← Акыда

Акыда · id 36427

الروض الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم - صلى الله عليه وسلم -

ابن الوزير

Полный текст (691 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

قال ابن دحية: عباد الله! اعجبوا من آراء هؤلاء الملاعين وعقولهم! إذ قتلوا الحسين بن فاطمة [ولد] (١) رسول الله ﷺ , ثمّ أكبّوا في شمالهم على شرب شمولهم, تعساً لشيوخهم وكهولهم! أفي صلاتهم يصلّون على محمد وآله, ثم يمنعونهم من شرب نطفة (٢) من الفرات وزلاله, ويجتمعون على قتله وقتاله, ويذبحونه ولا يستحيون من نور شيبته وجماله, أما والله إنّ حقّ رسول الله ﷺ على أمّته أن يعظّموا تراب نعل قدمه, بل تراب نعل خادم من خدمه, ليت شعري ما اعتذر هؤلاء (٣الشّطّار الخبثة (٣) الأشرار, في قتل هؤلاء الأخيار, عند محمّد المختار, ((يوم لا ينفع الظّالمين معذرتهم ولهم الّلعنة ولهم سوء الدّار)) [غافر/٥٢]. وقد سلّط الله عليهم المختار, فقتلهم حتّى أوردهم النّار. وأخرج التّرمذي في ((جامعه الكبير)) (٤) ما هذا نصّه: ((حدّثنا واصل بن عبد الأعلى, حدّثنا أبو معاوية, عن الأعمش, عن عمارة بن عمير, قال: لما جيء برأس [عبيد] (٥) الله بن زياد وأصحابه, نضّدت في المسجد, فانتهيت إليهم وهم يقولون: قد جاءت, قد جاءت, فإذا

стр. 492

حيّة قد جاءت تخلّل الرّءوس حتّى دخلت في منخري عبيد الله, فمكثت هنيهة, ثم خرجت, فذهبت حتّى تغيّبت, ثمّ قالوا: قد جاءت, ففعلت ذلك مرّتين أو ثلاثاً. هذا حديث حسن صحيح)). انتهى المنقول من كتاب ((العلم المشهور في فضل الأيّام والشّهور)) للحافظ المحدّث الشّهير بأبي الخطّاب بن دحية. وفيما ذكره أوضح دليل على براءة المحدّثين وأهل السّنة مما افتراه عليهم المعترض من نسبتهم إلى التّشيّع ليزيد, وتصويب قتلة الحسين بن علي ﵉ وكيف وهذه رواياتهم مفصحة بضدّ ذلك كما بيّنّاه في ((مسند أحمد)) و ((صحيح البخاري)) و ((جامع التّرمذيّ)) وأمثالها!! وهذه الكتب هي مفزعهم, وإلى ما فيها مرجعهم, /وهي التي يخضعون لنصوصها, ويقصرون التّعظيم عليها بخصوصها. وقال ابن خلكان (١) في ترجمة أبي الحسن عليّ بن محمد الملقّب عماد الدّين, المعروف بالكيا الهرّاسي (٢) الشّافعيّ ما لفظه: ((وسئل إلكيا عن يزيد بن معاوية فقال: إنّه لم يكن من الصّحابة, لأنّه ولد في أيّام عمر ابن الخطّاب ﵁ , وأمّا قول السّلف؛ ففيه لأحمد قولان: تلويح وتصريح, ولمالك قولان: تلويح

стр. 493

وتصريح, ولأبي حنيفة قولان: تلويح وتصريح, ولنا قول واحد: تصريح دون تلويح. كيف لا يكون كذلك وهو اللاعب بالنرد, والمتصيّد بالفهود, ومدمن الخمر, وشعره في الخمر معلوم, ومنه قوله: أقول لصحب ضمّت الكأس شملهم ... وداعي صبابات الهوى يترنّم خذوا بنصيب من نعيم ولذّة ... فكلّ وإن طال المدى يتصرّم وكتب فصلاً طويلاً, ثمّ قلب الورقة وكتب: لو مددت ببياض لمددت العنان في مخازي هذا الرّجل؛ وكتب فلان ابن فلان)). انتهى كلام إلكيا, وفيه ما ترى من نقل مذاهب الأئمة الأربعة؛ فأمّا الشّافعية فقد بيّن أنّ لهم فيه قولاً واحداً تصريحاً غير تلويح, وأمّا سائر الأئمة فقد صرّحوا تارة ولوّحوا أخرى, وإنّما لوّحوا بتضليله في بعض الأحوال, وفي هذا أكبر دليل على عدالتهم؛ لأنّهم حين خافوا لوّحوا بتضليله, ولو عملوا بالرّخصة لصرّحوا بالثناء عليه عند الخوف, وهذا كلام شيخ الشّافعيّة. قال ابن خلكان (١): ((تفقّه بالجويني مدّة إلى أن برع. قال الحافظ عبد الغافر بن إسماعيل الفارسي فيه: كان من رؤوس معيدي إمام الحرمين في الدّروس, وكان ثاني أبي [حامد] (٢) الغزّالي, بل كان

стр. 494

آصل وأصلح وأطيب في [الصّوت] (١) والنّظر, وارتفع شأنه, وتولّى القضاء, وكان محدّثاً يستعمل الحديث في مناظراته ومجالسه. ومن كلامه: إذا جالت فرسان الأحاديث في ميادين الكفاح, طارت رؤوس المقاييس في مهبّات (٢) الرّياح. ولمّا حكى ابن خلكان كلام الحافظ (٣) عماد الدّين هذا, أورد بعده كلاماً رواه عن الغزّالي, فكلام الغزّالي ذلك شاهد ببراءة الغزّالي من القول بتصويب يزيد في قتل الحسين, وإنّما تكلّم في مسألتين غير ذلك: إحداهما: تحريم اللّعن ولم يخص [يزيد] (٤) بذلك, فهو مذهبه في كلّ فاسق وكافر كما رواه عنه النّووي في ((الأذكار)) (٥) , وقد ذكر النّووي أنّ ظاهر الأخبار خلاف ذلك, وقد أفردت الكلام على ذلك في كرّاس. وثانيهما: القول بأنّ العلم برضا يزيد بقتل الحسين متعذّر, وليس في هذا نزاع, ولو أقرّ يزيد بلفظ صريح وسمعنا ذلك منه, لم نعلم أن باطنه كما أظهر, وقد جهل رسول الله ﷺ بواطن المنافقين, ووكل علم ذلك إلى الله تعالى, ولكن الحكم للظّاهر.

стр. 495

وقد روى البخاريّ ﵀ في ((صحيحه)) (١) عن عمر بن الخطّاب ﵁ أنّه قال: ((إنّ ناساً كانوا يؤخذون بالوحي على عهد رسول الله ﷺ , وإن الوحي قد انقطع, فمن أظهر لنا خيراً أمّنّاه وقرّبناه, وليس بنا من سريرته شيء, ومن أظهر لنا سوءاً لم نأمنه ولم نصدّقه, وإن قال: إنّ سريرته حسنة)). الفصل الثّالث: في بيان موضع الخلاف. فاعلم أنّ الفقهاء [لم يخالفونا] (٢) في شرائط الإمامة التي زعم المعترض أنّهم خالفوا فيها, قال النّووي /في ((الرّوضة)) (٣): ((شروط الإمامة: أن يكون الإمام: مكلّفاً, مسلماً عدلاً حرّاً ذكراً, عالماً مجتهداً, شجاعاً ذا رأي وكفاية, سميعاً بصيراً, ناطقاً قرشيّاً)) ونحو ذلك, [قاله] (٤) العمراني في كتابه ((البيان)) (٥).

