← Акыда

Акыда · id 36427

الروض الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم - صلى الله عليه وسلم -

ابن الوزير

Полный текст (691 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

المقدّمة الرّابعة. فإذا عرفت هذا؛ فاعلم أنّ القرينة متى (١) كانت معروفة عند المتخاطبين, [أو] (٢) عليها دليل قاطع يوجب اليقين حسنت المبالغة في التّجوّز ولم يدخل في باب التّعمية للمراد والإلغاز في الخطاب, هذ عند المتكلّمين, وسواء كان القاطع جليّاً أو خفيّاً, وعند أهل الحديث: متى كانت القرينة معروفة عند المتخاطبين حسن /التّجوّز وزال الإشكال. والسّرّ كلّه في هذه النّكتة هي: ظهور القرينة وخفاؤها, وعلى ذلك يدور الخلاف بين المتكلّمين والمحدّثين في كثير من التّأويل, فإنّ المتكلّمين يجعلون قرينة التّجوّز في كثير من آيات الصّفات وأحاديثها عقليّة, وإذا سألتهم عنها أحالوا في ثبوت تلك القرينة العقلية على النّظر في دقائق معارف علم المعقول التي نازعهم في صحتها من شاركهم في المعرفة بالعقليّات لدقّتها وغموضها, فكيف يتقدّر أنّ الصحابة ومن عاصرهم من العرب عرفوها؟ ومن مارس علم النّظر وعلم التّاريخ حصل له من مجموعهما علم ضروري بخلو أهل ذلك العصر الأوّل عن تلك المعارف, فأشكل الأمر حينئذ على المتكلّمين, لأنّهم إن قالوا: إنّ أهل ذلك العصر الأوّل تأوّلوا من غير دليل, وقالوا بالتّجوّز من غير قرينة فهذا لا يجوز, وهو يفتح باب القرمطة ومذهب الباطنية المجمع على بطلانه, وإن

стр. 527

قالوا: إن أهل ذلك العصر يعرفون هذه الأدلّة التي ألجأت أهل الكلام إلى التّأويل فذلك عناد يعلمه الخاصّة من أهل ذلك العصر, وهذا الثّاني هو الذي يركبه المتكلّمون, فإنّهم يدّعون مشاركة الصّحابة في المعارف العقلية على سبيل الجملة, وقد تكلّم الرّازي في ردّ ذلك بأنّ المعرفة الجملية غير صحيحة؛ لأنّ البرهان متى تركّب من عشر مقدّمات استحال من العارف أن يزيد في مقدّماته مقدّمة واحدة, واستحال من القاصر أن ينتج له العلم بمعرفة تسع مقدّمات, وكلامه هذا حقّ لا محيص عنه, فأمّا أن يدّعي المتكلّمون مشاركة الصّحابة في علم الكلام على سبيل التفصيل فهذا عناد عظيم, أو يدّعون المشاركة فيه على سبيل الجملة فهذا عذر غير مستقيم (١) , فلهذا التجأ أهل الحديث إلى الإيمان الجملي, وترك الخوض مع الخائضين في بحار التّأويل, وسيأتي لهذه النّكتة مزيد من بيان, وقد مرّ من ذلك طرف صالح أيضاً. وفائدة هذا الكلام: أن تعرف أنّ القرينة متى ظهرت وعرفها المتكلّم والسّامع لم يختلف أهل اللّغة في حسن التّجوّز, وهنا يتوافق المحدّث والمتكلّم, بل يكون تناسي التشبيه أبلغ وأفصح, فإذا وصفت زيداً بأنّه أسد, جاز أن تنسب إليه جميع صفات الأسد كما في قوله: لدى أسد شاكي السّلاح مقذّف ... له لبد أظفاره لم تقلّم (٢)

стр. 528

فوصف الرّجل بصفات الأسد من اللّبد وطول الأظفار, وكذلك لو أنّك وصفت الرّجل الشّجاع بجميع صفات الأسد وأسمائه, وذكرت محلّه وأشباله /ما ازداد المجاز إلا حسناً, ولم يكن ذلك مما يصعب تأويله في لغة العرب أبداً. قال علماء المعاني: ولأجل البناء على تناسي التّشبيه صحّ التّعجّب في قوله: قامت تظلّلني من الشّمس ... نفس أعزّ عليّ من نفسي قامت تظلّلني فواعجبا (١) ... شمس تظلّلني من الشّمس ولذلك صحّ النّهي عن التّعجّب في قوله: لا تعجبوا من بلى غلالته (٢) ... قد زرّ أزراره على القمر (٣) قالوا: ولهذا يبنى على علوّ القدر ما يبنى على علوّ المكان مثل قوله: ويصعد حتّى يظنّ الجهول ... بأنّ له حاجة في السّماء (٤) كلّ هذا ذكره علماء المعاني والبيان, وقد رأيت تأكيد ما ذكروه

