يهاجر إلى مثلها. فإنّه من مهاجرة الحبشة, فمن يرائي بذلك, وإلى أيّ غرض يتوصّل؟ فقبّح الله من يجترىء على الله ببهت أصحاب رسول الله ﷺ , فإن كان صدر من حذيفة شيء من ذلك فلعلّه تأوّل في ذلك وغلط فيه, وربّما أخذ ذلك من قول رسول الله ﷺ في الإمام عليّ ... ﵁: ((لا يحبّك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق)) (١). وأخذ بغضه لعليّ ﵁ من تخلّفه عنه, وهذا كلّه ضعيف, فإنّ التّخلّف لا يدلّ على البغض, ولا يستلزم استخراج النّفاق, فقد تخلّف عنه من أعيان الصّحابة مثل: ابن عمر, وعمران بن حصين, -الذي كانت الملائكة تسلم عليه- وأبي سعيد الخدريّ, وأسامة بن زيد حبّ رسول الله ﷺ , وهو الذي قال لعليّ ﵁: والله لو كنت شدق الأسد ما تخلّفت عنك, ولكنّي أقسمت لرسول الله ﷺ لا قاتلت بعده أحداً ممن يشهد أن لا إله إلا الله.
على أنّ بغض علي ﵁ إنّما كان علامة للنّفاق في أوّل الإسلام, فإنّ المنافقين كانوا يبغضون من كان فيه قوّة على الحرب لكراهتهم لقوّة الإسلام, ولذلك جاء في الحديث أيضاً: ((أنّ بغض الأنصار علامة النّفاق)) (٢) لهذا المعنى, (١ وكذلك حبّهم وحبّ عليّ كان في ذلك الزّمان علامة الإيمان (٣) لهذا المعنى, فأمّا في الأعصار المتأخّرة عن أوّل الإسلام فلا يدلّ على ذلك, فإنّ الخوارج
стр. 387
يبغضون عليّاً ويكفّرونه مع الإجماع على أنّهم غير منافقين وإن كان ذنبهم عظيماً, ومروقهم من الإسلام منصوصاً, والباطنيّة /يحبونه مع الإجماع على كفرهم, وكذلك الروافض يحبّونه مع ضلالهم وفسوقهم نعوذ بالله! فهذا ونحوه مما يحتمل أن يستند الصّحابي إلى مثله في مثل هذه الأمور -إن صحّت- أولى من خرق الإجماع, وهدم القواعد الكبار لملاحظة [ظاهر] (١) حديث أحسن أحواله أنّه مظنون.
وقد قصدت وجه الله تعالى في الذّبّ عن هذا الصّحابي المعتمد في نقل كثير من الشّريعة المطهّرة لما رأيت الحافظ الذّهبي روى ذلك, ولم يقدح في إسناده بما ينفع, وقد أحسن الشّعبي (٢) ﵀ في قوله: حدّثناهم بغضب أصحاب محمد فاتّخذوه ديناً, فإنّه يحتمل صدور مثل ذلك عند الغضب بأدني شبهة.
وفي الحديث الصّحيح (٣): ((اللهم إني بشر آسف كما يأسف بنو آدم فمن دعوت عليه أو سببته وليس لذلك بأهل فاجعلها له رحمة وزكاة)) أو كما ورد, فهذا رسول الله ﷺ كيف غيره؟! وقد كان بين أبي موسى وعليّ شيء كبّرته الرّوافض والشّيعة.
وقد روى بعض أهل البيت من الزّيديّة أنّ أبا موسى اعتذر إلى عليّ ﵁ (٤ ورضي عليّ ﵇ عنه (٤) ونرجو صحّة
стр. 388
ذلك إن شاء الله, ومثل هذه الرّواية يحسن الأخذ بها وإن كانت مرسلة, فإنّه لا بأس بالأخذ بالمرسل في مثل هذا. على أن المالكيّة وغيرهم يقبلونه في أحاديث الأحكام. بل ادّعى العلاّمة محمد بن جرير إجماع التّابعين على ذلك, رواه عنه ابن عبد البر في ((تمهيد)) (١).
الوهم الثّامن: وهم أنّه يمكنه تخصيص المحدّثين بالقدح عليهم في حديثهم بالحديث الذي فيه: ((يؤتى بقوم يوم القيامة فيذهب بهم ذات الشمال فأقول: أصحابي أصحابي)) (٢) وبقوله تعالى: ﴿وَمِمَّن حَولَكُم مِنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُم نَحْنُ نَعْلَمُهُم﴾ [التوبة:١٠١] , قال المعترض: دلّت الآية على أنّ فيمن يعدّونه صحابيّاً عدلاً من هو كافر مجروح. انتهى كلامه.
وهو يصلح من شبه الزّنادقة القادحة على أهل الإسلام, لا من شبه الشّيعة القادحة على أهل الحديث, ولكنّ المعترض لا يدري ما يخرج من رأسه.
والجواب: أنّ الإجماع منعقد على الاعتبار بالظّاهر دون الباطن, ومن نجم نفاقه وظهر كفره ترك حديثه, ومن ظهر إسلامه وأمانته وصدقه قبل وإن كان في الباطن خلاف ما ظهر منه, فقد علمنا لما وجب علينا وبذلنا في طلب الحق جهدنا, وقد كان رسول الله ﷺ يعمل بالظّاهر ويتبرأ من علم الباطن. وإلى ذلك الإشارة بقوله في هذه
стр. 389
الآية: ﴿لاَ تَعْلَمُهُم نَحْنُ نَعْلَمُهُم﴾ [التوبة:١٠١] , فلو كان في هذا قدح على المحدّثين لتوجّه مثله على رسول الله ﷺ .
وليت شعري ما سبب خلوص الزّيديّة من هذا الإشكال؟ فإنّ الآية والحديث يدلاّن على أنّ فيمن يعدّونه صحابيّاً (١) عدلاً من يجوز أنّه مجروح, وقد أحسّ المعترض ورود هذا السؤال عليه فأشار إليه ثمّ قال: الجواب: أنّه قد ظهر فسق من ذكرناه وكفره.
والجواب: أنّ الذي قدح به نوعان:
أحدهما: ما وقع بين الصّحابة من الفتن, وسيأتي الجواب عليه في مسألة التّأويل والكلام على أهله.
وثانيهما: ما نسب إلى بعض الصّحابة من المعاصي التي تدلّ على الفسق الذي لا يدخله التّأويل, وقد ذكرنا فيما تقدّم الجواب عليه في ذلك وأنّ المحدّثين يوافقون على الجرح لمن صحّ ذلك في حقّه؛ كالوليد بن عقبة, والحكم بن أبي العاص, ويخالفون فيمن لم يصحّ ذلك في حقّه /كالمغيرة بن شعبة, وأبي بكرة, وسيأتي الكلام على المغيرة في (المسألة الثالثة) (٢) إن شاء الله تعالى.
الوهم التّاسع: ذكر المعترض أنّ التّشبيه مستفيض عن الإمام أحمد بن حنبل, وأنّه روى عنه (٣) ذلك علماء الزّيديّة وعلماء
стр. 390
المجبّرة, (١ وعنى بالمجبّرة (١) الأشعرية وأهل الحديث.
والجواب عنه (٢) من وجوه:
الأوّل: أن نقول: إمّا أن يقصد بذلك القدح في حديثه, أو تكفيره؛ إن كان الأوّل لم يصح لأمور:
الأمر الأوّل: أنّه مجمع على قبوله في الحديث, وقد قدمنا الدّليل على ذلك حيث ذكرنا الإجماع على صحة حديث البخاريّ ومسلم, فإنّه أوثق رواتهما, بل إمام مصنّفيهما, بل إليه المرجع في توثيق ثقاتهما.
