← Акыда

Акыда · id 36427

الروض الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم - صلى الله عليه وسلم -

ابن الوزير

Полный текст (691 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

الصّحابة, ذكرهم غير واحد من العلماء, منهم: الحافظ أبو محمد بن حزم (١) , والشّيخ أحمد بن محمد في كتاب ((الشجرة)) (٢). وتعيينهم وكمية عددهم, وإن نقلت بالآحاد فكثرتهم في الجملة معلومة بالضرورة, وأمّا إن أقرّ بما هو معلوم من أنّ العامّة لم يكونوا ملتزمين لمذهب صحابي واحدو وأنّ الصّحابة لم يكونوا مقتصرين على فتوى مفت واحد, فليت شعري أيّ البواطل تركب؟ هل القول بأنّ كلّ مفت من الصّحابة كان له أتباع؟ فهذا يفضي في تشعّب مذاهبهم إلى غاية الاتساع, فيكون العامّة في زمنهم أكثر من مئة فرقة على عدد المفتين, أو ترتكب القول بإلزام العامة لمذاهب جماعة مخصوصين, فهذا مثل دعوى الرّوافض للاختصاص بالعلم بالنّصّ على اثني عشر إماماً منصوصين. والجواب عليهم الجميع: أنّ أهل العلم يشاركون لكم في معرفة الآثار, والبحث عن السّير والأخبار, ولم يعرفوا من هذا شيئاً, ولا عرفوا فيه علماً ولا ظنّاً, ولا يصحّ أن يوحي إليكم ذلك من دون النّاس, فما سبب الانفراد بهذا العلم والاختصاص؟. وبالجملة: فالمعلوم ضرورة أنّ العامّيّ في زمن الصّحابة كان يفزع في الفتوى إلى من شاء منهم, من غير نكير في ذلك, وهذا من الأمور المعلومة, وقد احتجّ بذلك ابن الحاجب في ((مختصر

стр. 317

المنتهى)) (١) على أن الالتزام لا يجب وادّعى القطع بوقوعه, وكذلك الشّيخ أبو الحسن احتجّ في ((المعتمد)) (٢) بإجماع الصّحابة على عدم الالتزام, قال قطب الدّين في شرح كلام ابن الحاجب ما لفظه: ((احتجّ المصنّف بالإجماع (٣) على الجواز بوقوعه -أي بوقوع المتنازع فيه /في زمن الصّحابة وغيرهم- من غير إنكار من [أحد] (٤) ولو كان ذلك منكراً لأنكر, ولم ينقل عن أحد من الصّحابة والتّابعين الإنكار ولا الحجر على المستفتي في تقليد إمام واحد. فإن قلت: فهذا الإجماع يقتضي أنّه لا يجب التّرجيح, وأنت قد ذكرت أنّه يجب. قلت: إنّما ذكرت أنّه يجب حين يختلف أهل الفتوى على العامّي فيزول ظنّه لصدق المفتي وصحّة فتواه, وهذه الصّورة التي أوجبت فيها التّرجيح, لم يظهر وقوعها في زمنهم, فكيف الإجماع عليها؟! وإنّما كان العامّي في زمنهم يسأل أحدهم وهو لا يعلم أنّ الآخر يخالفه, فإذا سمع الفتوى ظنّ صحّتها, وطابت نفسه بها, وكأنّما سمعها من رسول الله ﷺ , وهذا هو المعروف من أحوال العامّة وأكثرهم, فإنّهم لا يعلمون أنّ المفتي قد يفتي برأي منه يخالف فيه من هو أعرف منه, وأنّما يعتقد أكثرهم أنّ الفتوى إنّما هي بنصوص

стр. 318

واضحة من صاحب الشّريعة, فلا يدخل في حكمهم من عرف مراتب الضّعف والقوّة في مآخذ أهل الفتوى إذا سمع الخلاف, وتعارضت عليه الأقوال, ووقع في حيرة الشّكّ, وظلمة التّعارض, فإنّه يجب على هذا الرّجوع إلى النّظر في الأمارات والمرجّحات حتّى يلوح له ما تطيب به نفس من رجحان ما هو عليه, وصحّة ما يذهب إليه لقول رسول الله ﷺ : ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)) (١) ولما قدّمنا من الأدلّة في ذلك, وسوف يأتي مزيد بيان لوجه الاحتجاج بهذا الحديث, وبيان معناه في مسألة قبول أهل التّأويل إن شاء الله تعالى. النّظر الثّاني: أن المعترض قال في احتجاجه ما لفظه: ((إنه لم يعلم أحد من المقلّدين يتردّد (٢) بين مذاهب علماء (٣) الإسلام)) , وهذا منه احتجاج بإجماع العامّة, وليس يعتبر بهم في الإجماع مع المجتهدين فكيف بهم منفردين؟ وفي الحديث الصّحيح المتفق عليه

стр. 319

من حديث عبد الله بن عمرو (١) مرفوعاً: ((إنّ الله لا يقبض العلم ينتزعه انتزاعاً, وإنّما يقبض العلم بقبض العلماء, حتّى إذا لم يبق عالماً اتخذ النّاس رءوساً جهّالاً فأفتوا بغير علم فضلّوا وأضلّوا (٢))). فهذا الحديث يقتضي (٣) أنّ العامّة قد يجتمعون على الضّلال والإضلال, ولا يكون إجماعهم حجّة يعصم من الضّلال. النظر الثالث: أنّا لو سلّمنا أنّ إجماعهم حجّة لما دلّ على مذهبه, لأنّه فعل لا قول, وفعل الأمّة دليل على الجواز لا على الوجوب, لأنّهم إنّما عصموا عن الحرام لا عن المباح, فلا مانع من أن يكون فعلهم مباحاً, فلو قدّرنا أنّهم التزموا مذهباً لكان ذلك دليلاً على جواز ذلك لا على وجوبه, ونحن لا ننازعك في جواز ذلك وجواز خلافه, وإنّما نازعناك في مسألة مخصوصة لم ينقل أنّ الأمّة أجمعت فيها /بعينها إجماعاً قوليّاً ولا فعليّاً, فبان بهذه الأنظار أنّه وهم ثلاثة أوهام: أحدها: أنّ الأمّة أجمعت على الالتزام, والإجماع إنّما انعقد على عدم الالتزام. وثانيها: أنّ إجماع العامّة حجّة. وثالثها: أنّ الإجماع الفعليّ دليل الوجوب, فلو أنّه احتجّ بتقرير العلماء للعامّة لكان أقرب له, وإن كان لا يسلم من وهمين, فوهمان

стр. 320

خير من ثلاثة. *وبعض الشّرّ أهون من بعض (١) * النّظر الرّابع: ادّعى أنّ التّنقّل ما وقع في المذاهب ألبتة, وأنّ أحداً من المقلّدين ما علم أنّه كان شافعيّاً في مسألة حنفيّاً في أخرى. وهذا الكلام يدلّ على أحد أمرين: إمّا على شدّة تغفيله, وأنّه لا يدري ما يقول وإمّا على كثرة جرأته وقلّة مبالاته, وذلك أنّه لا يعلم أنّ أحداً من المقلّدين ما عمل بغير مذهب إمامه قطّ إلا الله , لأنّ الإحاطة بأعمال المقلّدين متعذّرة مع انتشارهم في أقطار الإسلام شرقاً وغرباً وشاماً ويمناً, ومع وجود المتساهلين منهم وجود (٢) الفسّاق المصرّحين. وليت شعري ما يقول هذا المعترض؟! هل يقطع بأن أحداً من المقلّدين ما زنى ولا سرق, ولا أربى ولا فسق؟ فهذا عناد عظيم, وبهتان مبين, أو يقرّ بذلك, فكيف قطع بأنّهم لا يفعلون -ولا أحد منهم- ما هو جائز عند كثير من علماء الإسلام؟ ومن أين علم عصمتهم عن هذا الذي لم يقل أحد من الأمّة: إنّ فاعله مستحلاًّ له يفسق ولا يعصي؟ والمعلوم خلاف ما ذكره من كثير من العامّة, بل من كثير من أهل التّمييز, بل قد قدّمنا كلام غير واحد من العلماء في وجوب ذلك