стр. 496

وقال القاضي عيّاض: لا تنعقد الإمامة لفاسق ابتداءً (١) , بل قال النّووي في ((الرّوضة)) (٢) في كتاب الزّكاة: ((يشترط في السّاعي كونه مكلّفاً مسلماً, عدلاً حرّاً, فقهياً بأبواب الزّكاة)) إلى آخر كلامه في ذلك. وقال الإمام إبراهيم بن تاج الدين (٣) في كتابه إلى الملك المظفّر ما لفظه: ((هذا والجهابذة من أتباع الحبر العلامة محمد بن إدريس (٤) ﵁ يقولون: إنّه لا بدّ أن يكون في الأمّة من قائم بأمر الإسلام, من حقّه بعد المنصب أن يكون جامعاً للفضائل منزّهاً عن الرّذائل)). انتهى كلامه. وفيه شهادة لهم من خصومهم, وممن هو مقبول النّقل عند المعترض, فإن قلت: فأين موضع الخلاف بينهم وبين المعتزلة والشّيعة؟ قلت: في موضعين: الموضع الأوّل: أنّهم ذكروا أنّ الخروج على أئمة الجور متى كان مؤدياً إلى أعظم من جورهم؛ من إراقة الدّماء, وفساد ذات البين,

стр. 497

حرّم تحريماً ظنّياً اجتهاديّاً [مختلفاً] (١) في صحّته بين علمائهم وسائر علماء الإسلام, كما قدّمنا في الفصل الثّاني (٢) , وللزّيديّة والمعتزلة ما يلزمهم موافقة الفقهاء على هذا, فإنّهم نصّوا في باب النّهي عن المنكر على أنّه لا يحسن متى كان يؤدّي إلى وقوع منكر اكبر منه, والمسألة واحدة. الموضع الثّاني: -وهو محلّ الخلاف على الحقيقة- وهو في صحّة أخذ الولاية من أئمة الجور على ما يتعلّق بمصالح المسلمين من القضاء ونحوه, وقد وافقهم على أخذ ولاية القضاء من أئمة الجور: إمام الزّيديّة المؤيّد بالله, ذكره في كتاب ((الزّيادات)) , واحتجّ عليه وبالغ في ذلك, والمسألة ظنّية ليس فيها نصّ معلوم اللفظ والمعنى, ولا إجماع قطعيّ, وقد تمسّك جمهور الفقهاء في هذا الأمر بظواهر الأحاديث الواردة في طاعة السّلطان, وأنّه وليّ من لا وليّ لها من النّساء في التّزويج, والأحاديث في ذلك كثيرة شهيرة لا حاجة إلى ذكرها, وفي بعضها ما يدلّ على أنّ السّلطان قد يكون جائراً بلفظ خاصّ مثل الحديث المرفوع: ((وإنّما الإمام جنّة يتّقى بها ويقاتل من ورائه, فإن عدل كان له بذلك أجراً, وإن جار كان عليه بذلك وزر)) رواه البخاري (٣). وحديث مسلم (٤) وفيه: ((فإن كان

стр. 498

لله خليفة في الأرض فاسمع وأطع وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك)) والحديث الذي فيه: ((أرأيت إن كان علينا أمراء يمنعونا حقّنا ويسألونا حقّهم؟ قال: أعطوهم حقّهم, وسلوا الله حقّكم)) (١) ونحو هذا ممّا يطول ذكره, وبقيّة الأحاديث تدلّ على ذلك بإطلاقها, فإنّ المرجع (٢) في تفسير السّلطان إلى اللّغة. وأمّا المعتزلة والشّيعة فاحتجّوا بالسّمع والرّأي؛ أمّا السّمع فبعمومات مثل قوله تعالى: ((قال إنّي جاعلك للنّاس إماماً قال ومن ذرّيّتي قال لا ينال عهدي الظّالمين)) [البقرة/١٢٤]. وللفقهاء أن يجيبوا في هذه الآية بوجوه: أحدها: أنّ الإمامة المذكورة في الآية هي النّبوّة؛ لأنّ إبراهيم ... ﵇ سأل لذرّيته الإمامة التي جعلها الله /تعالى له وهي النّبوّة. وثانيها: أنّ الإمامة التي في الآية مجملة محتملة لإمامة النّبوّة,

стр. 499

وإمامة خلافة النّبوّة, وأدلّة الفقهاء المتقدمة نصوص في خلافة النّبوّة فكانت أخصّ. وثالثها: أنّ الآية من شرع من كان قبلنا, وقد ورد في شرعنا ما يخالفها, وليس يجوز العمل بشرع من قبلنا مع مخالفة شرعنا له إجماعاً, وسائر أدلّة المعتزلة والشّيعة من هذا القبيل؛ إمّا دليل صحيح في لفظه لكنّه ليس بنصّ, أو دليل نصّ في المسألة لكن صحته غير مسلّمة. وأمّا الرّأي فقالوا: الإمام راع منصوب للمصلحة, فإذا كان مهلكاً للرّعيّة, مفسداً في الأرض, كان المسترعي له مثل المسترعي للذئب على الغنم, ومطفي مشبوب النّيران بالضّرم. وللفقهاء أن يجيبوا عن ذلك بأنّهم لم يخالفوا في جواز اختياره, فقد قدّمنا نصّ القاضي عيّاض على أنّه لا يصح نصب الفاسق ابتداءً, ولا حرّموا الخروج عليه إلا إذا غلب على الظّنّ أنّ المفسدة في الخروج عليه أعظم من مفسدة ولايته, وقد أجمع العقلاء, وأطبق أهل الرّأي على وجوب احتمال المضرّة الخفيفة متى كانت دافعة لما هو أعظم منها, ولذلك وجب قطع العضو المتآكل متى غلب على الظّنّ أنّه إن لم يقطع سرى إلى الجسد, وكان سبب الهلاك, فبان بهذا أنّ الفقهاء -أيضاً- قد تمسّكوا في هذا النًصّ السّمعي والرّأي العقلي, وسيأتي لهذا مزيد بيان في الفصل الخامس -إن شاء الله تعالى-. الفصل الرّابع: في بيان أنّهم وإن قالوا بصحة أخذ الولاية في المصالح من أئمة الجور؛ فلم يجعلوهم مثل أئمة العدل مطلقاً في

стр. 500

جميع الأمور, وذلك ظاهر في كتبهم, والذي يدلّ عليه وجوه: الأوّل: أنّهم نصّوا على اشتراط العدالة والعلم في الإمام. الثّاني: أنّه يحرم نصب الإمام الجائر عندهم والرّضا باختياره. الثّالث: أنّه يحرم على الجائر التّغلّب على الإمامة ويأثم بها, نصّ عليه النّووي في ((الرّوضة)). الرّابع: أنّ الخارج على الجائر لا يكون باغياً كما قدّمنا نصّ النّووي على ذلك في ((الرّوضة)) (١) بل رواه النّووي عن العلماء. الخامس: أنّهم منعوا من جواز تسليم بيت المال إليه على سبيل الاختيار؛ فإنّ الإمام النّووي لما ذكر في ((الرّوضة)) (٢) عن الإمام الشّافعي ﵀ أنّه يقول بميراث ذوي الأرحام, ولا يقول برد ما بقي من مال الميراث على ذوي السّهام, ذكر أنّ ذلك على الصّحيح إنّما يكون مع استقامة بيت المال بولاية العادل, وأنّه متى ولي بيت المال جائر ردّ بقية المال على الورثة, وورث ذووا الأرحام, ولم يعط الإمام الجائر, قال النّووي: وبه أفتى أكثر المتأخرين, وهو الصّحيح والأصح /عند محقّقي أصحابنا ومتقدميهم, قال ابن سراقة (٣): وهو قول عامّة مشايخنا, وعليه الفتوى اليوم في الأمصار, ونقله صاحب

