← Акыда

Акыда · id 36427

الروض الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم - صلى الله عليه وسلم -

ابن الوزير

Полный текст (691 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

وروى عن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يقبل الله صلاة رجل في جسده شيء من الخلوق)) (١). وروى عن أنس أنّه قال: ((نهى رسول الله ﷺ عن التزعفر)) (٢) , وهذا حديث صحيح أخرجه مسلم في ((صحيحه)) (٣) والتّرمذي والنّسائي في ((سننهما)) (٤). وروى عن أنس -أيضاً- من طريق أخرى أنّ رجلاً دخل على النّبيّ ﷺ وعليه أثر صفرة, وكان النّبيّ ﷺ قلّ ما يواجه رجلاً في وجهه بشيء يكرهه, فلمّا خرج قال: ((لو أمرتم هذا أن يغسل [هذا عنه])) (٥) وهذا الحديث أخرجه التّرمذي (٦) والنّسائي (٧) أيضاً.

стр. 352

وروى عن عمّار من غير الطّريق الأولى أنّ رسول الله ﷺ قال: ((ثلاثة لا تقربهم الملائكة جيفة الكافر والمتمضّخ بالخلوق والجنب إلا أن يتوضّأ)) (١). ثمّ بعد هذه الطّرق إلا طريق أنس الأخيرة روى عن الوليد أنّه قال: ((لما فتح نبيّ الله ﷺ مكّة جعل أهل مكّة يأتونه بصبيانهم فيدعو لهم بالبركة ويمسح رءوسهم, قال: فجيء بي إليه وأنا مخلّق فلم يمسّني من أجل الخلوق)) هكذا رواه أبو داود (٢). وقد روي عن أحمد ابن حنبل أنّ رسول الله ﷺ لم يمسّه, ولم يدع له بالبركة, ومنع بركة رسول الله ﷺ لسابق علمه فيه. وروى أحمد ابن حنبل هذا الحديث (٣) وزاد فيه: أنّ الوليد سلح يومئذ وتقذَّره رسول الله ﷺ . وأقول: إنّ النّقّاد من علماء الحديث /قد قدحوا في هذا الحديث مع الذي فيه من القدح بفسق الوليد, وقالوا: إنّه لا يصحّ لوجوه: الأوّل: أنّه قد ثبت أنّ رسول الله ﷺ بعثه ساعياً إلى بني

стр. 353

المصطلق في القصّة المشهورة (١) , وليس يصح فيمن بعث رسولاً إلى بين المصطلق أن يكون يوم الفتح صبيّاً صغيراً. الوجه الثّاني: أنّ زوجته شكته إلى رسول الله ﷺ , ولم يعش رسول الله ﷺ بعد الفتح إلا يسيراً فمتى كانت هذه الزّوجة؟. الوجه الثالث: أنّه قدم في فداء من أسر يوم بدر. الوجه الرّابع: أنّ الزّبير (٢) وغيره ذكروا أنّ الوليد هذا وعمارة ابني (٣) عقبة خرجا ليردّا أختهما أمّ كلثوم عن الهجرة, قالوا: وهجرتها كانت في الهدنة بين النّبيّ ﷺ , وبين أهل مكّة. فإن قلت: فكيف غفل أبو داود عن هذا مع حفظه وجلالته؟. قلت: فيه احتمالان. أحدهما: -وهو القريب- أن يكون رأى في الحديث أمرين: أحدهما: أنّ قريشاً أتوا بصبيانهم إلى رسول الله ﷺ , ليدعو لهم بالبركة, ويمسح برؤوسهم, وأنّه أتى بالوليد, فلم يمسّه من غير تاريخ القصّة, وهذا محتمل لا دليل على بطلانه, ويكون أبو دواد (٤) يعرف أصل الحديث من غير طريق الوليد.

стр. 354

ويقوّي هذا وجوه: أحدهما: أنّ أحمد ابن حنبل تكلّم في وجه امتناع النبيّ ﷺ من مسّ الوليد وأنّه منع من بركته لسابق علمه فيه, وهذا يدلّ على معرفة أحمد بأصل (١) الحديث لأنّه من أعرف النّاس بالحديث بالإجماع. وثانيهما: أنّ في الحديث أموراً لم تثبت في رواية الوليد, مثل ما روى أحمد ابن حنبل من كونه ﵇ لم يدع له بالبركة, ولكون الوليد سلح يومئذ, وتقذَّره رسول الله ﷺ , وهذا يدلّ على أنّ الحديث معروف من غير طريق الوليد, ويقوّيه: أنّ الحاكم أبا أحمد الكرابيسي ذكر: أنّ راوي هذا الحديث الذي رواه أبو داود خولف في إسناده فدلّ على أنّ له راوياً غير من ذكر أبو داود, وأنّ للحديث أصلاً, وأنه قد ثبت عن أبي داود أنّه: لا يورد في سننه جميع ما يعرف من طرق الحديث كيلا يطول ذلك على المتعلّمين (٢). وثالثها: أنّ هذا الحديث من مثالب الوليد, ومناقصه, فالظّنّ يقوي في صدقه فيه, ولعلّ أبا داود إنّما رواه عنه لهذه النّكتة, فإنّ شهادة الإنسان على نفسه بما يدخل عليه النّقص من أقوى الشّهادات, ولقد استشعر هذا الوليد /فاعتذر بأنّه إنّما لم يمسّه لأجل الخلوق, وهذا العذر ضعيف لوجوه: أوّلها: أنّه امتنع من الدّعاء له وهو صغير لا ذنب له في استعمال الخلوق, ولا يستحق الزّجر كما فعل مع عمّار.

стр. 355

وثانيها: أنّ جسده كلّه لم يكن مضمّخاً بالخلوق. وثالثها: أنّ رسول الله ﷺ لم يخبره أنّه امتنع لذلك, فذلك من قبيل رجم الظّنون. إذا عرفت هذا فاعلم أنّ المنكر في الحديث إنّما هو تاريخه في يوم الفتح لا متنه, فإذا صحّ المتن لم يكن بطلان التّاريخ قادحاً فيه, ألا ترى أنّه يصحّ موت جماعة من الملوك وغيرهم, ويصحّ وقوع حوادث في العالم, ويختلف في تاريخها, ويظهر غلط المؤرّخ, ولا يستلزم ذلك القول بأنّ أولئك الملوك لم يموتوا, ولا أنّ تلك الحوادث لم (١) تقع, ويقوّي هذا الاحتمال: أنّ راوي الحديث عن الوليد بهذا التّاريخ كان رديء الحفظ, قليل الإتقان فلعلّه الذي وهم في ذكر يوم الفتح, وهذا الرّاوي هو: عبد الله أبو (٢) موسى الهمداني, وفيه كلام من وجهين: أحدهما: أنّهم تكلّموا فيه, قال الحافظ عبد العظيم: (([قالوا] (٣): أبو موسى هذا مجهول)) (٤) وقال الحافظ الذّهبيّ (٥): ((لم يرو عنه إلا ثابت بن الحجّاج فقط)).

