجروح أمارة كذبه, وهما على (١) سواء, وليس أحدهما بالحمل على السّلامة أولى من الآخر, فإن انضم إلى عدالة المجروح مُعدّل كان وجهاً لترجيح عدالته. وأمّا إن كانت عدالة الرّاوي أضعف من عدالة الجارح, فإنّ الجرح هنا يقبل إلا أن تقتضي القرائن والعادة والحال -من العداوة ونحوها- أنّ الجارح واهم في جرحه أو كاذب (٢) , فإنّ القرائن قد يعلّ

стр. 283

بها حديث الثّقة وإن كان معيناً مثبتاً, ويسمّيه المحدّثون: معلّلاً, وقالوا في تفسير العلّة التي يعلّ بها حديث الثّقة: ((هي عبارة عن أسباب خفيّة غامضة طرأت علىالحديث, فأثّرت فيه, أي قدحت في صحّته, وتدرك العلّة بتفرّد الرّاوي وبمخالفة غيره له, مع قرائن تنضمّ إلى ذلك يهتدي النّاقد بها إلى اطلاع على إرسال في الموصول, أو وقف في المرفوع, أو دخول حديث في حديث, أو وهم واهم بغير ذلك بحيث غلب على ظنّه ذلك فأمضاه وحكم به, أو تردّد في ذلك فوقف وأحجم عن الحكم بصحّة الحديث, فإن لم يغلب على ظنّه التّعليل بذلك فظاهر الحديث المعلّ السّلامة من العلّة)) (١) هذا كلامهم بلفظه. فأيّ فرق يجده النّاظر المنصف بين إعلال رواية الثّقة بحديث معيّن, وإعلال رواية الثّقة بجرح معيّن في رجل معيّن, بل العلل العارضة بين الجارح والمجروح أكثر من العلل العارضة بين الرّاوي والحديث, لما يقع بين النّاس في العادة من العداوة إمّا لأجل الاختلاف في المذاهب أو في غير ذلك, فهذه حجّة قويّة مأخوذة من

стр. 284

نصوص أئمة الحديث. وأمّا الحجّة على ذلك من أنظار علماء الأصول فهي أن نقول: الجرح المبيّن السبب (١) إنّما قدّم على التّعديل لأنّه أرجح, إذ كان القريب في المعقول أنّ الجارح يطّلع على ما لم يطّلع عليه المعدّل, وفي قبوله حمل الجارح والمعدّل على السّلامة معاً, ولم يقل أحد: إنّ الجرح مقدّم لمناسبة طبيعيّة ذاتيّة بين اسم الجرح الذي حروفه الجيم والرّاء والحاء المهملة, وبين صدق /من ادّعاه, وحينئذ يظهر أنّ العبرة بالرّجحان الذي هو ثمرة التّرجيح, وإنّما هذا الذي أوجب تقديم الجرح في بعض الصّور, وهو نوع من التّرجيح أوجب الرّجحان, فإذا انقلب الرّجحان في بعض الصّور إلى جَنَبة التّعديل, وقامت على ذلك القرائن وترجّح ذلك في ظنّ النّاظر في التّعارض: فإمّا أن يوجبوا عليه أن يقضي بالرّاجح عنده؛ فذاك الذي نقول, أو يوجبوا عليه العمل بالمرجوح عنده؛ فذلك خلاف المعقول والمنقول. فتأمّل هذا الكلام فإنّه مفيد مانع من المسارعة إلى قبول الجرح من غير بصيرة, وإيّاك والاغترار بقول الأصوليين: إنّ الجرح المفسّر مقدّم, فإنّ الرّجال ما أرادوا إلا تلك الصّورة التي نظروا فيها إلى تجرّدها عن جميع الأمور إلا الجرح المفسّر والتّعديل الجملي, وهذه الصّورة لم يخالف فيها, وهم أعقل من أن يطردوا هذا القول لما يلزمهم من جرح أئمة الصّحابة والتّابعين بقول من أظهر الصّلاح من

стр. 285

الزّنادقة ليتوصّل (١) إلى ذلك وأمثاله من مكايد الدّين. فإن قلت: إنّما تخصّص عموم كلامهم في هذه الصّورة؛ لأنّها تؤدّي إلى تقديم المظنون على المعلوم لو لم يتأوّل كلامهم, بل خبر الثّقة حين صادم المعلوم لا يسمّى مظنوناً بل كذباً. قلنا: وكذلك الصّور التي ذكرناها يجوز تخصيصها؛ لأنّها من قبيل تقديم الموهوم المرجوح على المظنون الرّاجح, وقد علم من قواعدهم أنّ ذلك لا يجوز فقواعدهم هي المخصّصة لعموم كلامهم, على أنّ مخالفتهم بالدّليل جائزة غير ممنوعة, وقد اتّضح الدّليل على ما أخبرته (٢) , وبان بالإجماع بطلان قطع المعترض على أنّ الجرح مقدّم مطلقاً ولله الحمد. المسألة [الثّالثة] (٣): قال: الثّاني أنّه إذا تعارض رواية العدل الذي ليس على بدعة ورواية المبتدع, قدّمت رواية العدل الذي ليس على بدعة, وهذا مجمع عليه. والجواب عليه من وجوه: أحدها: منع الإجماع الذي ادّعاه بشهرة الخلاف, فقد أجمع أئمة الحديث على تقديم الحديث الصّحيح على الحديث (٤) الحسن مع إخراجهم لأحاديث كثير من أهل البدع في الصّحيح, بل في أرفع

стр. 286

مراتب الصّحيح وهو المتفق عليه المتلقّى بالقبول من حديث الصّحيحين, فحديث أولئك المبتدعة الذين اتفق الشّيخان على تصحيح حديثهم مقدّم عند التّعارض على حديث كثير من أهل العقيدة الصّالحة الذين نزلوا عن مرتبة أولئك المبتدعة في الحفظ والإتقان. وقد نصّ الإمام المنصور بالله -من أئمة الزّيديّة- في الاحتجاج على قبول الخوارج الموارق من الإسلام: أنّ قبول من يرى أنّ الكذب كفر أولى من قبول من لا يرى ذلك, وهذا نصّ على ما ذكرناه, وذكر مثل ذلك أحمد (١) بن الحسن الرّصّاص في ((جوهرة الأصول)) , والحاكم في ((شرح العيون)) , ولم ينكر ذلك أحد من أهل التّعاليق على ((الجوهرة)) , بل ادّعى المنصور الإجماع من الصّحابة على خلاف ما ذكره المعترض فقال: ((إنّ اعتماد أحدهم على ما يرويه عمّن خالفه كاعتماده على ما يرويه عمّن يوافقه)) , وكذلك أبو طالب حكى في ((المجزي)): أنّ الفقهاء ادّعوا العلم بإجماع الصّحابة على التّسوية /بين الكلّ من أهل التّنزّه عمّا يوجب الجرح من أفعال الجوارح في قبول شهادته وحديثه, مع العلم باختلافهم في المذاهب. فهذه ألفاظ تدلّ على دعوى الإجماع على نقيض ما ذكره المعترض, وهي ثابتة من طريق أوثق أئمة الزّيديّة, وسوف تأتي هذه المسألة عند ذكر قبول أهل التّأويل, وأذكر فيها الكلام مستوفى (٢) هنالك إن شاء الله تعالى, فقد ادّعاها في ذلك الموضع (٣) وهو بها أخصّ.