стр. 321

على أهل التّمييز, ونصّ بعضهم على جوازه, منهم: المؤيّد والدّاعي من أئمة الزّيديّة, وعزّ الدّين بن عبد السّلام, والنّواوي, وابن الصّلاح من أئمة الشّافعيّة, بل بيّنّا أنّ كلام الإمام الشّافعيّ يقتضي ذلك كما تقدّم (١). وأمّا قول المعترض: إنّه لا يوجد أحد من المقلّدين من يكون هادويّاً في مسألة, ناصريّاً في مسألة؛ فأعجب من هذا كلّه! وهو غفلة كبيرة, أو جحد للضّرورة, فإنّ العمل بمذهب النّاصر في أنّ الطلاق البدعي لا يقع؛ ظاهر مشهور في نجد واليمن من بلاد الزّيديّة, والعمل به معلوم فيما بينهم من المفتين والمستفتين من غير التزام (٢) لمذهب النّاصر, وإنكار هذا خلع لعروة المراعاة [كعادات] (٣) أهل العناد, وغلوّ لم يبلغه أحد من أهل اللّجاج. النّظر الخامس: قال المعترض: ولو وقع هذا في زماننا لأنكره النّاس. وهذا عجيب أيضاً! لأنّه إمّا أن يريد أن هذه إجماعية, وهو الظّاهر من كلامه, فهذا لا يصحّ لوجوه: أحدها: أنّه واقع ولم ينكره النّاس كما (٤) قدّمته. وثانيها: أنّ قوله: لو وقع لأنكره النّاس؛ دعوى على النّاس, بل

стр. 322

دعوى لعلم الغيب بما يكون من النّاس في المستقبل. وثالثها: أنّا في علّة من كيفية العلم بإجماع العلماء فكيف بإجماع النّاس؟!. ورابعها: أنّه قد حكم بالجهل على أهل زماننا, فمع ذلك كيف يحتج بإجماعهم, /وليس يحتجّ إلا بإجماع العلماء؟. قال: الوجه الثّاني: أنّه لا يتميّز على هذا الوجه المجتهد من المقلّد, فإنّه إذا رجّح في كلّ مسألة, وعمل يما يترجّح [له] (١)؛ فهذا شأن المجتهدين, وكونه قد قال به قائل شرط في حقّ المجتهدين أيضاً. أقول: هذا الوجه أضعف مما قبله؛ والقول بالتّرجيح لا يؤدّي إلى ما ذكره من عدم الفرق بين المجتهد والمقلّد, فالفرق بينهما واضح, وهو أنّ المقلّد ليس له أن يستقلّ بقول لم يسبق إليه, وإنّما هو تبع لغيره, وقد رام المعترض أن يبطل هذا الفرق فركب الصّعب الذّلول, وخالف المعقول والمنقول, والتزم أنّه لا يحلّ الاجتهاد لمجتهد حتّى يسبقه غيره إلى اختياره, وهذا معلوم البطلان لوجوه: أحدها: أنّه يلزم بطلان اجتهاد خير الأمّة من الصّدر الأوّل الذين ابتكروا الكلام في الحوادث, وسبقوا إلى الاجتهاد في المسائل. وثانيها: أنّه يلزم أنّ الحادثة إذا حدثت وليس فيها نصّ لمن تقدّم من العلماء لزم العمل فيها بغير اجتهاد ولا تقليد, لأنّ شرط كلّ واحد

стр. 323

من الاجتهاد والتّقليد موافقة نصّ متقدّم, وقد عدم هذا الشّرط فيلزم من ذلك سقوط التّكليف في هذا الحكم والعمل بالإباحة, أو تكليف ما لا يطاق من موافقة مراد الله تعالى من غير اجتهاد ولا تقليد, وعلى هذا يكون ترك حفظ أقوال العلماء المتقدّمين أولى؛ ليبطل التّكليف, ويأمن الوقوع في المعصية فيما لم ينصّوا عليه, وهذا شيء لم يسبق هذا المعترض إليه!!. الوجه الثالث: أنّ الأمّة مجمعة قديماً وحديثاً على أنّه لا يشترط في الاجتهاد ما ذكره, وإنّما اشترط العلماء عدم مصادمة الإجماع القطعيّ, واختلفوا في الظّنّيّ (١) إذا لم يعارض بما هو أرجح منه, على ما هو مقرّر في علم الأصول. قال: ((الموضع الثّاني في الدّليل على أنّ في أخبار هذه الكتب المسمّاة بالصّحاح ما هو غير صحيح)) إلى آخر ما ذكره في الموضع الثّاني. أقول: كلامه في هذا الفصل مشتمل على أمرين: أحدهما: الطّعن في صحّة حديث الصّحاح بما فيه من حديث المحاربين لعلي ﵁. وثانيهما: الطّعن على أهل الحديث بمذاهب نسبها إليهم, وإنما لم أورد كلامه في هذا الفصل بلفظه, لأنّه (٢ تقدّم شيء منه و (٢) تقدّم الجواب عليه, وسوف يأتي أيضاً كثير منه في الكلام على المتأوّلين

стр. 324

, ويأتي الجواب عليه هنالك إن شاء الله تعالى. وقد رأيت أن اقتصر على ذكر أوهام وهمها في هذا الفصل لا يخلو ذكرها من فائدة, معرضاً عمّا في سائر هذا الفصل من الأوهام التي لا يفيد ذكرها ولا يهم أمرها, /فإنّ مجرّد التّعرّض للاعتراض من غير فائدة مما ليس تحته طائل, ولا يستكثر من ذكره فاضل. وقد أخّرت الكلام في البغاة على أمير المؤمنين علي ﵁ إلى المسألة الثّالثة ليكون الكلام في أهل التّأويل, وما يتعلّق بهم في موضع واحد, فإنّ ذلك أحسن ترتيباً وأكثر تقريباً. وهذا بيان ما وهم فيه المعترض على أهل السّنّة حرسها الله تعالى: الوهم الأول: زعم صاحب الرّسالة أنّ أهل الحديث يجيزون الكبائر في الأنبياء ﵈, ولكنّه سمّاهم بغير اسمهم؛ فأفرط بذلك في وصمهم, فأقول: لا غرو إن أوذي أهل التّقى ... كلّ إمام بالأذى قد بلي ما سلم الصّدّيق من رافض ... ولا نجا من ناصبيّ (١) علي يأيها الرّامي لهم في دجى ... تعارض الشّكّ بأمر جليّ بأنجم من علم أعلامهم ... تعارض الشّكّ بأمر جلي من ذلك ما ذكره القاضي الإمام العلامة عياض بن موسى اليحصبيّ المالكيّ في كتابه ((الشّفا)) , في التّعريف بحقوق المصطفى)) (٢)