стр. 529

بذكر جملة صالحة مما رود في هذا المعنى مطابقة لمقتضى الحال, فإنّ مقتضاه المبالغة في كشف عطاء البيان, لإنكار المعترض إمكان التّأويل في بعض الأحاديث التي لم تبلغ في التّجوّز مرتبة كثير مما نورده من كلام البلغاء, وإنّما وقع التّفاوت في ظهور القرينة الدّالة على التّجوّز في نفس الأمر. فمن ذلك ما ذكره الزّمخشري ﵀ في ((كشّافه)) (١) في تفسير قوله تعالى: ((أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم)) [البقرة/١٦] فإنّه تكلّم في هذا لما يشهد بما ذكرته فقال ما لفظه: ((فإن قلت هب أنّ شراء الضّلالة بالهدى وقع مجازاً في معنى الاستبدال؛ فما معنى ذكر الربح والتّجارة كأنّ ثمّة مبايعة على الحقيقة؟ قلت: هذا من الصّنعة البديعة التي تبلغ بالمجاز الذّروة العليا, وهي: أن تساق كلمة مساق المجاز ثمّ تقفّى بأشكال لها وأخوات إذا تلاحقن لم تر كلاماً أحسن ديباجة وأكثر ماء ورونقاً منه, وهو المجاز المرشّح, وذلك نحو قول العرب في البليد: كأن أذني قلبه خطلاوان (٢) , جعلوه كالحمار ثمّ رشّحوا ذلك روماً لتحقيق البلادة؛ فادّعوا لقلبه أذنين وادّعوا لهما الخطل, ليمثلوا البلادة تمثيلاً يلحقها ببلادة الحمار مشاهدة معاينة, ونحوه:

стр. 530

ولمّا رأيت النّسر عزّ ابن دأية (١) وعشّش في وكريه جاش له صدري لمّا شبّه الشّيب بالنّسر, والشّعر الفاحم بالغراب, أتبعه ذكر التّعشيش والوكر)) إلى آخر كلامه في هذا, وأنشد في غير هذا الموضع في [((كشّافه))] (٢): ينازعني ردائي عبد عمرو ... رويدك يا أخا عمرو بن بكر لي الشّطر الذي ملكت يمين ... ودونك فاعتجز منه بشطر قال: أراد بردائه سيفه (٣) , ثمّ قال: فاعتجز منه بشطر, فنظر إلى المستعار في لفظ الاعتجار)) انتهى كلامه. ومن ذلك قوله تعالى: ((يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم)) [الصف/٨] فذكر الأفواه ترشيحاً لذكر الإطفاء, ومن مطربات التّرشيح قول المعرّي (٤): وسألت كم بين العقيق وبارق ... فعجبت من بعد المدى المتطاول وعذرت طيفك في الزّيارة إنّه ... يسري فيصبح دوننا بمراحل فإنّه لما تجوّز في وصف الطّيف بالزّيادة تناسى التّجوّز حتّى عليه التّأخّر عن الزّيارة فسأل عن محلّ صديقه, فأخبر ببعده

стр. 531

المفرط فعرف الطّيف, وعلم أنه لا يقدر قطع تلك المسافة المتطاولة في ليلة واحدة, وأنّه لا يصحّ في الطّيف أن يأتي نهاراً؛ لأنّه وقت اليقظة, وهذا معنى لطيف يهزّ البلغاء طرباً. ومما جاوز حدّ الغرابة في هذا قول الزّمخشري كناية عن الجماع: وقد خطبت على أعواد منبره ... سبعاً رقاق المعاني جزلة الكلم وقد اعترض نفسه باستعارة هذه الأمور الشّريفة لما لا حظّ له في مراتب الشّرف. وللشّيخ عمر بن الفارض في هذا من الإجادة ما ليس لغيره, من ذلك قوله (١): كان لي قلب بجرعاء الحمى ... ضاع منّي هل له ردّ علي فاعهدوا بطحاء وادي سلم ... فهو ما بين كداء وكدي فإنّه لما تجوّز في ضياع قلبه, بنى عليه ما يبنى على الضّياع الحقيقي فأمرهم بطلب قلبه, وعيّن لهم الموضع الذي هو فيه, وحدّه بكداء وكدي, وهما موضعان بمكة المشرّفة (٢). ومن أطول ما سمعته في هذا المعنى وأحسنه قصيدة الشّيخ أبي حفص عمر بن الفارض الصّوفي السّعدي نفع الله به (٣) , التي قال فيها (٤):