стр. 356

وقال جعفر بن برقان (١) عن ثابت بن الحجّاج: لا يصحّ حديثه (٢). وقال الحاكم أبو أحمد الكرابيسي: وليس يعرف أبو موسى الهمداني, ولا عبد الله الهمداني, وقد خولف في هذا الإسناد, وهذا حديث مضطرب الإسناد. الوجه الثّاني: أنّ الحديث مرويّ عن عبد الله الهمداني وعن أبي موسى الهمداني, وقد اختلفوا فقيل: هو رجل واحد, قال ذلك: أبو القاسم الدّمشقيّ الحافظ, وقال ابن أبي خيثمة: أبو موسى الهمداني, اسمه: عبد الله, وقيل هما اثنان قاله البخاريّ, قال: وعبد الله الهمداني روى الحديث عن أبي موسى الهمداني وهذا هو الظّاهر لتقدّم البخاري في الحفظ, ولأنّه مثبت, ولأنّ احتجاج ابن (٣) أبي خيثمة بأن اسم أبي موسى عبد الله لا يمنع من ذلك, ولعلّ ذلك هو متمسّك أبي القاسم الدّمشقيّ, ورواية عبد الله عن أبي موسى -كما ذكره البخاريّ- ترفع الإشكال, وظاهر كلام الذّهبيّ أنّهما واحد فالله أعلم. وهذا هو الاحتمال الأوّل وهو: أنّ أبا داود روى الحديث لثبوت

стр. 357

متنه, وإن كان لا يخفى عليه بطلان تاريخه الذي جاء في هذا الطّريق. الاحتمال الثّاني: أن يكون أنسي هذا وإن كان لا يجهله, فقد يسهو العالم عمّا يعرف, كما يسهو في صلاته ولا (١) يعرف عدد ركعاتها, والسّهو غير الجهل بلا مرية, وقد يتفق ذلك لكثير من أئمة الفنون كلّها في مسائل جليّة يخطئون فيها على سبيل السّهو دون الجهل, والله سبحانه أعلم. فإن قلت: فلم روى أبو داود هذا الحديث مع ما فيه من المطاعن؟ قلت: لأنّه قد رواه بإسناد نظيف صحيح, من طريق أنس كما رواه مسلم (٢) كذلك, ثمّ قوّى تلك الطريق بذكر جملة مما ورد في الباب مما هو ضعيف, أو مختلف فيه, كما هو عادة الحفّاظ, وليس الاضطراب الكثير في الحديث إلا من أجل تاريخه, وغرض أبي داود منه لا يتعلّق بتاريخه, إنّما يتعلّق بمتنه, وليس في متنه مطعن /إلا من وجهين محتملين: أحدهما: من أجل الوليد وقد بينّا أنّه لا يتّهم فيه فهو من مثالبه (٣) , وإنّما رواه ليعتذر عنه, وقد بيّنّا بطلان عذره, وقد نصّ أحمد بن حنبل على عكس عذره, ولو استطاع الوليد لكتمه. وثانيهما: من أجل عبد الله الهمداني, وقد بيّنّا فيما تقدّم أنّه لم

стр. 358

ينفرد بهذا المتن فقد تقوّى أبو داود بهذا المتن, فإن خبر الفاسق قد يثمر الظّنّ لا سيما في إقراره على نفسه بما ينقصه, وقد ضمّ هذا أبو داود إلى أمثاله مما فيه احتمال قريب, فرواه من [طرق] (١) قد أشرنا إليها. ففي الطّريق الأوّل: عطاء الخرساني, وقد أخرج له مسلم متابعة ووثّقه جماعة, منهم: يحيى بن معين, وأحمد بن حنبل, والعجلي, ويعقوب بن (٢) شيبة, وأبو حاتم الرّازي على تعنّته وغيرهم. وقال الذّهبيّ: كان من خيار العلماء, وذكر في ((الميزان)) (٣) أنّه كان يهم, فروى عن ابن المسيّب حديث الذي جامع أهله في رمضان على غير ما رواه ابن المسيّب فكذّبه فيما روى عنه [من] (٤) ذلك, فذكره العقيلي لهذا في ((الضعفاء)) (٥) , وكذلك ضعّفه البخاري لأجل وهمه (٦) , وكان من عباد الله [الصالحين] (٧) لكنّه يهم.

стр. 359

وقال ابن حبّان في ((الضعفاء)) (١): ((أصله من بلخ وعداده في البصريّين, وإنّما قيل له الخراساني, لأنّه دخل خراسان, وأقام بها مدّة طويلة, وكان من خيار عباد الله غير أنّه كان رديء الحفظ, كثير الوهم, يخطيء ولا يعلم, فلمّا كثر ذلك في روايته بطل الاحتجاج به)). قال الذّهبي (٢): ((فهذا القول من ابن حبان فيه نظر, ولا سيّما قوله: وإنّما قيل له الخراسانيّ, فيا هذا! أيّ حاجة بك إلى هذه [الدّورة] (٣)؟ أليست بلخ من أمّهات مدن خراسان بلا خلاف؟)) انتهى كلام الذّهبيّ. الطريق الثّانية: عن عمّار, فيها رجل [مجهول] (٤) غير مسمّى. الطريق الثّالثة: عنه أيضاً معللة بالانقطاع بين الحسن البصري وعمّار. الطريق الرّابعة: عن أبي موسى, وفيها أبو جعفر الرّازي عيسى بن ماهان, وقيل: ابن عبد الله بن ماهان, قال الذّهبيّ (٥): صالح الحديث, ثم روى [فيه] (٦) الاختلاف.

стр. 360

قال الحافظ عبد العظيم (١): ((قد اختلف فيه (٢) قول ابن المدينيّ, وابن معين, وأحمد بن حنبل, فقال ابن (٣) المديني مرّة: ثقة, وقال مرّة: كان يخلّط, وقال أحمد مرّة: ليس بقوي (٤) , وقال مرّة: صالح حديث. وقال ابن معين مرّة: ثقة [وقال مرّة:] (٥) يكتب حديثه, إلا أنه يخطىء, وقال أبو زرعة الرّازي: يهم كثيراً. وقال الفلاّس: سيّء الحفظ)). قلت: مجموع كلامهم يدلّ على أنّه صدوق يخطىء ويهم؛ فلهذا اضطربوا في توثيقه, لأنّ معرفة حدّ الوهم الذي يجب معه ترك الصّدوق دقيقة اجتهادية, يكون فيها للحافظ قولان, كما يكون للفقيه قولان في دقيق مسائل الفقه. الطّريق الخامسة: عن أنس, وفيها سلم العلوي وفيه كلام, قال أبو داود: وليس [هو] (٦) علوي النّسب, كان ينظر في النّجوم وشهد عند عديّ بن أرطأة على رؤية الهلال فلم يجز شهادته. وقال يحيى بن معين: ثقة, وقال مرّة: ضعيف.

стр. 361

وقال ابن عديّ (١): لم يكن من أولاد علي بن أبي طالب إلا أنّ فريقاً بالبصرة كانوا يسمّون بني علي فنسب هذا إليه)). وقال ابن حبّان (٢): ((كان شعبة يحمل عليه, ويقول: كان سلم العلوي يرى الهلال قبل النّاس بيومين. منكر الحديث [على قلّته] (٣) لا يحتج به إذا وافق الثّقات /فكيف إذا انفرد؟)). الطّريق السّادسة: طريق الوليد بن عقبة, وقد مرّ الكلام على ما فيها من المطاعن. فإذا عرفت ما في هذه الطّريق من الاختلاف, والضّعف؛ عرفت أن أبا داود أراد التّقوّي بإيراد جميعها بعد أن اعتمد على الطّريق الصّحيحة. الطّريق السّابعة: التي خرّج فيها حديث أنس الصحيح الذي أخرجه مسلم وغيره, وقد ذكرت فيما تقدّم: أنّ الحفّاظ يروون عن بعض الضعفاء والمجاريح على جهة المتابعة, فربما يرى ذلك من لم يعرف طريقتهم [فيظنّ] (٤) أنّ القوم يرون عدالة الفسّاق المصرّحين, وما على الحفّاظ إذا جهل بعض (٥) النّاس ما عرفوا, وقصّر في الحفظ عمّا بلغوا, والذي يقتضيه الأدب والتّمييز: تواضع الإنسان لمن هو

