Полный текст (691 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 499
وإمامة خلافة النّبوّة, وأدلّة الفقهاء المتقدمة نصوص في خلافة النّبوّة فكانت أخصّ.
وثالثها: أنّ الآية من شرع من كان قبلنا, وقد ورد في شرعنا ما يخالفها, وليس يجوز العمل بشرع من قبلنا مع مخالفة شرعنا له إجماعاً, وسائر أدلّة المعتزلة والشّيعة من هذا القبيل؛ إمّا دليل صحيح في لفظه لكنّه ليس بنصّ, أو دليل نصّ في المسألة لكن صحته غير مسلّمة.
وأمّا الرّأي فقالوا: الإمام راع منصوب للمصلحة, فإذا كان مهلكاً للرّعيّة, مفسداً في الأرض, كان المسترعي له مثل المسترعي للذئب على الغنم, ومطفي مشبوب النّيران بالضّرم.
وللفقهاء أن يجيبوا عن ذلك بأنّهم لم يخالفوا في جواز اختياره, فقد قدّمنا نصّ القاضي عيّاض على أنّه لا يصح نصب الفاسق ابتداءً, ولا حرّموا الخروج عليه إلا إذا غلب على الظّنّ أنّ المفسدة في الخروج عليه أعظم من مفسدة ولايته, وقد أجمع العقلاء, وأطبق أهل الرّأي على وجوب احتمال المضرّة الخفيفة متى كانت دافعة لما هو أعظم منها, ولذلك وجب قطع العضو المتآكل متى غلب على الظّنّ أنّه إن لم يقطع سرى إلى الجسد, وكان سبب الهلاك, فبان بهذا أنّ الفقهاء -أيضاً- قد تمسّكوا في هذا النًصّ السّمعي والرّأي العقلي, وسيأتي لهذا مزيد بيان في الفصل الخامس -إن شاء الله تعالى-.
الفصل الرّابع: في بيان أنّهم وإن قالوا بصحة أخذ الولاية في المصالح من أئمة الجور؛ فلم يجعلوهم مثل أئمة العدل مطلقاً في
стр. 514
المقدّمة الرّابعة: في الإشارة إلى القرائن الدّالّة على التّجوز في الكلام وهي ثلاث: عقلية وعرفية ولفظية.
مثال العقلية: قوله تعالى: ((وسئل القرية التي كنّا فيها والعير)) [يوسف/٨٢] فإنّ العقل يدرك أنّ سؤال القرية والعير لا يصح فيفهم أنّ المراد أهلهما.
ومثال العرفيّة: قول القائل: بنى السّلطان سور المدينة, فإنّ مباشرة السّلطان لنقل الحجارة والتّراب غير محال في العقل ولكنّه ممتنع في العادة والعرف, فيفهم من ذلك: أنّ السلطان أمر بذلك. وما يجري مجراه, ومنه قوله تعالى: ((يا هامان ابن لي صرحاً)) [غافر/٣٦] أي مر من يبني, لأنّه لم يكن ممن يباشر مثل ذلك.
وأمّا اللّفظية: فمثل: أسد شاكي السّلاح, أو حسن الثّياب, أو نحو ذلك. ومنه قوله تعالى: ((الله نور السماوات والأرض مثل نوره)) [النور/٣٥] فقوله: ((مثل نوره)) قرينة لفظية تدلّ على أنّه تعالى ليس بنور في ذاته, وإنّما هو خالق النّور, وأنّ معنى ((الله نور السماوات والأرض)) منوّرهما. وكذلك قوله تعالى: ((يهدي الله لنوره من يشاء)) فإنّه قرينة لفظية /تدلّ على أنّ النّور المذكور في الآية نور الهدى والعلم لا نور الشّمس والقمر.
وكلّ مجاز لم يدلّ على المراد منه أحد هذه القرائن الثّلاث, لم يصحّ التّجوّز به في لغة العرب بإجماع علماء المعاني والبيان وأئمة هذ الشأن, فإذا عرفت ذلك فاعلم أنّ القرينة العقلية إنّما يصحّ الاستدلال