стр. 501

((الحاوي)) عن مذهب الشّافعي, قال: ((وغلط الشيخ أبو حامد في مخالفته)) هذا كلّه لفظ الإمام النّووي ﵀. وهو دالّ على أنّهم لا يعتقدون أنّ للجائر من الحقوق مثل ما للعادل, وكذا قال النّووي في ((الرّوضة)) (١) عن الماوردي أنّه قال (٢): ((إذا كان العامل جائراً في أخذ الصّدقة عادلاً في قمستها جاز كتمها عنه ... (١ودفعها إليه, وإذا كان عادلاً في الأخذ جائراً في القسمة وجب كتمها عنه (٣) وإنّما اختصّ بهذا الماورديّ لأنّ المسألة مفروضة في جور العامل, لا في جور الإمام, ولأنّ الامتناع من تسليم الصّدقات إليهم غير مقدور؛ لأنّ ذلك يكون سبباً في فساد عظيم كما قدّمنا. الفصل الخامس: في بيان عظيم غلط المعترض على الفقهاء, حيث ظنّ أنّهم يصوّبون أئمة الجور في قتلهم الذين يأمرون بالقسط من النّاس (٢وبيان أنّ الفقهاء إنّما قصدوا حقن دماء الذين يأمرون بالقسط من النّاس (٤) , بل نظروا في مصالح الجميع في الخاصّة والعامّة, وعملوا بمقتضى قواعد الشّريعة في رعاية المصالح, وذلك أنّه لا يشكّ من تأمّل أنّ أكثر الأقطار الإسلامية قد غلب عليها أئمة الجور من بعد انقراض عصر الصّحابة؛ فإنّ الشّام ومصر والغرب والهند والسّند, والحجاز والجزيرة, والعراقين واليمن, وسائر أقطار المملكة

стр. 502

الإسلامية ما استدامت فيها دولة حقّ منذ قرون عديدة, ودهور طويلة, فلا شك أنّ في هذه الأقاليم من عامّة أهل الإسلام عوالم لا يخصون, وخلائق لا ينحصرون, ولا شكّ أنّهم في هذه القرون العديدة, والدّهور الطّويلة لو تركوا هملاً لا يقام فيهم حدّ, ولا يقضى فيهم بحقّ, ولا يجاهد فيهم الطّغاة, ولا يؤدّب منهم العصاة: لفشا الفساد, وتظالم العباد, ومرج أمر المسلمين, وتعطّلت أحكام ربّ العالمين. وقد علمنا على الجملة أنّ الله تعالى ما أراد بإقامة الحدود إلا زجر أهل المعاصي, ولا أراد بالجهاد إلا حفظ حوزة الإسلام وإرغام أعاديه من أهل الإجرام؛ فمتى توقّفت هذه المصالح على شرط وتعذّر تحصيله لم يعتبر ذلك الشّرط, وقد ذكر العلماء لذلك نظائر: منها: نكاح المرأة بغير إذن وليّها متى غاب وليّها, أو بَعُد مكانه, أو جهلت حياته, فقد ترك كثير من العلماء شرط العقد المشروع -وهو رضا الولي- لأجل مصلحة امرأة واحدة, وخوف مضرّتها!. ومنها: /نظرهم في تزويج امرأة المفقود, فكيف بمصلحة عوالم من المسلمين وخوف مضرّتهم؟!. ومنها: الانتفاع باللّقطة بعد تعريف سنة لأن المال مخلوق للمنفعة غالباً, فلمّا تعذّر انتفاع صاحبه به انتفع به غيره كي لا يبقى هملاً لا نفع فيه, ولهذا قال ﵇ في ضالّة الغنم: ((إنّما هي لك أو لأخيك أو للذئب)) (١) فزال شرط حلّ المال, وهو رضا المالك

стр. 503

لما تعذّر, فهذه مصلحة شخصيّة غير ضرورية, فكيف بالكليّة الضّروريّة!. ومنها: ما أجمع عليه الصّحابة ﵃ من الزّيادة في حدّ الخمر, ففي ((الصّحيح)) عن أنس - ﵁ قال: ((جلد رسول الله ﷺ في الخمر بالجريد والنّعال, وجلد أبو بكر أربعين, فلمّا ولي عمر دعا النّاس فقال لهم: إنّ النّاس دنوا من الرّيف, فما ترون في حدّ الخمر؟ فقال عبد الرحمن: نرى أن تجعله كأخف الحدود فجلد فيه ثمانين)). أخرجه مسلم (١) وأبو داود (٢) , وأخرج البخاري (٣) وابن ماجه (٤) بعضه. وعن حُضين بن المنذر عن عليّ ﵁: ((جلد رسول الله ﷺ أربعين -وأحسبه قال: وجلد أبو بكر أربعين- وجلد عمر ثمانين وكلّ سنّة وهذا أحبّ إليّ)) أخرجه مسلم (٥) , وأبو داود (٦) , وابن ماجه (٧).

стр. 504

فجلد الثمانين في الخمر قد شاع في الصّحابة واستمرّ عليه عمل الأمّة إلى هذا العصر, مع أنّه غير منصوص في كتاب ولا سنّة, وإنّما عمل به للمصلحة, فدلّ على إجماع الصّحابة ومن بعدهم على جواز العمل بالمصالح ما لم تصادم النّصوص. ومن المعلوم أنّ أخذ الولاية من أئمة الجور في ممالك الإسلام, وإقامة الحدود, واستخراج الحقوق, والقضاء بين الخصوم: من أعظم المصالح العامّة, وآكد الفرائض المهمّة, وقد ورد القرآن الكريم بقتل النّفس لمصلحة غير كلّية, وذلك في قصّة يونس ﵇ قال تعالى: ((فساهم فكان من المدحضين)) [الصافات/١٤١] فألقى بنفسه الكريمة لأجل مصلحة أهل السفينة, وإن كان هذا من شرع من قبلنا؛ فالصّحيح: أنّ ما حكاه الله تعالى في كتابنا من ذلك فهو حجّة لقوله ﷺ في قصّة كسر سنّ الرّبيع بنت معوّذ: ((القصاص كتاب الله)) , وهو في ((الصحيح)) (١) ولم يرد السنّ بالسّنّ في كتاب الله إلا حكاية عن شرع من قبلنا في قوله تعالى: ((وكتبنا عليهم فيها)) الآية [المائدة/٤٥]. وكذا في ((الصّحيح)) (٢) مرفوعاً: ((من نام عن صلاته أو نسيها فوقتها حين يذكرها)) ثمّ تلا رسول الله ﷺ : ((وأقم الصلاة لذكري)) [طه/١٤] فاحتج ﵇ بالآية وهي في خطاب

стр. 505

موسى ﵇ , وفي هذا دليل على أن المصلحة يجوز أن تكون جزئية؛ لأنّ أهل السّفينة بعض المسلمين, ويجوز أن تكون ظنّيّة؛ لأنّه لا سبيل إلى العلم بما يقع فيه أهل الإسلام في المستقبل, وقد تكلّم غير واحد من العلماء في المصالح /وهذا (المختصر) لا يحتمل التّطويل بذكر ذلك, وأحسن من تكلّم في ذلك العلامة الكبير عزّ الدّين بن عبد السّلام في كتابه ((قواعد الأحكام في مصالح الأنام)). الوهم الثّامن عشر: قدح المعترض على المحدّثين بالرّواية عن الزّهري, وجرح الزّهري بمخالطته للسّلاطين وإعانتهم على الظلم. فأمّا مخالطة السّلاطين فقد كانت منه, ومن غير واحد ممّن أجمع أهل العلم على عدالتهم وفضلهم, ونبلهم, مثل: الإمام عليّ بن موسى الرّضى, والقاضي أبي يوسف -رحمهما الله تعالى-, ومن لا يأتي عليه العدّ. وأمّا الإعانة على الظّلم فدعوى على الزّهري غير صحيحة, وقد ذكر العلماء ﵃ ما يجوز من مخالطة الظّلمة, وفرقوا بين المداراة والمداهنة. قال القاضي عياض و [المازري] (١) في ((شرح مسلم)): المداهنة: بما كان من أمر الدّين, مثل أن يفتيه بغير حقّ, والمداراة: ما كان من أمور الدّنيا. قلت: الحجج على جواز المخالطة إذا لم يكن معها معصية ظاهرة, ولنذكر منها وجوهاً.