стр. 362

أعرف منه بالفنّ, فإن شاركه في المعرفة, ولاح له وجه يقتضي المخالفة, ولم يجد ما يدفعه, تكلّم بأدب وعمل بما يعلم ولا حرج, والله أعلم. الوهم الثالث: احتجّ المعترض على قبول المحدّثين للمجاريح وتصحيح حديثهم بأنَهم رووا في الصّحيح عن مروان بن الحكم. قال: وقد طرده ولعنه رسول الله ﷺ . فأخطأ المعترض في مواضع: أما الموضع الأوّل: فإنّه وهم أنّ رسول الله ﷺ طرد مروان, والذي طرده هو أبوه الحكم, وكان مروان حينئذ طفلاً صغيراً بالإجماع, لكن أباه الحكم نقله معه إلى الطّائف, وكان يوم وفاة رسول الله ﷺ ابن ثمان سنين أو نحوها في قول الإمام مالك, وأكثر الأقوال تقارب هذا, ذكره أبو عمر بن عبد البرّ في ((الاستيعاب)) (١). فهذا يدلّ على أنّ رسول الله ﷺ توفي قبل أن يبلغ مروان التّكليف, ويستحق العقوبة بالتّطريد, وهذا أمر معلوم عند أهل التّاريخ. قال الذّهبي في ((النّبلاء)) (٢) -وقد ذكر الحكم-: ((نفاه النّبيّ ﷺ

стр. 363

إلى الطائف لكونه حَكَاه في مشيته, وفي بعض حركاته, فسبّه وطرده)) , وروى في ترجمته عن النبيّ ﷺ قوله: ((مالي أُريت بني الحكم ينزون على منبري نزو القردة)) رواه العلاء (١) بإسنادة إلى النّبيّ ﷺ , ولم يحضرني الآن ما قال الذهبي بعد هذا. وذكر ابن عبد البرّ في ((الاستيعاب)): أنّ رسول الله ﷺ طرده من المدينة فنزل الطّائف, وأنّه ﵇ كان إذا مشى يتكفّأ, وكان الحكم يحكيه, فالتفت إليه النبيّ ﷺ يوماً؛ فرآه يفعل ذلك فقال: ((فكذلك فلتكن)) , فكان الحكم متخلّجاً يرتعش, فعيّر عبد الرحمن [بن حسّان] (٢) بن ثابت مروان بن الحكم بذلك؛ فقال يهجوه: إنّ اللّعين أبوك فارم عظامه ... إن ترم ترم مخلّجاً مجنوناً يمشي خميص البطن من عمل التّقى ... ويظلّ من عمل الخبيث بيطناً /قال ابن عبد البرّ: فأمّا قوله: إنّ اللّعين أبوك, فروي عن عائشة من طرق ذكرها ابن أبي (٣) خيثمة وغيره, أنّها قالت لمروان: أمّا

стр. 364

أنت [يا] (١) مروان, فأشهد أنّ رسول الله ﷺ لعن أباك وأنت في صلبه (٢). وروى بإسناده عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : ((يدخل عليكم رجل لعين)) فدخل الحكم بن أبي العاص (٣). ففي هذا ما يشهد بمعرفة المحدّثين بحال طريد رسول الله ﷺ . الموضع الثاني: وهم أنّ الحكم عند المحدّثين من جملة المعصومين المفضّلين على الأنبياء والمرسلين, وقد تبيّن بذكر نصوصهم فيه ما يكذّب من اجترأ على هذا الإفك العظيم. الموضع الثالث: وهم أنّ طريد رسول الله ﷺ من جملة رجال الصّحيح, وليس كذلك؛ فليس في الكتب السّتّة رواية عنه البتّة, وجملة من فيها من اسمه الحكم: ثلاثة وعشرون رجلاً, ليس فيهم

стр. 365

الحكم بن [أبي] (١) العاص. الموضع الرّابع: وهم أنّ مروان بن الحكم عند المحدّثين من أهل التّقوى والصّلاح, واحتجّ بروايتهم عنه على أنّهم يقبلون الفسّاق والمجاريح, ويعتقدون عدالته لإخراج حديثه في الصّحيح, وليس كذلك فإنّهم لا يجهلون ماله من الأفعال القبيحة, والمعاصي الموبقة, وأنا أورد من كلامهم فيه ما يدلّ على ذلك. قال الذّهبي في: ((ميزان الاعتدال في نقد الرّجال)) (٢) ما لفظه: ((مروان بن الحكم, له أعمال موبقة, نسأل الله السّلامة, رمى طلحة بسهم, وفعل وفعل)). وذكره الذّهبي في ((النّبلاء)) (٣) وساق من أخباره حتّى قال ما لفظه: ((وحضر الوقعة يوم الجمل فقتل طلحة ونجا فليته ما نجا (٤))). هذا لفظ الذّهبي. فلو كان عنده من أهل التّقوى والصّلاح ما تمنى له الهلاك وكره له النّجاة, وقد نصّ في ((الميزان)) على: أنّ له أعمالاً موبقة, وهذا تصريح بالتّفسيق. وروى الذّهبي في ((النّبلاء)) (٥) عن الحسين بن عليّ -رضي الله

стр. 366

عنهما- أنّه قال لمروان: والله لقد لعنك رسول الله ﷺ وأنت في صلب أبيك. ولم يذكره الذّهبي بخير, وإنّما ذكره بالمكر والدّهاء. وروى الذّهبي في ((النّبلاء)) (١) أن مروان هو الذي قتل طلحة بن عبيد الله أحد العشرة المشهود لهم بالجنّة ﵁ , ذكر ذلك في ترجمة طلحة. وقال أبو محمد بن حزم في ((أسماء الخلفاء)) (٢) في ذكر خلافة ابن الزبير وقد ذكر بعض مساوي مروان: ((وهو أوّل من شقّ عصا المسلمين بلا تأويل ولا شبهة, وقتل النّعمان بن بشير أوّل مولود في الإسلام في الأنصار صاحب رسول الله ﷺ )) , وذكر أنّه خرج على ابن الزّبير بعد أنّ بايعه على الطّاعة. وقال أبو السّعادات ابن الأثير في كتاب ((النهاية)) (٣) في حرف الفاء مع الضّاد: ((قالت عائشة لمروان: أنت فضض من لعنة الله, أي: قطعة وطائفة منها. ورواه بعضهم فظاظة من لعنة الله بظانين, وهو من الفظيظ وهو ماء الكرش. وأنكره الخطّابيّ. وقال الزّمخشريّ: افتظظت الكرش: اعتصرت ماءها, كأنّه عصارة من اللّعنة, أو فعالة

стр. 367

من الفظيظ: ماء الفحل, أي: قطعة من اللّعنة)) انتهى بلفظه من ((نهاية)) ابن الأثير. وممن ذكر مروان: أبو عمر بن عبد البرّ في ((الاستيعاب)) (١) ولم يذكره بديانة /ولا وصفه بخير, بل روى عن عليّ ﵁ أنّه نظر إليه يوماً فقال: ويلك, وويل أمّة محمد منك, ومن بنيك إذا شابت ذراعك. قال ابن عبد البرّ: وكان يقال له: خيط باطل, وفي ذلك يقول أخوه عبد الرحمن بن الحكم لما بويع لمروان بالإمارة: فوالله ما أدري وأنّي لسائل ... حليلة مضروب القفا كيف يصنع لحا الله قوماً ملّكوا خيط باطل ... على الناس يعطي من يشاء ويمنع (٢) وكان أخوه عبد الرحمن شاعراً محسناً, وكان لا يرى رأي مروان, وإنّما قال له: مضروب القفا؛ لأنّه ضرب يوم الدّار على قفاه فخرّ لفيه, ومما قال فيه أخوه عبد الرحمن: وهبت نصيبي فيك يا مرو كلّه ... لعمرو بن مروان الطّويل وخالد فكلّ ابن أمّ زائد غير ناقص ... وأنت ابن أمّ ناقص غير زائد وأنشد ابن عبد البرّ لغير أخيه في هجوه شيئاً تركته لأنّه قد أقذع فيه, وذكر أنّه لم ير النّبيّ ﷺ ورواه عن البخاريّ (٣).