الأمر الثّاني: أنّه مجمع على الاعتداد بخلافه, وعدم انعقاد الإجماع على رأسه, وذلك فرع على ثقته وأمانته, وقد شحنت الزّيديّة كتبها بمذاهبه, واشتغل أهل العلم منهم بحفظ أقواله, ولو كان مجروحاً غير مقبول لم يحسن ذلك منهم لما فيه من إيهام الخطأ, بل قد اشتهرت الرّواية لأحاديثه واختيارته عند جميع أهل السّنّة والبدعة, والرّوافض والشّيعة, وفيهم من هو من أعدائه, والفضل ما شهدت به الأعداء, فلولا علمه وحفظه (٣) , ما حفظت مذاهبه, وقبلت روايته, مع (٤) العجم والعرب في الشّرق والغرب.
стр. 391
*كأنه علم في رأسه نار*
كما قالت الخنساء في صخر (١) , وما ذلك لكونه مشبّهاً كما زعم المعترض, بل لكونه إماماً جليلاً, وعلماً طويلاً, وقد أحسن من قال:
*لأمر ما يسود من يسود*
وأمّا كلام المتكلّمين فيه فهو زيادة في فضله, ودليل على جرأة المتكلّم وجهله. وما يضر الإمام أحمد كلام من يتكلّم عليه, وعلى خير أصحاب رسول الله ﷺ من الخلفاء الرّاشدين وكبراء المسلمين.
لم تدر تغلب وائل أهجوتها ... أم بلت حيث تناطح البحران
الأمر الثالث: معارضة تلك الروايات بإجماع أهل التّاريخ من أهل الحديث على براءة الإمام أحمد من التّشبيه, وقد روى الذّهبيّ في ((ميزانه)) عن بعض من وثق تصريح الإمام أحمد في ذلك بما لا مزيد عليه, وقد بالغ ابن الجوزيّ, وابن قدامة المقدسيّ الحنبليّان المحدّثان في تنزيه الإمام أحمد عن ذلك. قال الشيخ أحمد بن عمر الأنصاري: بل (٢) لم يشتهر أحد من الحنابلة بذلك, ولم يعرف عنه إلا أنّه يوجد في كلام ابن تيمية, وتلميذه ابن قيّم الجوزيّة شيء من (٣) ذلك لم يبلغ رتبة التّصريح, ذكره في كتابه ((مغني المحدّث في الأسفار عن حمل الأسفار)) (٤) في آخر ذكر أسانيد ((مسند أحمد)).
стр. 392
قلت: وما أظن بعض الحنابلة ينجو من ذلك, ولكن حكم البعض لا يلزم الكلّ بالضّرورة, وقد [اشتملت] (١) كتب الرّجال على القدح بذلك على من قاله دون غيره, ﴿ولاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الزمر:٧] ولله الحمد.
وأمّا إن أراد المعترض التّوصّل بذلك إلى تكفيره ﵁ فهذا لا يصحّ (٢) لأمور أيضاً:
منها: ما تقدّم من الإجماع على الاعتداد بأقواله, وعدم انعقاد الإجماع على رأسه, وليت شعري إذا كان / [عند] (٣) المعترض بهذه المنزلة فما باله يملي على طلبة العلم الشّريف مذاهب أحمد بن حنبل ﵁ وهلاّ أملى عليهم مذاهب الباطنيّة, وقولهم: إنّ للأنثى مثل حظّ الذّكر, ونحو ذلك؟.
ومنها: أنّ التّكفير من المسائل القطعيّة, يحتاج مدّعيه إلى التواتر الصّحيح في الطّرفين والوسط, والمعترض إنّما ادّعى
стр. 393
الاستفاضة, وليس الاستفاضة تستلزم التّواتر, بل ولا تستلزم الصّحّة, فقد يستفيض الأمر في الأخير بعد غرابته أو نكارته أو وضعه (١) في أوّل الأمر, وقد اشتهرت أحاديث الكتب السّتّة وغيرها في الزّمن الأخير, وبلغ رواتها [أكثر] (٢) من عدد التّواتر.
ومنها: أنّ العدد الكثير قد يغلطون في رواية المذاهب, وإن لم يتعمّدوا الكذب فلا يحصل العلم بخبرهم, لأنّ شرط التّواتر الكثرة المفيدة للعلم, وذلك لا يكون إلا إذا أخبروا عن علم ضروري دون ما أخبروا به عن ظنّ أو استدلال, لكنّه يحتمل في المخبرين عن الإمام أحمد أنّهم ألزموه ذلك بطرق نظريّة استدلالية, فلا يفيد خبرهم التّواتر وإن كثروا, ألا ترى أنّ الشّيعة تعظّم المعتزلة, وتوثّقهم مع أنّ المعتزلة على كثرتهم قد أجمعوا على دعوى العلم القاطع بإجماع الصحابة على خلافة أبي بكر ﵁ , والشّيعة في هذا المقام لا يعتقدون صدق المعتزلة ولا أنّ خبرهم مع أهل السّنّة يفيد تواتر النّقل بصحّة [هذا] (٣) الإجماع المدّعى, فما بال نقل النّقلة للتّشبيه عن الإمام أحمد لمّا (٤) استفاض وجب الأخذ به؟ وأمّا استفاضة إجماع الصّحابة على خلافة أبي بكر فلا يؤخذ بها؟
فكلّ ما اعتذر به الشّيعيّ هناك فالحنبليّ (٥) والسّنّي يعتذر عن
стр. 394
أحمد بمثله هنا.
ومنها: أنّه قد ثبت بالتّواتر أنّ الحافظ ابن الجوزيّ من أئمة الحنابلة, وليس في ذلك نزاع, ولا شكّ أنّ تصانيفه في المواعظ وتواليفه في الرّقائق مدرس فضلائهم, وتحفة علمائهم, فبها يتواعظون ويخطبون, وعليها في جميع أحوالهم يعتمدون.
وقد ذكر ابن الجوزيّ في كتبه هذه ما يقتضي نزاهتهم عن هذه العقيدة, وأنا أورد من كلامه في ذلك ما يشهد بصحّة ما ذكرته, فمن ذلك قوله في كتاب ((المدهش)) (١) في قوله تعالى: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ والبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٍ﴾ [الحديد:٣]. قال ابن الجوزيّ: ((أوّل: ليس له مبتدأ, آخر: جلّ عن منتهى (٢) , يثبته العقل [ولا يدركه] (٣) الحسّ. كلّ مخلوق /محصور بحدّ مأسور في سور قطر. والخالق بائن مباين يعرف بعدم مألوف [التّعريف] (٤) ارتفعت لعدم الشِّبه والشُّبه, إنّما يقع الإشكال في وصف من له أشكال. وإنّما تضرب الأمثال, لمن له أمثال. وأمّا من لم يزل ولا يزال فما للحسّ معه مجال. عظمته عظمت عن نيل كفّ الخيال, كيف يقال: كيف, والكيف في حقّه محال؟ أنّى تتخايله الأوهام وهي صنعته, كيف تحدّه العقول وهي فعله, كيف تحويه الأماكن وهي وضعه؟ انقطع سير الفكر, وقف سلوك الذّهن,
стр. 395
بطلت إشارة الوهم, عجز لطف الوصف, عَشِيَت عين العقل, خرس لسان الحسّ, لا طول للقَدَم في طور القِدَم. عزّ المرقى فيئس المرتقي, بحر لا يتمكّن منه عائص. ليل لا يبصر فيه للعين كوكب.
مرام شطّ [مرمى] (١) العقل فيه ... فدون مداه بيد لا تبيد
جادّة التّسليم سليمة. وادي النّقل بلاقع. انزل عن علوّ غلوّ التّشبيه, ولا تعل قلل أباطيل التعليل, فالوادي بين الجبلين.
