← Акыда

Акыда · id 36427

الروض الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم - صلى الله عليه وسلم -

ابن الوزير

Полный текст (691 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

الثّانية (١) التي أجاب بها على القصيدة التي أوّلها: ظلّت عواذله تروح وتغتدي ... وتعيد تعنيف المحبّ وتبتدي وهذه قصيدة أنشأتها في الحثّ على اتّباع السّنّة النّبويّة, زادنا الله شرفاً بالحثّ عليها, [والدّعاء إليها] (٢) , وقد أحببت تكميل تشرّفي في الذّبّ عن أئمة الإسلام الأربعة, وسائر أئمة السّنّة في موضع واحد فأقول: كلام المعترض في هذا الموضع من جملة فضلات الكلام, ونزوات الأقلام, التي ليس تحتها أثارة من علم فتعرف, ولا فيها شبهة قادحة فتكشف. ولكن ينبغي تأديبه عليها بذكر تقريعات: الأوّل: أنّ أهل السنة والبدعة, والخلف والسّلف, والمتكلمين والأصوليين, والنّحاة واللّغويين, وأهل كتب المقالات في الملل والنّحل, كلّهم استمرّت عادتهم على نسبة الأقوال إلى من قالها, وحكاية المذاهب عن أهلها؛ من غير زيادة سخرية, ولا غمص/, ولا أذى ولا استهانة, تنزيهاً لألسنتهم عن خبث السّفه, ولمصنّفاتهم عمّا يدلّ على قلّة التمييز والمناصفة, فترى المتكلّمين, وأهل المقالات ينسبون البدع إلى أهلها [كذلك] (٣) , بل يحكون مذاهب الخارجين عن الإسلام؛ فيقولون: ذهب الثّنوية إلى كذا, وذهب النّصارى إلى كذا, علماً من المحصّلين أنّه لا حاصل تحت السّفه,

стр. 422

وأنّه مقدور لاخسّ السوقة. وإنّما يوجد شيء من ذلك في كلام بعض العلماء عند الانتصاف من المعتدين, والانتصار لأئمة أهل الدين, قال الله تعالى: ((لا يُحِبُّ اللهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ إلاَّ مَن ظُلِمَ)) [النساء/١٤٨]. الثاني: أنّك علّلت بللهم, وجمود فطنتهم بقلّة ممارستهم للعلوم, وعنيت بهذه العلوم: علوم الجدل, والخوض في دقيق النّظر, لأنّه لا يُفهم إلا ذلك, والتّعليل بهذه العلّة هفوة كبيرة, لأنّ هذه العلّة قد شاركهم فيها خيرة الله من خلقه من الأنبياء المرسلين, والأولياء والمقرّبين, والصّحابة والتّابعين, وسائر الصّالحين, فإن كان هذا المعترض يجعل هذه العلّة مؤثّرة صحيحة, ويستلزم ما أدّت إليه من الإزراء على كلّ من ترك الخوض في علم الكلام, والممارسة لأساليب المتحذلقين من أهل الجدل فقد تعرّض للهلاك, وارتبك في البلادة أي ارتباك. وقد اغترّ بهذه الشّبهة بعينها؛ الحسين بن القاسم بن عليّ العياني (١) , أحد من ادّعى الإمامة من الزّيديّة, فخرج من مذهب الزّيديّة بل من المذاهب الإسلامية, وادّعى أنّه أفضل من رسول الله ﷺ , وإنّ كلامه أنفع من كلام الله (٢)!! وتابعه على ذلك طائفة

стр. 423

مخذولة من الزّيديّة, وقد انقرضت بعد الانتشار, وخملت بعد الاشتهار, وهذه العلّة العليلة كانت سبب اغتراره من نفسه؛ فإنّه كان يناظر أهل العلم بها, ويقول في مناظرته: قد ثبت أنّ الأعلم أفضل, وأن علم الكلام أفضل العلوم. ثمّ يقول لمن يوافقه من الزّيديّة والمعتزلة على هاتين المقدّمتين: إنّه يلزم منهما أنّه أفضل من رسول الله ﷺ ؛ لأنّه يقطع أنّه أعلم منه بعلم الكلام, وانّ مصنّفاته قد اشتملت على (١) الرّدّ على الفلاسفة, وسائر أهل الملل والنّحل على ما ليس في كتاب الله ما يقوم مقامه, فتصانيفه أنفع للمسلمين من القرآن العظيم!! فإن كان المعترض قد اختار هذا المذهب, وأراد أن يحيي منه ما مات, ويستدرك على صاحبه من الكفر ما فات؛ فليس بمستنكر له بعد ذلك أن يستهزيء بأهل الحديث, ويسخر من علماء الأثر, وإن كان يأبي منه إباء المسلمين, ويأنف منه أنفة المؤمنين؛ فقد تبيّن له أنّ من كان له أسوة -في ترك علوم الأوائل وتحذلق الجدليّين- بالأنبياء والمرسلين, والصحابة والتّابعين, وسائر الصّالحين, فهو حريّ بالتّبجيل والتّعظيم, والتّوقير والتّكريم. فياسيّال الذّهن, ووقّاد القريحة, من الأبله الآن!؟ أمن علّل بهذا التّعليل العليل, وقال: إنّ معرفته بالله/ مثل معرفة جبريل, بل

стр. 424

قال: إنّ الله لا يعرف من ذاته أكثر منه بكثير ولا قليل, أم من آمن بالله (١) وكتبه ورسله وتأدّب بآداب التّنزيل, واقتدى بسيّد المرسلين في ترك التّعمق في الدّين والمماراة للجاهلين؟. الثّالث: البله وجمود الفطنة من أفعال الله تعالى التي أجرى العادة أن لا يخلى عنها الطّائفة العظيمة الذين لا يحصرهم عدد, ولا يجمعهم نسب ولا بلد, وهو كالطّول والقصر, والسّواد والبياض, وحسن الصوت (٢) , وجمال الخلق, فالقول بذلك عليهم من قبيل التّجرّي على البهت الذي هو عادة البطّالين. وكلّ منصف يعلم أنّ في كلّ طائفة عظيمة -لا يجمعهم إقليم ولا نسب ولا طبيعة- فطناء وبلداء, وكرام وبخلاء, وشجعان وجبناء, وقد خاطب الله عبّاد الحجارة الذين لم تكن عندهم من العلم أثارة بمثل قوله تعالى: (وَأَنْتُمْ تعقلون) (٣) , ((وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ)) [البقرة٢٢]. الرّابع: أنّ رسالة المعترض منادية عليه نداء (٤) صريحاً بجمود الفطنة, وكثرة البله, وكلّ إناء بالذي فيه يرشح. ولو كان من أهل المغاصات الغامضة, والأذهان السّائلة والقرائح الوقّادة؛ لظهر لذلك

стр. 425

أثر في أساليبه, ولاحت من ذلك مخايل على رسائله, فلا مخبأ بعد بوس, ولا عطر بعد عروس. فيا هذا!! ما حملك على عيب الخصوم بعيب أنت به موصوم؟!. الخامس: أنّ الفلاسفة تدّعي من الذّكاء والفطنة مثل ما أنت مدّع, وتعتقد في المسلمين كلّهم مثل ما أنت معتقد في المحدّثين, فإنّهم يعتقدون أنّ المتكلّمين من المسلمين غير ممارسين للعلوم العقلية على ما ينبغي. ولا منصفين في متابعة (١) محض العقل, لمراعاتهم في كثير من المواضع لقواعد الإسلام, وتعصبهم لمذاهب الآباء والمشايخ, وخوف (٢) ما تقرّر في نفوسهم من الصّغر من (٣) خوف عذاب الاخرة, وعندهم أنّهم السُّبَّاق إلى تأسيس قواعد العلوم العقليّة, والقوانين المنطقيّة, وأنّهم استبدّوا باستخراج علم المنطق, وميزان البرهان, بصفاء أذهانهم في النظر في الحقائق, وشدة غوصهم على لطائف الغوامض, فكما أنّ ذلك -وإن صدقوا في بعضه- لا يدلّ على صحة ما هم عليه من الكفر, ولا يرجح ما فرحوا به من الضلال والخسر (٤) , فكذلك ما احتجّ به المعترض على اختصاصه وأصحابه بالذّكاء والفطنة, بسبب ما استعاروه من علم الأوائل, وشمّوا من رائحة الحذق في بعض المسائل, لا يوجب له صحّة دعواه, ولا يستحق به الاختصاص بالنّجاة؛ هذا إن سلّم المعترض أنّ المدقّق قد يضلّ في