стр. 325

- ﷺ , فإنّه اجاد الكلام (١ في هذه المسألة, وليس يتّسع هذا المختصر لذكر جملة شافية مما ذكره؛ فإنّه نوّع الكلام في هذا المعنى وذكر (١) الأقوال, والحجج, والتّأويل حتّى بلغ كلامه في هذا قدر [ستّين] (٢) ورقة بخطّ وسط, أو يزيد قليلاً بحسب اختلاف خطوط (٣) النّسخ وأوراقها, ومن كلامه فيه ما لفظه: ((أجمع المسلمون على عصمة الأنبياء من الفواحش والكبائر الموبقات, ومستند الجمهور في ذلك الإجماع هو مذهب القاضي أبي بكر, ومنعها غيره بدليل العقل مع الإجماع, وهو قول الكافّة, واختاره الأستاذ أبو اسحاق. وكذلك لا خلاف أنّهم معصومون من كتمان الرّسالة والتّقصير في التّبليغ)). وذكر الإجماع على عصمتهم عن الصّغيرة التي تؤدّي إلى إزالة الحشمة, وتسقط المروءة وتوجب الخساسة. ثمّ قال: ((بل يلحق بهذا ما كان من قبيل المباح فأدّى إلى مثل ذلك ممّا يزري بصاحبه, وينفّر القلوب عنه)). ثمّ ذكر القاضي الخلاف في عصمتهم قبل النّبوّة حتّى قال: ((والصّحيح تنزيههم من كلّ عيب, وعصمتهم من كلّ ما يوجب الرّيب)). وذكر أيضاً قبل هذا عصمة الأنبياء ﵈ من الصّغائر واختاره واحتجّ عليه. وقال الفخر الرّازي في ((محصوله)) (٤) ما لفظه: ((والذي نقول

стр. 326

به: إنّه لم يقع منهم ذنب على سبيل القصد لا صغير, ولا كبير, وأمّا السّهو فقد يقع منهم بشرط أن يذكروه (١) في الحال, وينبّهوا غيرهم على أنّ ذلك كان سهواً. وقد سبقت هذه المسألة في علم الكلام, ومن أراد الاستقصاء فعليه بكتابنا في عصمة الأنبياء والله تعالى أعلم)). وقال الإمام الحافظ أبو زكريا النّووي في كتاب ((الروضة)) (٢): ((أنّ الأنبياء ﵈ معصومون من تعمّد الذنوب؛ صغيرها وكبيرها)) هذا معنى كلامه, ولم يحضرني لفظه. /وقال ابن الحاجب في ((مختصر المنتهى)) (٣): ((الإجماع على عصمتهم بعد الرّسالة من تعمّد الكذب في الأحكام, والإجماع على عصمتهم من الكبائر وصغائر الخسّة)). وقال أبو عبد الله الذّهبيّ في ((النّبلاء)) (٤) وقد ذكر ما معناه: تنزيه رسول الله ﷺ من الأكل مما ذبح على النّصب قبل النّبوّة, فقال ما لفظه: ((ومازال المصطفى محفوظاً محروساً قبل الوحي وبعده, ولو احتمل جواز ذلك, فبالضرورة ندري أنّه كان يأكل ذبائح قريش قبل الوحي, وكان ذلك على الإباحة, وإنّما توصف ذبائحهم بالتّحريم بعد نزول الآية, كما أنّ الخمرة كانت على الإباحة إلى أن نزل تحريمها بالمدينة بعد يوم أحد.

стр. 327

والذي لا ريب فيه أنّه كان معصوماً قبل الوحي وبعده, وقبل التّشريع من: الزنا قطعاً, ومن الخيانة, والغدر, والكذب, والسّكر, والسّجود لوثن والاستسقام بالأزلام, ومن الرّذائل, والسّفه, وبذاء اللسان, وكشف العورة, ولم يكن يطوف عرياناً, ولا يقف يوم عرفة مع قومه بمزدلفة, بل كان يقف بعرفة)). انتهى الكلام الحافظ الذّهبيّ. فهذا ما تيسّر لي من نقل نصوصهم وقت تعليق هذا الجواب, مع البعد من ديارهم, وعدم التمكن من الاستمداد من سائر مصنّفاتهم, ومن الأخذ عن محقّقي علمائهم, وقد بان بهذا أنّ جلّة أئمّتهم نصّوا في كتبهم المتداولة بينهم على عصمة الأنبياء من تعمّد الصّغيرة, وهذا هو المنصوص لعياض في كتاب ((الشّفاء)) , وللرّازي في ((المحصول)) , وللنّواوي في ((الرّوضة)) , فبان بهذا أنّهم أكثر تنزيهاً للأنبياء ﵈ من المعتزلة والزّيديّة, لأنّ مذهبهم تجويز تعمّد الصّغائر على الأنبياء ﵈, إلا [البغداديّة من المعتزلة] (١) فإنّهم يمنعون ذلك, لأنّ كلّ عمد كبيرة عندهم لا لتنزيه الأنبياء من تعمّد الصّغيرة, وإنّما أتي صاحب الرّسالة في رميهم بهذه الضّلالة من سببين: السّبب الأوّل: أنّه رأى هذا المذهب منسوباً إلى الحشويّة فظنّ أنّ المحدّثين هم الحشويّة كما قد سمّاهم بذلك في رسالته, وليس عليه في مجرّد الجهل ذنب, فأكثر عامّة المسلمين لا يدرون من الحشويّة ولا يعرفون أنّ هذه النّسبة غير مرضيّة, وإنّما الذّنب الرّجم بالظّنون الكاذبة, والخوض مع أهل العلم بغير معرفة.

стр. 328

ومن كان له أدنى تمييز عرف أنّ نقّاد الحديث وأئمة الأثر أعداء الحشويّة, وأكره النّاس لهذه الطائفة الغويّة, فإنّ الحشويّة إنّما سمّوا بذلك لأنّهم يحشون الأحاديث التي لا أصل لها في الأحاديث المرويّة عن رسول الله ﷺ , أي: يدخلونها فيها وليست منها, رواه النّفيس العلوي عن نشوان بن سعيد الحميري (١) , وذكر ولده محمد بن نشوان (٢) في كتابه ((ضياء الحلوم)) (٣) ما يدلّ على ذلك فقال: ((إن الحشويّة سمّوا بذلك لكثرة قبولهم الأخبار من غير إنكار)). فإذا عرفت هذا تبيّن لك أنّ المحدّثين [هم] (٤) الذين اختصّوا /بالذّبّ عن السّنن النّبويّة والمعارف الأثريّة, وحموا حماها من أكاذيب الحشويّة, وصنّفوا كتب الموضوعات, وناقشوا في دقائق الأوهام حفّاظ الثّقات, وعملوا في ذلك أعمالاً عظيمة, وقطعوا فيها أعماراً طويلة, وقسّموا الكلام فيه في أربعة فصول: (٥) أحدها: معرفة العلل. وثانيها: معرفة الرّجال.

стр. 329

وثالثها: معرفة علوم الحديث. ورابعها: معرفة الحديث وطرقه. واشتملت هذه الفنون من المعارف النّبويّة, والقواعد العلميّة على ما يضطرّ كلّ عارف إلى أنّهم أتمّ الخلق عناية بحماية علم الحديث على التّبديل والتّحريف, وأنّهم الجهابذة النّقاد بعلم المتن والإسناد, فإنّهم الذين بيّنوا أنواع الحديث التي اختلف في قبولها أهل العلم, مثل: التدليس والإعضال, والاضطراب والإعلال, والنّكارة والإرسال, والوصل والقطع, والوقف والرّفع, وغير ذلك من علوم الحديث الغزيرة, وفوائده العزيزة, ولأمر ما سارت تصانيفهم فيه مسير (١) الكواكب, وانتفع بكلامهم فيه الوليّ الصادق, والعدوّ المناصب, والمتّهم لهم بحشو الأحاديث واختلاق الأباطيل في الحديث لا يكون من أهل العقول التّامّة, دع عنك أهل المعارف الخاصّة (٢). وذلك لأنّه لا خفاء على العاقل: أنّ أئمة الفنّ لا يكونون هم المتّهمين فيه, إذ لو كان كذلك لبطل العلم بالمرّة, فإنّا لو اتّهمنا النّحاة في النّحو, واللّغويين في اللّغة, والفقهاء في الفقه, والأطبّاء في الطّبّ؛ لم يتعلّم جاهل, ولا تداوى مريض, فياهذا! من للحديث إذا ترك أهله!؟ فلو عدمت تآليفهم فيه وتحقيقهم لألفاظه ومعانيه؛ لأظلمت الدّنيا على طالبه, وأوحشت المسالك (٣) على مريده.