ما عرفه من كيّفه, ولا وحّده من مثّله, ولا عبده من شبّهه. المشبِّه أغشى والمعطِّل أعمى, ممّا يتزّه عنه ممّ! فيما يجب نفيه فيم؟! جلّ وجوب وجوده عن رجم ((لعل)) , سبق الزّمان فلا يقال: كان, أبرز عرائس الموجودات من كنّ ((كن)) , بثّ الحكم فلم يعارض ((بلم)) تعالى عن بعضيَّة ((من)) , وتقدّس عن ظرفية ((في)) , وتنزّه عن شبه ((كأن)) وتعظّم عن نقص ((لو أنّ)) (٢ وعزّ عن عيب ((إلاّ أن (٢) وسما كما له عن تدارك ((لكنّ)) (٣).
وقال ابن الجوزيّ في كتاب ((اللّطف)) (٤) في وصف الله تعالى: ((لا من الظّاهر فُهِمَ له شبح, ولا من الباطن تعطّل له وصف. خرست في حضرة القدس صولة ((لم)) , وكفّت لهيبة الحقّ كفّ ((كيف)) وعَشِيت
стр. 396
لجلال العزّ عين الفكر. فأقدام الطّلب واقفة على جمر التّسليم. إلى قوله: ((المشبِّه ملوَّث بدم التّجسيم, والمعطِّل نجس بسرجين الجحود, ونصيب المحقّ لبن خالص هو التّنزيه)) إلى قوله: ((تفكّروا في آلاء الله, لا تتفكّروا في الله. إذا استقبل الرَّمد الرّيح فقد تعرّض لزيادة الرّمد)) انتهى كلامه (١).
وفيه مع نفي التّجسيم والتّشبيه تلويح إلى ذم تعطيل ذات الله ﷻ عمّا وصفها به في كتابه الكريم. فلهم مذهب بين مذهبين وإليه أشار بقوله: فالوادي بين الجبلين. وبقوله: ونصيب المحقّ لبن خالص هو التّنزيه, بل ظاهر عبارته أنّ المشبِّه خير من المعطِّل, وتفسير هذا, وذكر الأدلّة فيه والرّد على المبتدعة يحتمل تأليفاً مستقلاً, وليس هذا من مقاصد هذا الكتاب, وإنّما القصد فيه تنزيه الإمام /أحمد عن التّشبيه الذي وصمه به المعترض.
ولنورد في هذا المقام كلام النّوويّ في حكاية مذهب أهل الحديث, وغيرهم من جماهير أهل السّنّة, قال النّوويّ في: ((شرح مسلم)) (٢) -وقد ذكر حديث ((يوم يكشف عن ساق)) -: ((أعلم أنّ لأهل العلم في أحاديث الصّفات, وآيات الصّفات قولين:
أحدهما -وهو مذهب معظم السّلف (٣) أو كلّهم-: أنّه لا يتكلم
стр. 397
في معناها بل يقولون: يجب علينا أن نؤمن بها ونعتقد لها معنى يليق بجلال الله مع اعتقادنا الجازم أن الله تعالى ليس كمثله شيء, وأنّه منزّه عن التّجسيم, وعن سائر صفات المخلوقين. وهذا القول هو مذهب جماعة المتكلّمين, واختاره جماعة من محقّقيهم وهو أسلم.
والقول الثّاني: وهو مذهب معظم المتكلّمين أنّها تتأوّل, وإنّما يسوغ تأويلها للعارف بلسان العرب, وقواعد الأصول والفروع, ذي رياضة في العلم)) انتهى كلام النّووي.
وهو ظاهر في تنزيه الفقهاء من التّجسيم, وأحمد بإجماعهم من أئمتهم وجلّتهم, فلو كان مجسّماً ما كان عندهم بهذه المنزلة, ألا ترى أنّ النّووي لم يعدّ قول المجسّمة في أقوال أهل العلم, وقصر أقوال العلماء على قولين, وأحمد عنده من العلماء بغير شكّ.
فإن قلت: وما التّجسيم؟ قلت: هو إثبات الجسم لله تعالى. قال الإمام يحيى بن حمزة في كتاب ((التحقيق, في التكفير والتّفسيق)): ((وعن الخليل بن أحمد في ((كتاب العين)) (١) أنّه قال: ((الجسم البدن وجميع أعضائه من النّاس والدّوابّ ونحو ذلك مما عظم في الخلقة, وأنشد الخليل:
وأجسم من عاد جسوم رجالهم ... وأكثر إن عدّوا عديداً من التّرب
стр. 398
انتهى كلام الإمام يحيى بن حمزة.
وقال في ((مجمل اللّغة)) (١) لأبي [الحسين] (٢) أحمد بن فارس بن زكرياء: ((الجسم كلّ شخص مدرك. كذا رأيته في ((كتاب ابن دريد)) (٣). وكلّ عظيم الجسم جسيم وجسام, والجثمان الشّخص)) (٤). وفي ((المجمل)) (٥) وفي ((كتاب الخليل)) (٦) أنّ الجسد لا يقال لغير الإنسان من [خلق] الأرض.
وفي كتاب ((الضّياء)) (٧) لمحمّد بن نشوان الحميريّ: الجسم كلّ شخص مدرك. لكنّه فسّر الشّخص بالجسم, فدار كلامه ولم يظهر مقصده. وأمّا التّشبيه فهو أخصّ من التّجسيم لاختلاف عرف أهل اللّغة العربية وأهل الاصطلاح العرفيّ, وقد تكلّم الأصوليون على ذلك في مسألة نفي المساواة وما هي تقتضي, والله سبحانه أعلم.
الوهم العاشر: قال: ((وقد نسب إلى الشّافعي القول بالرّؤية (٨) , فطرّق عليه الاحتمال, لأنّ الرّؤية إنّما تكون بكيف أو بلا كيف,
стр. 399
والكيفية (١) تجسيم لا محالة)).
أقول: قد توهّم المعترض أنّ إسلام الإمام الشّافعي ﵁ مشكوك فيه, وأراد أن يقرّب كفره وخروجه من الإسلام, فلم يزد على أن تعرّض لأن يبوء بالكفر, وعرّض نفسه للتّكذيب والخسر, فأمّا الإمام الشّافعي فهو أرفع من أن ينقصه كلام سفيه/, رشح إناؤه بما فيه.
ما يضرّ البحر أمسى زاخراً ... أن رمى فيه سفيه بحجر
ومن جلالة (٢) الشّافعيّ ﵁ أنّ كلّ طائفة من المعتزلة, وأهل السّنّة تدّعيه وتتشرّف أن تكون من متّبعيه, فيا هذا مالك, وهذه الحماقة؟ أليس شيوخ المعتزلة مفصحين (٣) بدعوى موافقتهم للشّافعيّ في العقيدة؟ أليس قاضي قضاتهم عبد الجبار (٤) , وأمثاله من جملة خدّام أقواله القديمة والجديدة؟! فهم في الفروع غير مستنكفين من التّشرف بالنّسبة إليه, ولا مستكبرين من التّعويل في التّقليد عليه, وهم في العقيدة مدّعون لموافقته داعون إلى
стр. 400
عقيدته (١) , وكفى ما ذكره عالمهم الكبير أبو سعد المحسّن بن كرّامة الشّهير بالحاكم في كتابه ((شرح العيون)).
