← Акыда

Акыда · id 36427

الروض الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم - صلى الله عليه وسلم -

ابن الوزير

Полный текст (691 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

اكتساب /ذلك الفعل بهيئات مخصوصة, وإيقاعه على مقاصد متغايرة هي منشأ الحسن والقبح, والأمر والنّهي, والثّواب والعقاب, والذي اختصّت به المعتزلة دون القاضي [أبي] بكر أنّها قالت: إن قدرة العبد تؤثّر في صفة وجود فعله وفي سائر صفاته, والقاضي قال: تؤثّر في صفة الحسن والقبح دون صفة الوجود, لكن المعتزلة تقول: إنّ صفة الوجود ليست منشأ الحسن والقبح, والأمر والنّهي, وإنّما منشأها صفة الحسن والقبح الذي ذكر القاضي أنّها من آثار قدرة العبد, فثبت أنّهم قد اتفقوا في موضع يوجب الاتفاق فيه ترك التأثيم, فتفهّم ذلك فهو سرّ المسألة. الفرقة الثّالثة: من الأشعرية الذين قالوا: قدرة العبد تؤثّر [بمُعين] (١). قال الرّازيّ: ويشبه أن يكون هذا قول أبي إسحاق الإسفرايني, وهو أقرب إلى الاعتزال من الفرقة الأولى, لأنّهم قد أثبتوا لقدرة العبد أثراً في صفة الوجود, وإنّما ينكر المعتزلة من قول هؤلاء تجويز مقدور بين قادرين (٢) , وقد جوّزه شيخ الاعتزال أبو الحسين البصري المتكلّم, وإذا اتّحد الفعل واختلف الفاعلان جاز أن يحسن من أحدهما لإيقاعه على وجه حسن, ويقبح من الآخر لإيقاعه على وجه قبيح, وقد بسطت ذلك في ((الأصل)) (٣) ثمّ اختصرته هنا لوضوحه عند أهل التمّييز.

стр. 457

الفرقة الرّابعة: من الأشعرية إمام الحرمين أبو المعالي الجويني وأصحابه, وهؤلاء يقولون بمثل قول المعتزلة: إنّ قدرة العبد تؤثّر في ذات فعله, وصفاتها كلّها صفة الوجود (١) وصفة الحسن والقبح, بل زادوا على المعتزلة, فإنّ المعتزلة إنّما قالوا بأنّ قدرة العبد تؤثّر في صفة الوجود لا في الذّات نفسها, إلا أبا الحسين البصري, فيقول بمثل قول الجويني سواء, لكن هؤلاء يفارقون المعتزلة لقولهم إنّ العبد غير مستقلّ بفعله بسبب أنّ القدرة عندهم لا تؤثّر إلا بشرط وجود الدّاعي, والدّاعي عند الفرق كلّها وعند المعتزلة من الله تعالى, لكن الدّاعي عند هؤلاء غير مخرج للعبد عن الاختيار, ولكن عندهم أنه يقع الفعل عنده اختياراً قطعاً من غير تردّد كما تقول المعتزلة في أفعال الله تعالى الوجبة, وفي غيرها ما (٢) تقدّم بيانه, فهؤلاء قولهم في هذه المسألة [و] (٣) قول أبي الحسين البصري من المعتزلة واحد, فإنّه أيضاً يقول في الدّاعي بمثل قولهم, فكيف يحسن من المعتزلة /تقبيح على الجويني ولا يُقبّح على أبي الحسين البصري, وينسب الجبر إلى أحدهما دون الآخر!؟ وهل هذا إلا محض العصبية؟! ولله من قال: وعين الرّضا عن كل عيب كليلة ... كما أنّ (٤) عين السّخط تبدي المساويا (٥)

стр. 458

وقد طوّلت هذه المسألة في ((العواصم)) (١) لمسيس الحاجة إلى معرفتها, وأكثرت من الاستشهاد على براءة أهل السّنّة [من] (٢) نفي الاختيار [بما] (٣) يكاد يملّ الواقف عليه, لما رأيت من كثرة عصبية الفرق [فيها] (٤) وتكفير المسلمين وتضليلهم بعضهم بعضاً من أجل الاختلاف فيها, والأمر [فيها] (٥) قريب كما ترى, فإنّ الجبرية أقرّوا بثبوت الاختيار للعبد, والمعتزلة يقرّون بأنّ العبد غير مستقل بالمعنى الذي ذكره الجويني وأصحابه, خاصّة أبو الحسين البصري وأتباعه, لكنّهم يختلفون في العبارة, ويحتاج العارف بمقاصدهم إلى الجمع بين أطراف كلامهم, والنّظر فيها مع الإنصاف والشّفقة على المسلمين ولا (٦) يكون من القوم الذين قيل فيهم: أعوذ بالله من قوم إذا سمعوا ... خيراً أسرّوه أو شرّاً أذاعوه ثمّ (٧) المعتزلة بأجمعهم يخالفون في المشيئة ويقولون: المشيئة للعباد في أفعالهم لا لله تعالى, والواقع منها ما شاء العبد لا ما شاء الله, وأهل السّنة مجمعون على أنّ المشيئة لله تعالى في ذلك لا للعبد؛ وهذه في الحقيقة هي مسألة الخلاف لا الأوْلى, فلو ذكرها المعترض

стр. 459

لكان ذلك به أوْلى, وحين (١) أعرض عن ذكرها أعرضت عنه أيضاً لأني مجيب لا مبتدىء, وإنّما ذكرت ذلك لئلاّ يتوهّم الواقف على كلامي أني قد سوّيت بين المعتزلي والسّنّي من كلّ وجه وجهلت موضع الخلاف بينهما. وقد رام بعضهم أن يلفّق بين الفريقين فقال: إنّ المعتزلي يقول: إنّ الله تعالى أراد أن يجعل للعباد مشيئتهم ويُمضي لهم مرادهم, وتلخيصه: أنّ المعتزلة تقول: إنّ الله تعالى أراد أن تكون دار التّكليف دار تخلية بين المكلّفين وبين ما أرادوا, فكأنّه قد أراد ما أرادوا, فلهذا لم يكن مغلوباً . وفي هذا نظر [ليس هنا] (٢) موضع ذكره. وخلاصته: أنّ المعتزلة يجيزون تعارض إرادة الله وإرادة العبد في الفعل المعيّن, ويوجبون تأثير إرادة العبد دون إرادة الله في ذلك الفعل, وأهل السّنة يمنعون ذلك, فلا يمكن التّلفيق بين أقوالهم في هذه المسألة, وإنّما يمكن توجيه كلام أهل السنة بما ذكره الذّهبي في ترجمة عكرمة من كتاب ((الميزان)) (٣) فإنّه روى عن عكرمة أنّه سئل: لم أنزل الله المتشابه؟ فقال: ليضلّ به. قال الذّهبي: ((ما أخشنها من عبارة /وأقبحها!! أنزله ليضلّ به كثيراً ويهدي به كثيراً, وما يضلّ به إلا الفاسقين)).