стр. 330

بل يا هذا! فكر لم سمّوا: أهل الحديث, ولم [سمّي] (١) أهل الكلام بذلك, وكذلك أهل النّحو وسائر الفنون؟ فإن كان أهل الحديث عندك سمّوا بذلك مع عدم معرفتهم بذلك, وكذبهم فيه, فهلاّ جوّزت مثل ذلك في سائر الفنون, بل في سائر أهل الصّناعات, بل في جميع أهل الأسماء المشتقّات, فيجوز أن يسمى الفقيه نحويّاً, والمتكلم عروضيّاً, والغنيّ فقيراً, والصّغير كبيراً, وهذا ما لا يقول به عاقل, ولا يرتضيه أحد من أهل الباطل. ومن أحبّ أن يعرف حقّ المحدّثين واجتهادهم [في التّحرّي للمسلمين] (٢) , فليطالع تآليف نقادهم في الرّجال والعلل والأحكام, مثل: ((ميزان الاعتدال في نقد الرّجال)) للذّهبيّ, و ((التهذيب)) للمزّيّ, و ((العلل)) للدّارقطني, و ((علوم الحديث)) لابن الصّلاح, وزين الدّين العراقي, وغير ذلك, ثمّ ليطالع بعد ذلك كتب ((الصّحاح)) , و ((السّنن)) لاحظاً لما فيها من اختيار أصحّ الأسانيد, والإشارة إلى مهمّات ما يتعلّق بالأحاديث: من العلل القادحة, والمرجّحات الواضحة, ثمّ ليوازم بينها, وبين مصنّفات سائر الفرق في الحديث, يجد الفرق بين التّصانيف واضحاً, والبون بين الرّجال نازحاً (٣). ومن موازين الإنصاف العادلة, وأدلّة الأوصاف الفاضلة: أنّك

стр. 331

تراهم يضعّفون الضّعيف من فضائل أبي بكر, وعمر, /وعثمان ... ﵃ ويصدعون بالحقّ في ذلك, وكذلك يضعّفون ما يدلّ على مذهبهم متى كان ضعيفاً, ويضعّفون كثيراً من علمائهم إذا كانوا ضعفاء, نصيحة منهم للمسلمين, واحتياطاً في أمور الدّين. وهذه إشارة مختصرة على (١ قدر هذا (المختصر) (١) , دعا إلى ذكرها تعريف من أنكر الجليّات, ودافع ما هو كالمعارف الأوّليّات, إذ من المعلوم أنّ أهل الحديث اسم لمن عني به, وانقطع في طلبه, كما قال بعضهم: إنّ علم الحديث علم رجال ... تركوا الابتداع للاتّباع فإذا جنّ ليلهم كتبوه ... وإذا أصبحوا غدوا للسّماع فهؤلاء هم من أهل الحديث من أي مذهب كانوا, وكذلك أهل العربيّة, وأهل اللّغة فإنّ أهل كلّ فنّ هم أهل المعرفة فيه, وتحقيق ألفاظه ومعانيه, وقد ذكر أئمة الحديث ما يقتضي ذلك, فإنّهم مجمعون على أنّ أبا عبد الله الحاكم بن البيّع من أئمة الحديث, مع معرفتهم أنّه من الشّيعة (٢) وقد ذكروا في كتب الرّجال كثيراً من أئمة الحديث, ورواة الصّحيح منسوباً إلى البدع, وبهذا تزداد أقوال المعترض بطلاناً في نسبة المحدّثين إلى الحشويّة, ويظهر (٣) أنّه قد

стр. 332

نسب إلى الحشو جماعة من أهل مذهبه (١) وسائر الفرق, بل نسبة ذلك إلى خير الفرق (٢) , فإنّ المتمسّكين بالآثار (٣) النّبويّة هم خير الفرق الإسلاميّة, لأنّهم أشبه الخلق خلقاً وسيرة وعقيدة برسول الله ﷺ . والمحدّث إن كان مراعياً للسّنّة, مجانباً للبدعة, ملاحظاً لما كان عليه السّلف, فهو جدير بإجماع من يعتدّ به على صحّة ما هو عليه وقوّة ما استند إليه. وإن كان من بعض الفرق المبتدعة؛ فهو خير تلك الفرقة, وأشبههم خلقاً وسيرة برسول الله ﷺ , وهذا هو الغالب, ولا عبرة بالنّادر ولا بمن ليس من أهل الدّيانة, فنسبة خير الفرق إلى شرّ فرقة تلقيبهم بأخسّ لقب؛ من التّهافت في مهاوي الضّلال, والخبط في تيه الوبال.

стр. 333

ويلحق بهذا فائدة تزيد ما ذكرناه تحقيقاً, وتزيد أئمة الحديث توثيقاً, وهي: أنّ المشهورين بتجويز الكذب في الحديث من الحشويّة الطّائفة المسمّاة بالكرّاميّة, وقد أطلق (١) الرّازي (٢) نسبة هذا إلى الكرّاميّة, وحقّقه الإمام أبو بكر محمد بن منصور السّمعاني (٣) فنسبه إلى بعضهم فيما لا يتعلّق بالأحكام مما يتعلّق بالتّرغيب والتّرهيب, والمحدّثون براء من هذه الطّائفة, وقد تكلّموا عليهم في غير كتاب فممن تكلّم عليهم الذّهبيّ في ((ميزان الاعتدال)) (٤) , فإنّه قال في ترجمة ابن كرّام -شيخ هذه الطّائفة- ما لفظه: ((محمد بن كرّام العابد المتكلّم ساقط الحديث على بدعته, أكثر عن أحمد الجويباري, ومحمد بن تميم السّعديّ, وكانا كذّابين. قال ابن حبان /: خُذل حتّى التقط من المذاهب أرداها (٥) , ومن الأحاديث أوهاها. وقال أبو العبّاس (٦): شهدت البخاريّ, ودفع إليه كتاب من ابن كرّام يسأله عن أحاديث منها: الزّهري عن سالم عن أبيه مرفوعاً: ((الإيمان لا يزيد ولا ينقص)) , فكتب البخاريّ على ظهر كتابه: من

стр. 334

حدّث بهذا استوجب الضّرب الشّديد, والحبس الطّويل. وقال ابن حبان: جعل ابن كرّام الإيمان قولاً (١) بلا معرفة. وقال ابن حزم: قال ابن كرّام: الإيمان قول باللّسان, وإن اعتقد الكفر بقلبه. قال شيخ أهل الحديث ابن الذّهبيّ: ((هذا منافق محض في الدّرك الأسفل من النار, فأيشٍ ينفع ابن كرّام أن يسميه مؤمناً؟ قال الذّهبيّ: وقد سجن ابن كرّام لبدعته بنيسابور ثمانية أعوام. وقد سقت أخباره في ((تاريخي الكبير)) (٢))) انتهى كلامه. فيا من لا يفرّق بين الحشويّ والمحدّث! انظر إلى نصوص أئمة الحفّاظ في إنكار مذهب ابن كرّام في رواية الأحاديث الواهية, وفي القول بالإرجاء, وقد نصّ البخاريّ علي: أنّ راوي الحديث المقدّم الذي هو حجّة المرجئة يستوجب الضّرب الشّديد, والحبس الطويل, وعن قريب تأتي نسبتك للإرجاء إلى المحدّثين, وقل لي من الذي حبس ابن كرّام في نيسابور على بدعته؟ ولمن كانت الشّوكة في نيسابور في ذلك العصر وهو بعد المئتين؟ فإن قلت: إنّك إنّما سمّيت المحدّثين بالحشويّة: لكون الحشويّة من فرقهم, والجامع لهم: ردّهم لمذهب الشّيعة والمعتزلة. قلت: هذا ليس مما تعذر به, فإنّ المنصور بالله روى عن المطرفية وهم من فرق الزّيديّة -أنّهم يستجيزون الكذب في الحديث في نصره ما اعتقدوه حقّاً, وذكر أنّهم صرّحوا له بذلك في المناظرة,