стр. 532

شربنا على ذكر الحبيب مدامة ... سكرنا بها من قبل أن يخلق الكرم ولها البدر كأس هي شمس يديرها ... هلال وكم يبدو إذا مزجت نجم ولولا شذاها ما اهتدينا (١) لحانها ... ولولا سناها ما تصوّرها الوهم فإن ذكرت في الحيّ أصبح أهله ... نشاوى ولا عار عليهم ولا إثم ومن بين أحشاء الدّنان تصاعدت ... ولم يبق فيها (٢) في الحقيقة إلا اسم وإن خطرت يوماً على خاطر امرىء ... أقامت به الأفراح وارتحل الهم ولو نظر النّدمان ختم إنائها ... لأسكرهم من دونها ذلك الختم ولو نضحوا منها ثرى قبر ميّت ... لعادت إليه الرّوح وانتعش الجسم ولو طرحوا في فيء حائط كرمها ... عليلاً وقد أشفى لفارقه السّقم ولو نال فدم القوم لثم قدامها ... لأكسبه معنى شمائلها اللّثم هنيئاً لأهل الدّير كم سكروا بها ... وما شربوا منها ولكنّهم همّوا ودونكها في ألحان فاستجلها به ... على نغم الألحان فهي بها غنم فما سكنت والهمّ يوماً بموضع ... كذلك لم يسكن مع النّغم الغمّ /يقولون لي صفها فأنت بوصفها ... بصير, أجل عندي بأوصافها علم صفاء ولا ماء ولطف ولا هوى ... ونور ولا نار وروح ولا جسم إلى آخر ما ذكره الشّيخ. فانظر إلى ما فيها من التّرشيح, وتناسي التّشبيه, فإنّ الشّيخ لما تولّه في حبّ الله تعالى ﷻ , وارتفعت في منازل المحبّة أحواله, شبّه الحبّ في تلعُّبه بعقول المحبّين بالخمرة

стр. 533

فاستعار اسمها للمحبّة, ثم أخذ يفتنُّ في ترشيح الاستعارة بذكر أوصاف الخمرة ومتعلّقاتها متناسياً للتّشبيه, فذكر الشّرب, والسّاقي, والشّذا, والحان, والنّشوة, والدّنان, والفدام, وختم الإناء, والنّضح منها, والكرم الذي منه عنبها, والحائط الذي كانت غروس العنب فيه, والسّكر منها, والدّير الذي شربت فيه (١) , وهنّأ لأهل الدّير بسكرهم منها, وذكر مزاجها وشربها صرفاً على الألحان التي تصاحبها في العادة, وزوال الهم معها, وشبّه الكأس الذي تشرب فيه بالنّجم, والسّاقي في جماله بالهلال, وأمثال ذلك. فمن زعم أنّ هذا نظم خارج عن طريقة (٢) العرب, غير بليغ ولا مستقيم, فهو بهيميّ الطبع جامد القريحة, ومن أقرّ أنّه عربي بليغ في أرفع درجات الصّنعة البديعية عند أهل هذا الشّأن؛ لزمه ألا يقول فيما هو دونه (٣) بدرجات كثيرة من القرآن والحديث أنّه يستحيل تأويله على قانون اللغة العربية في التّجوّز, وبطل قول من يدّعي في كثير من ذلك أن التّجوّز فيه داخل في حدّ الإلغاز والتعمية, وما لا يجوز على الله تعالى, وأنّه يتعذّر معرفة الوجه فيه على جميع من أظلّت السّماء من العلماء والبلغاء والفطناء من أوّل الدّهر إلى آخره! وانظر أيّ تجوّز في السّنّة بلغ إلى هذا المبلغ الذي ذكرته لك في البعد عن الحقيقة. فإن قلت: إنّ هذه المبالغة لا يجوز دخولها في القرآن والحديث لأنّها كذب محض, ولا يجوز ذلك في كتاب الله تعالى وكلام رسوله ﷺ .