стр. 287

الوجه الثّاني: أنّا قد بيّنّا أنّ الزّيديّة أحوج النّاس إلى قبول المبتدعة, وأنّ مدار حديثهم على ما يخالفهم, وأنّ كثيراً من أئمتهم نصّوا على قبول كفّار التّأويل وادّعوا الإجماع على ذلك, وأن بقيّة الزّيديّة يقبلون مراسيل أولئك الأئمة؛ كالمنصور, والمؤيّد, والإمام يحيى بن حمزة, والقاضي زيد, وعبد الله بن زيد وغيرهم. الوجه الثّالث: أنّ أهل الحديث لو سلّموا لك هذه المقدّمة -وهي أنّ حديث غير المبتدع مقدّم على حديث المبتدع- لم تكن منتجة لمقصودك حتّى يضم إليها مقدّمة أخرى, وهي: أنّ أهل الحديث هم المبتدعة, ولا شكّ أنّ هذه المقدّمة التي تركتها غير ضروريّة, وقد أجمع أهل البرهان على أنّ إحدى المقدّمتين لا تحذف إلا لجلائها وعدم التّنازع فيها, فكيف تركت محلّ النّزاع مع دعواك أنّك أوحد أهل الزّمان في علم البرهان, وليس كونك من أهل الحقّ يصلح عذراً لك من إظهار البراهين قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُم صَادِقِينَ﴾ [البقرة:١١١]. قال: لأنّ رواية غيرهم لا تخلو من ضعف, وإنّما تقبل عند عدم المعارض -يعني رواية غير أئمة الزّيديّة-. أقول: هذا قصر للعدالة على أئمة الزّيديّة الذين ادّعوا الخلافة (١) , وهذا غلوّ لم يسبق إليه, بل هذيان لا يعوّل عليه, ولو كان

стр. 288

ما ذكره صحيحاً لوجب في الشّهود أن يكونوا أئمّة, وهذا يؤدّي إلى وجوب أربعة أئمة في شهادة الزّنا, وإمامين في الشّهادة على الأموال, وهذا خرق للإجماع, بل خلع لجلباب الحياء من الله تعالى. قال: ((لأنّها رواية عمّن لا تعلم عدالته ونزاهته من فسق التّأويل)). أقول: هذه دعوى للجهل بعدالة الرّواة (١) , فإمّا أن يدّعي الجهل لنفسه أو يدّعيه على العلماء, إن كان الأوّل فمسلّم, ولا يضرّ تسليمه لأنّ الإقرار بما يدخل النّقص على المقرّ دون غيره صحيح وفاقاً؟ وإن كان الثّاني فغير مسلّم لأنّ الدّعوى على الغير تحتاج إلى بينة صحيحة أو إقرار من المدّعي عليه, وكلّ ذلك غير حاصل في هذه الدّعوى, أمّا الرّواية عن أهل التّأويل فقد [أجازها] (٢) أكثر العلماء وادّعوا الإجماع من الصّحابة وغيرهم على ذلك, واحتجّوا بحجج كثيرة يأتي بعضها في موضعه إن شاء الله تعالى, ومن لم يقبلها من أهل العلم لم يتمسّك بحديث حتّى يعرف براءة رواته من ذلك, ولا اعتراض على من قبلهم, ولا على من لا يقبلهم. والعجب /من المعترض يقدح على المحدّثين بعدم علمهم بنزاهة رواتهم عن فسق التّأويل, وقد بيّنّا نصوص أئمة الزّيديّة على قبول كفّار التّأويل, بل (٣) على أنّ قبولهم مجمع عليه, وبيّنّا أنّ من لم

стр. 289

يقبلهم من الزّيديّة قبل مرسل من قبلهم, فإنّه لا يعلم أنّ في الزّيديّة من لا يقبل حديث: المنصور, والمؤيّد, والقاضي زيد, وعبد الله بن زيد, ويحيى بن حمزة, ونحوهم ممّن صرّح بقبول أهل التّأويل, وادّعى الإجماع على جوازه كما سيأتي مفصّلاً محقّقاً -إن شاء الله تعالى-. قال: ((هذا إذا كان النّاظر في الحديث مجتهداً, أمّا إذا كان غير بالغ رتبة الاجتهاد فليس له أن يرجّح بهذا الحديث قولاً ويجعله مختاره وإن كان الحديث نصّاً في ظاهر الحال, لأنّ التّرجيح بالخبر إنّما هو بعد كونه صحيحاً عن الرّسول, ولا يكون صحيحاً حتّى يكون راويه عدلاً, والعدالة غير حاصلة كما سنذكره)). أقول: نفي العدالة عن رواة حديث الكتب الصّحيحة جهل مفرط لم يقل به أحد من الزّيديّة ولا من السّنّيّة, فقد بيّنّا إجماع أهل السّنّة على وجوب القبول لها, وإنّما يتعلّل هذا المعترض لمخالفتهم لمذهبه, وقد بيّنّا نصوص أئمة الزّيديّة على قبول مخالفيهم في الاعتقاد, ونقل مصنّفيهم في الحديث من كتب أئمة الحديث, ومجرّد المباهتة بإنكار الجليّات, وجحد المعلومات لا يطفىء نور الحق, ولا ينوّر دخان الباطل, بل يتميّز به المنصف من المتعسّف, والعارف من الجاهل. وبمثل هذه الدّعاوى المعلومة الفساد, يفضح الله المستترين من أهل العناد, الذين يظهرون للعباد أنّهم دعاة (١) إلى السّداد, وأدلّة على

стр. 290

الرّشاد, والقول بانتفاء عدالة رواة السّنن النّبويّة, والآثار المصطفوية واللّغة العربيّة, مما لا يقول به مسلم, وقد بيّنّا -فيما تقدّم- أن مثل هذا لا يصلح إيراده ونصرته إلا من أعداء الإسلام -خذلهم الله تعالى-, وأنّ صاحب هذه الرّسالة حام على بطلان التّكليف فأبطل الطّريق إلى الثّقة بالحديث واللّغة والنّحو والتّفسير, وببطلان هذه العلوم أو بعضها يبطل الاجتهاد والتّقليد. أمّا الاجتهاد: فظاهر, وأمّا التّقليد فلما شرحناه أوّلاً, ودلّلنا عليه كون جواز التّقليد مأخوذاً من هذه العلوم ومبنيّاً على هذه القواعد. قال: ((ولأنّه لا يرجّح بالخبر حتّى يعلم أنّه غير منسوخ, ولا مخصّص, ولا معارض بما هو أقوى منه من إجماع أو غيره)). أقول: هذا الذي ذكره لا يجب على المجتهد عند جماهير علماء الإسلام, كما ذلك مقرّر في علم الأصول, وأنّه لا سبيل إلى العلم بعدم المعارض والنّاسخ والمخصّص, وإنّما اختلف العلماء في وجوب الظّنّ لعدم هذه الأمور في حقّ المجتهد فقط, ولا أعلم أنّ أحداً شرط ذلك في ترجيح المقلّد, [وإنّما اختلف العلماء في وجوب التّرجيح على المقلّد] (١) بما يفيد الظّنّ, ولم يختلفوا في جواز ذلك وحسنه, وإنّما اختلفوا في وجوبه مع اتّفاقهم على (٢) أنّه زيادة في التّحرّي.