وأمّا التّعرّض لتكفيره -صانه الله من ذكر ذلك- لكون القول بالرّؤية روي عنه, فهذه علّة يلزم المعتلّ بها تكفير كثير من أئمة الإسلام, وجلّة علمائه الأعلام, فقد رويت الرّؤية من (٢) الصّحابة ... -رضي الله تعالى عنهم-, عن إمام الجميع (٣) علي بن أبي طالب, وإمام المعتزلة وأهل السّنّة أبي بكر الصّدّيق (٤) ﵄ وعن ابن عبّاس, وحذيفة بن اليمان, وعبد الله بن مسعود, ومعاذ بن جبل, وأبي هريرة, عبد الله بن عمر بن الخطّاب, وفضالة بن عبيد, وأنس بن مالك, وجابر بن عبد الله الأنصاري, وكعب الأحبار.
ومن التّابعين وغيرهم: سعيد بن المسيّب, والحسن البصريّ, وعبد الرّحمن بن أبي ليلى, وعمر بن عبد العزيز, والأعمش, وسعيد ابن جبير, وطاووس, وهشام بن حسّان, والقاضي شريك [و] (٥) ابن
стр. 401
أبي نمر, وعبد الله بن المبارك, وأئمة المذاهب الأربعة, والأوزاعي, وإسحق بن راهويه, واللّيث بن سعد, وسفيان بن عيينة, ووكيع بن الجرّاح, وقتيبة بن سعيد, وأبي عبيد القاسم بن سلاّم, وغيرهم, فكلّ هؤلاء روي عنهم القول بالرّؤية, فإن كان كلّ من روي عنه ذلك لزم الشّكّ في إسلامه, والطّرح لمذهبه, وروايته؛ لزم المعترض التشكيك في إسلام (١) عصابة الإسلام, وركن الإيمان: الصّحابة والتّابعين لهم بإحسان, الذين أطبق السّلف والخلف عن الاقتداء بهم (٢) , والقبول لقولهم, والانتفاع بمعارفهم ومذاهبهم.
وإن كان المعترض يكذّب الرّواة لذلك عنهم أو يتأوّل معنى ذلك, وإن صحّ صدوره منهم, فهلاّ فعل في حقّ الإمام الشّافعيّ مثل ذلك! وسلك به في الحمل على السّلامة أوضح المسالك؟!.
/الوهم الحادي عشر: وهم هذا المعترض أنّه يمكنه التّشكيك في علم أبي حنيفة ﵁ , واعتلّ في ذلك بأنّه قد رمي بالقصور في علميّ العربية والحديث, أمّا العربية؛ فلقوله: بأبا قبيس, وأمّا الحديث؛ فلأنّه كان يروي عن المضعّفين وما ذلك إلا لقلّة علمه بالحديث)) انتهى كلامه.
وكان قد قدّمه قبل هذا الموضع في المسألة الأولى: لكنّي
стр. 402
أحببت (١) أن أجمع الذّبّ عن أئمة الإسلام (٢) الأربعة في موضع واحد فأقول:
لا يخلو إمّا أن ينكر صدور الفتوى عنه ﵁ , وينكر نقل الخلف والسّلف لمذاهبه (٣) في الفقه, أو يقرّ بذلك, إن أنكره أنكر الضّرورة, ولم تكن لمناظرته صورة, وإن لم ينكره فهو يدلّ على اجتهاده, ولنا في الاستدلال به (٤) على ذلك مسالك:
المسلك الأوّل: أنّه ثبت بالتّواتر فضله وعدالته, وتقواه وأمانته, فلو أفتى بغير علم وتأهّل لذلك وليس له بأهل لكان جرحاً في عدالته, وقدحاً في ديانته وأمانته, ووصماً في عقله ومروءته, لأنّ تعاطي الإنسان ما لا يحسنه, ودعواه لمعرفة ما لا يعرفه, من عادات السّفهاء, ومن لا حياء له ولا مروءة من أهل الخسّة والدّناءة, ووجوه مناقبه مصونة عن ابتذالها وتسويدها بهذه الوصمة القبيحة, والبدعة (٥) الشّنيعة.
المسلك الثّاني: أنّ رواية العلماء لمذاهبه, وتدوينها في كتب الهداية, وخزائن الإسلام؛ تدلّ على أنّهم قد عرفوا اجتهاده لأنّه لا يحلّ لهم رواية مذهبه (٦) إلاّ بعد المعرفة بعلمه لأنّ إيهام ذلك من غير
стр. 403
معرفة محرّم, لما يتركّب (١) عليه من الأحكام الشّرعيّة المجمع عليها, كانخرام إجماع أهل عصره بخلافه, والمختلف فيها. كانخرام إجماع من بعده بخلافه, وجواز تقليده بعد موته.
المسلك الثّالث: أن نقول: الإجماع منعقد على اجتهاده, فإن خالف في ذلك مخالف فقد انعقد الإجماع بعد موته, وإنّما قلنا بذلك لأنّ أقواله متداولة بين العلماء الأعلام, سائرة في مملكة الإسلام, في الشّرق والغرب واليمن والشّام, من عصر التّابعين من سنة خمسين ومائة إلى يوم النّاس هذا وهو أوّل المائة التّاسعة بعد الهجرة, لا ينكر على من يرويها ولا على (٢) من يعتمد عليها, والمسلمون بين عامل عليها, وساكت عن الإنكار على من يعمل عليها, وهذه الطّريقة [هي] (٣) التي يثبت بمثلها دعوى الإجماع في أكثر المواضع.
المسلك الرّابع: أنّه قد نصّ كثير من الأئمة والعلماء على أنّ أحد الطّرق الدّالّة على اجتهاد العالم /هي: انتصابه للفتيا, ورجوع عامّة المسلمين إليه من غير نكير من العلماء والفضلاء, وموضع نصوص العلماء على ذلك في علم أصول الفقه, وهناك يذكر الدّليل على أنّ ذلك كاف في معرفة اجتهاد العالم وجواز تقليده.
وممن ذكر ذلك من أئمة الزّيديّة, وشيوخ المعتزلة المنصور بالله في كتابه: ((الصّفوة)) , وأبو الحسين البصري في كتابه
стр. 404
((المعتمد)) (١) , وهذا في سكوت سائر العلماء عن النّكير على المفتي, فكيف بسكوت ركن الإسلام من عصابة التّابعين, ونبلاء سادات المسلمين [الذين] (٢) هم من خير القرون بنصّ سيّد المرسلين, فقد كان الإمام أبو حنيفة معاصراً لذلك الطّراز الأوّل كما سيأتي, وقد تطابق الفريقان من أهل السّنّة والاعتزال, على التّعظيم لأبي حنيفة والإجلال؛ أمّا أهل السّنّة: فذلك أظهر من الشّمس, وأوضح من أن يدخل فيه اللبس.
وليس يصحّ في الأفهام شيء ... إذا احتاج النّهار إلى دليل (٣)
وأمّا المعتزلة: فقد تشرّفوا (٤) بالانتساب إليه, والتّعويل في التّقليد عليه, كأبي عليّ, وولده أبي هاشم من متقدّميهم, وأبي (٥) الحسين البصري, والزّمخشريّ من متأخّريهم (٦) , وهم وإن قدّرنا دعواهم الاجتهاد, والخروج من التّقليد, فذلك إنّما كان بعد طلبهم العلم وطول المدّة, وهم قبل ذلك وفي خلال ذلك معترفون باتباع
стр. 405
أقواله, وبعد ذلك لم يستنكفوا من الانتساب إلى اسمه والمتابعة في المعارف لرسمه, وفي كلام علاّمتهم الزّمخشريّ: ((وتّد الله الأرض بالأعلام المنيفة, كما وطّد الحنيفيّة بعلوم أبي حنيفة. الأئمة الجلّة الحنفية, أزمّة الملّة الحنيفيّة, الجود والحلم حاتميّ وأحنفيّ, والدّين والعلم حنيفيّ وحنفيّ)) (١).