стр. 534

قلت: هذا جهل باللغة والبلاغة, بل جهل بما في الكتاب والسّنة من ذلك. وقد تقدّم شيء من ذلك في هذا النّوع الذي نحن فيه, وفي القرآن العظيم ما هو أعظم ممّا ذكرناه, ولو لم يرد في جواز هذا, والشّهادة بالبراءة له من الكذب (١) إلا قول الله تعالى: ((إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤاً منثوراً)) [الإنسان/١٩] فإنّا نعلم أنّ من رأى الولدان الحسان لا يحسبهم لؤلؤاً منثوراً في صفاء ألوانهم, وحسن منظرهم كالدّرّ. ووصفه للدّرّ بأنّه منثور من جملة ما ذكرنا من ترشيح الاستعارة. وكذلك قول الكاتب: كلام لو مزج به ماء البحر لَعَذُبَ/ طعمه, ليس بكذب؛ لأنّ المتكلّم به لم يقصد أن يوهم السّامع حقيقة ذلك, ولا خاف من السّامع أن يتوهّم ذلك, وإنّما قصد وصف الكلام بالبلاغة لا غير, وعرف أنّه لا يفهم من عبارته إلا ذلك, فكأنّ أهل اللسان وضعوا لوصف الكلام بالحسن عبارتين: إحداهما: أن يقول: كلام فصيح أو بليغ, أو نحو ذلك. وثانيهما: أن يقول: كلام لو مزج به ماء البحر لعَذُبَ ونحو ذلك, وهذا يخالف الكذب القبيح, فإنّ الكذب هو: ما قصد المتكلّم به إيهام السّامع ما ليس بصدق, والمتجوّز لم يقصد ذلك, (٢وهذا هو الفرق بين الاستعارة والكذب, كما ذكره أهل البيان (٢) , وقد أكثرت

стр. 535

من الاستشهاد على أمر جليّ لمّا ادّعى الخصم أنّ في الحديث ما لم يمكن تأويله, وما يجب تكذيب راويه, وفيما ذكرت ما يردّ عليه على ما سيأتي تفصيله ... -إن شاء الله تعالى-. المرتبة الثالثة في التّأويل: الحكم بالوهم لدليل يوجب ذلك, والوهم أنواع: فمنه الوهم في اللفظ وهو صحيح مأثور, ومنه حديث عائشة الثّابت في البخاري ومسلم (١) وغيرهما: وفيه عن ابن عمر عن أبيه ﵄ مرفوعاً: ((الميّت يعذّب في قبره بما نيح عليه)) وفيه: قالت عائشة: ((لا والله ما قال رسول الله ﷺ قط إنّ الميّت يعذّب ببكاء أحد, ولكنّه قال: إنّ الكافر يزيده الله ببكاء أهله عذاباً, وإنّ الله لهو أضحك وأبكى, ولا تزر وازرة وزر أخرى, ولكنّ السّمع يخطىء)). هذا لفظ البخاري ومسلم, وفيما ذكرته شهادة لجواز ظنّ الوهم في الرّاوي عند من اعتمد (٢) القطع بأنّ الظّاهر لا يصحّ, وأنّه وقع مثل ذلك في زمن أصحاب رسول الله ﷺ , ورضي الله عنهم, في حقّ أوثق الرّواة وأفضلهم وأروعهم ممّن يُعتقد تعظيمه وتفضيله, على أنّ المختار صحّة مثل ذلك على أصول الجميع. أمّا أهل الحديث؛ فقد ذكر الذّهبي (٣) في ضمّة القبر أنّها مثل آلام الدّنيا تصيب المطيع والعاصي, وأمّا على أصول المعتزلة فلأنّ كلّ ألم صحّ فيه العِوَض والاعتبار فهو جائز, وكلاهما ممكن في