стр. 460

وإذا أخرج (١) الشيء هذا المخرج وعلّل بالعلل المعقولة لم يبعد منه المعتزلي. وقد أوضحت في غير هذا الموضع لأهل السّنة في ذلك من الوجوه ما يوجب على المعتزلي موافقتهم مع بقائه على قاعدة التحسين والتقبيح العقليين, وهو من النفائس, ولا تخفى مواقعه على الفطن في كتاب الله [مثل قوله] (٢) تعالى: ((ولو علم الله فيهم خيراً لأسمعهم ولو أسمعهم لتولّوا وهم معرضون)) [الأنفال/٢٣] ومثل قوله تعالى: ((وما يضلّ به إلا الفاسقين)) [البقرة/٢٦] وغير ذلك. ولا بدّ في هذه المسألة للسّنّي والمعتزلي من الرّجوع إلى محض التّسليم للشّريعة وترك محض التّحسين والتّقبيح العقلي في بعض المواضع الدّقيقة التي يجوز غلط العقل فيها لحيرته وتبلّده, وعدم نفوذ نظر بصيرته فاعلم ذلك. الوهم الرّابع عشر: وهم أنّهم أنكروا القدر الضّروري في شكر المنعم, وليس كذلك, فإنّهم في تلك المسألة المرسومة في الأصول إنّما نازعوا في وجوب شكر المنعم الذي هو الله تعالى من جهة العقل, مع اعترافهم بوجوبه شرعاً, وقطعهم بكفر من قال: بأنّ شكر الله لا يجب, لكنّهم نازعوا في معرفة العقل لذلك في حقّه تعالى قبل الشّرع, لأنّه تعالى غنيّ عن شكرنا [لأنّه] (٣) لا يمكن أن ينتفع به, ولا يتضرّر بتركه, مع أنّ في فعل الشّكر مضرّة على العبد ناجزة لما في المحافظة

стр. 461

عليه من المشقّة, قالوا: فلو خلّينا وقضيّة العقل, لم نقطع بوجوب ما هذه صفته, قال الجويني في ((البرهان)) (١) ما لفظه: ((والبرهان القاطع في بطلان ما صاروا إليه: أنّ الشّكر تعب للشّاكر ناجز, ولا يفيد المشكور شيئاً, فكيف يقضي العقل بوجوبه؟)) انتهى. فإن قلت: قد خالفوا في وجوب شكر المنعم في الشّاهد عقلاً, فقد دفعوا الضّرورة العقلية. قلت: ليس كذلك, فإنّهم يعرفون ما في الطّبيعة من استحسان الشّكر واستقباح نقيضه, وإنّما نازعوا في استحقاق الذّمّ عليه عاجلاً والعقاب آجلاً, وعلى فعل ما استقبحه العقل, مع اعترافهم أنّه صفة نقص لا تجوز على الله تعالى, ولهذا نصّوا: أنّ العقل يدرك تنزيه الله تعالى عن الكذب لأنّ الكذب صفة نقص, وإنّما موضع النّزاع فيما يستحقّه فاعل صفة النّقص عقلاً قبل ورود الشّرع, وهذا هو موضع الخلاف في مهمّات مواضع (٢) التّحسين والتّقبيح العقليين كما ذكره الرّازيّ من الأشعرية, والإمام يحيى بن حمزة من الزّيديّة ذكره في ((كتاب التّمهيد)). الوهم الخامس عشر: وهم المعترض أنّ مذهبهم: القول بجوار تكليف ما لا يطاق وليس كذلك, فلم يذهب إلى هذا منهم إلا الأشعري والرّازيّ, على اختلاف شديد في (١نقل مذهب الأشعري

стр. 462

في (١) ذلك, وقد صرّح الرّجال بردّ هذا المذهب, ونقض شبه من ذهب إليه, وقد ذكرت آنفاً أنّه لو لزمهم مذهب من ينسب إليهم للزم المعتزلة والزّيديّة كثير من المذاهب الباطلة, /وقد ردّ الغزّالي على من قال بذلك, وبالغ الجويني في ((البرهان)) (٢) في إبطال هذا القول, وكذلك ابن الحاجب في ((مختصر المنتهى)) (٣) وكذلك شرّاحه من الأشعرية, وذلك معروف في مواضعه فلا نطوّل بنقل ألفاظهم فيه. الوهم السّادس عشر: وهم المعترض أنّهم قد دفعوا الضّرورة في تجويز تعذيب الأطفال بذنوب آبائهم, وليس كذلك لوجهين: الوجه الأول: أنّهم لم يجمعوا على القول بهذه المسألة, فنسبتها (٤) إلى جميعهم غير صحيحة. قال الإمام النّووي في ((شرح مسلم)) (٥) وقد ذكر الأقوال في أطفال المشركين حتّى قال ما لفظه: ((وثانيها: الوقف, وثالثها: ما ذهب إليه المحقّقون: أنّهم من أهل الجنّة, ويستدلّ لهم بأشياء منها: حديث إبراهيم الخليل ﷺ ((حين رآه النّبي ﷺ في الجنّة وحوله أولاد النّاس قالوا: يا رسول الله! وأولاد المشركين؟ قال: وأولاد المشركين)). رواه البخاري في ((صحيحه)) (٦)

стр. 463

وروى أنس عن النّبي ﷺ أنّه قال: ((سألت ربّي اللاهين من ذريّة البشر ألا يعذّبهم فأعطانيهم, فهم خدم أهل الجنّة)) (١) يعني الأطفال, وليس في إسناده إلا يزيد بن أبان الرّقاشي (٢) الصّالح المشهور, وهو من أهل الورع والتّقوى, وفي حفظه شيء يسير, فقد قال الحافظ ابن عديّ فيه: أرجو أنّه لا بأس به (٣) , وقد تابعه عبد الرّحمن بن إسحاق, وهو أيضاً وإن ضعّفه بعضهم فقد قال النّسائي وابن خزيمة: ليس به بأس (٤) فهذا مع حديث البخاري, وظاهر القرآن يتعاضد (٥). ومنها قوله تعالى: ((وما كنّا معذّبين حتّى نبعث رسولاً)) [الإسراء/١٥] ثمّ تكلّم في نصرة هذا المذهب (٦) , وذكر تأويل الأحاديث التي تخالفه. وقد أجابوا بأنّها كلّها ضعيفة إلا حديث سلمة بن يزيد الجعفيّ فإنّه صحيح الإسناد لكنّه غير عام فإنّه نصّ في موءودةٍ بعينها فاحتمل التّأويل, وذلك أنّهم سألوا النّبي ﷺ عنه أخت لهم ماتت في الجاهلية موءودة لم تبلغ الحنث فقال: ((إنّها في النّار)) (٧).

стр. 464

قال السّبكي: فإن كان لهذا الحديث علّة لم نحتج إلى جواب, وقد قيل: إنّه ﷺ اطّلع عن أنّ سنّ تلك الموءودة بل التكليف, ولم يلتفت إلى قول السّائل: لم تبلغ الحنث لجهله, ويكون التّكليف في ذلك الوقت منوطاً بالتّمييز والسّائل لجهله, ليس ذلك عنده من الأمور المحتاج إليها في تلك الحال فيبينه فيها. هذه خلاصة كلام أهل هذا المذهب, وهم المحقّقون من أهل السّنة كما قال النّووي ﵀. فثبت بنقل إمام المحدّثين أنّ المحقّقين منهم لا يقولون بتعذيب الأطفال, وإلى ذلك مال الإمام السّبكي في جزء ألّفه في هذه المسّألة (١) , وكذلك الغزّالي في كتاب ((القسطاس المستقيم)) (٢) قال ما لفظه: ((وأنت تعلم أنّ الله تعالى /ينزل الصّبيان إذا ماتوا منزلاً من الجنّة دون منازل البالغين)) , هذا لفظه في كتابه المذكور, وهو مشهور عند الأشعرية, وقال القاضي أبو بكر بن العربيّ في ((عارضة الأحوذي في شرح التّرمذيّ)) (٣) إن حديث رؤية النّبي ﷺ لإبراهيم قويّ, وحديث: ((عصفور من عصافير الجنّة)) قد غمزه الحفّاظ, وحديث ((هم من آبائهم)) , يعني في إهدار دمهم فإنّهم سألوه: إنّا نغير على المشركين فنصيب من أولادهم, فقال: ((هم من آبائهم)) يعني في إهدار الجناية عليهم, وهذا بيّن لا إشكال فيه)). هذا لفظه.