стр. 291

فلا يخلو المعترض؛ إمّا أن يقرّ أنّ التّرجيح بخبر الثّقة يفيد الظّنّ أو لا, إن قال: إنّه لا يفيد الظّنّ؛ فذلك ممنوع؛ لأنّ الظّنّ يحصل بخبر الثّقة من غير توقّف على العلم بعدم المعارض والنّاسخ والمخصّص, و [وجوب] (١) الظّنّ /عند خبر الثّقة ضروري, ولو كان ظنّ صحّة الحديث النّبويّ يتوقّف على ذلك لتوقّف الظّنّ على ذلك في سائر أخبار الثّقات, وكان يجب إذا أخبرنا ثقة بوقوع المطر, أو نفع دواء, أو غير ذلك أن لا نظنّ صحّته حتّى يطلب المعارض والمخصّص, بل يلزم إذا أفتى المفتي أن لا تقبل فتواه حتّى يطلب معارضها من غيره فلا يوجد, وكذلك يلزم ألا يعتدّ بأذان المؤذن حتّى يطلب المعارض, وكذلك إذا شهد الشّاهدان. وإمّا أن يسلّم أنّ الظّنّ يحصل بخبر الثّقة قبل طلب المعارض ونحوه؛ فالدّليل على وجوب الترجيح به من وجوه: الوجه الأوّل: أنّ مخالفته قبل طلب المعارض وغيره مع ظنّ صحّته تقتضي الإقدام على ما يظنّ أنّه حرام وأنّ مضرّة العقاب واقعة عليه, وتجنّب الحرام المظنون واجب سمعاً, وتجنّب المضرّة المظنونة واجب عقلاً. الوجه الثّاني: أنّ الدّليل على وجوب العمل بخبر الواحد قائم قبل طلب هذه الأمور, وقبل ظنّ عدمها كما هو قائم بعد ذلك. الوجه الثّالث: أنّ أبا بكر الصّدّيق ﵁ لما سئل عن

стр. 292

سهم الجدّة (١)؛ فأخبره المغيرة ومحمد بن مسلمة, لم يطلب المعارض والنّاسخ ونحو ذلك. وكذلك عمر بن الخطّاب لما أخبره عبد الرّحمن بقوله ﷺ في المجوس: ((سُنّوا بهم سنّة أهل الكتاب)) (٢) عمل به ولم يطلب المعارض والنّاسخ ونحوه, وشاع ذلك وذاع ولم ينكر فكان إجماعاً من الصّحابة ... ﵃. الوجه الرّابع: أنّ رسول الله ﷺ قال لمعاذ في حديثه

стр. 293

المشهور (١): ((بم تحكم؟ قال: بكتاب الله. قال: فإن لم تجد؟ قال: بسنّة رسول الله ﷺ )) الحديث. وفيه ما يدلّ على تقرير معاذ على ما ذكره, ولم يذكر فيه طلب المعارض والنّاسخ بعد وجود الحكم في الكتاب أو السّنّة, وكان طلب ذلك في حياة رسول الله ﷺ أولى بالوجوب؛ لأنّه يطلب من النّبيّ ﷺ وذلك طلب مفيد لليقين. وحديث معاذ هذا وإن كان في إسناده مقال عند بعض أهل الحديث, فقد قوّاه غير واحد, منهم: القاضي أبو بكر بن العربيّ المالكيّ (٢) والحافظ ابن كثير الشّافعيّ (٣) , وذكر أنّه جمع جزءاً (٤) في شواهده وطرقه وقال: ((هو حديث حسن مشهور اعتمد عليه أئمة

стр. 294

الإسلام في إثبات أصل القياس)) , وكذلك علماء المعتزلة والزّيديّة احتجّوا به, بل قال الأمير الحسين في ((شفاء الأوام)): إنّه حديث معلوم. فإن قلت: فهذه الوجوه تقتضي أنّ البحث عن المعارض والنّاسخ والخاصّ غير واجب في حقّ المجتهد. قلت: هو كذلك, وهو اختيار الفخر الرّازي وحكاه في ((المحصول)) عن غيره, وفي المسألة خلاف مشهور, فإن دلّ دليل على دفع هذه الوجوه, ووجوب البحث على المجتهد, وجب تقرير ذلك حيث دلّ دليل في حقّ المجتهد دون المقلّد, وإن لم يدلّ دليل, فالحقّ أحقّ أن يتّبع, والدّاعي إليه أجدر أن يسمع. قال: ((ولأنّ /التّرجيح بالأخبار اجتهاد, لأنّه يفتقر إلى أصعب علوم الاجتهاد وهو معرفة النّاسخ من المنسوخ, وغير ذلك, والغرض أنّ هذا النّاظرمقلّد)). أقول: هذا الاحتجاج ضعيف بمرّة, لأنّه لا رابطة عقليّة بين الاجتهاد وأصعب علومه, إذ ليس بعض شرائط الشّيء إذا تصعّب كان هو ذلك الشّيء المشروط, ألا ترى أنّه لا يقال: إن (١) الطهور في الماء البارد في البلاد الباردة هو الصّلاة لأنّه أصعب شروطها إلا على وجه مجازيّ لا يعتدّ بمثله في مواضع التّحليل والتّحريم, فكذلك معرفة النّاسخ والمنسوخ لا يقال فيها إنّها اجتهاد؛ لأنّه أصعب علوم الاجتهاد.

стр. 295

على أنّ تمثيله لأصعب علوم الاجتهاد بمعرفة النّاسخ والمنسوخ جهل مفرط؛ لأنّ معرفة ذلك يسيرة, فإنّ النّسخ قليل في الشّريعة بالنّظر إلى التّخصيص, وما يدخله ضرب من التّعارض, وقد جمع كثير من العلماء المنسوخ في مختصرات يسيرة (١). وجملة ما أجمع العلماء على نسخه: استقبال بيت المقدس, والكلام في الصّلاة, وحكم المسبوق, وترك الصّلاة في الخوف, وصلاة الجمعة قبل الخطبة, والصّلاة على المنافقين, وتحريم زيارة القبور على الرّجال, وجواز الاستغفار للكفّار بعد موتهم على الكفر, ووجوب صوم عاشوراء, والسّحور بين طلوع الفجر وشروق الشّمس على خلاف شاذّ في تفسير الفجر, وجواز لحوم الحمر الأهليّة, ورجعة المطلّقة أبداً, واعتداد المتوفّى عنها حولاً, وجواز شرب الخمر, وتحريم الأكل والنّكاح ليلاً في رمضان, والتّخيير فيه (٢) بين الصّوم والكفّارة, وتحريم الجهاد بالسّيف للكفّار, وتحريم قتال آمّي (٣) البيت الحرام منهم, ووجوب قيام اللّيل على غير النّبيّ ﷺ , واعتبار العشر الرّضعات في تحريم الرّضاع, وتحريم كتابة غير القرآن, ووجوب الوصيّة للأقربين, والتّوارث بغير القرابة, وحبس الزّانِيَيْن حتّى يموتا, ووجوب قتال المسلم لعشرة.

стр. 296

وأجمع المسلمون على أنّ الرّباعيّة من الصّلوات لا تصلّى ركعتين وإن كانت [كذلك] (١) في الأصل, لكنّهم اختلفوا في الزّيادة في العبادة هل هي نسخ؟ على قولين, وأجمعوا على وجوب الحجاب للنّساء, فإن كان جواز تركه من قبل على أصل الإباحة؛ فليس من المنسوخ في شيء, وإن كان ترخيصاً شرعيّاً ناسخاً لشرع متقدّم فهو منسوخ, والأوّل أقرب, وفيما ذكرناه ما لم يجمع على ثبوته أوّلاً مثل اعتبار العشر الرّضعات, ولكن أجمعوا الآن على عدم اعتباره, فهو عند من ثبت عنده في حكم المجمع على نسخه. وفي المنسوخ ما اشتهر نسخه ولم أعلم فيه خلافاً, ولا تقل الإجماع فيه [من يوثق] (٢) به فيما أعلم, وذلك في: نسخ الأمر بالفرع (٣) , وقتل شارب /الخمر في الرّابعة, والأمر بأذى الزّانين, وتحريم كنز الذّهب والفضّة بعد إخراج الزكاة, وتحريم قتال الكفّار والبغاة في الأشهر الحرم, وجواز التّنفيل قبل القسم, ولبس خواتيم الذّهب, والأمر بقتل الكلاب إلا الأسود, وجواز المثلة. وفي المنسوخ ما اشتهر نسخه وذهب إليه المشاهير (٤) وشذّ المخالف فيه, وذلك مثل نسخ: ((الماء من الماء)) , والوضوء ممّا