стр. 426

تدقيقه ويزلّ عن تحقيقه, وأمّا إن لم يسلّم ذلك فليتخذهم أئمة, وينسلخ عمّا عليه الأمّة, وفي هذا أكبر دليل على فساد ما توهّمه المعترض من تعليل صفاء الأذهان, /والرّجوع في صحّة الإيمان إلى ممارسة تواليف اليونان في علم البرهان, فقد ضلّ سقراط المعلّم الأوّل, واهتدى من الأعراب كثير, وما مارس أحد منهم تلك العلوم ولا تأوّل. فيا هذا! من أكثر ممارسة للعلوم العقليّة, وأهدى إلى العقائد الإسلامية: أمّ الدرداء, وأمّ سُليم, وخديجة بنت خويلد, أمْ أرسطاطاليس, وأفلاطون, وابن سينا؟ وانظر بعد هذا في ميزانك الذي وزنت به أهل العلم والذّكاء, وأهل الجمود والبله, هل تجده مع مراعاة الإسلام عادلاً, أو تراه إلى تعظيم الفلاسفة مائلاً؟. السّادس: كان المسلمون أمّة واحدة في عهد رسول الله ﷺ وأيّام الخلفاء الرّاشدين ﵃, ليس بينهم خلاف في أمر العقيدة, وعلم من النبي ﷺ , ومن الخلفاء الرّاشدين والسّلف الصّالحين أن الذي كان عليه المسلمون في أعصارهم هو: سبيل الهدى ومنهج الحقّ وطريق السّلامة, حتّى مارستم هذه العلوم, وتركتم الجمود, وسالت أذهانكم بالحقائق, وغصتم على هذه الدّقائق, وضلّت اثنتان وسبعون فرقة من ثلاث وسبعين, ولم يبق من الأمّة على الحقّ بتركه (١) هذه الممارسة عُشْرها, ولا نصف عشرها!!.

стр. 427

والمعتزلة تدّعي أنّها الفرقة النّاجية: دعوى ممزوجة بعجب كثير, واستحقار لكلّ من خالفهم من صغير وكبير! وهم مع ذلك مختلفون غاية الاختلاف, مفترقون عشر فرق في مسائل عقلية قطعية, لا يمكن عندهم فيها تصويب الجميع ولا رفع الإثم عن المخطىء, ولا القطع بانتفاء الفسق بإجماعهم!! ومنهم من يجيز في ذلك الاختلاف الواقع بينهم أن يكون فسقاً فلا خلاف بينهم فيه (١) , ومنهم من يصرّح بتكفير مخالفه, وبين أصحاب أبي الحسين, وأصحاب أبي هاشم في ذلك ما ليس بين فرق أهل الضلال أكثر منه, من قدح كلّ في علم الآخر, والقطع ببطلان ما هو عليه, وهذا الاضطراب العظيم, والخلاف الشّديد بين المعجبين بدعوى الاختصاص بعلم الحق, والاعتصام بالميزان العدل الذي يرفع الخلاف, ويظهر معه ما خفي من الحقّ, وكلّ هذا حصل بسبب (٢) ممارسة العلوم التي عبتم على المحدّثين الغفلة عنها, فلا عدمكم المسلمون, زيدوا في هذه الممارسة فما يحصل منها غداً إلا (٣) ما حصل منها أمس: تباغض وافتراق, وجدال وشقاق, وتكفير وتفسيق, وهوى من الضّلال إلى مكان سحيق. فإنْ كان المحدّثون ما استحقوا منك السّخرية والإستهانة إلا

стр. 428

لعدم دخولهم معكم في هذه الممارسة؛ فالأمر [في ذلك] (١) مجبور, ولهم أسوة يعزّون بها أنفسهم فيمن فاتته هذه الممارسة من الأنبياء والمرسلين, والصّحابة والتّابعين, والأولياء والصّالحين. السّابع: أخبرنا ما هذه العقائد التي اختصصتم باعتقادها؟ (٤وتميزتم على المحدثين (٢) , وعيّرتم على المخلّين بمعرفتها, ولم تكن معرفتها إلا بممارسة العلوم التي لم يمارسها الصّحابة والسّلف الصّالح, فإنّا رأينا الأمّة قد أجمعت على صحّة عقائد الصّحابة قبل هذه الممارسة, فَمُنّ علينا بالتّعريف بما استفدتموه بذلك. فإن قلت: إنّ هذه العقائد هي اعتقاد وجود الله , وأنّه عالم قادر, موصوف بجميع صفات الكمال /غير ممثّل بمثال, فقد أمكن الصّدر الأوّل معرفة هذا وأمثاله من الحقّ من غير ممارسة لعلومكم, ولم يصمهم أحد بالبله وجمود الفطنة ممن هو أذكى منك قلباً, وأرجح لبّاً, وأصلب ديناً, وأتمّ يقيناً. وإن كانت العقائد التي لا تدرك إلا بالممارسة هي قول شيوخكم: إنّ الله لا يعلم من نفسه إلا ما يعلمونه, وقولهم: إنّ الله لا يقدر على هداية أحد من المذنبين, وقولهم: إنّ الله لم يخلق شيئاً على الحقيقة قطّ, لأنّ الأشياء ثابتة فيما لم يزل, وتذويت الذّات محال, وإنّما الذي هو فعل الله اكتساب (٣)

стр. 429

الذّوات الثّابتة في القدم صفة الوجود, وليس لله تعالى عندهم فعل إلا صفة الوجود, لكن صفة الوجود عندهم وسائر الصفات ليست بشيء, فحصل من هذا أنّ الله تعالى لم يخلق شيئاً قطّ, وإنّما يقال: إنه خالق كلّ شيء مجازاً. وقولهم: إنّ الله تعالى غير قادر على إعدام الألوان كلّها وكذلك الطّعوم فلا يقدر على قلب الأسود أغبر لأنّه إنّما يزيل الصّفة بواسطة طروء ضدّها عليه, وأنّ الله تعالى يريد بإرادة محدثة موجودة على حدّ (١) وجود عرض مستقل بنفسه غير حالّ في ذاته تعالى, ولا في غيره ولا داخل في العالم ولا خارج عنه, وأنّ أوّل الواجبات النّظر في الله, وأنّ النّظر فيه لا يتمّ إلا بالشّكّ فيه فوجب الشّكّ في الله تعالى, بل كان أوّل الواجبات, لأنّ ما لا يتمّ الواجب إلا به يجب كوجوبه, بحيث يحصل الثّواب على الشّكّ في الله والعقاب على تركه, ويستمرّ وجوب الشّكّ في مهلة النّظر, ويقبح فيها تعظيم الله تعالى لأنّه عندهم في تلك الحال لا يؤمن أن لا يستحق التّعظيم, فتحرم فيها لذلك الصلوات, وسائر العبادات, تحلّ جميع المحرّمات الشّرعيّات (٢) , ويجب فيها استحلال جميع الحرام, وترك جميع الواجب. وقولهم: إنّ جميع الواجبات وجبت لأنفسها, وجميع المحرّمات كذلك من غير إيجاب موجب, ولا تحريم محرّم, وأنّ الله تعالى غير مختار في التّحليل والتّحريم, وإنّما هو حاكٍ فقط, فالله تعالى عندهم -في ذلك-, والرّسول والمفتي سواء.

стр. 430

وقولهم: إنّ الله تعالى يقبح منه أن يتفضّل على أحد من خلقه بغفران ذنب واحد, وأنّه لا يغفر إلا ما وجب عليه غفرانه وجوباً يقبح خلافه, حتّى لو زادت سيّئات المسلم مثقال حبّة من خردل قبح من الله تعالى مسامحته في ذلك, ووجب على الله تعالى تخليده في النّيران كتخليد فرعون وهامان وعبدة الصّلبان, وأنّه لو فعل لاتّصف بصفة الكاذبين, واستلزم ذلك بطلان هذا الدين, وأنّ من جوّز عليه ذلك فإنّه عند كثير منهم قد صار من المرجئة, وخرج من الفرقة النّاجية, وأنّ من لم يعرف الله تعالى بأحد الأدلّة التي حرّروها فهو جاهل بالله كافر, وهذا يستلزم تكفير السّواد الأعظم /من المسلمين الأوّلين والآخرين, والأنصار والمهاجرين. وقول شيوخكم البغداديّة: إنّ الله تعالى ليس بسميع, ولا بصير, ولا مريد حقيقة, وإنّما ذلك مجاز, معناه وحقيقته (١): أنّه عالم, وأنّ التقليد في الفروع حرام على العامّة من النّساء والعبيد والإماء وأهل الغباوة, وأنّ الاجتهاد في الحوادث ومعرفة أدلتها واجب عليهم مع ترخيص إمام البغداديّة أبي القاسم البَلخِي (٢) في التّقليد في معرفة الله تعالى, فهذا عجيب من ممارسيّ علوم النّظر الدّقيقة أن يجيزوا التّقليد في أصل الدّين ويحرّموه في فرعه! والأصل