стр. 465

وقال أيضاً في التّرجيح بين الأخبار في ذلك: ((أما حديث: ((كلّ مولود يولد على الفطرة)) فيعضده المشاهدة والأدلّة العقلية. إلى قوله: ((وقد يكون في أولاد المشركين مؤمن, وفي أولاد المؤمنين كافر, ويحكم الباري فيهم بعلمه, وهذا بيّن من التّأويل لا يتطرّق إليه إشكال ويرفع جهل الجهال)) , وكلامه في هذا يردّ (١) علىالخصم, حيث (٢) زعم أنّهم يعلّلون تعذيب الأطفال بكفر الآباء وينكرون (٣) الأدلّة العقلية, وأمّا من أجاز ذلك, ولم يتأوّل الأخبار من أهل العلم منهم؛ فإنّهم لم يجيزوا تعذيب الأطفال لأجل ذنوب آبائهم, بل افترقوا في تعليل ذلك فرقتين: الفرقة الأولى: أهل الجمود منهم, وترك الخوض في الكلام, وهؤلاء يجوّزون أنّ في حكمة الله وعلمه المكنون من أنواع الحكم ما لا تدركه العقول, فيجوز عندهم أن يكون ذلك على ظاهره, ويكون لله تعالى من الحكمة فيه ما يحسن معه, وإلى هذا أشار ابن الجوزيّ بقوله (٤) في وصف الله تعالى: ((بثّ الحِكَم فلم يعارض بلم)) , وقوله في ذلك: ((خرست في حضرة القدس صولة لم, فأقدام الطّلب واقفة على جمر التّسليم)). وربّما ذكر الفطناء منهم وجوهاً من حكمة الله تعالى في ذلك

стр. 466

على سبيل التمثيل والتّقريب. منها: أنّ الله تعالى قد خلقهم فيما مضى, وخلق عقولهم وكلّفهم وعصوا, ويحتجّون على ذلك بحديث إخراج ذريّة آدم من ظهره على صورة الذّرّ (١) , وبه فسّروا قوله تعالى: ((وإذ أخذ ربّك من بني آدم من ظهورهم ذرّيّتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربّكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنّا كنّا عن هذا غافلين, أو تقولوا إنّما أشرك آباؤنا من قبل وكنّا ذرّيّة من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون)) [الأعراف/١٧٢ - ١٧٣]. ويحتجّون أيضاً بما رواه البخاري عن قيس بن حفص, حدّثنا خالد بن الحارث, حدّثنا شعبة عن أبي عمران الجوني عن أنس يرفعه: ((إنّ الله يقول لأهون أهل النّار عذاباً: لو أنّ لك ما في الأرض من شيء كنت تفتدي به؟ قال: نعم. قال: فقد سألتك ما هو أهون من هذا, وأنت في صلب آدم: أن لا تشرك بي؛ فأبيت إلا الشّرك)) أخرجه البخاري (٢) آخر الجزء الثّاني (٣) عشر/ من تجزئته, وهو في الجزء الثّاني من أربعة أجزاء. في ((الصّحيحين)) (٤) شاهد لهذا عن أبي هريرة: أنّ النّبي ﷺ

стр. 467

قال: ((إنّ الله خلق الخلق حتّى إذا فرغ منهم قامت الرّحم فقال: مه؟ قالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة)) الحديث, وهو دليل على أنّ الله تعالى قد خلق الخلق فيما مضى مرّة (١) أوّله, وهذا غير ممتنع في مقدور الله تعالى, وهو على كلّ شيء قدير. وأمّا قوله تعالى في الآية: ((قالوا بلى)) [الأعراف/١٧٢] فلا يدلّ على إسلام جميع ذلك الخلق الأوّل لوجوه: أحدها: ما ذكره ابن عبد البرّ (٢) وغيره في تفسير قوله تعالى: ((وله أسلم من في السماوات والأرض طوعاً وكرهاً)) [آل عمران/٨٣] , فإنّهم فسّروا إسلام أهل الأرض كلّهم بذلك وقالوا: إنّ أهل السّعادة قالوا ذلك عن معرفة له طوعاً, وأهل الشّقاوة قالوا ذلك كرهاً, وهذا وجه وجيه (٣). الوجه الثاني: أنّه يجوز أنّهم قالوا ذلك ثمّ عصوا بعد قوله. الوجه الثالث: أنّه يجوز أن يكون القائل بذلك بعضهم, وتكون الآية من العامّ الذي أريد به الخاصّ, وتخصيص العموم بالسّنة جائز إجماعاً. وأمّا قوله تعالى: ((من بني آدم)) [الأعراف/١٧٢] فيحتمل أنّه أخرج من صلب آدم أولاده لصلبه, ثمّ أخرج من صلب كلّ واحد منهم أولاده, على أن دلالة الأحاديث على المقصود لا

стр. 468

[تتوقف] (١) على تفسير الآية بذلك؛ فإنّ الأحاديث صريحة في ذلك والآية محتملة, وهذا هو أحد الاحتمالين في قوله ﷺ وقد سئل عن الوجه في تعذيب أطفال المشركين فقال: ((الله أعلم بما كانوا عاملين)) (٢) , وفيه إشارة إلى أنّهم عذّبوا بعمل, وأنّه وكل العلم به إلى الله تعالى. الاحتمال الثّاني: أنّها تؤجّج لهم نار فيقال: ((ردوها فيردها من كان في علم الله سعيداً لو أدرك العمل, ويمسك عنها من كان في علم الله شقيّاً لو أدرك العمل, فيقول الله: إيّاي عصيتم, فكيف رسلي لو أتتكم))؟. قال السّبكي (٣): ((رواه أبو سعيد الخدريّ عن النّبي ﷺ . ومن النّاس من يوقفه على أبي سعيد. وروي معناه من حديث: أنس, ومعاذ, والأسود بن سريع, وأبي هريرة, وثوبان كلّهم عن النّبي ﷺ . وذكر عبد الحق في ((العاقبة)) حديث الأسود وصحّحه, ورواه أحمد في ((مسنده)) (٤) من حديث الأسود, وأبي هريرة. قال السّبكي: ((وأسانيدها صالحة)). وقد اعترض صحّتها بعض أهل الأثر برأي عقليّ ضعيف, وقد