وقد عقد الحاكم أبو سعد (٢) فصلاً في فضل أبي حنيفة, وعلمه ذكره في كتابه ((سفينة العلوم)) (٣) , وقد أطبق أهل التّاريخ على تعظيمه, وأفرد بعضهم سيرته ﵁ في كتاب سمّاه ((شقائق النّعمان في مناقب النّعمان)) (٤): ولو كان الإمام أبو حنيفة جاهلاً ومن حلية العلم عاطلاً ما تطابقت جبال العلم من الحنفيّة على الاشتغال بمذاهبه, كالقاضي أبي يوسف, ومحمّد بن الحسن الشّيبانيّ, والطّحاويّ, وأبي (٥) الحسن الكرخيّ, وأمثالهم وأضعافهم, فعلماء الطّائفة الحنفيّة في الهند, والشّام, ومصر, واليمن, والجزيرة, والحرمين, والعراقين منذ مئة وخمسين من الهجرة إلى هذا التاريخ يزيد على ستمائة سنة, فهم ألوف لا ينحصرون, وعوالم لا يحصون
стр. 406
من أهل العلم /والفتوى, والورع والتّقوى, فكيف يجترىء هذا المعترض, ويجوّز عليهم أنّهم تطابقوا على الاستناد إلى عامّي جاهل لا يعرف أنّ الباء تجرّ ما بعدها, ولا يدري ما يخرج من رأسه من حديث رسول الله ﷺ ؟ ما هذا إلا كلام عامّي أو أعمى, يخبط من الجهل في ظلماً.
وهبك تقول هذا الصّبح ليل ... أيعمى العالمون عن الضّياء (١)
وأمّا ما قدح به على الإمام أبي حنيفة من عدم العلم باللّغة العربيّة فلا شكّ أنّ هذا كلام متحامل, متنكّب عن سبيل المحامل, فقد كان الإمام أبو حنيفة من أهل اللّسان القويمة (٢) واللّغة الفصيحة.
وليس بنحويّ يلوك لسانه ... ولكن سيلقيّ يقول فيعرب
وذلك لأنّه أدرك زمان العرب, واستقامة اللّسان, فعاصر جريراً والفرزدق, ورأى أنس بن مالك خادم رسول الله ﷺ مرّتين, وقد توفّي أنس بن مالك سنة ثلاث وتسعين من الهجرة (٣) , والظّاهر أنّ أبا حنيفة ما رآه وهو في المهد, بل رآه بعد التّمييز, يدلّ على ذلك
стр. 407
أنّ (١) أبا حنيفة كان من المعمّرين, وتأخّرت وفاته إلى سنة خمسين ومائة, وقد جاوز التسعين (٢)
من العمر, وهذا يقتضي أنّه بلغ الحلم, وأدرك بعد موت رسول الله ﷺ بقدر الثّمانين [سنة] (٣) لأنّه ﵇ توفّي بعد مضي عشر من الهجرة, وهذا يدلّ على تقدم أبي حنيفة وإدراكه زمان العرب, وهو أقدم الأئمة وأكبرهم سنّاً, فهذا مالك على تقدّمه توفّي بعده بنحو ثلاثين سنة, ولا شكّ أنّ تغيّر اللّسان في ذلك الزّمان كان يسيراً, وأنّه لم يشتغل في ذلك الزّمان بعلم اللّغة وفنّ الأدب أحد من مشاهير العلماء المتبوعين المعتمد عليهم في التّقليد, لعدم مسيس الحاجة إلى ذلك في ذلك العصر كما أشار إلى ذلك أبو السّعادات ابن الأثير في ديباجة كتابه: ((النّهاية)) (٤) , وكما لا يخفي ذلك على من له أنس بعلم التّاريخ, فلو أوجبنا قراءة علم العربيّة في ذلك الزّمان على المجتهد لم نقتصر على أبي حنيفة, ولزم أن لا
стр. 408
يصحّ احتجاج (١) علماء العربيّة بأشعار جرير والفرزدق, وهذا ما لم يقل به أحد, وإنّما اختلّ اللّسان الاختلال الكثير في حقّ بعض النّاس بعد ذلك العصر, وقد سلم من تغيّر اللّسان من لم يخالط العجم في الأمصار من خلّص العرب, وأدرك الزّمخشري كثيراً منهم ممن لزم البادية, وأكثر ما أسرع التّغيّر إلى العامّة ومن لا تمييز له, وقد قال الأمير العالم الحسين بن محمد في كتاب ((شفاء الأوام)): /إنّ الإمام يحيى بن الحسين ﵁ كان عربيّ اللّسان حجازيّ اللّغة (٢) من غير قراءة, وروى [علاّمة الشّيعة] (٣) عليّ بن عبد الله بن أبي الخير أنّه قرأ في العربيّة أربعين يوماً, وهذا وهو (٤) توفي على رأس ثلاث مائة من الهجرة.
وأمّا سنة ثمانين من الهجرة, فليس أحد من أهل التّمييز يعتقد أنّ أهل العلم في ذلك الزّمان كانوا لا يتمكّنون من معرفة معاني كلام الله ورسوله إلا بعد ((قراءة في علم العربيّة, ولو كان ذلك منهم لنقل ذلك, وعرف شيوخ التّابعين فيه, وليت شعري من كان شيخ (٥) علقمة بن قيس, وأبي مسلم الخولاني, ومسروق [بن] الأجدع, وجبير بن نفير, وكعب الأحبار, أو من كان شيوخ من بعدهم من
стр. 409
التّابعين؟ كالحسن, وأبي الشّعثاء (١) , وزين العابدين, وإبراهيم التّيميّ, والنّخعيّ, وسعيد بن جبير, وطاووس, وعطاء والشعبي ومجاهد, وأضرابهم, فما خصّ أبا حنيفة بوجوب تعلّم العربيّة, وفي أيّ المصنّفات البسيطة يقرأ في ذلك الزّمان؟.
وأمّا قوله: بأبا قبيس فالجواب عنه من وجوه:
الأوّل: أنّ هذا يحتاج إلى طرق صحيحة, والمعترض قد شدّد في نسبة الصّحاح إلى أهلها مع اشتهار سماعها, والمحافظة على ضبطها, فكيف بمثل هذا (٢)؟!.
الثّاني: أنّه (٣) إن ثبت بطرق صحيحة, فإنّه لم يشتهر, ولم يصحّ مثل شهرة صدور الفتيا, ودعوى الاجتهاد عن الإمام أبي حنيفة, وقد تواتر علمه وفضله, وأجمع عليه, وليس يقدح في المعلوم بالمظنون, بل بما لا يستحق أن يسمّى مظنوناً.
الثالث: أنّا لو قدّرنا أنّ ذلك صحّ عنه بطريق معلومة لم يقدح به لأنّه ليس بلحن بل هو لغة صحيحة, حكاها الفراء عن بعض العرب وأنشد:
إنّ أباها وأبا أباها ... قد بلغا في المجد غايتاها (٤)
стр. 410
الرّابع: سلّمنا أنّ هذا لحن لا وجه له, فإنّه لا يدلّ على عدم المعرفة, فإنّ كثيراً من علماء العربيّة يتكلّم بلسان العامّة ويتعمّد النّطق باللّحن, بل قد يتكلّم العربي بالعجميّة ولا يقدح ذلك في عربيّته, وعلى الجملة؛ فكيف ما دارت المسألة فإنّ ذلك لا يدلّ على قصور الإمام أبي حنيفة, بل يدلّ على غفلة المعترض به وتغفيله, وجرأته على وصم هذا الإمام الجليل وتجهيله.
وأمّا قدحه عليه بالرّواية عن المضعّفين, وقوله: إنّ ذلك ليس إلا لقلّة معرفته بالحديث؛ فهو وهم فاحش, لا يتكلّم به منصف.