стр. 297

مسّت النّار, والتّطبيق في الرّكوع (١) , والأمر بضرب النّساء مطلقاً, وموقف الإمام بين الاثنين, والقول بأنّه لا ربا إلا النّسيئة, ووجوب حقوق في المال غير الزّكاة, والأمر بالعتيرة -وهي ذبيحة في رجب- ومتعة النّساء, وتحريم لحم الأضحية بعد ثلاث, والرّضاع بعد الحولين, وعدم وجوب الشّياه في زكاة البقر -على تفصيل فيه-, وشذّ المخالف في جواز لبس الحرير للرّجال مدّعياً نسخ التّحريم, والمخالف في المسح على الخفّين مدّعياً لنسخه شذّ في الصّدر الأوّل, ثم كثر القائل به من الشّيعة. وشاع الخلاف في نسخ تحريم استقبال القبلة عند قضاء الحاجة, وفي ترك الوضوء من مسّ الذكر, وفي متعة الحجّ, وفي طهارة جلود الميتة بالدّبغ, وفي التّيمّم إلى المناكب وصحّ نسخه, وفي جواز مسح القدمين في الصّلاة, وفي جواز إقامة غير المؤذّن, وفي قطع المارّ للصّلاة, وفي الصّلاة إلى التّصاوير, ووضع اليدين قبل الرّكبتين, والجهر بالتّسمية, وفي ثبوت القنوت, وفي القراءة خلف الإمام, وأفضليّة الإسفار بالصّبح, وصلاة المأموم جالساً إذا صلّى الإمام كذلك, وسجود السّهو بعد السّلام, والقيام للجنائز, ونسخ عدد تكبير صلاة الجنازة إلى أربع, والنّهي عن الجلوس حتّى توضع الجنازة, وفساد صوم المصبح جنباً والجمهور على صحّته, وفساد

стр. 298

صوم المحتجم, ونسخ إباحة الفطر في السّفر إلى وجوبه والجمهور على خلافه, ونسخ النّهي عن شرب النّبيذ في الآنية المسرعة بالتّخمير, كالدّبّاء, والإناء المطليّ ولم يقل بعدم النّسخ فيه إلا أحمد بن حنبل وأتباعه. واختلفوا في نسخ قوله تعالى في الممتحنة: ﴿فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَت أَزْوَاجُهُم مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا﴾ [الممتحنة:١١]. لاختلافهم في معناها على ما هو مقرّر في كتب التّفسير, والنّهي عن الرّقى, وعن القران في التّمر, وعن قول ما شاء الله وشاء فلان, والاشتراط في الحجّ, وابتداء الكفار بالقتال في الحرم, وشهادة غير المسلمين في السّفر عند الحاجة إلى ذلك, وتحريم لحوم الخيل, وجواز المزارعة, والإذن للمتوفّى عنها في النّقلة أيّام عدّتها وصحّ نسخه, وقتل المسلم بالذّمّي, والتّحريق بالنّار في غير الحرب, واستيفاء القصاص قبل اندمال الجرح, وجلد المحصن قبل الرّجم, وحكم الزّاني بأمَة امرأَته, ووجوب الهجرة من دار الكفر, والدّعوة قبل القتال, وجواز قتل النّساء الكافرات, وقتل ولدان الكفّار, والنّهي عن الاستعانة بالمشركين, وأخذ السّلب بغير بيّنة, وجواز الحلف بغير الله, وقبول هداية الكفّار, والنّهي عن البول قائماً, ووجوب الغسل يوم الجمعة. فهذه /تسعة وتسعون حكماً أجمع أهل العلم على حكم سبعة وعشرين منها, واشتهر النّسخ من غير خلاف نعرفه في ثمانية أحكام (١) , وشذّ المخالف في نسخ ثلاثة عشر حكماً, وشذّ القائل

стр. 299

بنسخ حكمين, واشتهر الخلاف منها في ثمانية وأربعين حكماً؛ أكثرها أو كثير منها لم يجمع فيه شرائط النّسخ بل يكون من العموم والخصوص أو التعارض الذي يرجع فيه إلى التّرجيح. وأحسن كتاب صنّف في ناسخ الحديث ومنسوخه كتاب ((الاعتبار)) (١) للحافظ الحازمي (٢) وهو مبسوط كثير الفوائد, وليس يخرج منه إلا منسوخ القرآن الكريم, وكثير منه معلوم ضرورة لا يحتاج إلى ذكر, مثل: نسخ شرب الخمر, واستقبال بيت المقدس, ونحو ذلك. وقد صنّف الإمام محمد بن المطهّر كتاب ((عقود العِقيان في النّاسخ والمنسوخ من القرآن)) (٣) , وطوّل تطويلاً مخرجاً عن المقصود بعيداً عن ملاءمة الاقتصار على موضوع الكتاب (٤). فإذا عرفت أنّ هذا الذي ذكرناه هو كلّ المنسوخ أو جلّه لا يفوت منه إلا ما لا يعصم البشر عن نسيان مثله, فكيف يقال: إنّه أصعب

стр. 300

علوم الاجتهاد؟ (١ وأن معرفته اجتهاد (١)؟ ومن المعلوم لكلّ منصف أنّ تعلّم مثل هذا أسهل من تعلّم كتاب الصّلاة في كثير من الكتب الفقهيّة التّقليديّة, وقد تعرّض المتعلّمون من الطّلبة لمعرفة علم العربيّة, وكثير من العلوم الدّقيقة؛ فلم يعلم من أحد من أهل العلم أنّه قنّطهم من بلوغ المقصود في تلك الفنون, فكيف إلى معرفة مختصر لطيف في النّاسخ والمنسوخ؟! وهذا محض المخالفة لقول رسول الله ﷺ : ((يسّروا ولا تعسّروا)) (٢) فنسأل الله الهداية, ونعوذ به من الغواية. قال: ((فكيف يستنتج العقيم ويستفتى من ليس بعليم))؟ أقول: الجواب على هذا من وجوه: الوجه الأوّل: إمّا أن يشير بهذا الكلام إلى الاستهزاء والسّخرية بمن أجاز للمميّز من القرّاء المقلّدين, أو أوجب عليه أن [يبحث عن] (٣) الأدلّة ويعرف نصوص السّنّة ثمّ يقلّد الأرجح من العلماء, أو يأخذ بما وافق النّصوص النّبويّة التي حكم لها نقّاد العلماء بالصّحّة وعدم النّسخ والتّخصيص والمعارضة, أو يشير بهذا الكلام إلى السّخرية بمن قال بتجزّىء الاجتهاد, وأنّ المطّلع على أدلّة المسألة, وجميع ما قيل فيها (٤) يصير مجتهداً فيها, يلزمه العمل باجتهاده, وكلّ واحدة من هاتين المسألتين صحيحة القواعد, نصّ عليها من جلّة

стр. 301

العلماء غير واحد, والسّاخر من الذّاهب إليهما من علماء الملّة الإسلامية متعدّ لحدود القوارع القرآنية, قال الله تعالى: ﴿لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُواْ خَيْراً مِنْهُم﴾ [الحجرات:١١] ونحن نذكر كلّ واحدة من هاتين المسألتين ليظهر للنّاظر أنّه ليس في شيء منهما ما يوجب /السّخرية والاستهزاء بمن ذهب إليهما, أو عوّل عليهما: المسألة الأولى: في وجوب التّرجيح أو جوازه في حقّ المميّز من طلبة العلم لا سيّما طلبة علم الحديث النّبويّ, فهذه مسألة قد ذكرها غير واحد من العلماء, وقد حكاه في ((مختصر المنتهى)) (١) عن أحمد بن حنبل, وابن سريج, وحكاه القطب الشّيرازي في الشّرح عنهما, وعن القفّال, وأبي حامد الغزّالي, وجماعة من الفقهاء والأصوليين وهو الذي اختاره المنصور بالله, واحتجّ على وجوبه في كتاب ((صفوة الاختيار)) , وهو ظاهر حكاية عبد الله بن زيد العنسيّ عن الزّيديّة في كتاب ((الدّرر)) , وهو الذي نصّ عليه المؤيّد بالله في كتابه ((الزّيادات)) فقال ما لفظه: ((فصل فيما يجب على العامّي والمستفتي, وما يكون الاشتغال به أولى من العلوم: عندي أنّ التّنقير والبحث واجب على العامّيّ, فإن كان ممن له رشد وثبت له وجه القوّة بين المسألتين أخذ بأقواهما عنده, وإن لم يكن له رشد فلابدّ أن ينظر إلى التّرجيح بين العلماء ويطلب ذلك)) إلى آخر كلامه. وقال الإمام الدّاعي يحيى بن المحسن (٢) ما لفظه: ((من انتهى في