стр. 431

أقوى من الفرع بالإجماع من العقلاء!. وقولهم: إنّ تفضّل الله على عباده بالعفو قبيح عقلاً وشرعاً, إلا أن يجب عليه وجوباً يقبح معه تركه, وسواء كان العفو قبل الوعيد أو بعده, وهذا هو الفرق بين مذاهب البغداديّة والبهاشمة, فإنّ البهاشمة لا يقبّحون العفو قبل الوعيد عقلاً, وقول البغداديّة: إنّه يقبح عقلاً وشرعاً العمل بجميع أخبار الثّقاب من الصّحابة والتّابعين, وأئمة المسلمين, وأنّ العمل بالقياس حرام, وبجميع الأدلّة الظّنيّة. ومن العجب استحقارهم الظّاهرية وتعظيمهم البغداديّة, والظّاهرية إنّما أنكرت القياس فقط, والبغداديّة أنكرت القياس والأخبار معاً, فهذه العقائد يذهبون إليها ويناظرون عليها, وليست من قبيل الإلزام, فإن كانت هذه العقائد وأمثالها من الأباطيل هي التي اختصصتم بها على المحدّثين, وتميّزتم بمعرفتها (١) على كثير من بله المسلمين, فلعمري إنّه لم يصر إلى هذه العقائد أحد من المسلمين إلا بعد ممارسة علومكم هذه التي سيّلت أذهانكم إلى هذا الحدّ, وخلصتم به (٢) من عار جمود المحدّثين والسّلف الصّالحين من الصّحابة والتّابعين. فإن قلت: إنّ أهل الحديث فرق كثيرة ويوجد لهم مثل ما يوجد للمتكلمين من الأقوال النّكيرة. فالجواب من وجوه: الأول: أنّ تلك الفرق المبتدعة ممن ينسب إلى السّنة فرق شاذّة

стр. 432

منكرة, قد ردّ عليهم أئمة السّنّة, ونصّوا على ضلالهم, كالمرجئة والنّواصب والحشويّة والكرّامية والمشبهة والجبرية, إنّما كلامنا فيما عليه الجمهور, وما هو المصحّح المنصور عند المعتزلة وأهل السّنة, ولم نذكر الفرق الشّاذّة من المعتزلة والشّيعة, ولو تعرّضنا لذكر ذلك لذكرنا فضائح وقبائح تتنزه عنها المعتزلة والزّيديّة ويضلّلون من قال بها, مثل قول الحسينيه من الزّيديّة: إنّ الحسين بن القاسم أفضل من رسول الله ﷺ , وقول الإمامية: إنّ شرط الإمام أن يكون يعلم الغيب, وقول بعض البغدادية من المعتزلة -وهم المطرفية- باستقلال الطبائع بالتّأثير في العالم بعد خلق الله تعالى لها /ونُسِب هذا إلى البغدادية من المعتزلة, وقول بعض المعتزلة: إنّ الله تعالى غير قادر على المقدورات القبيحة عقلاً, وأنّ الأطفال والبهائم لا تدرك شيئاً من الآلام, لأنّ إيلامها قبيح, والله تعالى لا يفعله فأنكر الضّرورة, فهذه المذاهب الشّاذّة لا يشنّع بها على المعتزلة, وكذلك المذاهب الشّاذّة لا يشنّع بها على أهل الحديث. الثّاني: أنّ ذلك إنّما وقع من (١) بعض أهل الحديث من فيض علومكم هذه التي اقترحتم ممارستها (٢) وتميّزتم عليهم بمعرفتها, ومن بقي منهم على ما كان عليه السّلف الصّالح سلم من جميع ما حدث من التّعمّق في الأنظار, والتّكلّف لاختراع ما لم يكن من العقائد.

стр. 433

وبالجملة؛ فمن أحدث عقيدة لم تكن مشهورة وقت رسول الله ﷺ ودعا النّاس إليها, وحملهم عليها, مع سكوت رسول الله ﷺ عنها, وعدم تعرّضه لها؛ فليس بسنّي العقيدة, ولا سالك عند أهل الحديث الطّريق الحميدة. الثّالث: أنّ كلامنا إنّما هو من (١) فوائد ممارسة العلوم العقليّة النّظريّة التي لم يعرفها السّلف, والمحدّث إذا ابتدع ما لم يكن في زمن الصّحابة فلم يؤت من الجمود وإنّما أتي من سيلان الذّهن, وممارسة هذه العلوم, فَبَانَ لك -أيّها المعترض بهذا- وَبَالَ هذه الفيهقة التي توهّمتها لك, لا (٢) عليك. الثّامن: [ من التقريعات] (٣) أنّ المحدّثين هم أهل العناية التّامّة بحديث رسول الله ﷺ من أيّ فرقة كانوا؛ كالنّحاة, والمتكلّمين, وهذه الصّفة شريفة, فقول المعترض: إنّ الجمود وترك التّأويل مذهب بله (٤) المحدثين, تعليق للسّخرية والتنقّص (٥) بأهل صفة شريفة, وهذا دليل على أنّك متصف بما رميتهم به من البله, لأنّ التعليق للذّمّ على الأوصاف الحميدة تغفيل (٦) , فلا يقول الفطناء متى أرادوا الذّمّ والانتقاص لأحد: إنّه من بُلْه المؤمنين والصّالحين ونحو ذلك.

стр. 434

التّاسع: أنّ لأهل كلّ فنّ من الفنون الإسلامية منّة على كلّ مسلم توجب توقير أهل ذلك الفنّ, وشكرهم والدّعاء لهم, والثّناء عليهم, لما مهّدوا من قواعد علمهم وذلّلوا من صعوبة فنّهم, وكثّروا من فوائده وقيّدوا من شوارده, فبئس ما جزيت من أحسن إليك بارتكاب ما لا يحلّ لك, وترك ما يجب عليك. ومن آداب العلماء: أن يفتتحوا القراءة في مجالس العلم بالدّعاء لمشايخهم (١) ومعلّميهم, وأهل كلّ فنّ هم مشايخ العالم فيه, وأدلّة المتحيّر في خوافيه. العاشر: العجب من المعترض كيف يذمّهم (٢) وهو متحلّ بفرائد علومهم, وكارع في مشارع معارفهم, وتفسيره للقرآن مشحون برواياتهم, ومعرفته بالسّير والتّواريخ مستفادة /من أئمتهم. وما أقبح بالإنسان أن يكون من كفّار النّعم, وأشباه النَعَم! فإنْ كنت لا بد ساخراً منهم, ومستهزئاً [بهم] (٣)؛ فهلا استغنيت وأغنيت عنهم, وأنِفت أنَفة الأحرار (٤) عن الحاجة إليهم: أقلّوا عليهم لا أبا لأبيكم ... من الّلوم أو سدّوا المكان الذي سدّوا (٥) الحادي عشر: أنّ جميع أئمة الفنون المبرّزين فيها, المقتصرين

стр. 435

على تجويدها, قد شاركوا أهل الحديث في عدم ممارسة علم الكلام, وإن لم يشاركوهم في كراهة الخوض فيه, لكن علّة جمودهم, ورميهم بالبله في (١) عدم الممارسة؛ والممارسة للفنّ لا تحصل بعد كراهته, فأخبرنا هل مارس علم الكلام جميع أئمة الفقه؟ كمالك والشّافعيّ وأبي حنيفة, وأئمة العربيّة كالخليل وسيبويه, وأئمة اللّغة والقراءات والتّفسير, وسائر أئمة الفنون الإسلامية؟. فإن قلت: كلّ أهل الفنون قد مارس علم الكلام, كانت مباهتة! وإن قلت: بعضهم قد مارس فكذلك بعض المحدّثين (٢) قد مارس علم الكلام, ولم ينفعهم ذلك عندك من جمود الفطنة, وداء البله, فلزم ذلك كلّ من شاركهم في هذا من أئمة العلوم الإسلامية, وما أقبح ما يجرّ إليه هذا الكلام من الكبر الفاحش!! فإن الكبر غمص النّاس, كما ورد في ((الصحيح)) (٣) وهذا غمص أئمة النّاس, ووجوه الخواصّ!. الثّاني عشر: تصريك بوصم شيخ الإسلام, وإمام دار الهجرة: مالك بن أنس ﵁ بأنّه جامد الفطنة؛ دليل على أنّك أنت جامد الفطنة, الطّويل البِطنة, وأنّك لا تدري ما يخرج من رأسك, ولا ما يطيش من دماغك, كأنّك لم تعلم أنّ الأمّة أجمعت على أنّه أحد أئمة المسلمين المجتهدين, وشيخ سنّة سيّد المرسلين, وأنّها خضعت