والجواب على ذلك يتبيّن بذكر محامل:
المحمل الأول: أنّه قد علم من مذهب أبي حنيفة ﵀ إنّه يقبل المجهول, وإلى ذلك ذهب كثير من العلماء كما قدّمناه (١) , ولا شكّ أنّهم إنّما يقبلونه حيث لايعارضه حديث الثّقة المعلوم العدالة, لأنّ التّرجيح بزيادة الثّقة والحفظ عند التّعارض أمر مجمع عليه, ولا شكّ أنّ الغالب على حملة العلم النّبويّ في ذلك الزّمان العدالة, /ويشهد لذلك الحديث الثّابت المشهور: ((خيركم القرن الذي أنا فيهم, ثمّ الذين يلونهم ثم الذين يلونهم؛ ثم يفشو الكذب من
стр. 411
بعد)) (١) , وقد تقدّم الكلام على الحديث, وقد كان عليّ ﵁ يتّهم بعض الرّواة فيستحلفه ثمّ يقبله (٢) , وهذا إنّما يكون في حديث من فيه جهالة أو نحوها, ولذا لم يستحلف المقداد لما أخبره بحكم المذي (٣) , وقد روى الحافظ ابن كثير في ((جزء جمعه في أحاديث السباق)) (٤) عن الإمام أحمد بن حنبل أنّه كان يرى العمل بالحديث الذي فيه ضعف إذا لم يكن في الباب حديث صحيح يدفعه (٥) , وأنّه روى في المسند أحاديث كثيرة من هذا القبيل, وذلك على سبيل الاحتياط من غير جهل بضعف الحديث, ولا بمقادير الضّعف, وما يحرم معه قبول الحديث بالإجماع, وما فيه خلاف.
وقال الحافظ أبو عبد الله بن منده (٦): إنّ أبا داود يخرج الإسناد
стр. 412
الضّعيف إذا لم يجد في الباب غيره لأنّه أقوى عنده من رأي الرّجال. انتهى. وفي هذا شهادة واضحة على أنّ رواية الحديث الضّعيف لا تستلزم الجهل بالحديث, فأحمد وأبو داود من أئمة علم الأثر بلا مدافعة, وهذا الحديث الضّعيف الذي ذكروه, ليس حديث الكذّابين, ولا الفسّاق المصرّحين, فذلك عندهم لا يستحق اسم الضّعف, وإنّما يقال فيه: إنّه باطل, أو موضوع, أو ساقط, أو متروك, أو نحو ذلك, وإنّما الضّعيف حديث الرّاوي الصّدوق الذي ليس بحافظ, أو المعلول (١) بالاختلاف في رفعه وإسناده, والمضطرب (٢) اضطراباً يسيراً, أو نحو ذلك مما اختلف العلماء في التّعليل للحديث به, أو الجرح للرّاوي به, ولا تظهر قوّة في دليل ردّة, ولا دليل قبوله, وأكثر التّضعيف إنّما يكون من جهة الحفظ, وعند الأصوليين: أنّه لا يقدح به حتى يكون الخطأ راجحاً على الصّواب, أو مساوياً له, وفي المساوي خلاف عندهم, وقد تقدّم ذكر هذه المسألة, وهي مقرّرة في كتب ((علوم الحديث)) وكتب ((الأصول)) , فعلى هذا الوجه تكون رواية الإمام أبي حنيفة عن بعض الضّعفاء مذهباً واختياراً, لا جهلاً واغتراراً.
المحمل الثّاني: أن يكون ضعف أولئك الرّواة الذين روى عنهم مختلفاً فيه, ويكون مذهبه وجوب قبول حديثهم, وعدم الاعتداد بذلك التّضعيف؛ إمّا لكونه غير مفسر لسبب, أو لأجل مذهب, أو غير ذلك, وقد جرى ذلك لغير واحد من العلماء والحفّاظ, بل لم
стр. 413
يسلم من ذلك صاحباً ((الصّحيح)) كما قدّمنا ذلك, وكذلك أئمة العلم.
هذا الإمام الشّافعيّ ﵁ أكثر من الرّواية عن إبراهيم بن أبي يحيى الأسلمي, ووثّقه, وقد خالفه الأكثرون في ذلك. وقال ابن عبد البرّ في ((تمهيده)) (١): أجمعوا على تجريح ابن أبي يحيى, إلاّ الشّافعيّ.
قلت: أمّا الإجماع على تجريحه فليس بمسلّم, فقد وافق الشّافعيّ على توثيقه أربعة من كبار الحفّاظ (٢) وهم: ابن جريج, وحمدان بن محمد الأصبهاني, وابن عدي, وابن عقدة (٣) , وقال الذّهبيّ في ((التّذكرة)) (٤): ((لم يكن ابن أبي يحيى في وزن من يضع الحديث)) انتهى, ولكن تضعيفه قول الجماهير. وهو المصحّح عند أئمة الحديث من الشّافعيّة /كالنّووي, والذّهبي, وابن كثير, وابن النّحويّ وغيرهم.
стр. 414
وكذلك روى الشّافعي عن أبي خالد الزّنجي المكّيّ (١) , وهو مختلف في توثيقه, وكذلك الإمام أحمد يروي عن جماعة مختلف فيهم (٢)
كما تقدّم, وكذلك القاسم بن إبراهيم, ويحيى بن الحسين الهادي ﵃ قد رويا عن ابن أبي أويس, وهو مختلف فيه (٣) , وقد ذكر أهل علم الرّجال ذلك الاختلاف, وبيّنوا في ((علوم الحديث)) ما يقبل من الجرح والتّعديل, ومراتبهما, وكيفيّة العمل عند تعارضهما.
المحمل الثّالث: أن يكون إنّما روى عن أولئك الضّعفاء على سبيل المتابعة والاستشهاد, وقد اعتمد على غير حديثهم من عموم آية, أو حديث, أو قياس, أو استدلال.
مثل: ما صنع مالك في الرّواية عن عبد الكريم بن أبي المخارق البصريّ, قال ابن عبد البرّ في ((تمهيده)) (٤): كان مجمعاً على تجريحه,
стр. 415
ولم يرو عنه مالك إلا حديثاً واحداً معروفاً من غير طريقه وهو حديث: وضع اليمين على الشّمال في الصلاة, وقد رواه مالك في ((الموطأ)) (١) من طريق صحيحة من رواية أبي حازم التّابعيّ الجليل عن سهل بن [سعد] (٢) الصّحابيّ ﵁.
وكذلك القاسم بن إبراهيم, وحفيده يحيى بن الحسين من أئمة الزّيديّة قد أكثر من رواية أحاديث الأحكام, والاحتجاج عليها من حديث ابن أبي ضميرة (٣) وأهل الرّواية متفقون على تجريحه, والقدح في روايته (٤).
وكذلك قد روى شعبة على جلالته (٥) وتشدّده عن أبان بن أبي
стр. 416
عيّاش مع قول شعبة فيه: لأن أشرب من بول حمار حتّى أروى أحبّ إليّ من أن أقول: حدّثنا أبان بن أبي عيّاش, رواه شعيب بن جرير عنه, وروى ابن إدريس وغيره عن شعبه (١) أنّه قال: لأن يزني الرّجل خير من أن يروي عن إبان.
فإن قلت: فكيف روى عنه مع اعتقاده تحريمها؟.
قلت: إنّما أراد تحريم ذلك على من لا يعرف الحديث الباطل من غيره (٢) , وتحريم رواية العارف عن المتروكين في حضرة من لا يعرف واجب, فإنّ الثّوريّ نهى عن الرّواية عن بعض المتروكين, فقيل له: ألست تروي عنه؟ فقال إنّي أروي ما أعرف (٣).