стр. 506

الوجه الأوّل: الحديث الصّحيح, والنّصّ الصّريح, وهو قوله ﷺ في أئمة الجور: ((فمن غشي أبوابهم فصدّقهم في كذبهم, وأعانهم على ظلمهم فليس منّي, ولست منه, وليس بوارد عليّ الحوض يوم القيامة, ومن غشيها أو لم يغشها, فلم يصدّقهم في كذبهم ولم يعنهم على ظلمهم فهو منّي وأنا منه وهو وارد عليّ الحوض يوم القيامة)) رواه التّرمذي في موضعين من ((جامعه)) (١) بإسنادين مختلفين, أحدهما: صحيح وعليه الاعتماد, والثّاني: معلول (٢). ومن ذلك ما روى أبو داود (٣) عن النّبي ﷺ : ((أنّه نهى عن المسألة إلا أن يسأل الرّجل ذا سلطان)) والمسألة لا تمكن إلا بضرب من المخالطة.

стр. 507

الوجه الثّاني: قوله تعالى: ((لا ينهاكم الله عن الذين يقاتلونكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبرّوهم وتقسطوا إليهم إنّ الله يحبّ المقسطين)) الآية [الممتحنة/٨] , وعمومها وسبب نزولها يستلزم جواز المخالطة ونحوها, وقد بيّنت ذلك في ((الأصل)) (١). الوجه الثّالث: قصّة يوسف ﵇ ومخالطته لعزيز مصر وقوله: ((اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم)) [يوسف/٥٥] وقد تقدّم الكلام على ما يتعلّق بشرع من قبلنا (٢) , وقد بسطت الكلام في هذه المسألة في ((الأصل)) (٣) في قدر كرّاس ونصف أو يزيد, وأوضحت غلط المعترض في هذه المسألة, وبيّنت جلالة الزّهري واجتهاده واعتداد العلماء بخلافه, وقبول أصحاب المعترض لحديثه, واحتجاجهم بروايته ولله الحمد. الوهم التّاسع عشر: روى قصّة ليحيى بن عبد الله بن الحسن ... ﵃ مع أبي البختري وهب بن وهب القاضي المدني, والقصة مشتملة على شهادة /زور وقعت بأمر هذا القاضي مع جماعة كثيرين, وقدح (٤) بذلك في المحدّثين وفي صحة حديثهم, وهذا غلوّ وإسراف في التّهويل والإرجاف, لأنّه لا ملازمة بين رواة الحديث وبين جماعة شهدوا زوراً في واقعة معيّنة, إلا أن يذكر المعترض من

стр. 508

شهد تلك الشّهادة من رواة الحديث, مع أنّ في كلام المعترض ما ينقض حجّته, فإنّه ذكر أنّهم خافوا من هارون الرّشيد إن لم يشهدوا, والخوف من سطوة أئمة الجور يبيح كلمة الكفر, كيف شهادة الزور؟! قال الله تعالى: ((إلا من أكره وقلبه مطمئنٌ بالإيمان)) [النحل/١٠٦] على أنّ هذه القصّة التي أشار إليها غير معلومة الصّحة, ولا رواها بإسناد صحيح, وهي أحقر من أن تجاب, لولا محبّة الذّبّ عن أهل السّنّة (١) , وهداية من يغترّ بمثل هذه الشّبهة. الوهم الموفّي عشرين: وهم المعترض أنّ أبا البختري وهب بن وهب ابن [كبير] (٢) القاضي القرشي المدني, من رواة الصّحاح, وقد ذكرت في ((الأصل)) (٣) اتفاق علماء الحديث على جرحه, وتصريحهم في كتب الرّجال بتكذيبه, ونقلت كلام العلامة أبي عبد الله الذّهبي فيه في كتاب ((ميزان الاعتدال, في نقد الرّجال)) (٤) وقد وهم المسكين أنّه من رواة التّرمذي, وليس كذلك, وإنّما روى الجماعة عن أبي البختري سعيد بن فيروز الطّائي التّابعي الجليل الرّاوي عن عليّ ﵁ وهما مختلفان نسباً واسماً, وصفة وزماناً, كما

стр. 509

أوضحته في ((الأصل)) (١). قال: ((الوجه الرّابع: ممّا يدلّ على أنّ في أخبار كتبهم التي يسمّونها الصّحاح ما هو مردود: أنّ في أخبار هذه الكتب ما يثبت التّجيسم والجبر والإرجاء ونسبة ما لا يجوز إلى الأنبياء, ومثل ذلك يضرب به وجه راويه, وأقلّ أحواله أن يكذّب فيه)) إلى آخر كلامه في هذا الفصل. أقول: هذا مقام وعر قد تعرّض له المعترض وأبدى صفحته, ورام أن يكذّب الرّواة فيما (٢) لم يفهم تأويله, وهذا بحر عميق لا يمكن (٣) ركوبه إلا في سفين البراهين القاطعة, وليل بهيم لا يحسن مسراه إلا بعد طلوع أهلّة الأدلّة السّاطعة, وسوف أجيب على ما ذكره, وأذكر من حججه ما سطّره, وقد استوفيت الجواب في ((الأصل)) (٤) وأشبعت الكلام في هذا الفصل, وذكرت من المقدّمات ومراتب التّأويل ما لا يسع الخائض في علم الحديث جهله, وسوف أشير إلى عيون يسيرة من ذلك: المقدّمة الأولى: كلّ ما خالف الأدلّة القاطعة العلمية من الأحاديث الظّنّيّة في متنها, أو في معناها وجب العمل بالقطعيّ دون الظّنيّ إجماعاً, وفيه تنبيهان:

стр. 510

الأوّل: أنّ كثيراً من المتكلّمين يظنّ في بعض الشّبه دليل قطعي, فيخالف الحديث الصّحيح لذلك, معتقداً فيمن عمل بالحديث أنّه يقدّم الظّنّ على العلم, وهذا جهل مفرط, فليس في العقلاء -دع عنك المسلمين- من يقدّم المظنون على المعلوم. الثّاني: أنّ كثيراً ممّن لا يعرف الحديث ويمارس علومه يظنّ في بعض الأحادث أنّها ظنّية وهي متواترة تواتراً (١) لفظيّاً /أو معنوياً, فليحترز الحاذق من الوقوع في ذلك. المقدمة الثّانية: أنّ التّأويل المتعسّف مردود, وفيه تنبيهان: أحدهما: أنّ الحكم بأنّه متعسّف صعب لا يتمكّن من معرفته إلا الرّاسخون في العلم. وثانيهما: أنّه لا يلزم من ردّ بعض التّأويلات القطع بأنّه لا تأويل للحديث غير متعسّف, فإنّه قد يأتي بعض البلداء فيتعرّض للتّأويل؛ [فيقع] (٢) ذهنه على تأويل رديء مردود فيحسب (٣) هو أو غيره ممّن يقف على تأويله أنّه لا تأويل للحديث إلا ذلك, فإذا انكشف بطلان ذلك التأويل تطرّقوا في ذلك إلى القدح في الحديث, وهذا باطل! فإنّ أقصى ما في الباب: أن يطلب المتأوّل تأويلاً صحيحاً فلا يجد, لكن عدم الوجدان في النّظر لايدلّ على عدم المطلوب من الوجود, وذلك