стр. 368

فهذه جملة تدلّ على معرفتهم بحاله, وخبرتهم بسوء فعاله. وأمّا روايتهم عنه بعد هذا؛ فلا تدلّ على تعديله عندهم في أمر دينه بالإجماع, وإنّما على اختلف العلماء في الرّواية من غير تصريح بالجرح؛ هل تدلّ على توثيق المرويّ عنه, مع أنّ المختار: أنّها لا تدلّ على ذلك كما ذكره ابن الصّلاح في ((علوم الحديث)) (١). وذكره يحيى بن حمزة في ((المعيار)). وقد روى زين العابدين عليّ بن الحسين, وعروة بن الزّبير عن مروان, ولم يدلّ ذلك عن عدالته عندهما, ولا اعترض بذلك أحد عليهما, وكذلك رواية المحدّثين عنه. فإن قلت: فلم رووا عنه؟ قلت: على سبيل التّقوّي والاستشهاد, مع الاعتماد على غيره كما ذكرنا ذلك في الرّواية عن الوليد, فقد يفيد خبر الفاسق الظّنّ, وكلّما أفاد الظّنّ حسن وأوجب (٢) إيراده ليستعمل في التّرجيح عند التّعارض, سيمّا وقد قال عروة بن الزّبير: إنّ مروان لم يكن يتّهم في الحديث, فدلّ على أنّه صدوق يصلح خبره للاستشهاد والتّرجيح عند التعارض, ولا يعتمد عليه إذا انفرد, وقد بيّنّا في جواب كلام هذا المعترض في الفصل الأوّل من المسألة الثّانية (٣) أنّ صاحبيّ ((الصحيح)) قد يخرّجان حديث من هذه صفته لوجود شواهد ومتابعات لم يتّسع كتابهما لذكرها مع قصد

стр. 369

الاختصار, وروينا ذلك عن مسلم تنصيصاً, وعن البخاري تخريجاً (١) صحيحاً, فخذه من موضعه. ويدلّ على ذلك أنّ أحاديث مروان التي رووها عنه في الكتب السّتّة (٢) أحاديث مشهورة عن الثّقات. ومن هنا قال عروة بن الزّبير: لم يكن يتّهم في الحديث مع أنّها يسيرة: فمنها حديث: قصة الحديبية /, وحديث: وفد هوزان, وقصة سهيل بن عمرو, وهذه رواها البخاريّ (٣) عنه مقروناً بالمسور بن مخرمة مع شهرتها, أو تواترها عند أهل العلم بالسّير: ومنها سبب النّزول في قوله تعالى: ﴿غَيرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء:٩٥]. وقد رواها معه قبيصة بن ذؤيب. ومنها قراءة رسول الله ﷺ بالأعراف في صلاة المغرب, وقد روى هذا عن عائشة بإسناد صحيح في النّسائي (٤). ومنها أثر موقوف عن عثمان في فضل الزّبير, وهذا لا بأس به فإنهم يتسامحون في أحاديث الفضائل.

стр. 370

ومنها قصة عثمان وعلي ﵄ في اختلافهما في متعة الحجّ, وهي مشهورة من غير طريقه. ومنها حديثه في صلاة الخوف, وقد رواه عروة بن الزّبير. وبالجملة؛ فلم يرو مروان في الكتب السّتّة إلا عن ستّة: علي, وعثمان ﵄ وزيد بن ثابت, وأبي هريرة, وبسرة (١) , وعبد الرحمن بن الأسود, وقد ذكرت جميع من روى عنهم ههنا إلا عبد الرحمن بن الأسود, فلم أظفر بروايته عنه (٢) وقت تعليق هذا الكتاب لبعدي عن أهل الحديث, وعدم وجود مصنّفاتهم الحافلة, وسوف ألحق ذلك إن شاء الله تعالى, فإن عاق الموت فالمنّة لمن أفاد ذلك (٣).

стр. 371

وأمّا قول مروان في عبد الرحمن بن أبي بكر: هذا الذي نزلت فيه: ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا﴾ [الأحقاف:١٧]. فما أظنّ البخاري أورده إلا لبيان أثر عائشة الذي ردّت به عليه (١) , وإلا فهذا مرسل عند البخاري فإنّه نصّ على أنّ مروان لم ير النّبيّ ﷺ مع أنّه ليس تحته حكم شرعي, وأمّا عبد الرحمن بن الصّدّيق -رضي الله تعالى عنهما- فما يضرّه ذلك على تقدير صحّته فقد كان مشركاً بلا ريب, ولكنّه أسلم وآمن, والإسلام يجبّ ما قبله, وقد كان لأفاضل الصّحابة قبل الإسلام أفعال لا حاجة لذكر شيء منها, وإنّما هذا من جملة قبائح مروان, فالله المستعان. واعلم أنّه لا يصحّ أن يعترض على المحدّثين حتّى يعلم أنّهم رووا عن مروان حديثاً في الحلال والحرام, وحكموا بصحّته, ولا طريق له عن سواه في الكتب السّتّة, ولا في غيرها, وبعد العلم بهذا يعترض عليهم بأنّهم خالفوا قواعدهم فقط, وأمّا مخالفة الإجماع فلا يصحّ الاعتراض عليهم بذلك, لوجه ليس هذا موضع ذكره. ويلحق بهذا فائدة ينبغي ذكرها, وذلك أنّه قلّ ما عرض ذكر الحكم, ومروان بن الحكم إلا وعرض في الخاطر ذكر ما فعله عثمان

стр. 372

- ﵁ من إيواء الحكم إلى المدينة بعد تطريد رسول الله ﷺ له عنها, فالسّنّي يحبّ معرفة وجه ذلك, وغيره يحبّ التّعرّض بذلك للقدح في عثمان ﵁ /, فأحببت أن أذكر الوجه في ذلك فأقول: قد خاض النّاس في ذلك خوضاً كثيراً قديماً وحديثاً, ولم يحضرني وقت كتابة هذا الجواب شيء من هذه الكتب المذكور ذلك فيها فأنقل ما قال العلماء في ذلك, ولا حفظت في ذلك ما يقنع, إلا ما ذكره الحاكم المحسّن بن كرّامة المعتزلي المتشيّع في كتابه: ((شرح العيون)) فإنّه ذكر فيه: أنّ رسول الله ﷺ أذن في ذلك لعثمان ﵁ , وهذا الجواب مقنع إن صحّ الحديث لكنّي لم أعرف صحّته. فأمّا المعتزلة والشّيعة من الزّيديّة وغيرهم؛ فيلزمهم قبوله, وترك الاعتراض على عثمان بذلك, لأنّ راوي الحديث عندهم من المشاهير بالفقه والعلم وصحّة العقيدة, إلا فيما يقدح به من الاختلاف في فروع الكلام ومالا يخرج من الولاية. وأمّا دلالة الجواب المقنع عند النّقّاد فهو ما ألقاه الله تعالى على خاطري في ذلك فأقول: غير خاف على (١) من [له] (٢) أنس بقواعد العلماء أنّ أفعال النّبي ﷺ عند المحققين لا تدلّ بنفسها على (٣) الوجوب, ولا على النّدب, وإنما تدلّ على الإباحة, وذلك لأنّه - عليه