وهذا من لطيف علم الحديث. وقد قدّمنا (٤) عن مسلم أنّه ربّما أخرج الإسناد الضّعيف لعلوّه واقتصر عليه, وترك إيراد الإسناد الصّحيح لنزوله, ومعرفة أهل الشّأن له, روى ذلك النّوويّ عن مسلم تنصيصاً كما تقدّم, وفيه دلالة على أنّ رواية العالم لحديث الرّجل الضّعيف لا تدلّ على جهله بضعفه.
وكذلك البخاريّ قد ضعّف هو بعض من روى عنه في
стр. 417
((الصّحيح)) , ذكر ذلك الذّهبيّ في ((الميزان)) (١) , وهذا يدلّ على أنّه لم يعتمد على ذلك الرّاوي الذي ضعّفه, لولا شواهد لحديثه ومتابعات.
وهذا من لطيف علم الحديث, ولذا قال الإمام النّووي (٢): ((إن من صحّح حديثاً على شرط مسلم لكون راويه من رواة صحيح مسلم؛ فقد وهم في ذلك)).
المحمل الرّابع: أن تكون رواية الإمام أبي حنيفة من قبيل تدوين ما بلغه من الحديث صحيحه وضعيفه, كما هو عادة كثير من مصنّفي الحفّاظ أهل السّنن والمسانيد, وغرضهم بذلك حفظ الحديث للأمّة لينظر في توابعه وشواهده, فإن صحّ منه شيء عمل به وإن بطل شيء حذّر من العمل به, وإن احتمل شيء الخلاف كان للنّاظر من العلماء أن يعمل فيه باجتهاده.
وفي الرّواية المشهورة عن البخاريّ أنّه كان حفظ ثلاث مئة ألف حديث, منها: مئتا ألف غير صحاح (٣).
وقال إسحاق بن راهويه (٤): أحفظ مكان مئة ألف حديث كأنّي أنظر إليها, وأحفظ سبعين ألف حديث صحيحة عن ظهر قلبي, وأحفظ أربعة آلاف حديث مزوّرة. فقيل له في ذلك؟ فقال: لأجل إذا مرّ بي منها حديث في الأحاديث الصّحيحة فليته فلياً.
стр. 418
المحمل الخامس: أن يكون كثير من الأحاديث المنسوبة إلى الإمام أبي حنيفة ضعيفة من قبيل ما روى عنه, لا من جهته, ولا من جهة شيوخه ومن فوقهم, كما في كثير من الأحاديث المنسوبة إلى جعفر الصّادق, وكثير من الثّقات.
فقد روى الذّهبي في ((الميزان)) (١) عن الحافظ ابن حبّان (٢): أنّ أبّا (٣) بن جعفر وضع على أبي حنيفة أكثر من ثلاث مائة حديث, ما حدّث بها أبو حنيفة قطّ, رواه الذّهبي في ترجمة أبّا بن جعفر.
إذا عرفت هذا؛ فاعلم أنّ الإمام أبا حنيفة ﵁ طلب العلم بعد أن أسنّ. وقد كان الحافظ المشهور بالعناية في هذا الشأن إذا كبر وأسنّ [تناقص] (٤) حفظه, فلهذا لم يكن في الحفظ في أرفع المراتب, وكذلك غيره من الأئمة, فقد كان الإمام أحمد بن حنبل أوسع الأئمة الأربعة معرفة بالحديث وحفظاً له, ولم يكن ذلك عيباً فيهم ولا قدحاً في اجتهادهم, وقد كان حديث ابن المسيّب, ومحمّد بن سيرين, وإبرهيم النّخعي: أصحّ وأقوى من حديث عطاء,
стр. 419
والحسن البصريّ, وأبي قلابة, وأبي العالية. وكان ابن المسيّب أصح الجماعة حديثاً من غير قدح في علم من هو دونه.
ولهذا السبب تكلّم بعض (١) الحفّاظ في حديث الإمام الأعظم أبي حنيفة ﵁؛ فظنّ بعض الجهّال أنّ ذلك يقتضي القدح في اجتهاده, وإمامته, وليس كذلك, فغاية ما في الباب أنّ غيره أحفظ منه، وذلك لا يستلزم أنّ غيره أفضل منه, ولا أعلم منه على الإطلاق, فقد كان أبو هريرة ﵁ أحفظ الصحابة ﵃, ولم يكن أعلمهم, ولا أفقههم, ولا أفضلهم, وقد كان معاذ أفقههم, وزيد أفرضهم, وعليّ أقضاهم, وأبيّ أقرأهم, والخلفاء أفضلهم.
وبعد؛ فالمناقب مواهب يهب الله منها ما يشاء لمن يشاء, وقد أشار الذّهبي إلى الاعتذار عن ذكر الإمام أبي حنيفة وأمثاله, وإلى أنّه لا قدح عليه بما ذكر فيه من الاختلاف, فقال في خطبة ((الميزان)) (٢): ((وكذا لا أذكر من الأئمة /المتبوعين في الفروع أحداً لجلالتهم في الإسلام, وعظمتهم في النّفوس, فإن ذكرت أحداً منهم فأذكره على الإنصاف, وما يضرّه ذلك عند الله, ولا عند النّاس, إنّما يضر الإنسان الكذب, والإصرار على كثرة الخطأ, والتّجرّي على تدليس الباطل, فإنّه خيانة وجناية, فالمرء المسلم يطبع على كلّ شيء إلا الخيانة والكذب)). انتهى كلامه.
стр. 420
فانظر كيف تأدّب أبو عبد الله الذّهبي, وذكر جلالة الأئمة المتبوعين في الإسلام, ونصّ على أنّ ذكرهم في كتب الجرح والتعديل لا يضرهم عند الله, ولا عند النّاس. وهكذا فليكن ذكر العالم لمن هو أعلم منه؛ بأدب, وتواضع, وتعظيم, وتوقير, جعلنا الله ممن عرف قدر الأئمة, وعصمنا من مخالفة إجماع الأمّة (١).
وبهذه الجملة تمّ كشف عوار هاتين الشّبهتين الضّعيفتين في علم إمام أكثر أهل الإسلام, الذي أجمع على إمامته العلماء الأعلام. وقد أحببت التّقرّب إلى الله تعالى, والتّشرّف بخدمة مناقبه العزيزة, والذّبّ عن معارفه الغزيرة, بذكر هذه الأحرف الحقيرة اليسيرة, ولم أقصد التّعريف بمجهول (٢) من فضائله, ولا الرّفع لمخفوض من مناقبه, فهو من ذلك أرفع مكاناً, وأجلّ شأناّ.