стр. 536

ذلك: أما العوض فلا إشكال, وأما الاعتبار فاعتبار من يعلم بذلك من المكلّفين, وفي المعتزلة من يجيز الإيلام لأجل العوض فقط, ولكن في الحديث إشارة إلى تعليل استحقاق العذاب بالبكاء, فلذلك تأوّله البخاري (١) والنّووي (٢) لمن أوصى أن يبكى عليه, ويكن الجواب بشيء (٣) آخر, وهو: أن البكاء جعل سبباً للعذاب لا مؤثراً في استحقاقه, كما تكون أسباب الآلام في الدّنيا /أموراً غير مأثّرة في الاستحقاق. والحكمة في جعل البكاء سبباً للعذاب: ما في ذلك من الزّجر العظيم عن البكاء. وتسمية الآلام عذاباً كثير في اللّغة شائع, على أنّه قد تقدّم أنّ السّمع قد دلّ على استحقاق كلّ أحد لشيء من العذاب, فمن الجائز أن يكون عذاباً مستحقاً بذنب غير البكاء, وجعل البكاء سبباً على سبيل الزّجر عنه والله أعلم. فهذه الوجوه كلّها دالّة على سعة وجوه الحكمة الرّبّانية, وعلى أنّه يجب على المسلم ألا يعجل برمي الرّواة الثّقات بالوهم في الحديث ما أمكنه, فإن قال بذلك قائل فلا حرج (٤) عليه, ففي عائشة ﵂ أسوة حسنة. ومن هذا القبيل حديث قيام السّاعة لمقدار مئة سنة, وهو في

стр. 537

((الصّحيح)) (١) وليس المراد به القيامة, وذلك لأنّ رسول الله ﷺ إنّما قال: ((لا يأتي مئة سنة حتّى أتتكم ساعتكم)) هكذا ورد في بعض ألفاظ ((الصّحيح)) (٢) وساعتهم هي الموت, وهو معنى صحيح قرآني. قال الله تعالى في تسمية الموت بالسّاعة: ((ولا يزال الذين كفروا في مرية منه حتّى تأتيهم السّاعة بغتةً أو يأتيهم عذاب يوم عقيم, الملك يومئذ لله يحكم بينهم)) [الحج/٥٥ - ٥٦] قال الجوهري في ((صحاحه)) (٣) سمّي يوم القيامة عقيماً؛ لأنّه لا موت بعده, قلت: ويدلّ على ما قاله الجوهريّ قوله تعالى: ((الملك يومئذ لله يحكم بينهم)) فدلّ على أنّ السّاعة في الآية هي الموت. وقد ظنّ بعض السّامعين للحديث أنّه أراد القيامة فإنّ في التّرمذي (٤) وأبي داود (٥) عن

стр. 538

ابن عمر أنّ النّاس وهلوا في مقالة رسول الله ﷺ تلك فيما يتحدثونه بتلك الأحاديث نحو مئة سنة, وإنّما قال رسول الله ﷺ : ((لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحد)) يريد بذلك أن ينخرم ذلك القرن, فهذا نصّ ابن عمر على أنّ النّاس وهلوا في ذلك, والوهل هنا: بمعنى الوهم في معنى كلام رسول الله ﷺ . قال ابن الأثير في ((جامع الأصول)) (١): تقول: وهل إلى الشّيء إذا ذهب وهمه إليه: وقد يكون الوهل بمعنى الفزع, ولكنّه لا يلائم كلام ابن عمر ههنا, لقول ابن عمر في الرّدّ على من وهل: إنّ رسول الله ﷺ ما أراد إلا انخرام ذلك القرن, فدلّ على أنّهم وهموا أنّه أراد القيامة, كما قد جاءت أحاديث توهم ذلك, ولعلّها من رواية أولئك الذين وهموا (٢) والله أعلم. ومثل هذا إذا وقع نادر في بعض الأحاديث, لم يوجب التّشكيك في الرّجوع إلى الأحاديث الصّحيحة, فإنّ الثّقة لا يعصم من الخطأ. وفي ((الصّحيح)) (٣): ((من كذب عليّ متعمّداً فليتبوّأ مقعده من النّار)) فقيّد الوعيد بالتّعمّد, وأجمع العلماء على أنّ الثّقة لا يجرح بالخطأ إلا إذا كثر كما تقدّم تفصيله (٤).