стр. 373

السلام - كان يفعل المباح والمندوب والواجب, وإنّما القدر المقطوع به أنّه لم يكن يفعل المعاصي المحرّمة, فإن فعل شيئاً من الصّغائر سهواً لم يقرّ عليه, وبين الله تعالى ذلك لئلاّ يبطل الاحتجاج بأفعاله. قال المحقّقون: فإذا فعل رسول الله ﷺ فعلاً نظرنا هل دلّت القرائن على أنّه فعل ذلك متقرّباً [به] (١) إلى الله تعالى أولا, فإن لم تدلّ على ذلك القرائن, لم يستحب التّأسّي فيه, وكان [ما] (٢) فعله على الإباحة: من شاء فعله, ومن شاء تركه؛ واحتجّوا على ذلك بحجج يطول ذكرها وتقريرها. منها: قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرَاً زَوَّجْنَاكَهَا لِكَي لاَ يَكُونَ عَلَى المُؤمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِم إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً﴾ [الأحزاب:٣٧]. فلم يوجب على المؤمنين نكاح أزواج أدعيائهم. وثانيها: حديث: ((لم خلعتم نعالكم)) (٣) , فأنكر الاقتداء قبل معرفة وجه فعله, وقول بعضهم إنّه أقرّهم على استدلالهم غير مسلّم, بل ردّ عليهم: ((إنّ جبريل أخبرني أنّ فيهما قذراً)) , والحديث صحيح

стр. 374

على شرط مسلم, وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم. (٢ وثالثها: أنّه ﵇ لما صلّى بهم خمساً فتابعوه, فقال لهم: ((إنّه لو حدث أمر لأنبأتكم به)) (١) أو كما قال (٢) , رواه البخاري ومسلم, ولفظهما ((إنّه لو حدث في الصّلاة شيء أنبأتكم به)). ورابعها: إقراره ﷺ لعمر بن الخطاب على خلاف رأيه في قصّة/ أسرى بدر وقوله لعمر: ((لقد (٣) عرض عليّ عذاب أصحابك)) الحديث (٤) , وذلك لأنّ رسول الله ﷺ لم يأمره بالموافقة ويوجبها عليه. وخامسها: أنّ بعض أفعاله ﵇ غير واجب إجماعاً وما كان بعضه غير واجب لم يدلّ كلّ فرد منه على الوجوب. وسادسها: أنّه ﵇ لو فعل شيئاً معتقداً لإباحته, أو ناوياً للتّنفّل به, وفعلناه معتقدين بوجوبه ملزمين للعامّة فعله وتحريم تركه لم يصدق علينا التأسّي الذي أمرنا به, ولكنّا إلى مخالفته أقرب منّا إلى الاقتداء به, ولهذا أمثلة كثيرة: منها: إنّه لا (٥) يستحب لنا الطّلاق, ولا يجب علينا مع أنّه ﷺ

стр. 375

قد طلّق حفصة, مع أنّ الطّلاق أبغض المباح إلى الله. وكذلك قد ترك القسم لسودة لما كبرت, ووهبت نصيبها لعائشة, فدلّ على إباحة مثل ذلك دون استحبابه أو وجوبه. وكذلك قد أمر بالاقتصاص له في مرضه ممن لدّه, ولا يدلّ ذلك على استحباب القصاص, وكراهة العفو, لأنّه ﵇ لم يقصد التّقرّب بهذه الأفعال, ولا دلّت على ذلك القرائن. فإذا تقرّر ذلك؛ فاعلم أنّه لا يدلّ دليل على أنّه ﵇ طرد الحكم معتقداً لوجوب ذلك عليه, وعلى أمّته بل الظّاهر خلاف ذلك لوجوه: الأول: أنّه ﵇ لم يوجب ذلك, ولا أمر به, والبيان واجب عليه. الثاني: أنّه لم يطرده من دار الإسلام, بل طرده من جواره فقط, وتركه في الطّائف مع المسلمين, وأمره ﵇ نافذ في الطّائف. الثالث: أنّه لم يخبر أهل الطّائف أنّه يحرم عليهم مجاورة الحكم, ويجب عليهم نفيه, وهم مسلمون ممتثلون لأوامره, وتقريره أحد الحجج. الرّابع: أنّه لو وجب نفيه؛ لم يكن إلا لأجل فسقه أو كفره, ولا ذنب أكبر من الكفر, وقد ترك ﵇ المنافقين واليهود في جواره, وأجمعت الأمّة على جواز إقرار اليهود بين المسلمين إلا في

стр. 376

جزيرة (١) العرب. فإن قلت: لم نفاه ﵇. قلت: تعيّن الوجه في ذلك لم يلزم, والظّاهر أنّه نفاه لأحد أمرين أو مجموعهما. أحدهما: أنّه كان يظهر أسرار رسول الله ﷺ , وهذا قد زال في وقت عثمان. ثانيهما: أنّه كان يمشي مثل رسول الله (٢) ﷺ /مستهزئاً نعوذ بالله. فإن قلت: فكيف وصله عثمان, وآواه مع ذلك؟. قلت: لأنّه من رحامته الماسّة, فهو عمّه صنو أبيه, وقد أمر الله بصلة الأرحام, وإن كانوا مشركين, قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٥] , ولم يكن [للحكم] (٣) من الحق على رسول الله ﷺ ما يوجب الصبر عليه, وقد يختلف التّكليف في ذلك. ألا ترى أنّ رسول الله ﷺ كره النّظر إلى وحشي قاتل حمزة (٤) , ولم يستلزم ذلك أن يستحبّ لأولاد وحشي وزوجته, وسائر أرحامه

стр. 377

أن يقطعوا ما أمر الله بوصله (١) من رحامته, وهذه كراهية طبيعية لأنّه ﵇ , لم يكره النّظر إلى من تاب من الشّرك, مع أنّه أعظم الذّنوب, وقد قال ﵇: ((أللهم إنّي آسف كما يأسف بنو آدم)) (٢) الحديث, وليس من رقّ لرحم من أرحامه ممن غضب عليه رسول الله ﷺ يعدّ مخالفاً له ﵇ , فقد رقّ العبّاس عمّ رسول الله ﷺ لقريش في قصّة الفتح, وخاف أن تستأصل شأفتهم, فسار الليل إليهم وأخبر أبا سفيان بخبر رسول الله ﷺ , وجاء به, وأقرّه رسول الله ﷺ على ذلك, وقد كان عثمان شفيقاً رحيماً, وقد فعل مثل هذا في حياة رسول الله ﷺ ؛ فلم ينكر عليه, وذلك أنّه شفع بوم الفتح في أخيه من الرّضاعة: عبد الله بن سعد بن أبي سرح بعد أن أمر النّبيّ ﷺ بقتله, وقد عفا عليّ ﵇ عن مروان بن الحكم يوم الجمل وقال: أدركتني عليه رحم ماسّة (٣) , بل قد قال نوح ﵇: ﴿رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الحَقُّ﴾ [هود:٤٥] , مع أنه