стр. 436

بين يديه كراسي [العلماء] (١) التّابعين, وقد جاء في الأثر: ((إنّ الرّجل إذا حفظ الزّهراوين جدّ فينا)) (٢). و (٣) جاء في تعظيم العلماء والمتعلّمين ما لا يتّسع له هذا المكان من الآيات القرآنية, والأحاديث النّبويّة, ولو لم يكن من ذلك إلا ما ورد من (٤) بسط الملائكة أجنحتها لطالبه (٥)؛ لكانت كافية في رفع منار صاحبه, وتعظيم قدر مناقبه, وهذا في حقّ الطّالب المتعلّم؛ فكيف العالم المعلّم؟ فكيف يا سيّال الذّهن بشيخ الإسلام, وإمام دار هجرة المصطفى ﵇ ؟ الذي قال فيه الشّافعي: ((إذا ذكر العلماء فمالك النّجم)). وكيف لم يهتد ذهنك هذا السّيّال إلى أنّه عار عليك أن تذمّ من لا تستفيد بذمّه إلا كشف الغطاء عن حماقتك, وخلع جلباب الحياء عن وجه خلاعتك, /وما أحسن في جوابك مما قال حسّان بن ثابت ... ﵁: (٦)

стр. 437

أتهجوه ولست له بكفءٍ ... فشرّكما لخيركما الفداء الثالث عشر: أنّ أهل الحديث لم يختصّوا بترك تأويل آيات الصّفات, وأحاديث الصّفات, والإيمان بمراد الله تعالى منها (١) , والنّهي عن الخوض في الكلام, بل قد شاركهم في ذلك, وفي بعضه كثير من خواصّ علماء الكلام المشاهير بصفاء الأذهان, ولطافة الأفهام, وقد نقل النّوويّ ذلك عن جماعة من المتكلّمين, واختاره جماعة من محقّقيهم, هذا لفظ النّووي ذكره في ((شرح مسلم)) (٢) كما قدّمنا في الوهم التّاسع. (٣) وقال الحجّة أبو حامد الغزّالي في كتاب ((الإحياء)) (٤) -وقد ذكر علم الكلام ما لفظه-: ((وأمّا منفعته فقد يظن أنّ فائدته كشف الحقائق, ومعرفتها على ما هي عليه, وهيهات, فليس في الكلام وفاء بهذا المطلب الشريف؛ ولعلّ التّحبيط والتّضليل فيه أكبر من الكشف والتّعريف. وهذا إذا سمعته من محدّث أو حشويّ ربما خطر ببالك أنّ النّاس أعداء ما جهلوا, فاسمع هذا ممن خبر الكلام ثمّ قلاه بعد حقيقة الخبرة وبعد الوصول (٥) إلى منتهى درجة المتكلّمين, وجاوز ذلك إلى

стр. 438

التّعمّق في علوم أخر تناسب نوع الكلام, وتبيّن (١) أنّ الطريق إلى حقائق المعرفة من هذا الطريق مسدود. نعم (٢) لا ينفك الكلام عن كشف وتعريف وإيضاح لبعض الأمور, ولكن على النّدور في أمور جليّة تكاد تفهم قبل التّعمّق في صنعة الكلام)) انتهى كلام الحجّة في ((الإحياء)). وله [في] (٣) كتاب ((المنقذ من الضّلال والمفصح بالأحوال)) (٤) مثل هذا في ذمّ الكلام, والقول بأنّ أدلّته لا تفيد اليقين. وقال أيضاً في كتاب ((التّفرقة بين الإيمان والزّندقة)) (٥) وقد ذكر علم الكلام ما لفظه: ((ولو تركنا المداهنة لصرّحنا بأنّ الخوض في هذا العلم حرام)). فهذه نصوص الغزّالي الذي قيل فيه: لم تر العيون ولا بعده أذكى منه. وذكر شيخ الاعتزال أبو القاسم البلخيّ الكعبيّ [العامّة] (٦) في كتابه ((المقالات)) (٧) وأثنى على عقيدتهم, وعدّهم فرقة مستقلة وقال: هنيئاً لهم السّلامة, وذكر الإمام المؤيّد بالله -أجلّ علماء الزّيديّة, وشيوخ علم النظر-: كراهة التّعمّق في علم الكلام, ونهى عن ذلك, وحث على الاشتغال بالفقه, وطوّل الكلام

стр. 439

في ذلك, ذكره في كتاب ((الزّيادات)) (١) , وكان يحيى بن منصور الحسنيّ (٢) من علماء الكلام على مذهب الزّيديّة؛ فرجع عن ذلك وكان ينهى عنه, وله في ذلك أشعار حسنة منها قوله:/ وما الذي ألجأهم إلى الخطر ... والخوض في علم الكلام والنظر وما يقال فيه للمخطي كفر ومنها قوله من قصيدة طويلة: ويرون ذلك مذهباً مستعظماً ... عن طول أنظار وحسن تفكّر ونسوا غنى (٣) الإسلام قبل حدوثهم ... عن كلّ قولٍ حادث متأخّر ما ظنّهم بالمصطفى في تركه ... ما استنبطوه ونهيه المتقرّر أيكون في دين النّبيّ وصحبه ... نقص؟ فكيف به ولمّا يشعر أو ليس كان المصطفى بتمامه ... وبيانه أولى فلم لم يخبر ما باله حتّى السّواك أبانه ... وقواعد الإسلام لم تتقرّر إن كان ربّ العرش اكمل دينه ... فاعجب لمبطن قوله والمظهر إن كان في إجمال أحمد غنية ... فدع التّكلّف للزّيادة واقصر ما كان أحمد بعد منع كاتماً ... لهداية كلا وربّ المشعر بل كان ينكر كلّ قول حادث ... حتّى الممات فلا تشكّ وتمتر (٤)

стр. 440

وقال أيضاً (١): طلبتك جاهداً خمسين عاماً ... فلم أحصل على برد اليقين فهل بعد الممات بك اتصال ... فاعلم غامض السّرّ المصون نوى قذف وكم قد مات قبلي ... بحسرته عليك من القرون ولابن أبي الحديد المعتزلي في ذلك أشعار جيّدة ذكرها في ((شرح نهج البلاغة)): سافرت فيك العقول فما ... ربحت إلا عناء السّفر رجعت حسرى وما وقفت ... لا على عين ولا أثر (٢) وقال أيضاً من أبيات: وأسائل الملل التي اختلفت ... في الدين حتى عابدي الوثن فإذا الذي استكثرت منه هو الـ ... جاني عليّ عظائم المحن فضللت في تيه بلا علم ... وغرقت في بحر بلا سفن قال إمام الكلام والمتكلّمين فخر الدّين ابن الخطيب الرّازي في

стр. 441

وصيّته (١) ما لفظه: ((أحمد الله بالمحامد التي ذكره بها أفضل ملائكته في أشرف أوقات معارجهم (٢) , ونطق بها أعظم أنبيائه في أكمل أوقات مشاهداتهم, بل أقول ذلك من نتائج (٣) الحدوث والإمكان, فأحمده بالمحامد التي يستحقّها للاهوتيّته, واستوجبها بكمال إلاهيّته, عرفتها أو لم أعرفها, لأنّه لا مناسبة للتّراب مع جلالة ربّ الأرباب -إلى قوله- ولقد اختبرت الطّرق الكلامية, والمناهج الفلسفيّة, فما رأيت فيها فائدة تساوي الفائدة التي وجدتها في القرآن العظيم, لأنّه يسعى/ في تسليم العظمة والجلال بالكلية لله تعالى, ويمنع من التّعمّق في إيراد المعارضات والمناقضات, وما ذلك إلا للعلم بأنّ العقول البشريّة تتلاشى وتضمحل في تلك المضايق العميقة والمناهج الخفيّة)). وذكر في وصيّته هذه أنّه يدين لله تعالى بدين محمد ﷺ , [وسأل] (٤) الله تعالى أن يقبل منه هذه الجملة ولا يطالبه بالتّفصيل. ومن شعره في هذا المعنى:

стр. 442

العلم للرّحمن ﷻ ... وسواه في جهلاته يتغمغم ما للتّراب وللعلوم وإنّما ... يسعى ليعلم أنّه لايعلم [وله] (١) نهاية إقدام العقول عقال ... وأكثر سعي العالمين ضلال (٢) قال القرطبي في ((شرح مسلم)) (٣) ما لفظه: ((وقد رجع كثير من أئمة المتكلّمين عن الكلام بعد انقضاء أعمار مديدة وأمداد (٤) بعيدة, فمنهم: إمام المتكلّمين أبو المعالي, فقد حكى عنه الثّقات أنّه قال: ((لقد خلّيت أهل الإسلام وعلومهم, وركبت البحر الأعظم, وغصت في الذي نهوا عنه, كلّ ذلك رغبة في طلب الحقّ وهرباً من التّقليد, والآن قد رجعت (١عن الكل (٥) إلى كلمة الحق, عليكم بدين العجائز, وأختم عاقبة أمري عند الرّحيل بكلمة الإخلاص, والويل لابن الجويني!)). وكان يقول لأصحابه: ((يا أصحابنا لا تشتغلوا بالكلام, فلو عرفت أنّ الكلام يبلغ بي ما بلغ ما تشاغلت به)). وقال أحمد بن سنان: كان الوليد بن أبان الكرابيسي خالي, فلما حضرته الوفاة قال لبنيه: أتعلمون أحداً أعلم منّي؟ قالوا: لا.

стр. 443

قال: افتتهمونني؟ قالوا: لا. قال: فإنّي أوصيكم, أتقبلون؟ قالوا: نعم. قال: عليكم بما عليه أهل الحديث, فإنّي رأيت الحق معهم. وقال أبو الوفاء بن عقيل: لقد بالغت في الأصول طول عمري, ثمّ عدت القهقرى إلى مذهب المكتب. قال القرطبي: وهذا الشّهرستاني صاحب ((نهاية الإقدام في علم الكلام)) (١) وصف حاله فيما وصل إليه من الكلام وما ناله, فتمثّل بما قاله: لعمري لقد طفت المعاهد كلّها ... وسيّرت طرفي بين تلك المعالم فلم أر إلا واضعاً كفّ حائر ... على ذقن أو قارعاً سنّ نادم ثمّ قال: ((عليكم بدين العجائز, فإنّه أسنى الجوائز)). انتهى ما حكاه القرطبي. فانظر إلى أمر [أعلام] (٢) البرهان, وفرسان هذا الشأن, كيف رجعوا القهقرى إلى ما قاله علماء الأثر وأئمة السّنّة, فإذا عرفت هذا تبيّن لك أنّ اختيار أهل /الحديث لترك الكلام والتّأويل ليس يلازم البله وجمود الفطنة, وأنّه ربما ذهب إلى ذلك من هو ألطف منك طبعاً, وأصلب نبعاً, وأحسن فهماً, وأغرز علماً. الرّابع عشر: أنّ ذلك إنّما يلازم البله وجمود الفطنة, لو كانوا قد بذلوا جهدهم في تفهّم علم الكلام, وتعلّم أساليب أهل الجدال, فكلّ منهم الجدّ, ولم يساعدهم الجدّ, ليس كذلك الأمر, فإنّهم إنّما تركوه

стр. 444

لما ورد في القرآن من الأمر بالاقتداء برسول الله ﷺ , وذلك يقتضي الاقتداء في فعل ما كان يفعله وترك ما كان يتركه, ولما ورد في ((الصّحيح)) (١) من النّهي عن البدع, والأمر بالاقتداء بالخلفاء الرّاشدين, كما روى التّرمذي (٢) وحكم بصحّته عن النّبي ﷺ : ((عليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الرّاشدين من بعدي, عضّوا عليها بالنواجذ)) الحديث. وكذلك روى التّرمذي (٣) مرفوعاً: ((ما ضلّ قوم بعد هدى إلا أوتوا الجدال)) , وفي ((صحيح مسلم)) (٤) ((إنّ أبغض الرّجال إلى الله تعالى الألدّ (٥) الخصم)). قال [القرطبي] (٦): ((وهذا الخصم المبغوض عند الله هو الذي يقصد بمخاصمته: مدافعة الحقّ, وردّه بالأوجه الفاسدة, والشّبه الموهمة, وأشدّ ذلك الخصومة في أصول الدّين, كخصومة أكثر المتكلّمين المعرضين عن الطرّق التي أرشد إليها كتاب الله, وسنة نبيّه, وسلف أمّته, إلى طرق مبتدعة, واصطلاحات مخترعة, وقوانين جدليّة وأمور صناعيّة, مدار أكثرها على مباحث سوفسطائية ومناقشات

стр. 445

لفظية, يرد بسببها على الآخذ فيها شبه ربما يعجز عنها, وشكوك يذهب الإيمان معها, وأحسنهم انفصالاً عنها أجدلهم لا أعلمهم, فكم من عالم بفساد الشّبهة لا يقوى على حلّها, وكم من منفصل عنها لا يدرك حقيقة علمها. ثمّ إنّ هؤلاء المتكلّمين قد ارتكبوا أنواعاً من المحال, لا يرتضيها البله ولا الأطفال, لما بحثوا عن تحيّز الجواهر والأكوان والأحوال, لأنّهم أخذوا يبحثون فيما أمسك عن البحث فيه السّلف الصّالح, ولم يؤخذ عنهم فيه بحث واضح, وهو كيفية تعلّقات صفات الله تعالى وتعديدها وإيجادها في أنفسها, وأنّها هي الذّات أو غيرها؟)). إلى قوله: إلى غير ذلك من الأبحاث المبتدعة التي لم يأمر صاحب الشّرع بالبحث عنها, وسكت أصحابه ومن سلك سبيلهم عن الخوض فيها, لعلمهم أنّها بحث عن كيفية ما لم يعلم كيفيّته, فإنّ العقول لها حدّ تقف عنده وهو: العجز عن التّكييف لا تتعداه, ولا فرق بين البحث في كيفيّة الذّات وكيفيّة الصّفات, ولذلك قال العليم الخبير: ((ليس كمثله شيءٌ وهو السميع العليم)) [الشورى/١١] , ولا تبادر بالانكار فعل الأغبياء الأغمار, فإنّك قد حُجبت عن كيفية حقيقة نفسك مع علمك بوجودها, وعن كيفيّة إدراكاتك مع أنّك تدركها, وإذا عجزت عن إدراك كيفيّة ما / بين جنبيك؛ فأنت عن إدراك ما ليس كذلك أعجز. وغاية علم العلماء, وإدراك عقول العقلاء الفضلاء؛ أن يقطعوا بوجود فاعل لهذه المصنوعات, منزّه عن صفاتها, مقدّس عن

стр. 446

أحوالها, موصوف بصفات الكمال الّلائق به بتمامها, فما (١) أخبرنا الصّادقون عنه بشيء من أسمائه وصفاته قبلناه واعتقدناه, وما لم يتعرّضوا له؛ سكتنا عنه, وتركنا الخوض فيه. هذه طريقة السّلف (٢وما سواها مهاوٍ وتلف)) , ثم أورد ما جاء عن الأئمة والسّلف (٢) من النّهي عنه. والقصد بإيراد هذا الكلام أن يظهر لك أنّ القوم لم يتركوا علم الكلام لدقّته وغموضه, وإنّما تركوه لما نصّوا عليه من ثبوت النّهي عنه عندهم, وكونه غير مفيد اليقين في الخفيّات, ولا يحتاج إليه في الجليّات. وقد نصّ على هذه العلّة كثير من المتكلّمين كما قدّمنا. وقد خاض في علم الكلام غير واحد من المحدّثين كابن تيمية, والشّيخ تقي الدّين (٣) , فبلغوا في التّدقيق وراء مدارك الفطناء من أئمة الكلام كما يعرف ذلك من رأى كلامهم, وردّوا على المتكلّمين ودقّقوا مع المدقّقين, وإنّما أوّل القرطبي النّهي عن الجدال؛ لأنّ الموجب لتأويله نصّ القرآن في قوله تعالى: ((وجادلهم بالتي هي أحسن)) [النحل/١٢٥] وقوله تعالى في الحكاية عن قوم نوح ﵇: ((يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا)) [هود/٣٢] ونحو ذلك. وإنّما يكون المكروه منه نوعان:

стр. 447

أحدهما: المراء به واللّجاج (١) الذي يعرف صاحبه أنّه غير مفيد, وربما عرف أنّه مثير للشّرّ, والفرق بينه وبين الجدال بالتي هي أحسن: أن يكون المجادل بالتي هي أحسن قاصداً لإيضاح الحقّ, أو طامعاً في اتّباع خصمه لا يقبل, ولم يكن له مقصد إلا غلبة الخصم, ومجرّد الظّهور عليه, ملاحظة لحظّ النّفس في ذلك فقد صار ممارياً وداخلاً في المنهيّ عنه. وثانيهما: أن ينتصر للحقّ بالخوض في أمور يستلزم الخوص فيها الشّكوك والحيرة والبدعة, ولا يقتصر -في الانتصار للحقّ- على أساليب القرآن والأنبياء ﵈ والسّلف الصّالح ﵃, وإنّما كره الانتصار للحقّ بتلك الطريقة لما أشار إليه كثير من محقّقي علم الكلام: من أنّها خوض في محارات العقول, وبحث في غوامض تلتبس العلوم فيها بالظّنون, وسير في متوعّرات مسالك تزلّ فيها أقدام الحلوم. ألا ترى أنّهم قد خاضوا في الرّوح مع قوله تعالى: ((ويسئلونك عن الرّوح قل الرّوح من أمر ربّي وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً)) [الإسراء/٨٥] مع عدم الحاجة إلى الخوض فيه؛ لأنّ معرفته غير واجبة كمعرفة الله تعالى, وقد حاولوا تأويل الآية ليتنزّهوا عن دعوى ما لا يعلمون, فجمعوا بين خطر تأويل القرآن بغير قاطع, ولغير موجب, وبين خطر دعوى علم ما لم يثبت على دعواه برهان قاطع, وقد قال الله تعالى: ((ولا تقف ما ليس لك به علم/ إنّ السّمع والبصر والفؤاد كلّ أولئك

стр. 448

كان عنه مسئولاً)) [الإسراء/٣٦]. فهذا وأمثاله هو الذي كره أهل الحديث الخوض فيه, رغبة في الاقتداء برسول الله ﷺ , بأصحابه والتّابعين لهم ﵃, وأمساكاً عن التّهوّر في مهاوي دعاوى العلوم في مواضع الظّنون, لا لما وصمهم به المعترض من البله وجمود الفطنة, ولهذا الكلام تتمّة تأتي في آخر الكتاب أن شاء الله تعالى تشتمل على معرفة كيفيّة النّظر في معرفة الله تعالى عند المحدّثين, وبماذا يعامل به أهل الفلسفة وأمثالهم متى (١) أوردوا الشبه الدّقيقة على المسلمين. الوهم الثّالث عشر: أراد المعترض أن يحتجّ على أنّ الأشعرية وأهل الحديث كفّار تصريح لإنكارهم ما هو معلوم من ضرورة الدّين, وذكر أشياء: منها: زعم أنّهم ينكرون أنّ لنا أفعالاً وتصرّفات. الجواب: أنّ هذا مجرّد دعوى عليهم من غير بيّنة, بل بهت لهم ومصادمة لنصوصهم. ولنا في بيان براءتهم في ذلك طريقان: الطّريق الأولى: نقل براءتهم عن ذلك من أشهر كتب الزّيديّة, وهو ((شرح الأصول)) الذي هو مدرس الزّيديّة, ومدرس هذا المدّعي لهذه الدّعوى الفريّة فنقول: قال السّيّد أحمد بن أبي هاشم -مصنّف الشّرح في أوائل

стр. 449

الفصل الثّاني في العدل (١) -ما لفظه-: ((يبيّن ما ذكرناه ويوضّحه أنّ أحدنا لو خيّر بين الصّدق والكذب, وكان النّفع بأحدهما كالنّفع بالآخر, وهو عالم بقبح الكذب, مستغن عنه, عالم باستغنائه عنه فإنّه قطّ لا يختار الكذب على الصّدق)). إلى قوله ما لفظه: ((فإن قالوا هذا بناءً على أنّ الواحد منّا مخيّر في تصرّفاته, ونحن لا نسلّم ذلك, فإنّ من مذهبنا أنّه مجبر عليه في هذه الأفعال, وأنّها مخلوقة)). ثم أجاب بأربعة وجوه: قال في الثّالث منها ما لفظه: ((وبعد فلا خلاف بيننا وبينكم في أنّ هذه التّصرفات محتاجة إلينا ومتعلّقة بنا وأنّا مختارون فيها, إنّما الخلاف في جهة التّعلّق: أكسب أم حدوث؟)). فهذا نصّ صريح لا يحتمل التّأويل في (مدرس الزّيديّة) يدلّ على أنّ القوم يقولون: بأنّا مختارون في أفعالنا, وقد تأوله بعض من لا يدري بمذهبهم بأنّه أراد بالاختيار هنا: الإرادة فقط مع وقوع الإرادة من غير اختيار, وهذا جهل بقصد المصنّف وبمذهب القوم, أمّا المصنّف؛ فإنّه قصد نقض جوابهم علينا في التّحسين والتّقبيح بالجبر وبخلق الأفعال, وبيّن أنّ الحجّة لازمة على مقتضى مذهبهم, لأنّهم لا ينكرون تعلّق الأفعال بنا ووقوعها باختيارنا, ألا ترى أنّه قال: فإن قالوا هذا بناءً على أنّ الواحد منّا مخيّر في تصرّفاته ونحن نسلّم ذلك إلى آخر كلامه, ثم نقض هذا عليهم وبيّن أنّه ليس بمذهبهم, فكيف يمكن تأويل هذا على أنّه ما روى عنهم القول بالاختيار, وهل هذا إلا محض الجهل أو التّجاهل؟ ولو سلّمنا أنّ مقصد هذا المصنّف:

стр. 450

التبيين, أو أنّه لم ينص على ذلك لم يخف مذهب القوم على طالبه, فالقوم مصرّحون بمذهبهم في مصنّفاتهم كما ترى الآن من الطريق الثّانية , والطّمع في تعمية مذهبهم ورميهم بما لم يقولوا يزري بصاحبه ولا يضر من رمي به. /الطريق الثّانية: وهي المعتمدة المفيدة لمن يحبّ العلم المتواتر بمقصدهم في مذهبهم, وهي نقل نصوصهم من مصنّفات محقّقيهم الحافلة وتواليفهم الممتعة, فمن ذلك ما ذكره الفخر الرّازي في ((كتاب الأربعين في أصول الدين)) وفي كتابه ((نهاية العقول)) فإنّه ذكر ما معناه: إنّهم أربع فرق, فذكر في الكتابين أنّه يجمعهم القول بأنّ العبد غير مستقل بفعله, وذكر في ((النّهاية)) أيضاً أنّه يجمعهم القول بأنّ الاختيار للعبد في فعله كما سوف نوضح ذلك بالكلام على كلّ فرقة منهم فنقول: الفرقة الأولى منهم: هم الجبرية الخلّص, وهم الذين يقولون: إنّه لا تأثير لقدرة العبد في الفعل ولا في صفة من صفاته, بل الله تعالى يخلق الفعل بقدرته, ويخلق [العبد] (١) قدرة متعلقة بفعله, مقارنة في حدوثها لحدوثه, غير متقدّمة عليه, ولا مؤثّرة فيه ألبتة, وهذا قول الأشعري وأتباعه, وجماهير المحقّقين من المتأخرين على خلاف هذا, قال الرّازي في ((النهاية)) ما لفظه: ((قالت المعتزلة: لو كان فعل العبد موجوداً بقدرة الله تعالى ما حسن المدح والذّمّ والأمر والنّهي. ثمّ قال: اختلفوا في الجواب على طريقين:

стр. 451

الأولى: طريقة الأشعري: أنّ قدرة العبد غير مؤثّرة, وأمّا الأمر والنّهي؛ فلأنّ الله أجرى العادة بأنّ العبد متى اختار الطّاعة فإنّه تعالى يخلق الطّاعة فيه عقيب اختياره إيّاها, وكذلك إن اختار المعصية. وإذا كانت المكنة بهذا المعنى حاصلة لا جرم حسن الأمر والنّهي. إلى قوله: إذا كان الأمر كذلك؛ كان التّكليف والأمر والنّهي إنّما كان لأنّه [متمكّن] (١) من اختيار أحد مقدوريه دون الآخر, وإن لم يكن متمكناً من الإيجاد, لا يقال: ترجيحه أحد تعلّقي الإرادة على تعلّقها. الثّاني: إن وقع بالعبد فقد اعترفتم بتأثير قدرة العبد, وإن وقع بالله فلا يكون ذلك التّرجيح مضافاً إلى العبدأصلاً, لأنّا نقول: إنّ ترجيح أحد التّعلّقين على الآخر ليس أمراً ثبوتياً أصلاً لا في حق الله تعالى, ولا في حق العبد حتّى يلزم من إسناده إلى العبد ما يلزم من الاعتراف بكون قدرته مؤثّرة, فإنّ ذلك لو كان أمراً ثبوتياً لكان وقوعه أيضاً بالاختيار فيلزم التّسلسل. فهذا صريح منهم في كتبهم مبيّن (٢) معلّل لا يمكن تأويله, وقد أفصحوا بأن مذهب الجبريّة الخلّص أنّ العبد مختار, وأنّه إنّما يستحق الذّمّ والعقاب والأمر والنّهي بسوء اختياره, وبهذا يتخلّص (٣) من قول المعتزلة: إنّهم يجوّزون على الله العبث والقبيح والظلم لقولهم بخلق الأفعال, وهذا من وجه مثل قول الجاحظ وثمامة بن الأشرس: إنّه لا