стр. 511

لأنّ الباحث عن التّأويل إمّا أن يكون من العلماء أو لا. والثّاني: ليس له أن يتأوّل قطعاً, والأوّل: إمّا أن يكون من الرّاسخين في العلم أو لا. الثّاني: ليس له أن يتأوّل ظاهراً؛ لأنّ الله تعالى لم يجعل ذلك له, في جميع أقوال المفسرين لقوله تعالى: ((وما يعلم تأويله إلا الله والرّاسخون في العلم يقولون آمنا به)) [آل عمران/٧] وأمّا الأوّل -وهم الرّاسخون في العلم- فأمّا أن يكون الجاهل بالتّأويل بعضهم أو كلّهم؛ إن كان بعضهم فلا مانع منه؛ لأنّ لم تثبت العلم بالتّأويل لبعضهم بنصّ ولا ظاهر, كما أنّ آيات الإجماع لم تثبت حرمة مخالفة بعض الأمّة (١). ويدلّ عليه أنّ الرّاسخين من جميع الفرق يختلفون في التّأويل على وجوه متنافية, فلو كان الواحد منهم لا يجوز عليه الخطأ في التّأويل لم يصح ذلك, ولم يكن لمن بعده مخالفته, ويدلّ عليه: أنّ موسى الكليم من الرّاسخين إجماعاً مع أنّه ما عرف تأويل ما احاط الخضر بتأويله, فكيف يحيط غير الكليم بعلم الله؟ مع أنّ علم الكليم والخضر في علم الله تعالى, كما يأخذ الطّائر بمنقاره من البحر, كما قال الخضر ﵇ (٢) , وإن كان الجاهل بالتّأويل كلّهم فههنا يظهر الخلاف في معنى الآية, والظّاهر أنّه لا يعلمه إلا الله تعالى, لقوله تعالى في هذه الآية في ذمّ الذين في قلوبهم زيغ: ((ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله)) [آل عمران/٧] وقد تأوّلها المخالفون بأنّ المراد ابتغاء تأويله الذي يوافق أهوائهم, فجعلوها من المتشابه, مع أنّ المرجع

стр. 512

إليها في الفرق بين المتشابه والمحكم وهذا بعيد, وهو أيضاً تأويل بغير دليل قاطع, فلا مانع من ورود السّمع بالنّهي عن تأويل المتشابه, سواء كان الرّاسخون متمكنين (١) من معرفته أو لا. وأمّا قولهم: إنّه يلزم من ذلك نسبة العبث إلى الله تعالى؛ فغلط واضح, فإنّ العبث ما لاحكمة فيه, وليس الحكمة مقصورة على معرفة التّأويل, فإنّ الإيمان بالتّنزيل, والتّعظيم له والتّجليل, حكمة بالغة, وكذلك الإيمان بمراد الله تعالى على سبيل الجملة فيه تكليف. مع أنّه يقال لهم: إمّا أن توجبوا على جميع المكلّفين بذلك فهذا باطل بالقرآن والاتفاق, أمّا القرآن فالآية المقدّمة, وأمّا الإجماع فهو منعقد /على سقوط ذلك عن العامّي والعجميّ, بل على تحريمه عليهما, وإذا كان علم البعض بالتأويل يكفي فلعلّ علم الملائكة والأنبياء بذلك كافّ, فمن أين يلزم ما زعم بعض المعتزلة من استلزم ذلك للعبث في حقّه جلّ وعلا, وقد حكى القاضي عياض في كتابه ((المعلم بفوائد شرح مسلم)) (٢): أنّ قوله تعالى في هذه الآية: ((والرّاسخون في العلم)) من المتشابه المحتمل؛ وهذا أيضاً بعيد لما قدّمنا ذكره ولنقل الفرّاء للوقف على اسم الله تعالى, ولأنّ قوله تعالى في الثّناء عليهم: ((يقولون آمنا به كلّ من عند ربّنا)) , مناسب لإيمانهم بمراد الله تعالى على سبيل

стр. 513

الجملة, وليس فيه مناسبة لمعرفتهم للتّأويل على التّفصيل, والعمدة في ذلك ما قدّمنا من ذمّه تعالى لمن ابتغى تأويله ونصّه (١) على أنّه صفة الذين في قلوبهم زيغ, والله أعلم. المقدمة الثّالثة: أنّ المتشابه من القرآن ليس هو المجاز. لأنّ المجاز وقت نزول القرآن معروف عند [أجلاف] (٢) العرب وعبّاد الأصنام, وكلّ عربيّ اللّغة من مسلم وغيره, والمتشابه بخلافه, ألا ترى أنّ كلّ أحد منهم يعرف معنى قوله تعالى: ((واخفض لهما جناح الذّلّ من الرّحمة)) [الإسراء/٢٤] ونحو ذلك. فإن قلت: فما المتشابه؟ قلت: عندي أنه ما [لا] (٣) تدرك العقول معرفته, وهو قسمان: أحدهما: ما لا تعرفه العقول من حكمة الله تعالى, مثل خلق من المعلوم أنه من أهل النّار, وعنه وقع سؤال الملائكة والإجمال في الجواب عليهم. وثانيهما: ما لا تدركه العقول إلا بالسّمع, مثل كلام السّماء والأرض والنّملة ونحو ذلك ممّا ورد في السّمع, والقسم الأوّل أصعب, والدّليل على أنّه من المتشابه المحتاج إلى التّأويل: قوله تعالى في قصّة موسى والخضر ﵉: ((سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبراً)) [الكهف/٧٨] والدّليل في هذه الآية واضح على ما ذكرته. والله أعلم.

стр. 514

المقدّمة الرّابعة: في الإشارة إلى القرائن الدّالّة على التّجوز في الكلام وهي ثلاث: عقلية وعرفية ولفظية. مثال العقلية: قوله تعالى: ((وسئل القرية التي كنّا فيها والعير)) [يوسف/٨٢] فإنّ العقل يدرك أنّ سؤال القرية والعير لا يصح فيفهم أنّ المراد أهلهما. ومثال العرفيّة: قول القائل: بنى السّلطان سور المدينة, فإنّ مباشرة السّلطان لنقل الحجارة والتّراب غير محال في العقل ولكنّه ممتنع في العادة والعرف, فيفهم من ذلك: أنّ السلطان أمر بذلك. وما يجري مجراه, ومنه قوله تعالى: ((يا هامان ابن لي صرحاً)) [غافر/٣٦] أي مر من يبني, لأنّه لم يكن ممن يباشر مثل ذلك. وأمّا اللّفظية: فمثل: أسد شاكي السّلاح, أو حسن الثّياب, أو نحو ذلك. ومنه قوله تعالى: ((الله نور السماوات والأرض مثل نوره)) [النور/٣٥] فقوله: ((مثل نوره)) قرينة لفظية تدلّ على أنّه تعالى ليس بنور في ذاته, وإنّما هو خالق النّور, وأنّ معنى ((الله نور السماوات والأرض)) منوّرهما. وكذلك قوله تعالى: ((يهدي الله لنوره من يشاء)) فإنّه قرينة لفظية /تدلّ على أنّ النّور المذكور في الآية نور الهدى والعلم لا نور الشّمس والقمر. وكلّ مجاز لم يدلّ على المراد منه أحد هذه القرائن الثّلاث, لم يصحّ التّجوّز به في لغة العرب بإجماع علماء المعاني والبيان وأئمة هذ الشأن, فإذا عرفت ذلك فاعلم أنّ القرينة العقلية إنّما يصحّ الاستدلال

стр. 515

[على التّجوّز] (١) بها متى كان العقل يقطع على أنّ المتكلّم ممّن لا يصح منه إرادة ظاهر كلامه, فلهذه النّكتة يختلف الاستدلال بها: فيصح في مواضع فيما بين النّاس ولا يصح مثله في كلام الله تعالى, وكلام رسوله ﷺ , مثال ذلك: أنّا نفهم التّجوّز في قول الشّاعر: شكا إلىّ جملي طول السّرى يا ... جملي ليس إليّ المشتكى (٢) وذلك لأنّ العادة جرت أنّ العجماوات لا تكلّم النّاس, فأمّا ما روي عن رسول الله ﷺ أنّه قال: ((إنّ هذا الجمل شكا عليّ أنّك تجيعه وتُدئِبه)) (٣) فلا يفهم منه التّجوّز؛ لأنّا لم نعلم ولا نظنّ امتناع الظّاهر في حقّه ﷺ , بل يجوز مثل ذلك لكبار أولياء الله تعالى وخواصّ عباده الصّالحين نفع الله بهم. ومن ههنا اختلف كثير من المحدّثين والمعتزلة في تأويل كثير من الأحاديث والآيات مثل قوله تعالى: ((وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم)) [الإسراء/٤٤]. فالمعتزلة حملوه على المجاز لظنّهم أنّ الظّاهر لا يصح, وأهل الحديث لم (٤) يتأوّلوه, لقطعهم على أنّه لا مانع من صحّة الظّاهر, بالنّظر إلى قدرة الله تعالى وعلمه, فإنّه تعالى قادر على إنطاق كلّ شيء