стр. 378

الذي قال: ﴿رَبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الكَافِرِينَ دَيَّاراً﴾ [نوح:٢٦]. فما خصّ ولده إلا لرحامته. وأمّا صلة عثمان للحكم ولغيره من قرابته بالأموال الكثيرة, فلا شكّ أنّه ابتلي بقرابة سوء, فكان يتألّفهم, وله حجّة واضحة في فعل رسول الله ﷺ يوم حنين, وإعطائه المنافقين دون المؤمنين, فإنّ مئة ناقة لواحد من المنافقين في زمانه ﵇ أكثر مما أعطاهم عثمان بالنّظر إلى زمانه, فإنّ الأموال في زمانه كانت قد كثرت كثرة /عظيمة. الوهم الرابع: قال في الاحتجاج على أنّ المحدّثين يروون في الصّحيح عن فسّاق التّصريح ما لفظه: ((ومنهم المغيرة بن شعبة زنى)) , [هكذا] (١) رماه بالزّنا!. والجواب عليه في هذا هو: النّصّ المحكم القرآني قال الله تعالى: ﴿لَولاَ جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذَا لَمْ يَأتُوا بِالشُهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللهِ هُمُ الكَاذِبُونَ﴾ [النور:١٣] قال تعالى: ﴿وَلَولاَ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور:١٦] وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنيَا وَالآخِرَةِ وَاللهُ يَعلَمُ وَأَنتُم لاَ تَعلَمُونَ﴾ [النور:١٩]. فإن كان [قد] (٢) توهّم أنّ ذلك قد صحّ ولم يبق فيه شك؛ فليس الأمر كذلك, فلو صحّ الزّنا من المغيرة لحدّه عمر بن الخطاب ﵁ , ولو صحّ

стр. 379

عنه, ولم يحدّه عمر؛ لانكر ذلك الصّحابة ﵃ فكيف يقتحم المعترض هذه المهواة العظيمة, ونسي ما عظّم الله من شأنها, فإنّه تعالى لم يجعل إليها سبيلاً إلا بعد كمال نصاب الشّهادة, فقد كان الرّجل يأتي إلى النّبيّ ﷺ فيقرّ بالزّنا, ويعترف بالفاحشة فيعرض عنه رسول الله ﷺ , ويتطلّب له العذر بعد الإقرار, ويقول: لعلّك لمست, لعلّك قبّلت, حتّى لا يجد سبيلاً إلى الشّكّ ولا طريقاً إلى الاحتمال. وهذا المعترض على أهل السّنّة عكس ما يلزم من الاقتداء برسول الله ﷺ ورمى بالزّنا من غير ثبوته, ولا إقامة شهادة, ولا حكاية عن شاهد, مع نقصان نصاب الشّهادة, ودعوى المغيرة للبراءة بل للزّوجية كما يأتي. الوهم الخامس: قال: ((فإن يعتد بشهادة هؤلاء في الجرح لا في الحدّ؛ فالمغيرة مجروح وإن لم يعتد بشهادتهم, فأبو بكرة قاذف وصاحباه, ولا يروي عن واحد منهم الرّواة)). والجواب: أنّه توهّم أنّ الشّهادة على الزّنا إذا لم يتمّ نصابها كانت قذفاً, فلا يخلو إمّا أن يريد: أنّ ذلك على سبيل القطع أو الظّنّ, فإن قال على سبيل الظّنّ؛ فذلك مسلّم ولا يضرّ تسليمه, أمّا أنّه مسلّم؛ فلأنّ أدلّة المسألة ظنّيّة, وهي خلافية بين العلماء. قال في: ((نهاية المجتهد)) (١): ((والشّهود عند مالك, وكذا عند الشّافعيّ إذا كانوا أقلّ من أربعة قذفة؛ وعند غيره (٢) ليسوا قذفة,

стр. 380

فجعل القول بأنّهم غير قذفة؛ هو قول الأكثرين من الفقهاء, وكلام الفقهاء في المسألة معروف /لا حاجة إلى التّطويل بذكره. وقال الحاكم المعتزلي في ((شرح العيون)) , ما لفظه (١) ((ألا ترى أنّ من شهد بالزّنا لا يؤثّر حاله, ومن قذف بالزّنا أثر))؟ فنصّ على الفرق بين الشّهادة والقذف, والظّاهر أنّ المعترض حفظ من أصحابه في مذاكرة الفقه: أنّ الشّاهد قاذف إذا لم تكمل الشّهادة, فقلّدهم في ذلك, وظنّ أنّ هذا يقتضي القدح على (٢) من خالف في هذه المسألة, وقبل الشّاهد, ووثّقه وإن لم يتمّ نصاب الشّهادة, وليس الأمر كما توهّم, فإنّه لو لزم القدح بمسائل الخلاف (٣) الفقهية لزم جرح جميع المخالفين, بل الذي ذهب إليه أصحاب المعترض أنّ الشّاهد قاذف عندهم؛ فلا يقبلونه لمذهبهم فيه, ولا يعترضون على (٤) من قبله وينسبونه إلى [قبول] (٥) الفسقة, وتعديل الكذبة, كما لا يلزم ذلك في سائر مسائل الخلاف الخلاف في شروط الشّاهد والرّاوي. وأمّا إن قال المعترض: إنّه قاذف على سبيل القطع؛ فهذا غير مسلّم لأنّ المسألة شرعية ظنيّة لا عقليّة, وليس فيها نصّ قاطع متواتر اللفظ, معلوم المعنى, غير محتمل للتّخصيص والنّسخ والمعارضة, ولم يبق إلا القياس, ولا يصح أن يكون قاطعاً مطلقاً, وإن سلّمنا أنّه

стр. 381

يكون قاطعاً في بعض المواضع فلا يصحّ ذلك ههنا لوجدان الفروق المانعة من ذلك, فإنّ بين الشّاهد والقاذف فروقاً كثيرة لا يصحّ معها القطع, ألا ترى أنّه يشترط في الشّاهد العدالة, ولا يشترط في القاذف, ويشترط العدد المخصوص في الشّهادة ولا يجب في القذف أن يكون القذفة أربعة, وإذا قذف أربعة رجلاً بالزّنا, وجب عليهم إقامة الشّهادة, ولو كانت الشّهادة قذفاً؛ لكان القذف من الشّهادة, ولو كان منها لتمّ نصابها بقذف أربعة ولم يجب عليهم إقامة شهادة, فثبت بهذا أنّ الشّاهد غير قاذف, وأنّ المسألة ظّنّيّة, إلا من ذهب إلى ذلك فإنّه يعمل بمقتضى مذهبه, من غير اعتقاد جرح, ولا اعتراض على من لم يوافقه في المذهب, على أنّ جرح القاذف الجاهل بتحريم القذف أو الموافق بإقامة الشّهادة مما يخالف القياس, فلا يقاس الشّاهد في مثل هذه الصّورة على النّصّ الوارد /فيه, على القول المنصور في الأصول. الوهم السادس: توهّم المعترض أنّه هؤلاء (١) الشّهود الثّلاثة إذا لم يكونوا قاذفين وجب جرح المغيرة بالزّنا الذي أخبروا به, وظنّ أنّه لا مخرج من هذا السؤال, وليس الأمر كما توهّم, بل يجوز أن يصدقوا فيما شهدوا به من نكاح المغيرة لامرأة لم يعلموا أنّها له زوجة, ويجوز مع ذلك أن لا يجرح بذلك المغيرة لتجويز غلطهم في الشّهادة, فقد روى ابن النّحوي في: ((البدر المنير)): أنّ المغيرة ادّعى