стр. 469

أوضحته في ((العواصم)) (١). وممّا يمكن تقديره في ذلك على قواعد المعتزلة والأشعرية وأهل الحديث وجوه: منها: أنّهم يدخلون النّار ثمّ يخرجون منها, ويكون لهم على ألمهم من النّار أعواض عظيمة ينالونها في الجنّة, ويكون ذلك مثل إيلامهم في الدّنيا وهم صغار, وهذا يصحّ على قول طائفة من المعتزلة وهم الجبّائية أصحاب شيخ الاعتزال أبي عليّ (٢) فإنّه كان يذهب /إلى أنّه يحسن من الله تعالى أن يؤلم من لا ذنب له لأجل العوض من دون اعتبار, ومنع أبو هاشم وأصحابه من ذلك إلا مع الاعتبار (٣) , وتعذيب الأطفال على هذا الوجه ممكن على قول هذه الطّائفة أيضاً, فإنّه يمكن أن يخلق الله خلقاً في تلك الحال, مكلّفين غير عالمين علماً ضرورياً بالآخرة, ويعلّمهم علماً استدلالياً بذلك الألم الذي ابتلي به الأطفال, ويعلمهم بما أعد لأهل البلاء من عظيم النّوال, بل يجوز أن يكون الاعتبار بذلك حاصلاً لنا اليوم لعلمنا أو علم بعضنا بذلك في المستقبل. ومنها: أنّه يحتمل أنّ الأطفال إذا ماتوا أكمل الله عقولهم قبل الموت, وأمرهم فعصوه فماتوا. ومنها: أنّه يجوز إذا ماتوا أحياهم الله تعالى مرّة ثانية قبل يوم

стр. 470

القيامة؛ إمّا في غير هذه الدّار, أو فيها, ولا نعلم أنّهم هم, ثمّ يكمل عقولهم ويكلّفهم, ولا يكون موتهم الأوّل مضطرّاً لهم إلى الطّاعة, إمّا (١) لعدم تمام عقولهم, أو لأنّهم لم يروا فيه شيئاً من أمور الآخرة, وإنّما كان مثل النّوم. ومنها: أنّه يجوز أن يدخلوا النّار ولا يتألمون بها كما يكون فيها الحيّات, وكما يكون فيها الخزنة من الملائكة ﵈, وكلّ هذه الوجوه محتملة على مذهب المعتزلة. فإن قيل: إنّ المعتزلة لا يجيزون الخروج من النّار, والوجه الأوّل منها مبني على ذلك. قلت: إنّما يمنعون خروج من دخل النّار معاقباً, أمّا من ليس بمعاقب كالحيّات, وخزنة النّار؛ فلا يمنعون ذلك, وإنّما قصدت بذكر هذه الوجوه إطلاع المعتزلي على أنّ وجوه حكمة الله تعالى أوسع من أن يقطع المتكلّم على عدم ما لم يعلم منها, فإنّ هذه المسألة أقبح ما ينسبه المعتزلي إلى الأشعري, والمحدّث, ويعتقد أنّه لا يمكن أن يكون لها تأويل على قواعد المعتزلة, وقد بان بهذا أنّه لا يلزم من تجويز هذه المسألة تجويز الظّلم على الله ﷻ , وعظم شأنه, ولا يلزم من قال بها إنكار المعلوم بالضّرورة. فهذا الكلام انسحب من ذكر فرقة أهل الجمود من أهل الحديث, وأمّا فرقة (٢) أهل الكلام من الأشعرية فإنّهم يثبتون الكلام

стр. 471

في هذه المسألة على قواعدهم في التّحسين والتّقبيح, وقد مرّت الإشارة إلى نكتة منه, وتمامه مذكور في كتبهم البسيطة مثل: ((نهاية العقول)) للرّازي, وغيرها, ومن وقف عليه علم أنّ بطلانه غير معلوم بالضّرورة, وأنّه لا يتمكن من الجواب عليهم فيه إلا خواصّ المتبحّرين في الكلام, فكيف يدّعي المعترض أنّهم كذبة يتعمّدون الكفر مع علمهم بذلك؟ على أنه في هذا خالف سلفه من أهل البيت, وشيوخه من المعتزلة, فقد بيّنّا فيما تقدّم أنّهم نصّوا على أنّ القوم من أهل التّأويل والتّديّن. وقد تركت إيراد كلام متكلّميّ الأشعريّة في التّحسين والتّقبيح؛ لأنّ كتابي هذا / [كتاب] (١) نصرة للحديث وأهله الواقفين على ما كان عليه السّلف, من ترك الخوض في عويص الكلام, ودقيق الجدال. وممّا (٢) يدلّ على تنزيه أهل الحديث مما رماهم به من تجويز التّعذيب بذنب الغير؛ أنّه (٣) لما رود في الحديث: ((أنّ الميّت يعذّب ببكاء أهله عليه)) (٤) (٥) تأوّلوا ذلك بأن يكون الميّت أوصى بذلك, ذكر ذلك البخاري في ((صحيحه)) (٦) , وذكره النّووي في موضعين:

стр. 472

أحدهما: كتاب ((رياض الصّالحين)) (١) في الرّقائق. وثانيهما: كتاب ((روضة الطّالبين)) (٢) في الفقه, ذكره منه في كتاب الجنائز, وقد ذكر الذّهبي (٣) في ذلك وجهاً آخر, وهو أنّ ما يصيب المسلم (٤) في قبره من ضمة القبر ونحوها, من جملة آلام الدّنيا التي يبتلى بها الصّالحون, وهو صحيح على أصول المعتزلة, فإنّ العوض من الله تعالى ممكن في ذلك, وكذلك الاعتبار, فإنّ المكلّفين يعتبرون بذلك حين يعلمونه, وهذا إنّما ذكره الذّهبي في ضمّة القبر لورود النّصّ الصّحيح: ((أنّ القبر ضمّ سعد بن معاذ, وأنّ العرش اهتزّ لموته, وأنّ الله أهبط لموته سبعين ألف ملك)) (٥) , ومثل هذا الوجه يمكن في جميع ما يلحق المؤمن في القبر, ويوم القيامة, وتأويل البخاريّ والنّووي أكثر ملاءمة لقوله تعالى: ((لا يحزنهم الفزع الأكبر)) [الأنبياء/١٠٣] , ((وهم من فزع يومئذٍ آمنون)) [النمل/٨٩] ونحوذلك. وقد ذكرت في ((الأصل)) (٦) أنّه يحتمل أن يكون (٧) سبباً لعذاب

стр. 473

الميت, والعذاب في نفسه مستحقّ بذنوب عملها الميّت في حال التّكليف, وقد جاء في ((الصحيح)) (١): ((من نوقش الحساب عُذّب)) ويكون الحكمة في ذلك, وفي الخبر به: الزّجر العظيم عن معصية النّياحة التي هي من عمل الجاهلية. الوهم السّابع عشر: ذكر المعترض عن الفقهاء أنّهم يجيزون إمامة الجائر, وحكى عن ابن بطّال أنّه قال: الفقهاء مجمعون أنّ المتغلّب طاعته لازمة ما أقام الجمعات والأعياد والجهاد, وأنصف المظلوم غالباً, وأن طاعته خير من الخروج عليه, لما في ذلك من تسكين الدّهماء وحقن الدّماء, ولذلك قال ﷺ : ((أطيعوا السّلطان ولو كان عبداً حبشيّاً)) (٢) ولا يمنع من الصّلاة خلفه, وكذلك المذموم ببدعة أو فسق. انتهى إلى قول المعترض: فإذا كان هذا مذهب القوم عرفت أنّهم كانوا من أئمة الجور, الذين قتلوا الأئمة الأطهار, وأنّهم شيعة الحجّاج بن يوسف, بل شيعة يزيد قاتل الحسين ﵁ لأنّهم يعتقدون بغي من خرج على المتغلّب الظّالم, كما صرّح به ابن بطّال, ويصوّبون قتل الذين يأمرون بالقسط من النّاس؛ لأنّهم بغاة على قولهم)) انتهى كلامه. والجواب عليه يتمّ بالكلام على فصول:

стр. 474

الفصل الأول: في بيان أنّ الفقهاء لا يقولون: إنّ الخارج على إمام / الجور باغ ولا آثم, وهذا واضح من أقوالهم, ويدلّ عليه وجوه: الأوّل: نصّهم على ذلك, قال الإمام النّووي في ((الرّوضة)) (١) ما لفظه: ((الباغي في اصطلاح العلماء هو: المخالف لإمام العدل, الخارج عن طاعته بامتناعه من أداء واجب (٢) عليه, أو غيره)) انتهى كلامه. وهو نصّ في موضع النّزاع. وقد حكى هذا عن العلماء على الإطلاق والاستغراق, ولم يستثن أحداً. الوجه الثّاني: أنّ الكلام في الخروج على أئمة الجور [عندهم] (٣) من المسائل الظّنيّة الفروعيّة التي لا يأثم المخالف فيها, وللشّافعيّة في جواز ذلك وجهان معروفان, ذكرهما في ((الرّوضة)) (٤) للنّووي, وفي ((مجموع المذهب في قواعد المذهب)))) (٥) للشّيخ صلاح الدّين العلائي, وذكر ذلك غير واحد, ومن المعلوم أنّ ذلك لو كان حراماً قطعاً كشرب الخمر, لم يكن لهم فيه قولان. الوجه الثّالث: أنّ الذّهبي صنّف كتاب ((ميزان الاعتدال)) وشرط فيه أن يذكر كلّ من تكلّم عليه من أهل الرّواية للحديث بحقّ أو باطل,

стр. 475

قال: ((لئلا يستدرك على كتابه)) (١) , فلم يذكر فيه زيد بن علي ﵄ مع أنّه من رجال الكتب السّتّة, على أنّه قلّ ما سلم أحد من ذكره في هذا الكتاب, حتّى إنّه ذكر سفيان الثّوري, وأويساً القرني, وجعفر الصّادق, ويحيى بن معين, وأبا حنيفة (٢) , وعليّ بن المديني, وأمثال هؤلاء الأئمة, وإنّما ذكرهم لأنّه قلّما سلم أحد من الكلام بحقّ أو باطل, فحين لم يذكر زيد بن عليّ ﵄ دلّ ذلك على جلالته, وأنّ الذّهبيّ على سعة اطلاعه لم يعلم فيه قدحاً ألبتّة. وأصرح من هذا أنّ الذّهبيّ قال في كتابه ((الكاشف)) (٣): ((إن زيداً ﵁ استشهد)) بهذا اللفظ, وهذا نصّ منه في موضع النّزاع, فإنّ الباغي ليس بشهيد إجماعاً. الفصل الثاني: في بيان أنّ منع الخروج علىالظّلمة استثنى من ذلك من فحش ظلمه, وعظمت المفسدة بولايته, مثل: يزيد بن معاوية, والحجّاج بن يوسف, وأنّه لم يقل أحدّ منهم ممّن يعتدّ به بإمامة من هذه حاله, وإن ظنّ ذلك من لم يبحث, لإيهام ظواهر عباراتهم في بعض الموضع, فقد نصّوا على بيان مرادهم وخصّوا عموم ألفاظهم, فممّن ذكره الإمام الجويني فإنّه قال في كتاب

стр. 476

((الغياثي)) (١) -وقد ذكر أنّ الإمام لا ينعزل بذلك ما لفظه-: ((وهذا في نادر الفسق, فأمّا إذا تواصل منه العصيان, وفشا منه العدوان, وظهر الفساد, وزال السّداد, وتعطّلت الحقوق, وارتفعت الصّيانة, ووضحت الخيانة؛ فلا بدّ من استدراك هذا الأمر المتفاقم, فإن أمكن كفّ يده وتولية غيره بالصّفات المعتبرة, فالبدار البدار, وإن لم يكن ذلك لاستظهاره بالشّوكة إلا بإراقة الدّماء, ومصادمة الأهوال؛ فالوجه أن يقاس ما النّاس مدفوعون إليه /مبتلون به بما يفرض وقوعه, فإن كان النّاجز الواقع أكثر مما يتوقع؛ فيجب احتمال المتوقّع, وإلا فلا يسوغ التّشاغل بالدّفع, بل يتعيّن الصّبر والابتهال إلى الله تعالى)). ومن ذلك ما ذكره أبو محمد بن حزم في الرّدّ على أبي بكر بن مجاهد المقرىء (٢) , فإنّه ادّعى الإجماع على تحريم الخروج على الظّلمة, فردّ ذلك عليه ابن حزم, واحتجّ عليه بخروج الحسين بن عليّ ﵄ وخروج أصحابه على يزيد, وبخروج ابن الأشعث, ومن معه من كبار التّابعين, وخيار المسلمين على الحجّاج بن يوسف. وقال ابن حزم: أترى هؤلاء كفروا؟ بل والله من كفّرهم فهو أحقّ بالتّكفير. ولقد يحقّ على المرء المسلم أن يزمّ لسانه, ويعلم أنّه مجزيٌّ بما تكلّم به, مسئول عنه غداً, قال: ولو كان خلافاً يخفى لعذرناه؛ ولكنّه أمر ظاهر لا يخفى على المخدّرات في

стр. 477

البيوت)) , ذكره في ((كتاب الإجماع)) (١) رواه عنه الرّيمي (٢) في كتابه ((عمدة الأمّة في إجماع الأئمة)) (٣). وقد ذكر هذه المسألة القاضي عياض, وذكر دعوى ابن مجاهد للإجماع, قال القاضي عياض (٤): وردّ عليه هذا بعضهم بقيام الحسين بن علي ﵁ وابن الزبير, وأهل المدينة على بني أميّة, وقيام جماعة عظيمة من التّابعين والصّدر الأوّل على الحجّاج مع ابن الأشعث, وتأوّل هذا القائل قوله: ((أن لا ننازع الأمر أهله)) على أئمة العدل, قال عياض: ((وحجة الجمهور: أن قيامهم على الحجّاج ليس لمجرّد الفسق, بل لما غيّر (٥) من الشّرع, وأظهر (٦) من الكفر)) انتهى كلامه. وفيه: بيان اتفاقهم على تحسين ما فعله الحسين ﵁ مع يزيد, وابن الأشعث وأصحابه مع الحجّاج, وأنّ جمهورهم قصروا جواز الخروج على من كان مثل يزيد والحجّاج, ومنهم من

стр. 478

جوّز الخروج على كلّ ظالم. وفيه أنّهم اتّفقوا على الاحتجاج بفعل الحسين, ولكن منهم من قصره على مثل يزيد, ومنهم من قاس عليه كلّ ظالم. ومن ذلك كلام ابن بطّال الذي أورده المعترض, وقد مرّ, وهو على المعترض لا له, فإنّه روى عن الفقهاء أنّهم اشترطوا في طاعة المتغلّب إقامة الجمعات والأعياد, والجهاد, وإنصاف المظلوم غالباً, ولم يكن يزيد والحجّاج بهذه الصّفة. والعجب أنّ المعترض ادّعى على ابن بطّال أنّه نصّ على ما ادّعاه من تصويب يزيد والحجّاج وبغي الحسين, ولم يذكر ذلك ابن بطّال بمنطوق ولا مفهوم, ولا نصّ ولا عموم, وهذا كلام من غفل عن معنى النّصّ. وقال ابن الأثير في ((نهايته)) (١) ما لفظه: ((فيه أنّه ذكر (٢) /الخلفاء بعده فقال: أوّه لفراخ آل محمد من خليفة يستخلف عتريف مترف, يقتل خلفي وخلف الخلف)). قال ابن الأثير: العتريف: الغاشم الظّالم, وقيل: الدّاهي الخبيث, وقيل: هو قلب العفريب الشّيطان الخبيث, قال الخطّابي (٣): قوله: خلفي [يتأوّل على] (٤) ما كان من يزيد بن معاوية