стр. 452

فعل للعبد إلا الإرادة, وهما من أجلاّء شيوخ الاعتزال. وذكر الرّازي في هذا الموضع: (٣أنّ العبد (١) يفعل الاختيار عند الدّاعي الرّاجح وجوباً كما يفعل الله الواجب في حكمته, ويترك القبيح في علمه وجوباً عند المعتزلة, ولا ينافي ذلك /الوجوب ثبوت الاختيار, قال: ولا يصح للمعتزلة أن يلزموهم نفي الاختيار بذلك لوجهين: أحدهما: أنّ الدّاعي عند المعتزلة غير موجب, وثانيهما: أنهم يقولون بمثل ذلك في حقّ الله تعالى في أفعاله الواجبة عندهم, ولم يقتض ذلك أنّه تعالى عندهم (٢) غير مختار. قلت: بل يقولون بذلك في حق العبد في غير موضع: منها في احتجاجهم على ثبوت التّحسين والتّقبيح عقلاً, وقولهم: إذا خيّر العاقل بين الصّدق والكذب وكان النّفع فيهما سواء اختار الصدق وجوباً, بل يقولون بذلك في جميع أفعال العباد كما أشار إليه الرّازيّ في احتجاجهم على أنّ لنا أفعالاً وتصرّفات, فإنّهم احتجوا على ذلك بأنّها تقع عند [وجود] (٣) دواعينا أو تنتفي عند وجود صوارفنا. وقد ذكر الرّازي أنّ هذا هو مقصود القائلين بأنّ الدّاعي موجب لأنّه لو لم يكن موجباً لم يكن ما ذكروا دائماً, ولكان اتفاقيّاً أو أكثريّاً, ولو كان كذلك لم يكن حجة لهم. وأمّا قولهم: إنّه وجوب استمرار لا

стр. 453

وجوب اضطرار فقد صرح القوم (١) بمعنى ذلك, فإنّهم صرّحوا بأنّ معنى ذلك الوجوب لا ينافي الاختيار, بل قال الرّازيّ: إنّ القول بأنّه ينافي الاختيار خروج من الإسلام, لأنّه يستلزم ذلك في حقّ الله تعالى, وينبغي معرفة هذه النّكتة فعليها المدار, وقد قال الرّازيّ: إنّ الجبر حقّ, وفسّر الجبر بوجوب وقوع فعل العبد عند رجحان الدّاعي لانتفاء الاختيار, وصرّح في غير موضع بأنّ القول بوجوب الفعل عند رجحان الدّاعي لا يوجب نفي الاختيار. فثبت بهذه الجملة أنّ الجبريّة ما أرادوا بالجبر وخلق الأفعال ما فهمته عنهم المعتزلة, ومع تصريحهم بمقصدهم يحرم نسبتهم إلى غيره. الفرقة الثانية: أهل القول بالكسب من الأشعرية ورئيسهم القاضي أبو بكر الباقلاني, ومعنى الكسب عندهم: أنّ قدرة الله تعالى مستقلة بإيجاد ذوات أفعال العباد التي لا توصف بحسن ولا قبح, ولا يستحق عليها ثواب ولا عقاب, وقدرة العبد مستقلة بصفات تلك الأفعال التي توجب وصفها بالحسن والقبح, ويستحق عليها الثواب والعقاب. مثال ذلك: أنّ أصل الحركة عندهم من الله, وأمّا كون تلك الحركة متّصفة بصفة مخصوصة مثل كونها صلاة أو زنا؛ فذلك أثر قدرة العبد, وهو أقرب الأقوال (٢) إلى قول المعتزلة من الطّائفة الأولى, لأنّ أكثر المعتزلة يقولون: إنّه لا تأثير لقدرة العبد إلا في صفات الفعل, لكن المعتزلة يقولون أيضاً بمثل ذلك في قدرة الله

стр. 454

تعالى, فإنّها عندهم لا تؤثّر إلا في الصّفات, فإنّ الذّوات عندهم ثابتة في العدم (١) والقدم, غير موجودة (٢) ويفرّقون بين الثّبوت والوجود, بل المعتزلة يقولون: إنّ الصفة بنفسها غير مقدورة, بل المقدور جعل الذّات /عليها, والقصد: [بيان] (٣) أنّ المعتزلة قد شاركوا هذه الفرقة في القول بأنّ ذوات أفعال العباد غير مقدورة لهم, فالذي قالت هذه الفرقة من الأشعرية: إنّه مخلوق من أفعال العباد, وهو الذي قالت المعتزلة: إنّه ثابت في العدم والقدم, وإنّه غير مقدور لا للخالق ولا للمخلوق. قالت هذه الفرقة من الأشعرية: ونحن نقول ببعض ما قالت المعتزلة فنقول: إنّ العبد غير مؤثر في ذات الفعل, وهذا صحيح عند المعتزلة. ونقول: إنّ العبد مؤثر في صفة الحسن والقبح, وهذا صحيح عند المعتزلة, ونقول: إنّ العبد مؤثّر في صفة الحسن والقبح, وهذا صحيح عندهم أيضاً, فإنّ جلّة المعتزلة قد أقرّت أنّ الأفعال لا تحسّن وتقبّح لذواتها بل لوقوعها على وجوه (٤) واعتبارات, وذلك لأنّ ذوات أفعال العباد واحدة, فإنّها كلّها راجعة إلى كونها حركة أو سكوناً؛ بل عند الفريقين من المعتزلة والأشعرية أنّ الحركة والسّكون راجعان إلى معنى واحد, وهو لبث المتحيّز في الجهة لكون السّكون لبث المتحيّز وقتين فصاعداً, والحركة لبث المتحيّز في جهة عقيب

стр. 455

لبثه في جهة أخرى, ولهذا سمّوا لبثه في أوّل وجوده إذا انتقل أو عدم في الوقت الثّاني كوناً مطلقاً, ويعنون بذلك: أنّه ليس بحركة لأنّه لم يكن لبث قبل ذلك في جهة أخرى وهذا شرط سميته حركة, وليس بسكون لأنه لبث أقلّ من وقتين, فإذن (١) أفعال العباد كلّها راجعة إلى شيء واحد, وهو اللبث في جهة. قال الرّازيّ في تلخيص ذلك: إنّ الحركة هي الكون في الجهة الثّانية في الوقت الأوّل, والسّكون هو الكون في الوقت الثّاني في الجهة الأولى, فبهذا تعرف أنّ الأفعال لا تحسّن ولا تقبّح لذواتها, لأنّه يلزم أن تكون (٢) حسنة قبيحة معاً, ويلزم أن يقبح غير الأجسام والألوان من أفعال الله تعالى, ويرد على المتكلّمين في قولهم: إنّ المرجع بالحركة إلى اللبث إشكالات صعبة قد أشار الرّازيّ في كتبه إلى بعضها, والذي ألجأهم إلى ذلك: القول بأن الحركة والسكون ثبوتيان, وأنّ واحدهما ليس بعدميّ, كما يعرفه من نظر في كتبهم. فإذا عرفت هذا عرفت أنّ ما ذكره [القاضي] (٣) أبو بكر الباقلاني لازم للمعتزلة ولجميع المتكلّمين, وذلك لأنّ لبث المتحيّز في جهة ما ضروري لا يمكن العبد أن يختار غيره, فثبت أنّه فعل الله تعالى. وقد ثبت عندهم أنّ أفعال العباد كلّها راجعة إلى لبث المتحيّز في جهة, فثبت أنّ ذوات أفعال العباد فعل الله تعالى, وإنّما يقع اختيارهم على