стр. 382

في تلك المرأة التي رموه بها أنّها له زوجة, قال: وكان يرى نكاح السّرّ, وروي أنّه كان يتبسّم عند شهادتهم, فقيل له: في ذلك؟ فقال: إنّي أعجب مما أريد أن أفعله بعد شهادتهم, فقيل: وما تفعل؟ قال: أقيم البيّنة أنّها زوجتي. ذكره في ((البدر المنير)) وذكر أنّه كان كثير الزّواجة وأنّه أحصن بثلاثمائة امرأة. وأمّا ما ذكره المعترض من أجل دخول المغيرة في الفتن فسيأتي الكلام على ذلك في (المسألة الثالثة) (١) عند ذكر أهل التّأويل, واختلاف النّاس في أحكامهم, وقد أثنى صاحب الرّسالة على أبي بكرة بالدّيانة والتّحرّي, وهو كما وصف لكن على غير قاعدته, فإنّه قد جرح من قعد عن نصرة عليّ ﵁ فدلّ ذلك على جهله بحال أبي بكرة, وعدم معرفته بتشدّده في تحريم قتال أهل القبلة, حتّى حرّم المدافعة [عن] (٢) النّفس, وكان ينكر على المتقاتلين من الطائفتين, ولكنّه متأوّل متحرّ للصّواب, وفعله -كما قال عليّ في فعل ابن عمر- إن كان حسناً إنّه لعظيم, وإن كان ذنباً إنّه لصغير. رواه الذّهبي (٣). الوهم السابع, قال: ((ومنهم أبو موسى الأشعري, نزع علياً ... ﵇ الذي ولاّه الله ورسوله, إنّه على الله لجريء, وأقام معاوية بن أبي سفيان القدريّ)).

стр. 383

والجواب: أنّ هذا وهم فاحش لا يجهله من له أدنى تمييز, فإنّ أبا موسى لم يقم معاوية بل خلعه, وكان يريد أن يقيم عبد الله بن عمر بن الخطاب, وكان قد واطأ عمرو بن العاص على ذلك على ما هو مبسوط في كتاب التّاريخ. وقد اشتهر في كتب التّاريخ أنّ معاوية كتب إلى أبي موسى: ((أمّا بعد, فإنّ عمرو بن العاص قد بايعني على ما أريد, وأقسم بالله لئن بايعتني على الذي بايعني لأستعملنّ أحد ابنيك على الكوفة, والآخر على البصرة, ولا يغلق دونك باب, ولا تقضى دونك حاجة, وقد كتبت إليك بخطّي فاكتب إليّ بخطّ يدك)) فكتب إليه: ((أما بعد فإنك كتبت إليّ في جسيم الأمّة, فماذا أقول لربي إذ ما قدمت عليه, ليس لي في ما عرضت حاجة (١). وهذا يدلّ على براءته من الجرأة على الله التي اجترأ المعترض على الله في غيبته بها. فقد كان متعبداً متزهداً صوّاماً قوّاماً, وقد تولّى البصرة فلم يخرج منها إلا بست مئة درهم, وكان خراجها عشرة آلاف ألف أربعمائة ألف. روى ذلك الذّهبي في ((النبلاء)) (٢) , وروى فيه (٣) عن الشّعبي (٤) [عن شقيق] (٥) عن حذيفة أنّه تكلم في أبي موسى بكلام

стр. 384

يقتضي بأنه منافق (١). ثمّ قال: ((في الشّعبي تشيّع يسير)). انتهى. وقد قال الشّعبيّ: حدثناهم بغضب أصحاب محمد /فاتخذوه دينا. وعندي أنّ هذا لا يصدّق, فإنّه معارض بما هو أصحّ منه بل بما (٢) هو معلوم الصّحّة, وذلك أنّ حذيقة وإن كان صاحب العلم بالمنافقين, فبغير شكّ أنّه إنّما أخذ العلم بذلك من رسول الله ﷺ , لكن رسول الله ﷺ ولّى أبا موسى على اليمن مصدقاً وقاضياً, وكان يفتي وقضي في بلدة رسول الله ﷺ , في زمنه ﷺ , وفي أيّام الخلفاء الرّاشدين ﵃, وكانت حال المنافقين أحقر من ذلك, فلم يكن رسول الله ﷺ ليولّي القضاء منافقاً ويقرّه على الفتيا, وكذلك أصحابه ﵃ فهذا أمر معلوم بالضّرورة, ولا يعارض بحديث مظنون, ومن الأحاديث المظنونة في الثّناء على أبي موسى ما رواه مالك بن مغول وغيره, عن أبي بُريدة , عن أبيه بريدة عنه ﷺ أنه قال في أبي موسى: ((إنّه مؤمن منيب)) لمّا قال له بريدة: أتراه يرائي؟ قال ﵇: ((بل مؤمن منيب)) (٣).

стр. 385

ولو كان منافقاً لاغتنم الفرصة حين حكّمه عليّ, ومال إلى الدّنيا وتابع من أعطاه منها, ولم ينظر للمسلمين. ولو كان كذلك؛ لما اختار عبد الله بن عمر للخلافة, فإنّ عبد الله من أئمة التّقوى, ومعادن الزّهادة في الدّنيا, والمنافق إنّما يحبّ أهل الفسق والجرأة. وأيضاً فإنّ أبا موسى استمرّ على العبادة, والاجتهاد في المدّة الطويلة من أوّل إسلامه إلى أن انقضت خلافة الخلفاء ﵃, والمنافق ينجم (١) نفاقه, ولا تستمر له [الاستقامة] (٢) على الدّيانة (٣). ولما قرب موته اجتهد في العبادة اجتهاداً شديداً, فقيل له: لو أمسكت ورفقت بنفسك؟ فقال: إنّ الخيل إذا أرسلت فقاربت رأس مجراها, أخرجت جميع ما عندها, والذي بقي من أجلي أقلّ من ذلك. ثمّ إنّه من السّابقين إلي الإسلام قبل ظهوره, والمتحمّلين لمشقّة الهجرة, وترك المال الوطن, وقد قرن الله الخروج من الدّيار بقتل الأنفس, وليس في المنافقين من أسلم من غير تقيّة, فكيف يتصوّر أن يسلم في أرض بعيدة عن رسول الله ﷺ ثم (٤) يظهر فيها الإسلام, ثمّ

стр. 386

يهاجر إلى مثلها. فإنّه من مهاجرة الحبشة, فمن يرائي بذلك, وإلى أيّ غرض يتوصّل؟ فقبّح الله من يجترىء على الله ببهت أصحاب رسول الله ﷺ , فإن كان صدر من حذيفة شيء من ذلك فلعلّه تأوّل في ذلك وغلط فيه, وربّما أخذ ذلك من قول رسول الله ﷺ في الإمام عليّ ... ﵁: ((لا يحبّك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق)) (١). وأخذ بغضه لعليّ ﵁ من تخلّفه عنه, وهذا كلّه ضعيف, فإنّ التّخلّف لا يدلّ على البغض, ولا يستلزم استخراج النّفاق, فقد تخلّف عنه من أعيان الصّحابة مثل: ابن عمر, وعمران بن حصين, -الذي كانت الملائكة تسلم عليه- وأبي سعيد الخدريّ, وأسامة بن زيد حبّ رسول الله ﷺ , وهو الذي قال لعليّ ﵁: والله لو كنت شدق الأسد ما تخلّفت عنك, ولكنّي أقسمت لرسول الله ﷺ لا قاتلت بعده أحداً ممن يشهد أن لا إله إلا الله. على أنّ بغض علي ﵁ إنّما كان علامة للنّفاق في أوّل الإسلام, فإنّ المنافقين كانوا يبغضون من كان فيه قوّة على الحرب لكراهتهم لقوّة الإسلام, ولذلك جاء في الحديث أيضاً: ((أنّ بغض الأنصار علامة النّفاق)) (٢) لهذا المعنى, (١ وكذلك حبّهم وحبّ عليّ كان في ذلك الزّمان علامة الإيمان (٣) لهذا المعنى, فأمّا في الأعصار المتأخّرة عن أوّل الإسلام فلا يدلّ على ذلك, فإنّ الخوارج