стр. 302

العلم إلى حالة يمكنه معها التّرجيح بين الأقوال وجب عليه استعمال نظره في التّرجيح, وإن لم يبلغ درجة الاجتهاد)). وذكر النّووي في ((شرح المهذب)): (١) أنّه صحّ عن الشّافعيّ ﵁ أنّه قال: ((إذا صحّ الحديث فاعملوا به ودعوا مذهبي)) , قال النّووي في ((شرح المهذب)) (٢): ((وورد هذا المعنى عنه بألفاظ مختلفة)) , وهذا يدلّ على ما قلناه, لأنّ قول الشّافعيّ هذا لا يجوز أن يوجّه إلى المجتهدين لأنّهم غير عاملين بمذهبه, سواء صحّ الحديث أو لم يصحّ, ولأنّهم غير محتاجين إلى مثل هذا التّعليم, وإنّما وصّى بهذا ملتزمي مذهبه إشفاقاً منه ﵁ على أصحابه ومتّبعيه من الوقوع في العصبيّة [له و] (٣) تقديم قوله على ما صحّ عن رسول الله ﷺ , وهذا يدل على تعظيمه ﵁ للسّنن النّبويّة ومحبّته لتقديم العمل بها على الآراء القياسيّة والأنظار المبنيّة على كثير من الأمارات العقليّة. وذكر النّووي ﵀: أنّ كثيراً من علماء الشّافعيّة عملوا على مقتضى هذه القاعدة في مسائل كثيرة, منها اختيار التّأذين بالصّلاة

стр. 303

خير من النّوم (١) فإنّ قول الشّافعيّ الجديد أنّ ذلك ليس بسنّة, لكنّهم خالفوه لمّا صحّ الحديث في ذلك, وكذلك الحافظ عماد الدّين المعروف بابن كثير ذكر مثل ذلك في كتاب: ((إرشاد الفقيه إلى أدلّة التّنبيه)) (٢) في مسألة تحريم الزّكاة على موالي بني هاشم [وبني المطّلب] (٣) , وقدّم الحديث على مذهب الشّافعيّ, وحكى مثل ذلك عن النّواوي ﵀, وهو الذي اختاره الإمام العلاّمة شيخ الإمام النّووي (٤): عزّ الدّين ابن عبد السّلام الشّافعي الذي قال النّووي في ((شرح المهذب)) في ترجمته: إنّهم اتفقوا على براعته في العلوم كلّها, وعلى أمانته وديانته أو كما قال, ذكر ذلك عزّ الدين ابن عبد السّلام في كتابه ((قواعد الأحكام في مصالح الإنام)). وأجمع كلام /في هذا رأيته كلام الإمام النّواوي في ((شرح المهذب)) (٥) وهو هذا بلفظه, قال -رحمه الله تعالى-: ((صحّ عن الشّافعيّ ﵀ أنّه قال: إذا

стр. 304

وجدتم في كتابي خلاف سنّة رسول الله ﷺ فقولوا بالسّنّة ودعوا قولي. وروي عنه: إذا صحّ الحديث فهو مذهبي. وروي عنه هذا المعنى بألفاظ مختلفة, وقد عمل بهذا أصحابنا في مسألة التّثويب, واشتراط التّحلل (١) من الإحرام بعذر المرض, وغيرهما مما هو معروف. وممّن أفتى بالحديث البويطيّ والدّاركيّ (٢) ونصّ عليه الكيا الطّبريّ, واستعمله من أصحابنا المحدّثين: البيهقيّ وآخرون. وكان جماعة من متقدّمي أصحابنا إذا رأوا مسألة فيها حديث ومذهب الشّافعيّ بخلافه عملوا بالحديث وأفتوا به قائلين: مذهب الشّافعي ما وافق الحديث. ولم يتفق ذلك إلا نادراً لما نقل عن الشّافعيّ. وهذا الذي قاله الشّافعي ليس معناه أنّ كلّ من رأى حديثاً صحيحاً, قال: هذا مذهب الشّافعيّ بظاهره (٣) , وإنّما هو فيمن له رتبة الاجتهاد في المذهب على ما تقدّم من صفته أو قريب منه, وشرطه: أن يغلب على ظنّه أنّ الشّافعيّ لم يقف على هذا الحديث أو لم يعلم صحّته, وهذا إنّما يكون بعد مطالعة كتب الشّافعيّ كلّها ونحوها من

стр. 305

كتب أصحابه الآخذين عنه وما أشبهها, وهذا شرط صعب قلّ من يتّصف به. وإنّما اشترطوا ما ذكرناه لأنّ الشّافعيّ ترك العمل بظاهر أحاديث علمها ورآها, لكن قام الدّليل عنده على طعن فيها أو نسخها أو تأويلها أو نحو ذلك. قال ابن الصّلاح: ((ليس العمل بظاهر ما قاله الشّافعي, فليس كلّ (١) فقيه يسوغ له أن يستقلّ بالعمل بما رآه حجة من الحديث. وممّن سلك هذا المسلك أبو الوليد موسى بن [أبي] الجارود (٢) - ممّن صحب الشافعيّ- قال: صحّ حديث: ((أفطر (٣) الحاجم والمحجوم له)) فأقول: قال الشّافعيّ: أفطر الحاجم والمحجوم. فردّوا ذلك عن أبي الوليد لأنّ الشّافعيّ تركه مع علمه بصحّته لكونه منسوخاً عنده, وبيّن نسخه. قال أبو عمرو (٤) بن الصّلاح -فيمن وجد حديثاً يخالف مذهبه-: نظر إن كان من أهل الاجتهاد فيه مطلقاً أو في ذلك الباب أو المسألة كان له العمل به, وإن لم يكن, وشقّ عليه مخالفة الحديث بعد البحث عنه, ولم يجد جواباً شافياً؛ فله العمل به إن كان عمل به إمام مستقل, ويكون هذا [عذراً] (٥) في ترك مذهب إمامه. وما قاله

стр. 306

متعيّن)). انتهى ما حكاه النّووي -رحمه الله تعالى- في هذا. ونقلت من خط شيخنا الحافظ العلامة شيح الحرمين الشّريفين جمال الدين /كعبة الطّالبين: محمد بن عبد الله بن ظهيرة (١) ﵁ في ذلك عجباً عجيباً, وكان يقول: إذا صحّ الحديث فهو مذهبي, إذا صحّ الحديث فاضربوا بقولي الحائط, وسلك في ذلك أسلوباً غريباً حتّى إنّ أكبر أصحابه أبا يعقوب يوسف بن يحيى البويطي كشط يوماً شيئاً من كتابه, فقيل له في ذلك؟ فقال: هذا صاحبنا أوصانا به, وحكى ﵁ بإسناد (٢) إلى الربيع بن سليمان أنّه قال: سمعت الشّافعيّ ﵁ يقول -وسأله رجل عن مسألة- فقال: روي عن النّبي ﷺ أنّه قال كذا وكذا. فقال له السّائل: أتقول بهذا يا أبا عبد الله؟ فارتعد الشّافعي واصفرّ وحال لونه وقال: ويحك! أيّ أرض تقلّني وأيّ سماء تُظلّني إذا رويت عن رسول الله ﷺ شيئاً [و] (٣) لم أقل به!؟ نعم على الرأس والعين (٤). وفي رواية فقال الشّافعيّ: تراني في بيعة أو كنسية؟ تراني على زيّ الكفّار؟ هو ذا تراني في مسجد المسلمين على زيّ المسلمين, مستقبل قبلتهم أروي حديثاً عن النّبيّ ﷺ ولا أقول به))؟