стр. 335

وقد صحّ عنهم من البدع ما هو شرّ من ذلك. وكذلك الحسينية قد صحّ تواتر أنّهم يفضّلون الحسين بن القاسم (١) على رسول الله ﷺ , وهم من فرق الزّيديّة, والزّيديّة يكفّرون هاتين الطّائفتين, فكما لم يلزم الزّيديّة شيء من تلك البدع لقول بعض جهلتهم بها, مع إنكارهم على من قالها؛ فكذلك لا يلزم أهل الحديث كل بدعة قيلت في بلادهم أو قالها من وافقهم في بعض عقائدهم, فزن الأشياء بالموازين العلمية وتعرّف من الحشويّة, واحذر أن تكون من هذه الفرقة الغويّة, لقبول الكثير (٢) من الأحاديث الفريّة, المدسوسة في الأحاديث المرويّة. السّبب الثّاني: أنّ الأنبياء ﵈ قبل النّبوّة لا يسمّون أنبياء حقيقة, ولا تثبت لهم أحكام النبوّة, ألا ترى أنّ كلامهم وأفعالهم قبل النّبوّة ليست بحجّة, وأمرهم قبلها لا يقتضي الوجوب, والشّاك في حكمهم (٣) قبلها لا يكفر, وذلك لأنّ حكمهم قبل النّبوّة

стр. 336

حكم سائر المسلمين, فلما /كان الأمر كذلك, ولم يرد في حكمهم قبل النبوّة نصّ يرجع إليه, ولا إجماع يعتمد عليه ذهب القاضي أبو بكر الباقلاني, وكثير من الأشعرية وكثير من المعتزلة: إلى أنّه لا دليل قاطع يدلّ على عصمتهم ﵈ قبل النّبوّة, مع اعترافهم أنّ الأنبياء ﵈[كانوا] (١) قبل النّبوّة في أرفع مراتب الفضل والكمال لكن قالوا: إنّ ذلك كان منهم كما كان من أفاضل المسلمين من غير دليل قاطع يدلّ على العصمة. وهذا القول -مع بعد أهل الحديث عنه لتعلّقه بعلم الكلام الذي لا يخوضون فيه- قول بعيد عمّا اجترأ المعترض بنسبته إلى أهل الحديث لوجهين: الوجه الأول: أنّ من جوّز على الأنبياء ﵈ شيئاً قبل النّبوّة لم يجز أن ينسب إليه القول بذلك بعد النّبوّة, ولو ساغ ذلك لجاز أن ينسب إلى المعتزلة والزّيديّة أنّ كلام الأنبياء غير حجّة, والإيمان بهم غير واجب, لأنّ هذا هو حكم الأنبياء عندهم قبل النّبوّة, بل كان يلزم أن يجوز نسبة هذا إلى جميع المسلمين. الوجه الثاني: أنّ هؤلاء الذين جوّزوا هذا من متكلّمي المعتزلة والأشعرية لم يقولوا بوقوعه, بل هم معترفون أنّ الواقع خلافه, وأنّ الأنبياء ﵈ كانوا قبل النّبوّة وبعدها من أعظم الخلق أمانة, وأحسنهم ديانة, وأطيبهم أعرافاً, وأكرمهم أخلاقاً. وفرق بين القول بأنّ الأنبياء قبل النّبوّة كانوا من الفضلاء الصّالحين, لكنّهم كانوا غير معصومين, وبين القول بأنّهم كانوا قبل

стр. 337

النّبوّة غير معصومين, ولا صالحين, فإنّ القول بعدم العصمة مع الاعتراف بالفضل والصّلاح لا يستلزم الاستهانة, ألا ترى أنّ جميع الأئمة والأولياء عند الجميع غير معصومين من الكبائر, مع أنّهم عندنا في أعلى مراتب الصّلاح, فليس يلحق: إبراهيم بن أدهم, وأويساً القرني, أمثالهم نقص ولا استهانة منّا حين لم نعتقد عصمتهم. وليس يظهر للخلاف فائدة تحقيقية, ولكن تقديريّة, وهو: أنّه لو فرض وقوع كبيرة من بعض الأنبياء ﵈ قبل النّبوّة لوجب الكفر [بنبوّتهم] (١) عند أكثر المعتزلة, ولم يجب عند الأشعرية, وكثير من المعتزلة, وهذا لا يلزم القائلين بعدم العصمة للأنبياء قبل النبوة كفراً أبداً, لأنّهم آمنوا بالأنبياء سواء كانوا معصومين /قبل النّبوّة أو لا, وأمّا القائلون بالقطع بعصمة الأنبياءقبل النّبوّة؛ فعلى تقدير أنّ الأنبياء غير معصومين قبل النّبوّة, فقد كفروا بهم كفراً مشروطاً, ففي قولهم كفر مشروط بشرط لا يقع عندهم, وفي قول الفريق الأوّل إيمان مقطوع, فما سبب التشنيع عليهم, والتّقبيح لمذهبهم, مع عدم مخالفة النّصوص الشّرعية والأدلّة العقليّة الضّرورية, وعدم الإجماع على هذه المسألة الخفيّة النّظريّة؟! والمختار أنّ الأنبياء ﵈ معصومون قبل النّبوّة بدلائل ظنّيّة وبعدها بدلائل قطعية, بهذا يحصل الإيمان المقطوع ونسلم من الكفر المشروط, مع مراعاة بذل الجهد في تعظيم جناب النّبوّة, وتوفير أهلها, وإطلاق القول بعصمتهم قبلها وبعدها, وأمّا

стр. 338

تفصيل الأدلّة على ذلك؛ فذكره يخرجنا عن المقصود, وله موضع غير هذا. الوهم الثّاني: قال المعترض: إنّ هؤلاء الحشويّة -وعنى بهم أهل الحديث- يجوّزون الكبائر على الأنبياء, ولا يجوّزونها على الصّحابة, واحتجّ على ذلك بأشياء: منها ما نذكره هنا, ومنها ما نذكره في مسائل التأويل (١) إن شاء الله تعالى. فمما (٢) نذكره هنا: أنّه احتجّ على ذلك بأنّ المحدّثين احتجّوا في الكتب الصّحيحة بحديث الوليد بن عقبة. والجواب عليه في ذلك: أنّ ما ذكره غير صحيح عنهم, فلم يقولوا بعصمة أحد من (٣ من الصحابة فمن دونهم (٣) غير النبيّ ﷺ , وإنّما الشّيعة هم الذين قالوا بعصمة غير رسول الله ﷺ ممن بعده, فمنهم: من اقتصر على عصمة (٤أمير المؤمنين (٤) عليّ وفاطمة والحسنين ﵃, ومنهم: من زاد على ذلك, فالإماميّة قالت: بعصمة اثني عشر إماماً, وفي الزّيديّة من زاد على ذلك, وقال بعصمة كل إمام من أئمة الزّيديّة, وهو إمام علوم الزّيديّة المجمع عندهم على علمه وفضله السّيّد الإمام أبو العبّاس الحسني (٥) روى ذلك عنه (٦) غير

стр. 339

واحد من علماء الزّيديّة, منهم: الفقيه العلاّمة عبد الله بن زيد في كتابه ((المحجّبة البيضاء)) (١) , وذلك مشهور عن أبي العباس. وقد اضطرّه هذا القول إلى القول بأن أئمة الزّيدية لم يختلفوا في الفروع, ولما كان الاختلاف بينهم في الفروع معلوماً ألجأه الجمع بين مذهبه وبين اختلافهم: إلى تأويل اختلافهم /, فصنّف في ذلك كتابه المعروف ((بالتلفيق)) (٢) وهو كتاب معروف, قد وقفت عليه, مضمونه تأويل اختلافهم على وجه يوجب الاتفاق, وذلك خلاف ما عليه جميع الزّيديّة؛ فإنّهم يذهبون إلى أنّ وقوع الخلاف بين الأئمة معلوم ضرورة, وقالت الزّيديّة: إنّ عصمة عليّ وفاطمة والحسنين ﵃ أعظم من عصمة الأنبياء ﵈ لأنّ الصّغائر عندهم تجوز على (٣ الأنبياء, ولا تجوز على (٣) المذكورين من أهل البيت ﵃, لأنّها لو وقعت منهم لم يعلم بها, مع (٤) أنّ أقوالهم وأفعالهم حجج (٥) في الشّرائع!! , والأنبياء ﵈