стр. 479

إلى الحسين بن علي وأولاده الذين قتلوا معه, وخلف الخلف: ما كان منه يوم الحرّة إلى أولاد المهاجرين والأنصار)). انتهى بلفظه من ((النهاية)). وفيه شهادة على براءة القوم ممّا رماهم به المعترض؛ من تصويب يزيد الخبيث في قتل الحسين الشّهيد. وكيف يقال ذلك وقد نصّوا على أنّ يزيد ظالم غاشم خبيث شيطان, وروى التّرمذي في ((جامعه)) (١) حديثاً وحسّنه (٢) عن سفينة الصّحابي, مولى رسول الله ﷺ , وفيه أيضاً لما روى الحديث: ((الخلافة في أمّتي ثلاثون سنة, ثم ملك بعد ذلك)) قال له سعيد بن جمهان: إنّ بني أميّة يزعمون أنّ الخلافة فيهم, قال: كذبوا [بنو] (٣) الزّرقاء, هم ملوك من شرّ الملوك. هذه رواية [التّرمذي] (٤). وفي رواية أبي داود (٥) قال سعيد: قلت لسفينة: إنّ هؤلاء يزعمون أنّ عليّاً لم يكن بخليفة, قال: كذبت أستاه (٦) بني الزّرقاء,

стр. 480

يعني بني مروان (١). وروى التّرمذي (٢) عن [الحسن] (٣) بن عليّ ﵄ أنّ النّبي ﷺ أُري بني أميّة على منبره فساءه ذلك فنزلت: ((إنّا أنزلناه في ليلة القدر, وما أدراك ما ليلة القدر, ليلة القدر خير من ألف شهر)) [القدر/١ - ٣] يملكها بعدك بنو أميّة يا محمّد (٤).

стр. 481

قال القاسم بن الفضل: فعددناها فإذا هي ألف شهر (١) لا تزيد يوماً ولا تنقص يوماً. ولما ذكر ابن حزم (٢) خروم الإسلام عدّها أربعة: قتل عثمان, وقتل الحسين, ويوم الحرّة, ولم يعد قتل عمر ولا قتل علي منها, تعظيماً لقتل الحسين وإظهاراً لبلوغه من القبح إلى حدّ فوق حدّ الكبائر. وقال الذّهبيّ في ((النّبلاء)) (٣): ((يزيد بن معاوية كان ناصبيّاً فظّاً غليظاً جلفاً, يتناول المسكر ويفعل المنكر, افتتح دولته بقتل الشّهيد الحسين ﵁ واختتمها بوقعه الحرّة, فمقته النّاس, ولم يبارك في عمره, وخرج عليه غير واحد بعد الحسين ﵁

стр. 482

كأهل المدينة لله (١))) وذكر من خرج عليه. قال: ((وروى الوليد بن مسلم عن الأوزاعي عن مكحول عن أبي عبيدة مرفوعاً: ((لا يزال أمر أمّتي قائماً حتّى يثلمه رجل من بني أميّة يقال له: يزيد)) أخرجه أبو يعلى في ((مسنده)) (٢). وروى عن جويرية عن نافع قال: مشى عبد الله بن مطيع إلى ابن الحنفية في خلع يزيد, وقال: إنّه يشرب الخمر, [ويترك] (٣) الصلاة, ويتعدّى حكم الكتاب (٤). وعن عمر بن عبد العزيز قال رجل في حضرته: أمير المؤمنين يزيد, فأمر به فضرب عشرين سوطاً)). قال الذّهبيّ في ((الميزان)) (٥): ((إنّه مقدوح في عدالته ليس بأهل

стр. 483

أن يروى عنه. وقال أحمد بن حنبل: لا ينبغي أن يروى عنه)) (١). وقال ابن حزم في ((أسماء الخلفاء)) آخر ((السير النّبويّة)) (٢) ما لفظه: ((بويع يزيد بن معاوية إذ مات أبوه, وامتنع من بيعته الحسين بن عليّ ﵁ , وعبد الله بن الزّبير بن العوّام, فأمّا الحسين ﵁ فنهض إلى الكوفة /فقتل قبل دخولها, وهي ثانية (٣) مصائب الإسلام وخرومه؛ لأنّ المسلمين استُضيموا في قتله ظلماً وعلانية, وأمّا عبد الله بن الزّبير ﵁ فاستجار بمكّة, فبقي هنالك إلى أن أغزى يزيد الجيوش, إلى المدينة حرم رسول الله ﷺ وإلى مكة حرم الله تعالى فقتل بقايا المهاجرين والأنصار يوم الحرّة, وهي ثالثة (٤) مصائب الإسلام وخرومه؛ لأنّ أفاضل الصّحابة وبقيّتهم ﵃ وخيار المسلمين قتلوا جهراً ظلماً في الحرب وصبراً, وجالت الخيل في مسجد رسول الله ﷺ , وراقت وبالت في الرّوضة بين القبر والمنبر, ولم يصلّ جماعة في مسجد رسول الله ﷺ تلك الأيام, ولا كان فيه أحد حاشا سعيد بن المسيب, فإنّه لم يفارق المسجد, ولولا شهادة [عمرو] (٥) بن عثمان بن عفّان, ومروان بن

стр. 484

الحكم له عند مسلم بن عقبة بأنّه مجنون لقتله, وأكره النّاس على أن يبايعوا يزيد بن معاوية على أنّهم عبيد له إن شاء باع وإن شاء أعتق, وذكر بعضهم البيعة على حكم القرآن وسنة رسول الله ﷺ , فأمر بقتله فضربت عنقه صبراً ﵀. وهتك يزيد الإسلام هتكاً وأنهب المدينة ثلاثاً, واستخفّ بأصحاب رسول الله ﷺ ومدّت إليهم الأيدي, وانتهبت دورهم, وحوصرت مكة, ورمي البيت بحجارة المنجنيق, وأخذ الله يزيد (١) فمات بعد الحرّة بأقل من ثلاثة أشهر, وأزيد من شهرين, في نصف ربيع الأوّل سنة أربع وستّين, وله نيّف وثلاثون سنة)) انتهى كلام [أبي] (٢) محمد بن حزم بلفظه. وفيه أعظم شهادة لأهل السّنّة على البراءة من تصويب يزيد والتّشيّع له, هذا على أنّ الذّهبي ذكر أنّ ابو حزم قد وصم بالتّعصّب لبني أميّة (٣) , فإذا كان هذا كلام من رمي بالتّعصّب لهم فكيف بمن لم يرم بذلك! على أنّ كلام ابن حزم هذا يرد (٤) على ما رماه بالعصبيّة, ويشهد له بالسّلوك من الإنصاف في طريقة سويّة.