стр. 307

وذكر شيخنا ابن ظهيرة -أمتع الله المستفيدين ببقائه- تفصيل ما أجمله العلاّمة النّووي من ألفاظ الشّافعيّ ونقل ذلك كلّه من طريق أبي عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد الحاكم, وقد تركت التّطويل بترك (١) جميع ذلك؛ لشهرته عند جميع أهل المعرفة من أصحاب الشّافعيّ ﵃. وأمّا الدّليل على ما اختاره هؤلاء العلماء الأعلام فوجوه: أحدهما: أنّه لو جاز (٢) للمقلّد أن يتخيّر عند الاختلاف ما يشاء من غير ترجيح لكان مخيّراً بين التّحليل والتّحريم, إن شاء حلّ (٣) الشّيء, وإن شاء حرّم, وإن شاء أوجب, وإن شاء حرّم ثم حلّ أو أحلّ ثم حرّم بغير دليل ولا ضابط, وهذا ممنوع؛ لأنّه يؤدّي إلى تمكّن العوامّ من سقوط جميع التكاليف الظّنّيّة الخلافيّة والإجماعيّة, أمّا الخلافيّة, فظاهر, وأمّا الإجماعيّة الظّنّيّة؛ فلأنّ في العلماء من يقول: إن الإجماع المنقول بالآحاد لا يجب (٤) العمل به فيقلّدون من قال بهذا, وحينئذ لا يجب عليهم إلا الضّروريات من الدين أو من الإجماع, لكن الضّروريات من الإجماع هي الضّروريات من الدين, فحينئد لا يجب عليهم إلا المعلوم ضرورة من الدّين, بل هذا القول

стр. 308

يؤدّي إلى جواز تقليد من يقول: إنّ التّقليد غير جائز, وتقليد من يقول: إنّ الاجتهاد غير واجب, إمّا لأنّ في النّاس من هو قائم بفرضه, أو لأنّه قد عدم العلماء فتعذّر التعليم وسقط الوجوب. فإن قيل: /ليس له أن يقلّد من يقول بسقوط التّقليد, وسقوط الاجتهاد, وإنّما يجوز له تقليد أحدهما؛ لأنّ المسقط للتّقليد يقول بوجوب الاجتهاد, والمسقط للاجتهاد يوجب التّقليد. قلنا: قد قال بجواز مثل هذه الصورة في التّقليد بعض العلماء, فإذا [جاز] (١) التّقليد مطلقاً جاز مثل هذا التّقليد, وهذا كلّه يؤدّي إلى تمكّن العامّيّ من عدم وجوب الرجوع إلى العلماء. لكن المعلوم وجوب ذلك على العوامّ من إجماع الصّحابة؛ فبطل ما أدّى إلى مخالفة إجماعهم. الوجه الثّاني: أنّ الأدلّة على جواز التّقليد غير عامّة لهذه الصّورة ولا متناولة لها, أمّا قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنتُم لاَ تَعلَمُونَ﴾ [الأنبياء:٧]. فلما تقدّم (٢) , وأمّا إجماع الصّحابة على تقرير العوامّ على التّقليد فلأنّه إجماع فعلي لا لفظي, والأفعال لا عموم لها, وهذه الصّورة لم تقع في زمانهم ولم تشتهر ويجمعوا على جوازها, فإنّه لم يعلم أنّ أحداً من طلبة العلم في زمنهم قلّد في مسألة يحفظ فيها حديثاً صحيحاً مخالفاً لما هو عليه, وأنّهم علموا (٣)

стр. 309

[بذلك] (١) كلّهم وأجازوه, ولا علم (٢) أنّ عامّيّاً اختلف عليه عالمان فقلّد المفضول منهما وعلموا بذلك وأجازوه. الوجه الثّالث: أنّ كلامنا إنّما هو فيمن اعتقد وجوب التّرجيح, ومن اعتقد ذلك وجب عليه بالإجماع, ولم يكن لأحد أن يعترضه, بل من أمره بمخالفة ما يجب عنده فقد عصى الله تعالى وأمره بمعصيته نسأل الله السّلامة. الوجه الرّابع: أنّ كلامنا أيضاً إنّما هو في الذي يوجب العمل بالتّرجيح بعد أن عرف الرّاجح, وحصل له الرّجحان الذي لا يمكن دفعه, بسماعه للأحاديث الصّحيحة, ووقوفه على كلام الحفّاظ, وأهل المعرفة التّامّة والاطّلاع الواسع, ونصّهم على صحّة الحديث, وعدم وجود ما يدفع العمل به, فأخبرني على الانصاف؛ ما الموجب لترك العمل بمقتضى الحديث؟ هل كونه مخالفاً لبعض العلماء؟ فقد صار العمل به موافقاً لبعضهم, وترك العمل به مخالفاً لبعضهم أيضاً. [أو] (٣) الموجب لتركه كونه راجحاً مظنوناً, وكون ترك العمل به ضعيفاً مرجوحاً؟ فهذا عكس المعقول والمنقول, فاعجب من سخرية المعترض بمتّبع السّنن, والسّائر من الحقّ في مثل هذا السَّنن!!. ويستشهد لهذا بولاد العقيم, وإعراضه عما يجب لحملة علم السّنّة من التّعظيم. يا هذا! إن الملائكة تفرش أجنحتها (٢ تعظيماً لطالب

стр. 310

العلم و (١) لمن احتقرت من طلاب السّنّة, وتكريماً لمن أهنت من سالكي طريق الجنّة. وإذا الأكابر عظّمتك فلا تبل ... بمطاعن الأوزاع والأخياف (٢) المسالة الثانية: أنّ طالب الحديث والنّحو وسائر الفنون يجوز أن يكون مجتهداً في مسألة معيّنة أو في فنّ معيّن, وإن كان غير مجتهد في غير /ذلك, وهذا هو قول الأكثر, كذا قال قطب الدّين الشّيرازي في ((شرح مختصر المنتهى)) وحكى فيه عن الغزالي أنّه قال: ((وليس الاجتهاد عندي [منصباً] (٣) لا يتجزّأ, بل يجوز أن ينال العالم منصب الاجتهاد في بعض الأحكام دون البعض)) (٤) انتهى. وحجّة الجمهور على ذلك: أنّ طالب العلم قد يعرف في بعض المسائل جميع ما يتعلق بها, وما يعرفه المجتهد العام في ذلك, وقول المخالفين يجوز أن يكون فيما لم يعلم ما يتعلّق بذلك ضعيف, لأنّ مجرّد التّجويز المرجوح لا يمنع الاجتهاد, إذ كلّ مجتهد يجوز ذلك [في حقّه] (٥) وإن اجتهد في جميع العلوم, لكن النّادر لا عبرة به. وقد أجاب قطب الدّين بهذا وقال: ((الكلام مفروض فيما إذا

стр. 311

كانت (١) جميع الأمارات المتعلّقة بتلك المسألة حاصلة في ظنّ الفقيه عن مجتهد بأن يوقفه على الكلام عليها, أو الكلام مفروض بعد تحرير الأئمة للأمارات, وتخصيص كلّ بعض من الأمارات ببعض المسائل, وجمع كلّ إلى جنسه (٢))). فهذه حجّة الجمهور. وأمّا مسألتنا فإنّما هي فيمن ذهب إلى مذهب الجمهور, واعتقد صحّته, ثمّ إنّه بعد البحث الكثير في مصنّفات العلماء التي [حرّروا فيها] (٣) الأدلّة على الأبواب, وذكروا الخلاف والحجج على الإنصاف والاستيفاء, ثمّ ترجّح له بعض المذاهب لموافقة النّصوص الصّحيحة, وخاف أن يكون قد صار مجتهداً في تلك المسألة, وإن لم يكن مجتهداً فمقلّداً مرجّحاً, ولم يكن في دماغه من دخان العصبيّة ما يوجب اتباع المفضول, والعمل بالمرجوح الذي هو خلاف الأولى عند جميع العلماء, وإنّما اختلفوا في وجوبه لا في جوازه (٤) ولا في استحبابه. أمّا من قال: بتجزّىء الاجتهاد؛ فظاهر, وأمّا من منعه؛ فإنّه يقول بجوازه لمن اعتقد جوازه, لأنّ المسألة ظنّيّة خلافيّة, لا قاطع فيها, ولا مانع من العمل بها, فالمستهزىء بالعامل بهذا, السّاخر