стр. 340

إن (١) وقعت منهم الصّغائر بيّنها الله تعالى, فهذه أقوال الشّيعة مصرّحة بعصمة غير الأنبياء منصوصة في مصنّفاتهم. وأمّا أهل الحديث فما قالوا بشيء من ذلك, بل قصروا العصمة على النّبوّة, وإنّما قالوا بعدالة الصّحابة في الظّاهر كما نصّ على ذلك الفخر الرّازي في ((محصوله)) (٢) , وكما سيظهر ذلك من نصوص غير واحد منهم, ولم يقل أحد من أهل السّنة بعصمة أحد من الصحابة في الباطن والظاهر, وكم بين القول بالعدالة في الظاهر, والقول بالعصمة في الباطن والظاهر! فإن كان المعترض يزعم أنّهم نصّوا على العصمة, فهو كذّاب أشر غير جدير بالمناظرة, وإن كان يزعم أنّ نصوصهم على عدالة الصّحابة في الظّاهر تقتضي العصمة؛ فكذلك نصوص الزّيدية على عدالة العدول من أئمتهم, وسائر المسلمين وكان يلزمه أن تقتضي عصمتهم. وأمّا احتجاجه على ما ادّعى على المحدّثين بروايتهم لحديث الوليد بن عقبة وإدخالهم لحديثه في الكتب الصّحيحة؛ فذلك لجهل المعترض بالكتب الصّحيحة, وبنصوص أئمة الحديث على فسق الوليد نصوصاً صريحة. قال إمام أهل الحديث أبو عمر بن عبد البرّ في كتاب ((الاستيعاب في معرفة الصحابة)) (٣) -وقد ذكر الوليد- ما لفظه: ((له أخبار

стр. 341

فيها نكارة وشناعة تقطع (١) على سوء حاله وقبح فعاله)). وحكى عن أبي عبيدة والأصمعي, وابن الكلبيّ, وغيرهم: أنّهم كانوا يقولون: كان الوليد شرّّيب خمر فاسقاً. وقال ابن عبد البرّ -بعد ذكر هذه الأمور-: ((إنّ الوليد لم يرو سُنّة يحتاج فيها إليه)). قال: ((وأخباره في شربه الخمر, ومنادمته لأهلها كثيرة مشهورة, يسمج بنا ذكرها هاهنا, ونذكر منها طرفاً)). ثمّ ذكر أنّه صلّى الفجر بأهل الكوفة أربع ركعات ثمّ قال أزيدكم؟ فقال عبد الله بن مسعود: ما زلنا معك في زيادة منذ اليوم, فقال الحطيئة (٢) [في ذلك] (٣): تكلّم في الصّلاة وزاد فيها ... علانية وجاهر بالنّفاق ومجّ الخمر في ستر (٤) المصلّى ... ونادى الجميع إلى افتراق أزيدكم على أن تخمدوني ... فما لكم ومالي من خلاق / وقال أيضاً: (٥)

стр. 342

شهد الحطيئة يوم يلقى ربّه ... أنّ الوليد أحقّ بالعذر نادى وقد تمت صلاتهم ... أأزيدكم سكراً وما يدري فأبوا أبا وهب ولو أذنوا ... لقرنت بين الشّفع والوتر كفّوا عنانك إذ جريت ولو ... تركوا عنانك لم تزل تجري قال أبو عمر بن عبد البرّ: ((وقوله: أزيدكم -إذ صلّى الصّبح أربعاً- مشهور من رواية الثّقات, من نقل أهل الحديث, وأهل الأخبار)). ثمّ ذكر ما روي من (١) أنّه تعصّب عليه قوم من أهل الكوفة بغياً وحسداً وشهدوا زوراً أنّه تقيّأ الخمر, وذكر القصّة, ثمّ قال: ((هذا لا يصحّ عند أهل الحديث, ولا له عند أهل العلم أصل)) , يعني أنّ قوماً شهدوا عليه بذلك (٢) زوراً. ثمّ ذكر الرّوايات الصّحيحة عند أهل الحديث في ذلك, وذكر القصّة التي في ((صحيح مسلم)) (٣) وغيره وقيام الشّهادة العادلة على شربه, وأمر على وعثمان ﵄ بجلده. وكذلك ذكر الحافظ الكبير أبو عبد الله محمد بن أحمد الذّهبي في كتاب ((النّبلاء)) (٤): أنّ الوليد كان يشرب الخمر وحدّ على شربها, وروى من شعره فيها, قال: وهو (٥) الذي صلّى بأصحابه الفجر أربعاً

стр. 343

وهو سكران, ثمّ التفت إليهم, وقال: أزيدكم, وقال لأمير المؤمنين عليّ ﵁: أنا أحدّ منك سناناً, وأذرب لساناً, وأشجع منك جناناً (١) , فقال له: اسكت, فإنّما أنت فاسق, فنزلت ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لاَ يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة:١٨]. رواه الذّهبيّ, وقال: ((إسناد قوي)). وقال إمام أهل السّنة أحمد بن محمد بن حنبل: إنّ رسول الله ﷺ امتنع أن يمسّ الوليد أو يدعو له, ومُنع بركة رسول الله ﷺ لسابق علمه فيه, ذكر هذا الإمام أحمد حين روى الآتي ذكره. وذكر الواحدي في ((أسباب النّزول)) (٢) في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُم فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات:٦]. أنّه الوليد ولم يذكر غيره. وروى حديثين في الاستدلال على أنّه الوليد, ومثله ذكره في ((وسيط)) (٣) الواحدي, و ((عين المعاني)) (٤) , و ((تفسير القرطبي)) (٥) و ((تفسير عبد الصّمد الحنفيّ)) (٦) , و ((تفسير ابن الجوزي)) (٧) و ((مفاتيح

стр. 344

الفخر الرّازيّ)) (١) لم يذكروا سواه مع توسّع بعضهم في النّقل. وقال أبو عمر بن عبد البرّ في ((الاستيعاب)) (٢) ما لفظه: ((ولا خلاف بين أهل العلم بتأويل القرآن فيما علمت أنّ هذه الآية نزلت في الوليد, وروى إمام المحدّثين مسلم بن الحجّاج في ((صحيحه)) (٣) الذي اتفق أهل الحديث على صحّته أن الوليد شرب الخمر, وقامت الشّهادة عليه بذلك (٤) عند عثمان ﵁ , فأمر عثمان عليّاً ﵁ بحدّ الوليد, فأمر عليّ عبد الله بن جعفر بذلك فحدّه, وعليّ يعدّ حتّى بلغ أربعين, فقال له عليّ: جلد /رسول الله ﷺ أربعين, وأبو بكر أربعين, وعمر ﵁ ثمانين, وكلٌّ سنّة, وهذا أحبّ إليّ. قال أبو عمر بن عبد البرّ في ((الاستيعاب)) (٥): ((وروى ابن عيينة عن عمرو (٦) بن دينار عن أبي جعفر محمد بن عليّ قال: جلد عليّ الوليد في الخمر أربعين, قال أبو عمر: أضاف الجلد إلى عليّ لأنّه الآمر به كما مرّ)).