стр. 539

ومن أنواع الوهم: رفع الموقوف على الصّحابي, وجعله مرفوعاً إلى النّبي ﷺ . وأشدّ منه: الإدراج, وهو ان يتكلّم راوي الحديث بكلام بعد فراغه من رواية الحديث, فيحسبه السّامع من الحديث لاتصاله به. ومن أنواع الوهم: أن يروي الحديث أحد الضّعفاء, وله اسم أو كنية أو نسبة يوافق فيها بعض الثّقات, فيحسب السّامع أنّه عن الثّقة فيرويه عن الثّقة لا (١) على وجه يميّز الثّقة عن الضّعيف فيلصق بالثّقة ما لم يقله, وقد بالغ الحفّاظ في الاحتراز من هذا الخلل /وصنّفوا في ذلك كتب العلل؛ فهذا [آخر] (٢) وجوه المحامل, ومع إمكانه لا يجوز الحكم على الثّقات بتعمّد الكذب, ومثل هذا لا يبطل به علم الأثر لوجهين: أحدهما: أنّ الخطأ قد يقع من أئمة أهل النّظر في نظرهم, فكما لم يبطل بذلك (٣علم النّظر عندهم فكذلك (٣) لا يبطل علم الأثر بمثله عند أهل الأثر. وثانيهما: أنّه لو وجب الاحتراز من الوهم للزم الرّاوي ألا يعمل بشيء مما حفظه وسمعه من رسول الله ﷺ , لأنّه يجوز فيما لم يعلمه بالضّرورة على نفسه من الوهم ما يجوز على سائر الثّقات, وهذا خلاف العقل والنّقل, فإذا قدحنا بالوهم لم يختص أهل الأثر, ولزم

стр. 540

أهل النّحو واللّغة والفقه والتّفسير, فإذا كان الوهم مجوّزاً فأقل الحديث وهماً: كتب أئمة الحديث المنقّحة المصحّحة, التي حكم بعلوّ قدرها في الصّحة أئمة النّقد, وعكف الأفاضل على تحقيقها من قبل ومن بعد. وهذا القدر كاف في التّمهيد للجواب بذكر هذه المقدّمات. ولنشرع الآن في الجواب, ونتكلّم على فصلين, أحدهما: في الجواب الجملي, وثانيهما: في طرف من المعارضات, فأمّا التّحقيق؛ فلا مكانه ولا زمانه ولا فرسانه ولا ميدانه. أمّا الفصل الأوّل: فالجواب أنّ المعترض ذكر أحاديث معيّنة وذكر أنّه لا يصح لها تأويل, فنقول له: مرادك لا يصحّ لها تأويل في فهمك؟ فمسلّم ولا يضرّ تسليمه, أو مرادك لا يصحّ لها تأويل في علم الله تعالى, ولا في علم أحد من الرّاسخين في العلم؟ فهذا ممنوع لوجهين: الوجه الأوّل: أنّ موسى كليم الله لما لم يعلم تأويل فعل الخضر ﵇ لم يجب أن لا يعلمه الخضر, فإذا جاز على موسى الكليم ﵇ أن يجهل ما علمه غيره؛ جاز على المعترض أكثر من ذلك. الوجه الثّاني: أنّ الملائكة ﵈ ما عرفوا حكمة الله تعالى على التّعيين في استخلافه لآدم ﵇ في الأرض, وسألوا الله تعالى عن ذلك فقالوا: ((أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدّماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك)) بالبقرة/٣٠] , فلم يخبرهم تعالى بوجه الحكمة على التّعيين, بل أجاب عليهم بالجواب الجملي فقال

стр. 541

تعالى: ((إنّي أعلم ما لا تعلمون)) [البقرة/٣٠] فإذا كفى الملائكة الجواب (١) الجملي كفى كثيراً من المسلمين, فأمّا فهم معنى الآيات؛ فقد قدّمنا أنّه لا يجب على جميع المسلمين من العامّة والعجم إجماعاً, وانّ معرفة البعض إذا كانت كافية في ذلك, فلا مانع من أن معرفة رسول الله ﷺ تكفي في ذلك. الفصل الثاني: وهو في المعارضات فهو نوعان: أحدهما: معارضة الخصم بتأويل أصحابه المعتزلة لما هو أصعب تأويلاً من تلك الأحاديث, من آيات القرآن العظيم, الدّالّة على أنّه تعالى سميع بصير مريد, وأنّه الذي أوجب الواجبات الشّرعيّة, وحرّم المحرّمات الشّرعية, ورفع الحرج فيها عن المسلمين, وأراد اليسر في ذلك بالمؤمنين ونحو ذلك مما لا يصح عند المعتزلة إلا بتأويل ظاهر, وهذا النّوع ظاهر (٢) لا سبيل إلى استقصائه, وقد ذكر قاضي القضاة, عبد الجبّار بن أحمد -وهو أحد علمائهم- ما يخالف مذهبهم من القرآن العظيم, فجاء في مجلّد كبير (٣) , فلنقتصر في هذا الوجه على هذه الاشارة, ففيها تنبيه على كيفية معارضتهم بهذه الطريقة, وقد ذكرت /في ((الأصل)) (٤) طرفاً من الآيات التي تعسّفوا في تأويلها وحكموا بصحّة ذلك التّأويل, وبيّنت أنّ تأويل الأحاديث التي ذكرها المعترض أقرب من تأويلهم لتلك الآيات.