стр. 312

منه, المشبّه لعلمه (١) بما لا يستقيم من استنتاج العقيم, منتظم في سلك الذين: ﴿كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ, وَإِذَا مَرُّواْ بِهِم يَتَغَامَزُونَ, وَإِذَا انقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُواْ فَكِهِينَ, وَإِذَا رَأَوْهُم قَالُوا إِنَّ هَؤُلاءِ لَضَالُّونَ, وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِم حَافِظِينَ﴾ [المطففين:٢٩ - ٣٣]. الوجه الثّاني في الجواب: أنّ المعترض قد ارتكب ما استقبح, وانتهك ما استعظم, فإنّه ضعّف القول بوضع اليمنى على اليسرى في الصّلاة, وضعّف القول بالتأمين فيها -أيضاً- وأخذ يرجّح مذهبه بما روى من الأخبار, انتصاراً لمذهبه المختار, هذا مع اعترافه أنّه من المقلّدين, وغلوّه في القول بعدم المجتهدين, فما باله أنتج وهو عقيم, وأفتى وليس بعليم!! وقد قال الحكيم (٢): لا تنه عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم /الوجه الثّالث: أن نقول: ما مرادك بهذا الإنتاج؟ (٢ هل إنتاج (٣) الاستدلال العامّ في جميع المسائل التي لا تصحّ (٤) إلا من المجتهدين في علوم الدّين, أو إنتاج التّرجيح لبعض المسائل التي ذهب خصمك إلى جوازه من المقلّدين كما هو مذهب الأكثرين؟ إن كان الأوّل؛ فليس فيه نزاع, وإن كان الثّاني؛ فليس يبطل بمجرّد الأسجاع. فهلمّ الدّليل, وتنحّ عن (٥ التّعويل على مجرّد (٥) التّهويل.

стр. 313

الوجه الرّابع: أن نقول: ما قصدك بذكر استنتاج العقيم, واستفتاء من ليس بعليم؟ هل قصدك مجرّد السّجع في الكلام, أو الإفحام للخصم والإلزام؟ إن كان الأوّل؛ فالبلغاء لا يستطيبون من الأسجاع مواردها, متى كانت [تنقص من المذاهب] (١) قواعدها, فإنّها لا تصلح إلا زينة للحجج الصّحيحة, فمتى أفسدتها كانت عند البلغاء قبيحة, لكن سجعك هذا يهدم قواعدك, ويخالف مقاصدك؛ لأنّك الذي أجزت للمقلّد العقيم أن يفتي وليس بعليم, وفي نصرة هذا المذهب أنشأت هذه الرّسالة؛ وأعدت وأبديت في نصرة هذه المقالة. وأمّا إن كان المعترض قال ذلك الكلام على سبيل الإفحام لخصمه والإلزام؛ فقد عاد الإلزام أيضاً إليه, وخرج الاحتجاج من يديه, لأنّه الذي قضى بفقد المجتهدين, وحكم بمرتبة الفتيا للمقلّدين, وأنتج العقيم, وخبط من المناقضة في ليل بهيم, فبطلت حجّته واضمحلت, وجاء المثل: ((رمتني بدائها وانسلت)) (٢). ومن العجائب: أنّ المعترض متصدّر للفتوى والتّدريس والمناظرة والتّصنيف, وهو معترف بالجهل, مدّع لخلوّ العالم من أهل العلم, منكر على من يرى جواز التّرجيح بالأخبار, مقتد في ذلك

стр. 314

بالجلّة من العلماء الأخيار, زاعماً أنّ ذلك يؤدّي إلى إنتاج العقيم (٢وفتوى من ليس بعليم, مصدّراً لكلامه بكيف الإنكاريّة, مصوّراً لذلك في أبعد صور المحالات العادية وهو ولاّد العقيم (١) الذي لا يصحّ ولا يستقيم!! وهذا يقتضي أنه العقيم الولود, والظّئر الودود (٢) , فكيف يعيب خصمه بما هو فيه, ويلزمه من المحالات ما هو بالحقيقة مدّعيه؟ وما ذاك إلا أنّه غفل عن كون هذه من عيوبه, وتوهّم أنّه (٣) من عيوب خصومه, فباح به أشدّ البواح, وأكثر عليهم من الصّياح. ولم تزل قلّة الإنصاف قاطعة ... بين الرجال ولو كانوا ذوي رحم قال: فأمّا أن يكون له في كلّ مسألة أن يرجّح ويخرج عن مذهب من كان قلّده؛ فالصحيح أنّ عليه التزام مذهب إمام معيّن, ذكره المنصور بالله, والشّيخ الحسن بن محمد, والشّيخ أحمد بن محمد, واحتجّ لهم بوجوه: أحدها: بالإجماع, وهو أنّه لا يعلم أحد من المقلّدين يتردّد بين مذاهب علماء الإسلام المتقدّمين منهم والمتأخّرين, ففي مسألة يقلّد أبا بكر, وفي أخرى عمر, وفي ثالثة ابن عباس, وفي رابعة ابن مسعود, وهلمّ جرّا, ولا من يكون مقلّداً لطاووس, وعطاء, والحسن, والشّعبي, ولابن المسيّب, ولغيرهم ممّن كان وراءهم, يقلّد في كلّ مسألة إماماً, ولا من /يكون حنفيّاً في مسألة, شافعيّاً في أخرى,

стр. 315

مالكيّاً حنبليّاً هادويّاً ناصريّاً, هذا ما وقع, ولا علم به, ولو وقع زماننا لأنكره النّاس. أقول: ضعف كلام المعترض في هذا التفصيل يتبيّن بذكر أنظار: النّظر الأوّل: أنّ المعترض جاوز حدّ العادة في الغلوّ حتّى ادّعى الإجماع على ما المعلوم (١انعقاد الإجماع (١) على نقيضه, وذلك أنّه ادّعى الإجماع على التزام مذهب [إمام] (٢) معيّن في زمن الصّحابة والتّابعين, واحتجّ على ذلك بأنه لم يعلم أنّ أحداً كان يقلّد أبا بكر في مسألة, وعمر في ثانية, وابن عباس في ثالثة, وابن مسعود في رابعة, هكذا قال بغير حياء من أهل العلم, والمعلوم أنّ العامّة ما كانت في زمن الصّحابة متحزّبة أحزاباً متفرّقة في التّقليد فرقاً بكريّة, وعمريّة, ومسعوديّة, وعبّاسيّة, كما أشار إليه, وإلا فأخبرنا من الإمام في زمن الصّحابة [الذي] (٣) لم تكن العامّة تستفتي سواه ولا ترجع إلى غيره. فإن قلت: إنّك تلتزم هذاو وتصرّ (٤) على أنّه لم يكن في زمن الصّحابة إلا مفت واحد, فقد أنكرت الضّرورة, ولم يكن [لمناظرتك] (٥) صورة, فقد نقلت الفتيا عن أكثر من مائة نفس من