стр. 345

فانظر ما في هذه القصّة من عدل الصّحابة ﵃. أما عثمان فأمر بجلد الوليد مع أنّه أخوه لأمّه, ولم يقنع بجلده حتّى جلده (١) بيد عليّ ﵁ , لأنّه عدوّ الوليد, وبينهما ما قدّمنا, فهذا إنصاف عثمان لعليّ ﵄. وأمّا عليّ ﵁ فلأنّه لم يغتنم الفرصة في عدوّه, ويتشفّى في جلده بيده, ويستوفي الحدّ ثمانين, بل أمر عبد الله بن جعفر بحدّ الوليد, ومنعه من الزيادة على أربعين مع تصريحه أنّ الثّمانين عنده سنّة -فرضي الله عنهم وأرضاهم-, فلقد كانوا خير أمّة أخرجت للنّاس كما وصفهم الله تعالى. فيا أيّها المدّعي على أهل البيت أنّهم يقولون بعصمة الصّحابة أجمعين, ويفضّلونهم على الأنبياء والمرسلين, كيف تصنع بجحد هذه النّصوص البيّنة والأدلّة النّيّرة! وكيف تجترىء معها على رمي المحدّثين بأنّهم لا يجيزون الكبائر على أحد ممن رأى رسول الله ﷺ وأنّهم يقولون: إنّ الصّحابي إذا فعل المعصية الظّاهرة عدّوها صغيرة, فالوليد بن عقبة صحابيّ بإجماعهم, أمالك يا هذا حياء يكفّك عن مثل هذه الأكاذيب الواضحة والأباطيل الفاضحة؟! وإنّما قال المحدثون: إنّ الصّحابة عدول في الظّاهر كما قدّمنا ليخرج من ذلك من فعل الكبائر من غير تأويل كالوليد بن عقبة, وإنّما ذكروا أنّ الصحابة كلّهم عدول على الإطلاق؛ لأنّ ذلك هو الكثير, وليس يخرج منه إلا النّادر اليسير, فالفاسق الذي لم يظهر التّأويل في ذلك الصّدر كالشّعرة

стр. 346

السّوداء في الثّور الأبيض. وأمّا القول بعصمة كلّ من رأى النّبيّ ﷺ , أو بعدالة من تعمّد الكبائر من أهل ذلك العصر؛ فلم يقل بذلك أحد منهم قولاً صريحاً, وإن كان عموم كلام بعضهم يقتضيه فالنّصّ (١) الصّريح يخصّص اللّفظ العامّ, وقد ذكر النّواويّ ﵀ في ((شرح مسلم)) (٢) , وغيره من أهل الشّروح والتّاريخ أنّه ارتدّ عن الإسلام جماعة ممن يطلق عليه اسم الصّحبة. وذكر ابن عبد البرّ في ((الاستيعاب)) جماعة جرّحهم وبيّن كلام أئمة الحديث فيهم. منهم: الوليد (٣) وقد مرّ كلام الأئمة فيه, ومنهم بسر (٤) بن أرطأة (٢ ذكره ابن عبد البرّ (٥) , وذكر ما له من الأفعال القبيحة, وقال فيه: ((قال أبو الحسن الدّارقطنيّ: بسر بن أرطأة (٦) له صحبة, ولم يكن له استقامة بعد النّبيّ/ ﷺ وهو الذي قتل طفلين لعبيد الله بن العبّاس)). وأنشد ابن عبد البرّ لأمّهما عائشة بنت عبد المدان:

стр. 347

ها من أحسّ (١) بنيّ (٢) اللّذين هما ... كالدّرّتين تشطّى عنهما الصّدف ها من أحسّ بنيّ اللّذين هما ... سمعي وعقلي فقلبي اليوم مختطف حُدّثت بسراً وما صدّقت ما زعموا ... من قتلهم ومن الإثم الذي اقترفوا أنحى على ودجي ابنيّ مرهفة ... مشحوذة وكذاك الإثم يقترف قال ابن عبد البرّ: ((ثمّ وسوست؛ فكانت تقف في الموسم تنشد هذا الشّعر, وتهيم على وجهها)). قال: ((وكان ابن معين يقول فيه: إنّه رجل سوء)). قال أبو عمر بن عبد البرّ: ((وذلك لأمور عظام ركبها في الإسلام)) , وذكر أنّه أغار على همدان, وقتل سبى نساءهم فكنّ أوّل مسلمات سبين في الإسلام. ولما ذكر هذا أبو عمر استشعر سؤال سائل يَرِدُ عليه, فإنّه قدّم في أوّل الكتاب أنّ الصّحابة كلّهم عدول, وهذا يناقض ذلك؛ فأراد أن يرفع هذا الإشكال بتخصيص من شذّ عن الصّحابة, وخالف ما كانوا عليه من الدّيانة أو الدخول في الفتن مع التّأويل والتّحريّ, فروي ابن البرّ في هذا الموضع حديث ابن عباس مرفوعاً: ((إنكم محشورون إلى الله ) , وذكر الحديث وفيه: ((فأقول يا ربّ أصحابي, فيقول: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك)) (٣).

стр. 348

قال أبو عمر: والآثار في هذا المعنى كثيرة جداً قد تقصَّيتها في ذكر (الحوض) في باب: خبيب من كتاب ((التمهيد)) (١) والحمد لله تعالى)). انتهى لفظه. وقد نقم بعض أهل الحديث (٢) على ابن عبد البرّ تعرّضه في ((الاستيعاب)) لذكر ما شجر بين الصّحابة, ولم يريدوا نقم هذا الجنس, إنّما نقموا ذكر ما شجر بينهم مما وقع بين أهل الفضل على سبيل التّأويل الذي لا يقدح به في رواية الحديث, أمّا ارتكاب الكبائر عمداً؛ فذكره واجب لأجل الجرح به فاعلم ذلك. قلت: هذا مع أنّ ابن عبد البرّ ذكر في خطبة ((الاستيعاب)) (٣) أنّ الصّحابة كلّهم عدول بتعديل الله تعالى, وهذا يدلّ على أنّهم أرادوا بعدالة الصّحابة ما قدّمته من عدالتهم [و] (٤) عدم الاعتداد بالنّادر. فإن قلت: فما الفرق بين مذهب الشّيعة, وأهل الحديث في الصّحابة؟ قلت: من وجوه: الأول: في الخلافة وهو معروف. والثاني: أنّ أهل الحديث يحملون من أظهر التّأويل من الصّحابة

стр. 349

على أنّه متأوّل. الثالث: أنّ أهل الحديث لا يكرهون العاصي من الصّحابة, وإنّما يكرهون معصيته, ويحبونه لإسلامه وصحبته, ويترحّمون عليه ويرضون (١) عنه, ويذكرون ماله من الفضائل ولا يسبّونه ولا يؤذونه, وتفصيل المقاصد والحجج مما لا يتّسع له هذا الموضع. وللزّيديّة مثل ذلك بل أكثر منه في حقّ الحسين بن القاسم (٢) , ومن ينتسب إليهم. وللمعتزلة مثل ذلك في حق ابن الزّيّات (٣) ,/والصّاحب الكافي (٤) , ونحوهما لمن يميل إلى مذهبهم. وأمّا قول المعترض: إنّ أهل الكتب السّتّة رووا عن الوليد؛ فجهل وغلط, وأمّا قوله: إن أبا داود روى عنه؛ فروى عنه حديثاً واحداً بعد أن رواه من ستّ طرق؛ وقد روى أبو داود: أنّه شرب

стр. 350

الخمر, وحدّ عليها (١) , فكيف تكون روايته عنه مع هذا كلّه تعديلاً له؟ فالرّواية من غير متابع ولا شاهد, ولا جرح للرّاوي ليست تعديلاً, كيف مع جرحه, ومع ذكره بعد (٢) غيره على سبيل الاستشهاد؟!. وأنا أذكر الحديث الذي رواه عنه, وطرقه, وسبب استشهاده بحديث الوليد فأقول: بوّب أبو داود باباً في كراهية الخلوق للرّجال (٣) , وذكر ما ورد في ذلك, واستوفى الطّرق, ولم يقتصر على الطّرق الصّحيحة. وروى عن عمّار بن ياسر ﵁ أنّه قال: قدمت أهلي وقد تشقّقت يداي فخلّقوني بزعفران, فغدوت على النّبيّ ﷺ , فسلّمت عليه, فلم يردّ عليّ ولم يرحّب بي, وقال: ((اذهب فاغسل هذا عنك)) فذهبت فغسلته, ثمّ جئت [وقد بقي عليّ منه ردع فسلّمت, فلم يردّ علي, ولم يرحّب بي, وقال: ((اذهب فاغسل هذا عنك)) فذهبت فغسلته, ثم جئت] (٤) فسلّمت عليه, فسلّم عليّ, ورحّب بي, وقال: ((إن الملائكة لا تحضر جنازة الكافر بخير, ولا المضمّخ بالزّعفران, ولا الجنب [قال] ورخّص للجنب إذا نام أو أكل أو شرب أن يتوضّأ)) (٥).