стр. 485

قال الحافظ أبو الخطّاب ابن دحية الكلبي (١) في كتابه ((العلم المشهور)) (٢) ما هذا لفظه مختصراً: ((وفي هذا اليوم -يعني عاشوراء- قتل السيّد الأمير, ريحانة رسول الله ﷺ , سيّد شباب أهل الجنّة: الحسين بن فاطمة البتول يوم الجمعة, وقيل: يوم السّبت سنة إحدى وستّين بالطّفّ بكربلاء, وهو ابن ستّ وخمسين سنة, ولما أحاطوا بالحسين ﵁ قام في أصحابه خطيباً, فحمد الله, وأثنى عليه, ثمّ قال: قد نزل بي ما ترون من الأمر, وإنّ الدّنيا قد تنكّرت وتغيّرت, وأدبر معروفها [وانشمر, حتّى] (٣) لم يبق منها إلا صبابة كصبابة الإناء, إلا خسيس عيش كالمرعى الوبيل, ألا ترون الحقّ لا يعمل به, والباطل لا يتناهى عنه, ليرغب المؤمن في لقاء الله, وإنّي لا أرى الموت إلا سعادة, والحياة مع الظّالمين إلا برماً (٤).

стр. 486

وكان عبيد الله بن زياد كتب إلى الحُرّ بن [يزيد] (١): أن جعجع بالحسين, أي: ضيّق عليه, ثمّ أمدّه بعمر بن [سعد] (٢) المتكفّل بقتال الحسين / ﵁ حتّى ينجز له عبيد الله الرّشد بالغيّ, وهو القائل: أأترك ملك الرّيّ والرّيّ منيتي ... وأرجع مأثوماً بقتل حسين فضيّق عليه اللّعين أشدّ تضييق, وسدّ بين يديه واضح الطّريق, إلى أن قتله في التّاريخ المتقدّم ويسمّى عام الحزن, وقتل معه: اثنان وثمانون رجلاً من أصحابه مبارزة, وجميع ولده -إلا علي بن الحسين زين العابدين- وقتل أكثر (٣) إخوة الحسين وبني أعمامه. لمحمد سلّوا سيوف محمد ... قطعوا بها هامات آل محمّد وفي هذا اليوم الذي قتل فيه الحسين - على جدّه وعليه أفضل

стр. 487

السّلام- رئي رسول الله ﷺ يجمع دم الحسين في قارورة, وإن كانت رؤيا منام فإمها صادقة ليست بأضغاث أحلام, أسند ذلك إمام أهل السّنّة الصّابر على المحنة أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل (١) قال: حدّثنا عبد الرّحمن, حدّثنا حمّاد بن سلمة, عن عمّار بن أبي عمّار, عن ابن عبّاس قال: رأيت النّبي ﷺ في المنام نصف النّهار أشعث أغبر معه قارورة فيها دم يلتقطه فيها, قلت: يا رسول الله ما هذا؟ قال: دم الحسين وأصحابه لم أزل أتتبّعه منذ اليوم. قال عمّار فحفظنا ذلك اليوم, فوجدناه قتل ذلك اليوم)). قال ابن دحية: هذا سند صحيح, عبد الرّحمن هو أبو سعيد عبد الرحمن بن مهدي إمام أهل الحديث, وحمّاد إمام فقيه ثقة, وعمّار من ثقات التّابعين أخرج مسلم أحاديثه في ((صحيحه)) (٢) وتولّى حمل الرّأس: بشر بن مالك الكندي, ودخل به على ابن زياد وهو يقول: املأ ركابي فضة وذهباً ... إنّي قتلت الملك المحجّبا قتلت خير النّاس أمّاً وأباً (٣)

стр. 488

وقد صدق هذا القائل الفاسق في المديح, وتقريظ هذا السّيّد الذبيح, ولقي الله بفعله القبيح. وأمر [عبيد] (١) الله بن زياد من قوّر (٢) رأس الحسين حتّى ينصب في الرّمح, فتحاماه النّاس حتّى قام طارق بن المبارك, فأجابه إلى ذلك, وفعله ونادى في النّاس وجمعهم في المسجد الجامع, وصعد المنبر, وخطب خطبة لا يحلّ ذكرها, ثمّ دعا عبيد الله (٣) بن زياد زحر بن قيس الجعفي فسلّم إليه رأس الحسين, ورءوس أهله وأصحابه, فحملها حتّى قدموا دمشق, وخطب زحر خطبة فيها كذب وزور, ثمّ أحضر الرّأس فوضعه بين يدي يزيد, فتكلّم بكلام قبيح قد ذكره الحاكم, والبيهقيّ وغير واحد من أشياخ أهل النّقل بطريق ضعيف وصحيح, وقد ذكر ذلك كلّه أخطب الخطباء ضياء الدّين أبو المؤيّد موفّق الدّين بن أحمد الخوارزمي (٤) في تأليفه في مقتل الحسين ﵇ وهو عندي في مجلّدين (٥).

стр. 489

وذكر شيخ السّنّة أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي, قال: حدّثنا الحافظ أبو عبد الله محمّد بن عبد الله, سمعت أبا الحسن عليّ بن محمد الأديب يذكر بإسناد له أنّ رأس الحسين ﵇ لما صلب بالشّام أخفى خالد بن عفران شخصه من أصحابه وهو من أفاضل التّابعين, فطلبوه شهراً حتّى وجدوه, فسألوه عن عزلته فقال: أما ترون ما نزل بنا؟ ثم أنشأ يقول: جاءوا برأسك يا ابن بنت محمّد ... متزمّلاً بدمائه تزميلاَ فكأنّما بك يا ابن بنت محمّد ... قتلوا جهاراً عامدين رسولاً /قتلوك عطشاناً ولم يترقّبوا ... في قتلك التّنزيل والتّأويلاً ويكبّرون بأنّ قُتلت وإنّما ... قتلوا بك التّكبير والتّهليلاً قال ابن دحية: واعجبوا -رحمكم الله- من الأمم الذين كانوا من قبلكم, وقد فضّل الله أمّة محمد ﷺ عليهم, منهم: المجوس يعظّمون النّار؛ لأنّها صارت برداً وسلاماً على إبراهيم, والنّصارى يعظّمون الصّليب لادّعائهم أنّه من جنس العود الذي صلب عليه ابن مريم, وابن مرجانة, وأصحابه العدا قتلوا الحسين ابن نبيّ الهدى, ولم يتلفتوا إلى قول أصدق القائلين: ((قل لا أسئلكم عليه أجراً إلا المودّة في القربى)) [الشورى/٢٣]. قال: ولمّا قدموا برأس الحسين صرخت نساء بني هاشم؛ فقال مروان: عجّت نساء بين زياد عجّة ... كعجيج نسوتنا غداة الأرنب قال ابن دحية: وأنا أقول قولاً هو الإيمان: هنيئاً لك الشّماتة

стр. 490

برسول الله ﷺ يا مروان!. وفي ((صحيح البخاري)) (١) عن ابن عمر أنّه سأله رجل في دم البعوضة, فقال: ممّن أنت؟ فقال: من أهل العراق, فقال: انظروا إلى هذا! يسألني عن دم البعوضة, وقد قتلوا ابن النّبي ﷺ ! وسمعت النّبيّ ﷺ يقول: ((هما ريحانتاي)) وفي رواية: ((هما ريحانتي)) (٢). قال ابن دحية: تفرّد (٣) بإخراجه البخاريّ من طريقين في كتاب المناقب (٤) , وفي كتاب الأدب (٥). وقال إبراهيم النّخعيّ الإمام فيما حكاه أبو [سعد] (٦) السّمان الرّازي (٧) بسنده (٨) إليه قال: لو أني كنت فيمن قاتل الحسين, ثمّ أتيت بالمغفرة من ربّي فأدخلت الجنّة لاستحييت من رسول الله ﷺ أن أمرّ عليه فيراني.