стр. 316

الصّحابة, ذكرهم غير واحد من العلماء, منهم: الحافظ أبو محمد بن حزم (١) , والشّيخ أحمد بن محمد في كتاب ((الشجرة)) (٢). وتعيينهم وكمية عددهم, وإن نقلت بالآحاد فكثرتهم في الجملة معلومة بالضرورة, وأمّا إن أقرّ بما هو معلوم من أنّ العامّة لم يكونوا ملتزمين لمذهب صحابي واحدو وأنّ الصّحابة لم يكونوا مقتصرين على فتوى مفت واحد, فليت شعري أيّ البواطل تركب؟ هل القول بأنّ كلّ مفت من الصّحابة كان له أتباع؟ فهذا يفضي في تشعّب مذاهبهم إلى غاية الاتساع, فيكون العامّة في زمنهم أكثر من مئة فرقة على عدد المفتين, أو ترتكب القول بإلزام العامة لمذاهب جماعة مخصوصين, فهذا مثل دعوى الرّوافض للاختصاص بالعلم بالنّصّ على اثني عشر إماماً منصوصين. والجواب عليهم الجميع: أنّ أهل العلم يشاركون لكم في معرفة الآثار, والبحث عن السّير والأخبار, ولم يعرفوا من هذا شيئاً, ولا عرفوا فيه علماً ولا ظنّاً, ولا يصحّ أن يوحي إليكم ذلك من دون النّاس, فما سبب الانفراد بهذا العلم والاختصاص؟. وبالجملة: فالمعلوم ضرورة أنّ العامّيّ في زمن الصّحابة كان يفزع في الفتوى إلى من شاء منهم, من غير نكير في ذلك, وهذا من الأمور المعلومة, وقد احتجّ بذلك ابن الحاجب في ((مختصر

стр. 317

المنتهى)) (١) على أن الالتزام لا يجب وادّعى القطع بوقوعه, وكذلك الشّيخ أبو الحسن احتجّ في ((المعتمد)) (٢) بإجماع الصّحابة على عدم الالتزام, قال قطب الدّين في شرح كلام ابن الحاجب ما لفظه: ((احتجّ المصنّف بالإجماع (٣) على الجواز بوقوعه -أي بوقوع المتنازع فيه /في زمن الصّحابة وغيرهم- من غير إنكار من [أحد] (٤) ولو كان ذلك منكراً لأنكر, ولم ينقل عن أحد من الصّحابة والتّابعين الإنكار ولا الحجر على المستفتي في تقليد إمام واحد. فإن قلت: فهذا الإجماع يقتضي أنّه لا يجب التّرجيح, وأنت قد ذكرت أنّه يجب. قلت: إنّما ذكرت أنّه يجب حين يختلف أهل الفتوى على العامّي فيزول ظنّه لصدق المفتي وصحّة فتواه, وهذه الصّورة التي أوجبت فيها التّرجيح, لم يظهر وقوعها في زمنهم, فكيف الإجماع عليها؟! وإنّما كان العامّي في زمنهم يسأل أحدهم وهو لا يعلم أنّ الآخر يخالفه, فإذا سمع الفتوى ظنّ صحّتها, وطابت نفسه بها, وكأنّما سمعها من رسول الله ﷺ , وهذا هو المعروف من أحوال العامّة وأكثرهم, فإنّهم لا يعلمون أنّ المفتي قد يفتي برأي منه يخالف فيه من هو أعرف منه, وأنّما يعتقد أكثرهم أنّ الفتوى إنّما هي بنصوص

стр. 318

واضحة من صاحب الشّريعة, فلا يدخل في حكمهم من عرف مراتب الضّعف والقوّة في مآخذ أهل الفتوى إذا سمع الخلاف, وتعارضت عليه الأقوال, ووقع في حيرة الشّكّ, وظلمة التّعارض, فإنّه يجب على هذا الرّجوع إلى النّظر في الأمارات والمرجّحات حتّى يلوح له ما تطيب به نفس من رجحان ما هو عليه, وصحّة ما يذهب إليه لقول رسول الله ﷺ : ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)) (١) ولما قدّمنا من الأدلّة في ذلك, وسوف يأتي مزيد بيان لوجه الاحتجاج بهذا الحديث, وبيان معناه في مسألة قبول أهل التّأويل إن شاء الله تعالى. النّظر الثّاني: أن المعترض قال في احتجاجه ما لفظه: ((إنه لم يعلم أحد من المقلّدين يتردّد (٢) بين مذاهب علماء (٣) الإسلام)) , وهذا منه احتجاج بإجماع العامّة, وليس يعتبر بهم في الإجماع مع المجتهدين فكيف بهم منفردين؟ وفي الحديث الصّحيح المتفق عليه

стр. 319

من حديث عبد الله بن عمرو (١) مرفوعاً: ((إنّ الله لا يقبض العلم ينتزعه انتزاعاً, وإنّما يقبض العلم بقبض العلماء, حتّى إذا لم يبق عالماً اتخذ النّاس رءوساً جهّالاً فأفتوا بغير علم فضلّوا وأضلّوا (٢))). فهذا الحديث يقتضي (٣) أنّ العامّة قد يجتمعون على الضّلال والإضلال, ولا يكون إجماعهم حجّة يعصم من الضّلال. النظر الثالث: أنّا لو سلّمنا أنّ إجماعهم حجّة لما دلّ على مذهبه, لأنّه فعل لا قول, وفعل الأمّة دليل على الجواز لا على الوجوب, لأنّهم إنّما عصموا عن الحرام لا عن المباح, فلا مانع من أن يكون فعلهم مباحاً, فلو قدّرنا أنّهم التزموا مذهباً لكان ذلك دليلاً على جواز ذلك لا على وجوبه, ونحن لا ننازعك في جواز ذلك وجواز خلافه, وإنّما نازعناك في مسألة مخصوصة لم ينقل أنّ الأمّة أجمعت فيها /بعينها إجماعاً قوليّاً ولا فعليّاً, فبان بهذه الأنظار أنّه وهم ثلاثة أوهام: أحدها: أنّ الأمّة أجمعت على الالتزام, والإجماع إنّما انعقد على عدم الالتزام. وثانيها: أنّ إجماع العامّة حجّة. وثالثها: أنّ الإجماع الفعليّ دليل الوجوب, فلو أنّه احتجّ بتقرير العلماء للعامّة لكان أقرب له, وإن كان لا يسلم من وهمين, فوهمان

стр. 320

خير من ثلاثة. *وبعض الشّرّ أهون من بعض (١) * النّظر الرّابع: ادّعى أنّ التّنقّل ما وقع في المذاهب ألبتة, وأنّ أحداً من المقلّدين ما علم أنّه كان شافعيّاً في مسألة حنفيّاً في أخرى. وهذا الكلام يدلّ على أحد أمرين: إمّا على شدّة تغفيله, وأنّه لا يدري ما يقول وإمّا على كثرة جرأته وقلّة مبالاته, وذلك أنّه لا يعلم أنّ أحداً من المقلّدين ما عمل بغير مذهب إمامه قطّ إلا الله , لأنّ الإحاطة بأعمال المقلّدين متعذّرة مع انتشارهم في أقطار الإسلام شرقاً وغرباً وشاماً ويمناً, ومع وجود المتساهلين منهم وجود (٢) الفسّاق المصرّحين. وليت شعري ما يقول هذا المعترض؟! هل يقطع بأن أحداً من المقلّدين ما زنى ولا سرق, ولا أربى ولا فسق؟ فهذا عناد عظيم, وبهتان مبين, أو يقرّ بذلك, فكيف قطع بأنّهم لا يفعلون -ولا أحد منهم- ما هو جائز عند كثير من علماء الإسلام؟ ومن أين علم عصمتهم عن هذا الذي لم يقل أحد من الأمّة: إنّ فاعله مستحلاًّ له يفسق ولا يعصي؟ والمعلوم خلاف ما ذكره من كثير من العامّة, بل من كثير من أهل التّمييز, بل قد قدّمنا كلام غير واحد من العلماء في وجوب ذلك
следующие страницы →