стр. 351

وروى عن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يقبل الله صلاة رجل في جسده شيء من الخلوق)) (١). وروى عن أنس أنّه قال: ((نهى رسول الله ﷺ عن التزعفر)) (٢) , وهذا حديث صحيح أخرجه مسلم في ((صحيحه)) (٣) والتّرمذي والنّسائي في ((سننهما)) (٤). وروى عن أنس -أيضاً- من طريق أخرى أنّ رجلاً دخل على النّبيّ ﷺ وعليه أثر صفرة, وكان النّبيّ ﷺ قلّ ما يواجه رجلاً في وجهه بشيء يكرهه, فلمّا خرج قال: ((لو أمرتم هذا أن يغسل [هذا عنه])) (٥) وهذا الحديث أخرجه التّرمذي (٦) والنّسائي (٧) أيضاً.

стр. 352

وروى عن عمّار من غير الطّريق الأولى أنّ رسول الله ﷺ قال: ((ثلاثة لا تقربهم الملائكة جيفة الكافر والمتمضّخ بالخلوق والجنب إلا أن يتوضّأ)) (١). ثمّ بعد هذه الطّرق إلا طريق أنس الأخيرة روى عن الوليد أنّه قال: ((لما فتح نبيّ الله ﷺ مكّة جعل أهل مكّة يأتونه بصبيانهم فيدعو لهم بالبركة ويمسح رءوسهم, قال: فجيء بي إليه وأنا مخلّق فلم يمسّني من أجل الخلوق)) هكذا رواه أبو داود (٢). وقد روي عن أحمد ابن حنبل أنّ رسول الله ﷺ لم يمسّه, ولم يدع له بالبركة, ومنع بركة رسول الله ﷺ لسابق علمه فيه. وروى أحمد ابن حنبل هذا الحديث (٣) وزاد فيه: أنّ الوليد سلح يومئذ وتقذَّره رسول الله ﷺ . وأقول: إنّ النّقّاد من علماء الحديث /قد قدحوا في هذا الحديث مع الذي فيه من القدح بفسق الوليد, وقالوا: إنّه لا يصحّ لوجوه: الأوّل: أنّه قد ثبت أنّ رسول الله ﷺ بعثه ساعياً إلى بني

стр. 353

المصطلق في القصّة المشهورة (١) , وليس يصح فيمن بعث رسولاً إلى بين المصطلق أن يكون يوم الفتح صبيّاً صغيراً. الوجه الثّاني: أنّ زوجته شكته إلى رسول الله ﷺ , ولم يعش رسول الله ﷺ بعد الفتح إلا يسيراً فمتى كانت هذه الزّوجة؟. الوجه الثالث: أنّه قدم في فداء من أسر يوم بدر. الوجه الرّابع: أنّ الزّبير (٢) وغيره ذكروا أنّ الوليد هذا وعمارة ابني (٣) عقبة خرجا ليردّا أختهما أمّ كلثوم عن الهجرة, قالوا: وهجرتها كانت في الهدنة بين النّبيّ ﷺ , وبين أهل مكّة. فإن قلت: فكيف غفل أبو داود عن هذا مع حفظه وجلالته؟. قلت: فيه احتمالان. أحدهما: -وهو القريب- أن يكون رأى في الحديث أمرين: أحدهما: أنّ قريشاً أتوا بصبيانهم إلى رسول الله ﷺ , ليدعو لهم بالبركة, ويمسح برؤوسهم, وأنّه أتى بالوليد, فلم يمسّه من غير تاريخ القصّة, وهذا محتمل لا دليل على بطلانه, ويكون أبو دواد (٤) يعرف أصل الحديث من غير طريق الوليد.

стр. 354

ويقوّي هذا وجوه: أحدهما: أنّ أحمد ابن حنبل تكلّم في وجه امتناع النبيّ ﷺ من مسّ الوليد وأنّه منع من بركته لسابق علمه فيه, وهذا يدلّ على معرفة أحمد بأصل (١) الحديث لأنّه من أعرف النّاس بالحديث بالإجماع. وثانيهما: أنّ في الحديث أموراً لم تثبت في رواية الوليد, مثل ما روى أحمد ابن حنبل من كونه ﵇ لم يدع له بالبركة, ولكون الوليد سلح يومئذ, وتقذَّره رسول الله ﷺ , وهذا يدلّ على أنّ الحديث معروف من غير طريق الوليد, ويقوّيه: أنّ الحاكم أبا أحمد الكرابيسي ذكر: أنّ راوي هذا الحديث الذي رواه أبو داود خولف في إسناده فدلّ على أنّ له راوياً غير من ذكر أبو داود, وأنّ للحديث أصلاً, وأنه قد ثبت عن أبي داود أنّه: لا يورد في سننه جميع ما يعرف من طرق الحديث كيلا يطول ذلك على المتعلّمين (٢). وثالثها: أنّ هذا الحديث من مثالب الوليد, ومناقصه, فالظّنّ يقوي في صدقه فيه, ولعلّ أبا داود إنّما رواه عنه لهذه النّكتة, فإنّ شهادة الإنسان على نفسه بما يدخل عليه النّقص من أقوى الشّهادات, ولقد استشعر هذا الوليد /فاعتذر بأنّه إنّما لم يمسّه لأجل الخلوق, وهذا العذر ضعيف لوجوه: أوّلها: أنّه امتنع من الدّعاء له وهو صغير لا ذنب له في استعمال الخلوق, ولا يستحق الزّجر كما فعل مع عمّار.

стр. 355

وثانيها: أنّ جسده كلّه لم يكن مضمّخاً بالخلوق. وثالثها: أنّ رسول الله ﷺ لم يخبره أنّه امتنع لذلك, فذلك من قبيل رجم الظّنون. إذا عرفت هذا فاعلم أنّ المنكر في الحديث إنّما هو تاريخه في يوم الفتح لا متنه, فإذا صحّ المتن لم يكن بطلان التّاريخ قادحاً فيه, ألا ترى أنّه يصحّ موت جماعة من الملوك وغيرهم, ويصحّ وقوع حوادث في العالم, ويختلف في تاريخها, ويظهر غلط المؤرّخ, ولا يستلزم ذلك القول بأنّ أولئك الملوك لم يموتوا, ولا أنّ تلك الحوادث لم (١) تقع, ويقوّي هذا الاحتمال: أنّ راوي الحديث عن الوليد بهذا التّاريخ كان رديء الحفظ, قليل الإتقان فلعلّه الذي وهم في ذكر يوم الفتح, وهذا الرّاوي هو: عبد الله أبو (٢) موسى الهمداني, وفيه كلام من وجهين: أحدهما: أنّهم تكلّموا فيه, قال الحافظ عبد العظيم: (([قالوا] (٣): أبو موسى هذا مجهول)) (٤) وقال الحافظ الذّهبيّ (٥): ((لم يرو عنه إلا ثابت بن الحجّاج فقط)).
следующие страницы →