стр. 516

بالإجماع من المعتزلي والمحدّث, وقد ورد في القرآن: ((عُلّمنا منطق الطّير)) [النّمل/١٦] وكلام الهدهد والنّملة مع سليمان ﵇ وتسبيح الجبال مع داود ... ﵇ وورد في السّنّة من ذلك ما لا يتّسع له هذا المكان, مثل: حنين الجذع إلى رسول الله ﷺ , وتسبيح الحصى في يده الشّريفة, وقد ذكر القاضي عيّاض -رحمه الله تعالى- جميع ذلك في كتابه ((الشّفاء)) (١) وقسمه في ثلاثة فصول بعضها في كلام الحيوانات من العجماوات, وبعضها في كلام الشّجر, وبعضها في كلام سائر الجمادت. فإذا تقرّر هذا؛ فاعلم أنّ عامّة أهل الأثر لما رأوا هذا داخلاً في قدرة الله تعالى, لم يتأوّلوا شيئاً مما ورد من ذلك مثل قوله تعالى: ((قالتا أتينا طائعين)) [فصّلت/١١] وليس يلزمهم من هذا أن يسبّح كلّ جزء من الأجسام اللّطيفة مثل ورقة التّين والقلم والسّواك, بل إذا سبّحت الأرض والسّماء ونحوهما فقد صدق أنّه يسبح لله تعالى كلّ شيء مثل ما أنّه يصدق أنّه قد سبّح لله تعالى كلّ شيء, من جنس الملائكة والأنبياء والمؤمنين, وإن لم يسبح منهم كلّ شعرة على انفرادها, على أنّه تعالى قادر على إنطاق كلّ جزء لطيف, فأصل الخلاف في تأويل هذه الآية وأمثالها على هذه النّكتة التي أشرت إليها, وقد يتوقّف المحدّث في استحالة أمور عقليّة وهي ظاهرة الاستحالة عند أهل النّظر في العقليات مثل حديث: ((إنّه يؤتى بالموت

стр. 517

على صورة كبش يوم القيامة/فيذبح)) (١) فمن لم يكن له أنس بعلم العقل لم يقطع باستحالة ظاهر هذا, فربما أجراه على ظاهره, وربّما توقّف في معناه, وأمّا أهل الكلام فظاهره محال (٢) عندهم فيجب تأويله؛ لأنّ الموت عندهم إمّا عرض أو عدم عرض, وكلّ ذلك لا يصح أن ينقلب حيواناً وإنّما تاويله عندهم: أن ذلك يخيل إلى أهل الجنّة كما يخيّل إلى النّائم أشياء لا حقيقة لها, أو يضرب ذكر ذلك مثلاً لثقتهم بالخلود, وأمانيهم من الموت كما يجري مثل ذلك في ألسنة البلغاء, ومن ذلك قول شيخ التّصوّف ابن الفارض نفع الله به (٣): وقالوا جرت حمرّا دموعك قلت عن ... أمور جرت في كثرة الشّوق قلّت نحرت لطيف السّهد في جفني الكرى ... قرى فجرى دمعي دمّا فوق وجنتي (٤) والخطر في تأويل مثل هذا والتّوقّف فيه يسير, ولكن قد يعرض من بعض المتكلّمين سخرية واستهانة [بمن] (٥) خالفهم في تأويل هذا

стр. 518

الجنس من أهل الأثر, وهذا قبيح ممّن فعله؛ لأنّ البحث عن هذا وإن كان من جليّات علم المعقول, فإنّه لا يجب البحث عنه على كلّ مسلم, بل ترك البحث عنه سنّة عند أهل الحديث, داخلة في عموم ما ورد من [الحثّ] (١) على الاقتداء برسول الله ﷺ وبأصحابه -رضي الله تعالى عنهم- والوقف في التّأويل مع عدم العلم بالموجب له هو الواجب, ومن فعل الواجب لا تحلّ غيبته, ولا تسقط حرمته, بل من اعتقد الظّاهر لأنّه يظنّ ذلك, وقدّرنا أنّه أخطأ لم يأثم ولم تحل غيبته؛ لأنّ المسلم قد يخطىء, وليس كلّ أمر جليّ في العقل يجب على المسلمين النّظر فيه, فإنّ من الجليّات عند أهل علم المعقول صحة قولنا: إذا صدق أنّ كلّ (ألف باء) وجب بالضّرورة أنّ بعض (الباء ألف) , وهذا وإن كان علماً ضروريّاً عند من عرف مقصدهم؛ فإنّه لا يلزم المسلمين أن يعرفوه, ولا يستحق جاهله الاستهانة والسّخرية, فقد جهله خير أمّة أخرجت [للنّاس] (٢) , وقد قدّمنا أنّ أهل علم الأثر لم يتركوا الخوض في ذلك لتبلّد (٣) أذهانهم عن فهمه, ولا لقصور عقولهم عن علمه -فهم أهل الفطن الوقّادة والفكر النقّاد- ولكنهم كرهوا الابتداع ورغبوا إلى الاتباع, وعضّوا النّواجذ على الاقتداء بالخلفاء الرّاشدين كما أوصاهم بذلك رسول الله ﷺ , وقد أوضحت هذا في (الوهم الثّاني عشر) فخذه من هنالك (٤).

стр. 519

المقدّمة الخامسة: في ذكر ترجيح التّأويل على التّكذيب فيما وجب تأويله من أحاديث الصّحاح التي ذكرها المعترض, وترجيح ذلك يظهر بذكر مرجّحات: المرجّح الأوّل: أنّ القطع أنّهم تعتمدوا الكذب [فيها] (١) يؤدّي إلى بطلان أمر مجمع على صحّته, وكلّ ما أدّى إلى ذلك فهو باطل, وقد تقدّم الكلام على إجماع طوائف الإسلام على الرّجوع إلى المحدّثين في علم الحديث, والاحتجاج بما رواه أئمتهم في مصنّفاتهم, فلا حاجة إلى إعادة ذلك. المرجّح الثّاني: قوله تعالى: ((ولا تقف ما ليس لك به علم)) [الإسراء/٣٦]. والقول بأنّ ثقات الرّواة قد تعمّدوا الكذب على رسول الله ﷺ /مما ليس لأحد به علم, ومن قطع بذلك؛ فقد قطع بغير تقدير, ولا هدى, ولا كتاب منير, وقد نهى رسول الله ﷺ عن تكذيب أهل الكتاب في حديثهم خوفاً من تكذيب الصّدق وردّ الحقّ, فإنّ الكافر قد يصدق, فهذا في حقّ اليهود القوم البهت, فكيف بثقات المسلمين وأئمة الدّين؟! المرجّح الثّالث: أنّ الخطأ في القبول أهون من الخطأ في الرّدّ والتّكذيب؛ لأنّا متى أخطأنا في القبول كان تصديقاً للنّبي ﷺ موقوفاً على شرط صحّة الحديث عنه, ومتى أخطأنا في التّكذيب كان تكذيباً لكلامه متى صحّ أنّه كلامه, والتّصديق الموقوف بالضّرورة, أقصى ما في الباب: أن يكون الخطأ في القبول

стр. 520

كذباً عليه والخطأ في الرّدّ تكذيباً لكلامه, لكن عمد الكذب عليه فسق وعمد التّكذيب كفر, والخطأ فيما عمده كفر, وهذا من ألطف المرجّحات وخفيّات المدارك النّظريّات. المرجّح الرّابع: أنّ القطع على الرواة بتعمّد الكذب تفسيق لهم, والتّأويل تصديق لهم, وتصديق المسلمين أولى من تفسيقهم لوجهين: أحدهما: أنّ الخطأ في العفو خير من الخطأ في العقوبة. وثانيهما: أنّه يخاف على من فسّق مسلماً أن يرجع الفسق عليه, فقد ورد في ((الصحيح)) (١): أنّ من دعا أخاه بالفسق وليس كذلك, [حار] (٢) عليه, أو كما ورد. المرجّح الخامس: أنّا وجدنا في كتاب الله تعالى شواهد لجميع ما أنكرته المبتدعة من أحاديث الصّحاح كما أوضحته في ((الأصل)) (٣) كما يأتي فيما نذكر تأويله إن شاء الله تعالى. المقدّمة السّادسة: في الإشارة إلى مراتب التّأويل والتّصديق,