стр. 542

النوع الثّاني: معارضة الخصم بإيراد شواهد تلك الأحاديث التي زعم أنّه لا يمكن تأويلها بذكر ما هو مثلها من القرآن العظيم, وأنّه يلزم من أقرّ بصحّة تأويل تلك الآيات أن يصحّح تأويل تلك الأحاديث التي انتقاها المعترض من أدقّ ما وجد في الحديث, وأبعد ما فيه عن التّأويل, وسوف أجيب عن جميعها, وأبيّن أنّ في القرآن ما هو مثلها, فمن تأوّله تأوّلها, ومن آمن به آمن بها, ومن ردّها لزمه أن يردّ ما هو في معناها من كلام الله تعالى: وهي هذه مرتّبة على ترتيب المورد لها: الحديث الأوّل: الحديث الطّويل الوارد في صفة يوم القيامة وفي الشّفاعة, وفيه: ((وتبقى هذه الأمّة فيها منافقوها, فيأتيهم الله فيقول: أنا ربّكم, فيقولون: هذا مكاننا حتّى يأتينا ربّنا فإذا جاء ربّنا عرفناه, فيأتيهم الله فيقول: أنا ربّكم)) هذه رواية البخاري ومسلم (١) في حديث أبي هريرة. وفي البخاري ومسلم (٢) من حديث أبي سعيد: ((حتّى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله من برّ وفاجر أتاهم الله في أدنى صورة من التي رأوه فيها فيقول: أنا ربّكم, فيقولون: نعوذ بالله منك لا نشرك بالله شيئاً, فيقول: هل بينكم وبينه آية فتعرفونه بها؟ فيقولون: نعم, فيكشف عن ساق, فلا يبقى من كان يسجد لله من تلقاء نفسه إلا أذن الله له بالسّجود, ولا يبقى من كان يسجد اتّقاء ورياءً إلا جعل الله ظهره طبقة واحدة كلّما أراد أن يسجد خرّ على قفاه)) الحديث.

стр. 543

وفي ((صحيح مسلم)) (١) من طريق أبي (٢) الزّبير عن جابر بن عبد الله بلفظ السّماع من جابر ﵁ نحو ذلك. وللحديث طرق ليس هذا موضع استيفائها, وفي بعض ألفاظ الحديث, ذكر التّجلّي, وفي بعضها ذكر وضع القدم في النّار, وفي بعضها ذكر الضّحك. والجواب (٣): أنّه قد ثبت أنّ علماء التّأويل من أهل (٤) المعاني والبيان وأهل الكلام قد أوّلوا آيات كثيرة في القرآن مثل قوله تعالى: ((هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة)) [البقرة/٢١٠] وقوله تعالى: ((هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربّك)) [الأنعام/١٥٨] وقالوا في هذه الآيات وأمثالها: إنّ إسناد المجيء والإتيان إلى الله تعالى مجاز وهو من باب الإيجاز, أحد