стр. 456

اكتساب /ذلك الفعل بهيئات مخصوصة, وإيقاعه على مقاصد متغايرة هي منشأ الحسن والقبح, والأمر والنّهي, والثّواب والعقاب, والذي اختصّت به المعتزلة دون القاضي [أبي] بكر أنّها قالت: إن قدرة العبد تؤثّر في صفة وجود فعله وفي سائر صفاته, والقاضي قال: تؤثّر في صفة الحسن والقبح دون صفة الوجود, لكن المعتزلة تقول: إنّ صفة الوجود ليست منشأ الحسن والقبح, والأمر والنّهي, وإنّما منشأها صفة الحسن والقبح الذي ذكر القاضي أنّها من آثار قدرة العبد, فثبت أنّهم قد اتفقوا في موضع يوجب الاتفاق فيه ترك التأثيم, فتفهّم ذلك فهو سرّ المسألة. الفرقة الثّالثة: من الأشعرية الذين قالوا: قدرة العبد تؤثّر [بمُعين] (١). قال الرّازيّ: ويشبه أن يكون هذا قول أبي إسحاق الإسفرايني, وهو أقرب إلى الاعتزال من الفرقة الأولى, لأنّهم قد أثبتوا لقدرة العبد أثراً في صفة الوجود, وإنّما ينكر المعتزلة من قول هؤلاء تجويز مقدور بين قادرين (٢) , وقد جوّزه شيخ الاعتزال أبو الحسين البصري المتكلّم, وإذا اتّحد الفعل واختلف الفاعلان جاز أن يحسن من أحدهما لإيقاعه على وجه حسن, ويقبح من الآخر لإيقاعه على وجه قبيح, وقد بسطت ذلك في ((الأصل)) (٣) ثمّ اختصرته هنا لوضوحه عند أهل التمّييز.

стр. 457

الفرقة الرّابعة: من الأشعرية إمام الحرمين أبو المعالي الجويني وأصحابه, وهؤلاء يقولون بمثل قول المعتزلة: إنّ قدرة العبد تؤثّر في ذات فعله, وصفاتها كلّها صفة الوجود (١) وصفة الحسن والقبح, بل زادوا على المعتزلة, فإنّ المعتزلة إنّما قالوا بأنّ قدرة العبد تؤثّر في صفة الوجود لا في الذّات نفسها, إلا أبا الحسين البصري, فيقول بمثل قول الجويني سواء, لكن هؤلاء يفارقون المعتزلة لقولهم إنّ العبد غير مستقلّ بفعله بسبب أنّ القدرة عندهم لا تؤثّر إلا بشرط وجود الدّاعي, والدّاعي عند الفرق كلّها وعند المعتزلة من الله تعالى, لكن الدّاعي عند هؤلاء غير مخرج للعبد عن الاختيار, ولكن عندهم أنه يقع الفعل عنده اختياراً قطعاً من غير تردّد كما تقول المعتزلة في أفعال الله تعالى الوجبة, وفي غيرها ما (٢) تقدّم بيانه, فهؤلاء قولهم في هذه المسألة [و] (٣) قول أبي الحسين البصري من المعتزلة واحد, فإنّه أيضاً يقول في الدّاعي بمثل قولهم, فكيف يحسن من المعتزلة /تقبيح على الجويني ولا يُقبّح على أبي الحسين البصري, وينسب الجبر إلى أحدهما دون الآخر!؟ وهل هذا إلا محض العصبية؟! ولله من قال: وعين الرّضا عن كل عيب كليلة ... كما أنّ (٤) عين السّخط تبدي المساويا (٥)

стр. 458

وقد طوّلت هذه المسألة في ((العواصم)) (١) لمسيس الحاجة إلى معرفتها, وأكثرت من الاستشهاد على براءة أهل السّنّة [من] (٢) نفي الاختيار [بما] (٣) يكاد يملّ الواقف عليه, لما رأيت من كثرة عصبية الفرق [فيها] (٤) وتكفير المسلمين وتضليلهم بعضهم بعضاً من أجل الاختلاف فيها, والأمر [فيها] (٥) قريب كما ترى, فإنّ الجبرية أقرّوا بثبوت الاختيار للعبد, والمعتزلة يقرّون بأنّ العبد غير مستقل بالمعنى الذي ذكره الجويني وأصحابه, خاصّة أبو الحسين البصري وأتباعه, لكنّهم يختلفون في العبارة, ويحتاج العارف بمقاصدهم إلى الجمع بين أطراف كلامهم, والنّظر فيها مع الإنصاف والشّفقة على المسلمين ولا (٦) يكون من القوم الذين قيل فيهم: أعوذ بالله من قوم إذا سمعوا ... خيراً أسرّوه أو شرّاً أذاعوه ثمّ (٧) المعتزلة بأجمعهم يخالفون في المشيئة ويقولون: المشيئة للعباد في أفعالهم لا لله تعالى, والواقع منها ما شاء العبد لا ما شاء الله, وأهل السّنة مجمعون على أنّ المشيئة لله تعالى في ذلك لا للعبد؛ وهذه في الحقيقة هي مسألة الخلاف لا الأوْلى, فلو ذكرها المعترض

стр. 459

لكان ذلك به أوْلى, وحين (١) أعرض عن ذكرها أعرضت عنه أيضاً لأني مجيب لا مبتدىء, وإنّما ذكرت ذلك لئلاّ يتوهّم الواقف على كلامي أني قد سوّيت بين المعتزلي والسّنّي من كلّ وجه وجهلت موضع الخلاف بينهما. وقد رام بعضهم أن يلفّق بين الفريقين فقال: إنّ المعتزلي يقول: إنّ الله تعالى أراد أن يجعل للعباد مشيئتهم ويُمضي لهم مرادهم, وتلخيصه: أنّ المعتزلة تقول: إنّ الله تعالى أراد أن تكون دار التّكليف دار تخلية بين المكلّفين وبين ما أرادوا, فكأنّه قد أراد ما أرادوا, فلهذا لم يكن مغلوباً . وفي هذا نظر [ليس هنا] (٢) موضع ذكره. وخلاصته: أنّ المعتزلة يجيزون تعارض إرادة الله وإرادة العبد في الفعل المعيّن, ويوجبون تأثير إرادة العبد دون إرادة الله في ذلك الفعل, وأهل السّنة يمنعون ذلك, فلا يمكن التّلفيق بين أقوالهم في هذه المسألة, وإنّما يمكن توجيه كلام أهل السنة بما ذكره الذّهبي في ترجمة عكرمة من كتاب ((الميزان)) (٣) فإنّه روى عن عكرمة أنّه سئل: لم أنزل الله المتشابه؟ فقال: ليضلّ به. قال الذّهبي: ((ما أخشنها من عبارة /وأقبحها!! أنزله ليضلّ به كثيراً ويهدي به كثيراً, وما يضلّ به إلا الفاسقين)).

стр. 460

وإذا أخرج (١) الشيء هذا المخرج وعلّل بالعلل المعقولة لم يبعد منه المعتزلي. وقد أوضحت في غير هذا الموضع لأهل السّنة في ذلك من الوجوه ما يوجب على المعتزلي موافقتهم مع بقائه على قاعدة التحسين والتقبيح العقليين, وهو من النفائس, ولا تخفى مواقعه على الفطن في كتاب الله [مثل قوله] (٢) تعالى: ((ولو علم الله فيهم خيراً لأسمعهم ولو أسمعهم لتولّوا وهم معرضون)) [الأنفال/٢٣] ومثل قوله تعالى: ((وما يضلّ به إلا الفاسقين)) [البقرة/٢٦] وغير ذلك. ولا بدّ في هذه المسألة للسّنّي والمعتزلي من الرّجوع إلى محض التّسليم للشّريعة وترك محض التّحسين والتّقبيح العقلي في بعض المواضع الدّقيقة التي يجوز غلط العقل فيها لحيرته وتبلّده, وعدم نفوذ نظر بصيرته فاعلم ذلك. الوهم الرّابع عشر: وهم أنّهم أنكروا القدر الضّروري في شكر المنعم, وليس كذلك, فإنّهم في تلك المسألة المرسومة في الأصول إنّما نازعوا في وجوب شكر المنعم الذي هو الله تعالى من جهة العقل, مع اعترافهم بوجوبه شرعاً, وقطعهم بكفر من قال: بأنّ شكر الله لا يجب, لكنّهم نازعوا في معرفة العقل لذلك في حقّه تعالى قبل الشّرع, لأنّه تعالى غنيّ عن شكرنا [لأنّه] (٣) لا يمكن أن ينتفع به, ولا يتضرّر بتركه, مع أنّ في فعل الشّكر مضرّة على العبد ناجزة لما في المحافظة
следующие страницы →