стр. 521

وقد ذكرت في ((الأصل)) (١) من ذلك ست مراتب وطوّلت القول فيها, وقد رأيت الاقتصار في هذا (المختصر) على ذكر ثلاث مراتب. المرتبة الأولى: حمل الكلام على التّخيّل وهو رؤية مثال الشّيء في اليقظة, وهو كالمنام, إلا أنّه يكون في اليقظة, والأشعرية يجوّزون هذا, والمعتزلة تنكره إلا في حال النّوم, وعند تغيّر العقل من مرض أو غيره, ومن جوّزه يحتجّ له بأمور: أوّلها: قوله: ((فلما ألقوا سحروا أعين النّاس واسترهبوهم وجاءو بسحر عظيم)) [الأعراف/١١٦] وقوله تعالى: ((يخيّل إليه من سحرهم أنّها تسعى)) [طه/٦٦] وهذا مع نصّ القرآن عليه معلوم من أحوال السّحرة وخواصّ السّحر, وفيه دليل على صحّة (٢) ما أنكرته المعتزلة من رؤية ما لا وجود له في الحقيقة مع صحّة العقل. وثانيها: أنّ ذلك من العلوم الضّرورية التّجريبيّة المتواترة عن أرباب الرّياضيات وملازمة الخلوات, فإنّهم يرون في اليقظة مثل ما يرى النّاس في النّوم, ويسمعون مخاطبات من غير رؤية مخاطب, وقد ذكر الفخر الرّازي في ((المفاتيح)) أنّ هذا مما اعترفت به الفلاسفة / ولم تنكره, وإنما وقع النّزاع في ماهيّة ذلك, فأمّا جحده فعناد ودفع للضّرورة, وفيه ما يدلّ على بطلان قول المعتزلة. وثالثها: أنّه قد ثبت بالضّرورة أنّ العاقل المستيقظ قد يتخيّل الشّيء الواحد اثنين, ويتخيّل المستقيم معوجّاً, كما يتخيّل العود في

стр. 522

الماء, وهذا ممّا وافقت عليه المعتزلة, وهو يدلّ على جواز ما ذكرناه من صحّة تخيّل العاقل لما لا وجود له؛ لأنّ كلّ ذلك بصر كاذب في حال الصّحّة واليقظة؛ وإنّما كذب بخلل وقع وعذر اتّفق. وهذه المرتبة الأولى من مراتب التّأويل, ذكرها أبو حامد الغزّالي وجعل منها حديث رؤية النبي ﷺ في المنام, وهذا المثال غير مطابق؛ لأنّ الكلام في حال اليقظة غير (١) المنام, وكذلك أهل السّنة فإنّهم قد تأوّلوا أشياء بهذا التّأويل, ولكن بشرط المنام كما قالوا في حديث حمّاد بن سلمة عن قتادة عن عكرمة عن ابن عبّاس في رؤية النّبي ﷺ لربّه على تلك الصّفة المنكرة, وقد ذكره الذّهبي في ترجمة حمّاد في كتاب ((الميزان)) (٢) وساق طريقه ثمّ قال: ((فهذه الرّؤية إن صحّت رؤية منام)). وممّا جاء التّصريح في متن الحديث بأنّه كان في المنام قول أنس مرفوعاً في حديث المعراج: ((ثمّ دنا الجبار تعالى فتدلّى, فكان قاب قوسين أو أدنى)) (٣).

стр. 523

ومنه ما رواة التّرمذي (١) من حديث عبد الرّحمن بت عائش ﵁ عن النّبي ﷺ : ((أتاني ربّي في هذه اللّيلة فقال لي: أتدري فيم يختصم الملأ الأعلى)) , فقد جاء في الحديث ما يدلّ على أن هذا كان في المنام, فهذا كلّه متعلّق بالمنام. وأمّا ما ورد من ذلك عن النّبي صريحاً في اليقظة, وهو على سبيل التّخيّل؛ فلا أعلم أهل الحديث ذكروا من ذلك شيئاً, إلا ما ذكره ابن قتيبة في حديث موسى ﵇ وأنّه فقأ عين ملك الموت ﵇ كما سيأتي تحقيقه. قال ابن قتيبة (٢): ((أذهب موسى العين التي هي تخييل وتمثيل وليست حقيقة خلقته, (٢وعاد ملك الموت إلى حقيقة خلقته (٣) الرّوحانية كما كان لم ينقص منه شيء)) فهذا أكثر ما وجدت لأهل الحديث من التّأويل بهذا الوجه, مع أنّه لم يجعله من صريح هذا الوجه ولو جعله منه لقال: إن موسى في الحقيقة ما فقأ عيناً قط, وإنّما خيل إليه ذلك, فإن كان قصد هذا فقصرت عبارته عن مراده. وقد جاء في الأحاديث ما هو صريح في جواز وقوع هذا الوجه, ولكنّه ورد على جهة التّصريح من رسول الله ﷺ لا على جهة التّأويل

стр. 524

من المحدّثين, /فلهذا لم أعدّه من التّأويل. وكذلك حديث: رؤية النّاس للنّار والماء مع الدّجال, وأنّ ناره ماء وماءه نار, وهو حديث صحيح متّفق على صحّته من غير طريق. وفي حديث حذيفة المتّفق على صحّته (١): ((فأمّا الذي يرى النّاس أنّه نار فماء بارد, وأمّا الذي يرى النّاس أنّه ماء فنار تحرق, فمن أدرك ذلك منكم فليقع في الذي هو نار فهو ماء عذب بارد)). وكذا في الحديث الطّويل الثّابت صفة القيامة: ((فيتمثّل لكلّ فرقة معبودها فتتبعه حتّى يقدم بها في النّار ويتمثّل لمن كان يعبد عيسى فيتبعها حتّى تقذفه في النّار)) وهو ثابت في ((الصّحيح)) (٢). وقد جعل الغزّالي من هذا القبيل حديث رؤية النّبي ﷺ للجنّة والنّار وهو يصلّي بأصحابه صلاة الكسوف, وهو متفق على صحّته (٣) , ولكن الغزّالي بنى تأويله على أنّه ورد في الحديث: أنّ الجنّة والنّار عرضا على رسول ﷺ في عرض حائط, قال: وهو يستحيل أن يتّسع الحائط لهما على تقدير الوجود الحقيقي. قلت: ولم أجد هذه الزّيادة التي ذكرها في الكتب السّتّة

стр. 525

(١) , ولكن ذكرها ابن الأثير في ((النهاية)) (٢) , ولا شكّ أنّه قد يذكر الحديث الضّعيف في ((النّهاية)) (٣) فإذا صحّت فهي مثال حسن في هذا المعنى, وإذا لم تصح فلا مانع على قواعد أهل الحديث من رؤيتها على الحقيقة, وهذا باب واسع يتركّب عليه في التّأويل أمور كثيرة عند من يرغب إلى التّأويل, والله سبحانه أعلم. المرتبة الثانية: حمل الكلام على المجاز اللّغوي , وأكثر التّأويل يدور عليه, وفيه: الجلي (٤) والدّقيق والقريب والعميق, والمجاز: مرسل واستعارة, فالمرسل: الذي علاقته غير المشابهة كاليد في القدرة والنعمة, وله أقسام كثيرة, والاستعارة: حيث تكون العلاقة هي المشابهة, وهي مطلقة ومجرّدة ومرشّحة, فالمطلقة: التي لا تتبع بصفات المشبّه ولا بصفات المشبّه به, والمجرّدة: التي تتبع بصفات المشبّه مثل: أسد شاكي السّلاح, والمرشّحة: التي تتبع بصفات المشبّه به مثل قوله (٥): * له لبد أظفاره لم تقلّم * وقرائن المجاز ثلاث: عقلية وعرفية ولفظية, كما مرّ تمثيلها في