стр. 491

قال ابن دحية: عباد الله! اعجبوا من آراء هؤلاء الملاعين وعقولهم! إذ قتلوا الحسين بن فاطمة [ولد] (١) رسول الله ﷺ , ثمّ أكبّوا في شمالهم على شرب شمولهم, تعساً لشيوخهم وكهولهم! أفي صلاتهم يصلّون على محمد وآله, ثم يمنعونهم من شرب نطفة (٢) من الفرات وزلاله, ويجتمعون على قتله وقتاله, ويذبحونه ولا يستحيون من نور شيبته وجماله, أما والله إنّ حقّ رسول الله ﷺ على أمّته أن يعظّموا تراب نعل قدمه, بل تراب نعل خادم من خدمه, ليت شعري ما اعتذر هؤلاء (٣الشّطّار الخبثة (٣) الأشرار, في قتل هؤلاء الأخيار, عند محمّد المختار, ((يوم لا ينفع الظّالمين معذرتهم ولهم الّلعنة ولهم سوء الدّار)) [غافر/٥٢]. وقد سلّط الله عليهم المختار, فقتلهم حتّى أوردهم النّار. وأخرج التّرمذي في ((جامعه الكبير)) (٤) ما هذا نصّه: ((حدّثنا واصل بن عبد الأعلى, حدّثنا أبو معاوية, عن الأعمش, عن عمارة بن عمير, قال: لما جيء برأس [عبيد] (٥) الله بن زياد وأصحابه, نضّدت في المسجد, فانتهيت إليهم وهم يقولون: قد جاءت, قد جاءت, فإذا

стр. 492

حيّة قد جاءت تخلّل الرّءوس حتّى دخلت في منخري عبيد الله, فمكثت هنيهة, ثم خرجت, فذهبت حتّى تغيّبت, ثمّ قالوا: قد جاءت, ففعلت ذلك مرّتين أو ثلاثاً. هذا حديث حسن صحيح)). انتهى المنقول من كتاب ((العلم المشهور في فضل الأيّام والشّهور)) للحافظ المحدّث الشّهير بأبي الخطّاب بن دحية. وفيما ذكره أوضح دليل على براءة المحدّثين وأهل السّنة مما افتراه عليهم المعترض من نسبتهم إلى التّشيّع ليزيد, وتصويب قتلة الحسين بن علي ﵉ وكيف وهذه رواياتهم مفصحة بضدّ ذلك كما بيّنّاه في ((مسند أحمد)) و ((صحيح البخاري)) و ((جامع التّرمذيّ)) وأمثالها!! وهذه الكتب هي مفزعهم, وإلى ما فيها مرجعهم, /وهي التي يخضعون لنصوصها, ويقصرون التّعظيم عليها بخصوصها. وقال ابن خلكان (١) في ترجمة أبي الحسن عليّ بن محمد الملقّب عماد الدّين, المعروف بالكيا الهرّاسي (٢) الشّافعيّ ما لفظه: ((وسئل إلكيا عن يزيد بن معاوية فقال: إنّه لم يكن من الصّحابة, لأنّه ولد في أيّام عمر ابن الخطّاب ﵁ , وأمّا قول السّلف؛ ففيه لأحمد قولان: تلويح وتصريح, ولمالك قولان: تلويح

стр. 493

وتصريح, ولأبي حنيفة قولان: تلويح وتصريح, ولنا قول واحد: تصريح دون تلويح. كيف لا يكون كذلك وهو اللاعب بالنرد, والمتصيّد بالفهود, ومدمن الخمر, وشعره في الخمر معلوم, ومنه قوله: أقول لصحب ضمّت الكأس شملهم ... وداعي صبابات الهوى يترنّم خذوا بنصيب من نعيم ولذّة ... فكلّ وإن طال المدى يتصرّم وكتب فصلاً طويلاً, ثمّ قلب الورقة وكتب: لو مددت ببياض لمددت العنان في مخازي هذا الرّجل؛ وكتب فلان ابن فلان)). انتهى كلام إلكيا, وفيه ما ترى من نقل مذاهب الأئمة الأربعة؛ فأمّا الشّافعية فقد بيّن أنّ لهم فيه قولاً واحداً تصريحاً غير تلويح, وأمّا سائر الأئمة فقد صرّحوا تارة ولوّحوا أخرى, وإنّما لوّحوا بتضليله في بعض الأحوال, وفي هذا أكبر دليل على عدالتهم؛ لأنّهم حين خافوا لوّحوا بتضليله, ولو عملوا بالرّخصة لصرّحوا بالثناء عليه عند الخوف, وهذا كلام شيخ الشّافعيّة. قال ابن خلكان (١): ((تفقّه بالجويني مدّة إلى أن برع. قال الحافظ عبد الغافر بن إسماعيل الفارسي فيه: كان من رؤوس معيدي إمام الحرمين في الدّروس, وكان ثاني أبي [حامد] (٢) الغزّالي, بل كان

стр. 494

آصل وأصلح وأطيب في [الصّوت] (١) والنّظر, وارتفع شأنه, وتولّى القضاء, وكان محدّثاً يستعمل الحديث في مناظراته ومجالسه. ومن كلامه: إذا جالت فرسان الأحاديث في ميادين الكفاح, طارت رؤوس المقاييس في مهبّات (٢) الرّياح. ولمّا حكى ابن خلكان كلام الحافظ (٣) عماد الدّين هذا, أورد بعده كلاماً رواه عن الغزّالي, فكلام الغزّالي ذلك شاهد ببراءة الغزّالي من القول بتصويب يزيد في قتل الحسين, وإنّما تكلّم في مسألتين غير ذلك: إحداهما: تحريم اللّعن ولم يخص [يزيد] (٤) بذلك, فهو مذهبه في كلّ فاسق وكافر كما رواه عنه النّووي في ((الأذكار)) (٥) , وقد ذكر النّووي أنّ ظاهر الأخبار خلاف ذلك, وقد أفردت الكلام على ذلك في كرّاس. وثانيهما: القول بأنّ العلم برضا يزيد بقتل الحسين متعذّر, وليس في هذا نزاع, ولو أقرّ يزيد بلفظ صريح وسمعنا ذلك منه, لم نعلم أن باطنه كما أظهر, وقد جهل رسول الله ﷺ بواطن المنافقين, ووكل علم ذلك إلى الله تعالى, ولكن الحكم للظّاهر.

стр. 495

وقد روى البخاريّ ﵀ في ((صحيحه)) (١) عن عمر بن الخطّاب ﵁ أنّه قال: ((إنّ ناساً كانوا يؤخذون بالوحي على عهد رسول الله ﷺ , وإن الوحي قد انقطع, فمن أظهر لنا خيراً أمّنّاه وقرّبناه, وليس بنا من سريرته شيء, ومن أظهر لنا سوءاً لم نأمنه ولم نصدّقه, وإن قال: إنّ سريرته حسنة)). الفصل الثّالث: في بيان موضع الخلاف. فاعلم أنّ الفقهاء [لم يخالفونا] (٢) في شرائط الإمامة التي زعم المعترض أنّهم خالفوا فيها, قال النّووي /في ((الرّوضة)) (٣): ((شروط الإمامة: أن يكون الإمام: مكلّفاً, مسلماً عدلاً حرّاً ذكراً, عالماً مجتهداً, شجاعاً ذا رأي وكفاية, سميعاً بصيراً, ناطقاً قرشيّاً)) ونحو ذلك, [قاله] (٤) العمراني في كتابه ((البيان)) (٥).
следующие страницы →