والشمس في صادع أنوارها ... غنيّة عن صفة الواصف
الوهم الثاني عشر: وهم المعترض المسكين أنّ طائفة المعتزلة بالذّكاء مخصوصة, وأجنحة أهل الأثر عن النّهوض لهذه الفضيلة مقصوصة, وصرّح بوصم الإمام مالك بن أنس ﵁ بالبله, وكذلك أهل الحديث, قال: ((إنّما قالوا بذلك لقلّة ممارستهم بالعلوم, واقتصارهم على فنّ الحديث. وكلامه هذا ذكره في رسالته
стр. 421
الثّانية (١) التي أجاب بها على القصيدة التي أوّلها:
ظلّت عواذله تروح وتغتدي ... وتعيد تعنيف المحبّ وتبتدي
وهذه قصيدة أنشأتها في الحثّ على اتّباع السّنّة النّبويّة, زادنا الله شرفاً بالحثّ عليها, [والدّعاء إليها] (٢) , وقد أحببت تكميل تشرّفي في الذّبّ عن أئمة الإسلام الأربعة, وسائر أئمة السّنّة في موضع واحد فأقول: كلام المعترض في هذا الموضع من جملة فضلات الكلام, ونزوات الأقلام, التي ليس تحتها أثارة من علم فتعرف, ولا فيها شبهة قادحة فتكشف. ولكن ينبغي تأديبه عليها بذكر تقريعات:
الأوّل: أنّ أهل السنة والبدعة, والخلف والسّلف, والمتكلمين والأصوليين, والنّحاة واللّغويين, وأهل كتب المقالات في الملل والنّحل, كلّهم استمرّت عادتهم على نسبة الأقوال إلى من قالها, وحكاية المذاهب عن أهلها؛ من غير زيادة سخرية, ولا غمص/, ولا أذى ولا استهانة, تنزيهاً لألسنتهم عن خبث السّفه, ولمصنّفاتهم عمّا يدلّ على قلّة التمييز والمناصفة, فترى المتكلّمين, وأهل المقالات ينسبون البدع إلى أهلها [كذلك] (٣) , بل يحكون مذاهب الخارجين عن الإسلام؛ فيقولون: ذهب الثّنوية إلى كذا, وذهب النّصارى إلى كذا, علماً من المحصّلين أنّه لا حاصل تحت السّفه,
стр. 422
وأنّه مقدور لاخسّ السوقة. وإنّما يوجد شيء من ذلك في كلام بعض العلماء عند الانتصاف من المعتدين, والانتصار لأئمة أهل الدين, قال الله تعالى: ((لا يُحِبُّ اللهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ إلاَّ مَن ظُلِمَ)) [النساء/١٤٨].
الثاني: أنّك علّلت بللهم, وجمود فطنتهم بقلّة ممارستهم للعلوم, وعنيت بهذه العلوم: علوم الجدل, والخوض في دقيق النّظر, لأنّه لا يُفهم إلا ذلك, والتّعليل بهذه العلّة هفوة كبيرة, لأنّ هذه العلّة قد شاركهم فيها خيرة الله من خلقه من الأنبياء المرسلين, والأولياء والمقرّبين, والصّحابة والتّابعين, وسائر الصّالحين, فإن كان هذا المعترض يجعل هذه العلّة مؤثّرة صحيحة, ويستلزم ما أدّت إليه من الإزراء على كلّ من ترك الخوض في علم الكلام, والممارسة لأساليب المتحذلقين من أهل الجدل فقد تعرّض للهلاك, وارتبك في البلادة أي ارتباك.
وقد اغترّ بهذه الشّبهة بعينها؛ الحسين بن القاسم بن عليّ العياني (١) , أحد من ادّعى الإمامة من الزّيديّة, فخرج من مذهب الزّيديّة بل من المذاهب الإسلامية, وادّعى أنّه أفضل من رسول الله ﷺ , وإنّ كلامه أنفع من كلام الله (٢)!!
وتابعه على ذلك طائفة
стр. 423
مخذولة من الزّيديّة, وقد انقرضت بعد الانتشار, وخملت بعد الاشتهار, وهذه العلّة العليلة كانت سبب اغتراره من نفسه؛ فإنّه كان يناظر أهل العلم بها, ويقول في مناظرته:
قد ثبت أنّ الأعلم أفضل, وأن علم الكلام أفضل العلوم. ثمّ يقول لمن يوافقه من الزّيديّة والمعتزلة على هاتين المقدّمتين:
إنّه يلزم منهما أنّه أفضل من رسول الله ﷺ ؛ لأنّه يقطع أنّه أعلم منه بعلم الكلام, وانّ مصنّفاته قد اشتملت على (١) الرّدّ على الفلاسفة, وسائر أهل الملل والنّحل على ما ليس في كتاب الله ما يقوم مقامه, فتصانيفه أنفع للمسلمين من القرآن العظيم!!
فإن كان المعترض قد اختار هذا المذهب, وأراد أن يحيي منه ما مات, ويستدرك على صاحبه من الكفر ما فات؛ فليس بمستنكر له بعد ذلك أن يستهزيء بأهل الحديث, ويسخر من علماء الأثر, وإن كان يأبي منه إباء المسلمين, ويأنف منه أنفة المؤمنين؛ فقد تبيّن له أنّ من كان له أسوة -في ترك علوم الأوائل وتحذلق الجدليّين- بالأنبياء والمرسلين, والصحابة والتّابعين, وسائر الصّالحين, فهو حريّ بالتّبجيل والتّعظيم, والتّوقير والتّكريم.
فياسيّال الذّهن, ووقّاد القريحة, من الأبله الآن!؟ أمن علّل بهذا التّعليل العليل, وقال: إنّ معرفته بالله/ مثل معرفة جبريل, بل
стр. 424
قال: إنّ الله لا يعرف من ذاته أكثر منه بكثير ولا قليل, أم من آمن بالله (١) وكتبه ورسله وتأدّب بآداب التّنزيل, واقتدى بسيّد المرسلين في ترك التّعمق في الدّين والمماراة للجاهلين؟.
الثّالث: البله وجمود الفطنة من أفعال الله تعالى التي أجرى العادة أن لا يخلى عنها الطّائفة العظيمة الذين لا يحصرهم عدد, ولا يجمعهم نسب ولا بلد, وهو كالطّول والقصر, والسّواد والبياض, وحسن الصوت (٢) , وجمال الخلق, فالقول بذلك عليهم من قبيل التّجرّي على البهت الذي هو عادة البطّالين.
وكلّ منصف يعلم أنّ في كلّ طائفة عظيمة -لا يجمعهم إقليم ولا نسب ولا طبيعة- فطناء وبلداء, وكرام وبخلاء, وشجعان وجبناء, وقد خاطب الله عبّاد الحجارة الذين لم تكن عندهم من العلم أثارة بمثل قوله تعالى: (وَأَنْتُمْ تعقلون) (٣) , ((وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ)) [البقرة٢٢].
الرّابع: أنّ رسالة المعترض منادية عليه نداء (٤) صريحاً بجمود الفطنة, وكثرة البله, وكلّ إناء بالذي فيه يرشح. ولو كان من أهل المغاصات الغامضة, والأذهان السّائلة والقرائح الوقّادة؛ لظهر لذلك
стр. 425
أثر في أساليبه, ولاحت من ذلك مخايل على رسائله, فلا مخبأ بعد بوس, ولا عطر بعد عروس. فيا هذا!! ما حملك على عيب الخصوم بعيب أنت به موصوم؟!.
الخامس: أنّ الفلاسفة تدّعي من الذّكاء والفطنة مثل ما أنت مدّع, وتعتقد في المسلمين كلّهم مثل ما أنت معتقد في المحدّثين, فإنّهم يعتقدون أنّ المتكلّمين من المسلمين غير ممارسين للعلوم العقلية على ما ينبغي. ولا منصفين في متابعة (١) محض العقل, لمراعاتهم في كثير من المواضع لقواعد الإسلام, وتعصبهم لمذاهب الآباء والمشايخ, وخوف (٢) ما تقرّر في نفوسهم من الصّغر من (٣) خوف عذاب الاخرة, وعندهم أنّهم السُّبَّاق إلى تأسيس قواعد العلوم العقليّة, والقوانين المنطقيّة, وأنّهم استبدّوا باستخراج علم المنطق, وميزان البرهان, بصفاء أذهانهم في النظر في الحقائق, وشدة غوصهم على لطائف الغوامض, فكما أنّ ذلك -وإن صدقوا في بعضه- لا يدلّ على صحة ما هم عليه من الكفر, ولا يرجح ما فرحوا به من الضلال والخسر (٤) , فكذلك ما احتجّ به المعترض على اختصاصه وأصحابه بالذّكاء والفطنة, بسبب ما استعاروه من علم الأوائل, وشمّوا من رائحة الحذق في بعض المسائل, لا يوجب له صحّة دعواه, ولا يستحق به الاختصاص بالنّجاة؛ هذا إن سلّم المعترض أنّ المدقّق قد يضلّ في