стр. 526

المقدّمة الرّابعة. فإذا عرفت هذا؛ فاعلم أنّ القرينة متى (١) كانت معروفة عند المتخاطبين, [أو] (٢) عليها دليل قاطع يوجب اليقين حسنت المبالغة في التّجوّز ولم يدخل في باب التّعمية للمراد والإلغاز في الخطاب, هذ عند المتكلّمين, وسواء كان القاطع جليّاً أو خفيّاً, وعند أهل الحديث: متى كانت القرينة معروفة عند المتخاطبين حسن /التّجوّز وزال الإشكال. والسّرّ كلّه في هذه النّكتة هي: ظهور القرينة وخفاؤها, وعلى ذلك يدور الخلاف بين المتكلّمين والمحدّثين في كثير من التّأويل, فإنّ المتكلّمين يجعلون قرينة التّجوّز في كثير من آيات الصّفات وأحاديثها عقليّة, وإذا سألتهم عنها أحالوا في ثبوت تلك القرينة العقلية على النّظر في دقائق معارف علم المعقول التي نازعهم في صحتها من شاركهم في المعرفة بالعقليّات لدقّتها وغموضها, فكيف يتقدّر أنّ الصحابة ومن عاصرهم من العرب عرفوها؟ ومن مارس علم النّظر وعلم التّاريخ حصل له من مجموعهما علم ضروري بخلو أهل ذلك العصر الأوّل عن تلك المعارف, فأشكل الأمر حينئذ على المتكلّمين, لأنّهم إن قالوا: إنّ أهل ذلك العصر الأوّل تأوّلوا من غير دليل, وقالوا بالتّجوّز من غير قرينة فهذا لا يجوز, وهو يفتح باب القرمطة ومذهب الباطنية المجمع على بطلانه, وإن

стр. 527

قالوا: إن أهل ذلك العصر يعرفون هذه الأدلّة التي ألجأت أهل الكلام إلى التّأويل فذلك عناد يعلمه الخاصّة من أهل ذلك العصر, وهذا الثّاني هو الذي يركبه المتكلّمون, فإنّهم يدّعون مشاركة الصّحابة في المعارف العقلية على سبيل الجملة, وقد تكلّم الرّازي في ردّ ذلك بأنّ المعرفة الجملية غير صحيحة؛ لأنّ البرهان متى تركّب من عشر مقدّمات استحال من العارف أن يزيد في مقدّماته مقدّمة واحدة, واستحال من القاصر أن ينتج له العلم بمعرفة تسع مقدّمات, وكلامه هذا حقّ لا محيص عنه, فأمّا أن يدّعي المتكلّمون مشاركة الصّحابة في علم الكلام على سبيل التفصيل فهذا عناد عظيم, أو يدّعون المشاركة فيه على سبيل الجملة فهذا عذر غير مستقيم (١) , فلهذا التجأ أهل الحديث إلى الإيمان الجملي, وترك الخوض مع الخائضين في بحار التّأويل, وسيأتي لهذه النّكتة مزيد من بيان, وقد مرّ من ذلك طرف صالح أيضاً. وفائدة هذا الكلام: أن تعرف أنّ القرينة متى ظهرت وعرفها المتكلّم والسّامع لم يختلف أهل اللّغة في حسن التّجوّز, وهنا يتوافق المحدّث والمتكلّم, بل يكون تناسي التشبيه أبلغ وأفصح, فإذا وصفت زيداً بأنّه أسد, جاز أن تنسب إليه جميع صفات الأسد كما في قوله: لدى أسد شاكي السّلاح مقذّف ... له لبد أظفاره لم تقلّم (٢)

стр. 528

فوصف الرّجل بصفات الأسد من اللّبد وطول الأظفار, وكذلك لو أنّك وصفت الرّجل الشّجاع بجميع صفات الأسد وأسمائه, وذكرت محلّه وأشباله /ما ازداد المجاز إلا حسناً, ولم يكن ذلك مما يصعب تأويله في لغة العرب أبداً. قال علماء المعاني: ولأجل البناء على تناسي التّشبيه صحّ التّعجّب في قوله: قامت تظلّلني من الشّمس ... نفس أعزّ عليّ من نفسي قامت تظلّلني فواعجبا (١) ... شمس تظلّلني من الشّمس ولذلك صحّ النّهي عن التّعجّب في قوله: لا تعجبوا من بلى غلالته (٢) ... قد زرّ أزراره على القمر (٣) قالوا: ولهذا يبنى على علوّ القدر ما يبنى على علوّ المكان مثل قوله: ويصعد حتّى يظنّ الجهول ... بأنّ له حاجة في السّماء (٤) كلّ هذا ذكره علماء المعاني والبيان, وقد رأيت تأكيد ما ذكروه

стр. 529

بذكر جملة صالحة مما رود في هذا المعنى مطابقة لمقتضى الحال, فإنّ مقتضاه المبالغة في كشف عطاء البيان, لإنكار المعترض إمكان التّأويل في بعض الأحاديث التي لم تبلغ في التّجوّز مرتبة كثير مما نورده من كلام البلغاء, وإنّما وقع التّفاوت في ظهور القرينة الدّالة على التّجوّز في نفس الأمر. فمن ذلك ما ذكره الزّمخشري ﵀ في ((كشّافه)) (١) في تفسير قوله تعالى: ((أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم)) [البقرة/١٦] فإنّه تكلّم في هذا لما يشهد بما ذكرته فقال ما لفظه: ((فإن قلت هب أنّ شراء الضّلالة بالهدى وقع مجازاً في معنى الاستبدال؛ فما معنى ذكر الربح والتّجارة كأنّ ثمّة مبايعة على الحقيقة؟ قلت: هذا من الصّنعة البديعة التي تبلغ بالمجاز الذّروة العليا, وهي: أن تساق كلمة مساق المجاز ثمّ تقفّى بأشكال لها وأخوات إذا تلاحقن لم تر كلاماً أحسن ديباجة وأكثر ماء ورونقاً منه, وهو المجاز المرشّح, وذلك نحو قول العرب في البليد: كأن أذني قلبه خطلاوان (٢) , جعلوه كالحمار ثمّ رشّحوا ذلك روماً لتحقيق البلادة؛ فادّعوا لقلبه أذنين وادّعوا لهما الخطل, ليمثلوا البلادة تمثيلاً يلحقها ببلادة الحمار مشاهدة معاينة, ونحوه:

стр. 530

ولمّا رأيت النّسر عزّ ابن دأية (١) وعشّش في وكريه جاش له صدري لمّا شبّه الشّيب بالنّسر, والشّعر الفاحم بالغراب, أتبعه ذكر التّعشيش والوكر)) إلى آخر كلامه في هذا, وأنشد في غير هذا الموضع في [((كشّافه))] (٢): ينازعني ردائي عبد عمرو ... رويدك يا أخا عمرو بن بكر لي الشّطر الذي ملكت يمين ... ودونك فاعتجز منه بشطر قال: أراد بردائه سيفه (٣) , ثمّ قال: فاعتجز منه بشطر, فنظر إلى المستعار في لفظ الاعتجار)) انتهى كلامه. ومن ذلك قوله تعالى: ((يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم)) [الصف/٨] فذكر الأفواه ترشيحاً لذكر الإطفاء, ومن مطربات التّرشيح قول المعرّي (٤): وسألت كم بين العقيق وبارق ... فعجبت من بعد المدى المتطاول وعذرت طيفك في الزّيارة إنّه ... يسري فيصبح دوننا بمراحل فإنّه لما تجوّز في وصف الطّيف بالزّيادة تناسى التّجوّز حتّى عليه التّأخّر عن الزّيارة فسأل عن محلّ صديقه, فأخبر ببعده
следующие страницы →