стр. 387

يبغضون عليّاً ويكفّرونه مع الإجماع على أنّهم غير منافقين وإن كان ذنبهم عظيماً, ومروقهم من الإسلام منصوصاً, والباطنيّة /يحبونه مع الإجماع على كفرهم, وكذلك الروافض يحبّونه مع ضلالهم وفسوقهم نعوذ بالله! فهذا ونحوه مما يحتمل أن يستند الصّحابي إلى مثله في مثل هذه الأمور -إن صحّت- أولى من خرق الإجماع, وهدم القواعد الكبار لملاحظة [ظاهر] (١) حديث أحسن أحواله أنّه مظنون. وقد قصدت وجه الله تعالى في الذّبّ عن هذا الصّحابي المعتمد في نقل كثير من الشّريعة المطهّرة لما رأيت الحافظ الذّهبي روى ذلك, ولم يقدح في إسناده بما ينفع, وقد أحسن الشّعبي (٢) ﵀ في قوله: حدّثناهم بغضب أصحاب محمد فاتّخذوه ديناً, فإنّه يحتمل صدور مثل ذلك عند الغضب بأدني شبهة. وفي الحديث الصّحيح (٣): ((اللهم إني بشر آسف كما يأسف بنو آدم فمن دعوت عليه أو سببته وليس لذلك بأهل فاجعلها له رحمة وزكاة)) أو كما ورد, فهذا رسول الله ﷺ كيف غيره؟! وقد كان بين أبي موسى وعليّ شيء كبّرته الرّوافض والشّيعة. وقد روى بعض أهل البيت من الزّيديّة أنّ أبا موسى اعتذر إلى عليّ ﵁ (٤ ورضي عليّ ﵇ عنه (٤) ونرجو صحّة

стр. 388

ذلك إن شاء الله, ومثل هذه الرّواية يحسن الأخذ بها وإن كانت مرسلة, فإنّه لا بأس بالأخذ بالمرسل في مثل هذا. على أن المالكيّة وغيرهم يقبلونه في أحاديث الأحكام. بل ادّعى العلاّمة محمد بن جرير إجماع التّابعين على ذلك, رواه عنه ابن عبد البر في ((تمهيد)) (١). الوهم الثّامن: وهم أنّه يمكنه تخصيص المحدّثين بالقدح عليهم في حديثهم بالحديث الذي فيه: ((يؤتى بقوم يوم القيامة فيذهب بهم ذات الشمال فأقول: أصحابي أصحابي)) (٢) وبقوله تعالى: ﴿وَمِمَّن حَولَكُم مِنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُم نَحْنُ نَعْلَمُهُم﴾ [التوبة:١٠١] , قال المعترض: دلّت الآية على أنّ فيمن يعدّونه صحابيّاً عدلاً من هو كافر مجروح. انتهى كلامه. وهو يصلح من شبه الزّنادقة القادحة على أهل الإسلام, لا من شبه الشّيعة القادحة على أهل الحديث, ولكنّ المعترض لا يدري ما يخرج من رأسه. والجواب: أنّ الإجماع منعقد على الاعتبار بالظّاهر دون الباطن, ومن نجم نفاقه وظهر كفره ترك حديثه, ومن ظهر إسلامه وأمانته وصدقه قبل وإن كان في الباطن خلاف ما ظهر منه, فقد علمنا لما وجب علينا وبذلنا في طلب الحق جهدنا, وقد كان رسول الله ﷺ يعمل بالظّاهر ويتبرأ من علم الباطن. وإلى ذلك الإشارة بقوله في هذه

стр. 389

الآية: ﴿لاَ تَعْلَمُهُم نَحْنُ نَعْلَمُهُم﴾ [التوبة:١٠١] , فلو كان في هذا قدح على المحدّثين لتوجّه مثله على رسول الله ﷺ . وليت شعري ما سبب خلوص الزّيديّة من هذا الإشكال؟ فإنّ الآية والحديث يدلاّن على أنّ فيمن يعدّونه صحابيّاً (١) عدلاً من يجوز أنّه مجروح, وقد أحسّ المعترض ورود هذا السؤال عليه فأشار إليه ثمّ قال: الجواب: أنّه قد ظهر فسق من ذكرناه وكفره. والجواب: أنّ الذي قدح به نوعان: أحدهما: ما وقع بين الصّحابة من الفتن, وسيأتي الجواب عليه في مسألة التّأويل والكلام على أهله. وثانيهما: ما نسب إلى بعض الصّحابة من المعاصي التي تدلّ على الفسق الذي لا يدخله التّأويل, وقد ذكرنا فيما تقدّم الجواب عليه في ذلك وأنّ المحدّثين يوافقون على الجرح لمن صحّ ذلك في حقّه؛ كالوليد بن عقبة, والحكم بن أبي العاص, ويخالفون فيمن لم يصحّ ذلك في حقّه /كالمغيرة بن شعبة, وأبي بكرة, وسيأتي الكلام على المغيرة في (المسألة الثالثة) (٢) إن شاء الله تعالى. الوهم التّاسع: ذكر المعترض أنّ التّشبيه مستفيض عن الإمام أحمد بن حنبل, وأنّه روى عنه (٣) ذلك علماء الزّيديّة وعلماء

стр. 390

المجبّرة, (١ وعنى بالمجبّرة (١) الأشعرية وأهل الحديث. والجواب عنه (٢) من وجوه: الأوّل: أن نقول: إمّا أن يقصد بذلك القدح في حديثه, أو تكفيره؛ إن كان الأوّل لم يصح لأمور: الأمر الأوّل: أنّه مجمع على قبوله في الحديث, وقد قدمنا الدّليل على ذلك حيث ذكرنا الإجماع على صحة حديث البخاريّ ومسلم, فإنّه أوثق رواتهما, بل إمام مصنّفيهما, بل إليه المرجع في توثيق ثقاتهما. الأمر الثّاني: أنّه مجمع على الاعتداد بخلافه, وعدم انعقاد الإجماع على رأسه, وذلك فرع على ثقته وأمانته, وقد شحنت الزّيديّة كتبها بمذاهبه, واشتغل أهل العلم منهم بحفظ أقواله, ولو كان مجروحاً غير مقبول لم يحسن ذلك منهم لما فيه من إيهام الخطأ, بل قد اشتهرت الرّواية لأحاديثه واختيارته عند جميع أهل السّنّة والبدعة, والرّوافض والشّيعة, وفيهم من هو من أعدائه, والفضل ما شهدت به الأعداء, فلولا علمه وحفظه (٣) , ما حفظت مذاهبه, وقبلت روايته, مع (٤) العجم والعرب في الشّرق والغرب.
следующие страницы →