стр. 544

علوم المعاني, وهو: حذف بعض الكلام لدلالة القرينة على حذفه, والقرينة الدّالّة هنا هي القرينة العقليّة كالقرينة في قوله تعالى: ((وسئل القرية التي كنّا فيها والعير)) [يوسف/٨٢] أي أهل القرية وأهل العير, قالوا: والمعنى: وجاء أمر ربّك أو عذابه أو نحو ذلك من المقدّرات المحذوفة. فنقول: إذا كان مثل هذا صحيحاً عندكم صحّ في الحديث مثله فيقال: إنّ إسناد المجيء فيه إلى الله تعالى مجاز وهو في الحقيقة مسند إلى ملك من ملائكة الله. وقوله في الحديث: ((أنا ربّكم)) أي: رسول ربّكم, وكذلك قولهم: ((أنت ربّنا)) أي: رسول ربّنا, وإذا جاز تأويل لفظ على معنى جاز تأويله على ذلك المعنى, وإن كرّر مئة مرة, وهذا التأويل مفحم للمبتدعة, وقد كان /وقع في خاطري وكنت محباً أن أقف على مثل ذلك لأحد من أهل العلم لاستأنس بموافقته, فأسلم من وحشة الشّّذوذ, فوقفت عليه في ((شرح مسلم للنووي)) (١) ﵀ ووجدته قد تأوّل الحديث بذلك فقال ﵀ ما لفظه: ((وقيل المراد ((يأتيهم الله)) أي: يأتيهم بعض ملائكته. قال القاضي عياض: وهذا الوجه أشبه عندي بالحديث قال: ويكون هذا الملك الذي جاءهم في الصّورة التي أنكروها من سمات الحدث (٢) الظّاهرة على الملك والمخلوق, قال: أو يكون معناه يأتيهم الله في صورة, أي: بصورة ويظهر لهم من صورة ملائكته ومخلوقاته التي لا تشبه صفات

стр. 545

الإله [ليختبرهم] (١) , وهذا آخر امتحان المؤمنين, وإذا قال لهم هذا الملك أو هذه الصورة: ((أنا ربّكم)) رأوا عليه من سمات المخلوق ما يعلمون به أنّه ليس بربّهم ويستعيذون بالله منه. وأمّا قوله: ((فيأتيهم الله في صورته التي يعرفونها)) فالمراد بالصّورة هنا الصّفة, ومعناه فيتجلّى لهم على الصّفة التي يعرفونها, وإنّما عبّر عن الصّفة بالصّورة لمشابهتهما ولمجانسة الكلام فإنّه تقدم ذكر الصورة, وأمّا قولهم: ((نعوذ بالله منك)) فقال الخطّابي: يحتمل أن تكون الاستعاذة من المنافقين خاصّة, وأنكر القاضي عياض هذا, قال النّووي: وما قاله القاضي عياض هو الصّواب, ولفظ الحديث مصرّح به أو ظاهر فيه, وإنّما استعاذوا منه لما قدّمناه من كونهم رأوا سمات المخلوق. وأمّا قوله ﷺ : ((فيتبعونه)) فمعناه يتبعون أمره إيّاهم بذهابهم إلى الجنّة)) انتهى ما ذكره النّووي ﵁. وقوله في هذا التّأويل: فيتجلّى لهم على الصّفة التي يعرفونها, أراد به تجلّي الرّؤية على مذهب أهل الحديث والأشعرية وغيرهم, وقد صرّح به لكنّه سقط التّصريح له من هذا الكلام (٢) , ولم يحضرني ((شرح مسلم)) فانقل منه كلامه بنصّه (٣).

стр. 546

وأمّا على مذهب المعتزلة فتأويل التّجلّي عندهم كتأويله في قوله تعالى: ((فلمّا تجلّى ربّه للجبل جعله دكاً)) [الأعراف/١٤٣] , ويكون المعنى عند المعتزلة على مقتضى أساليبهم في التأويل: فيتجلّى ما يدلّ على عظيم قدرة الله تعالى, وإحاطة علمه من عجائب أفعاله المعجزة لجميع المخلوقين التي يعلم بها أنّه المكلم. وإنّما ذكرت تأويل الحديث على كلّ مذهب ليظهر للمعترض بطلان قوله: إنّ تأويل الحديث غير ممكن على مذهب المعتزلة, وأنه يجب على أصولهم ردّه, وقد ظهر أنّه لا يمكنهم ردّه, مع إقرارهم بما هو مثله في كتاب الله تعالى, وليس في الحديث الذي أورده المعترض ما يظنّ أنّه زائد على ما في القرآن إلا ثلاثة أمور: أحدها: ذكر أنّهم سجدوا لتلك الصّورة, والجواب عنه من وجهين: الوجه الأوّل: أنّه يجوز أن يكونوا قصدوا بالسّجود التّعبّد لله تعالى عند رؤيتهم لذلك الملك, تعظيماً لله تعالى حين رأوا من عظيم مخلوقاته ما يوجب ذلك. الوجه الثاني: أنّه يجوز السّجود للملك على سبيل التّعظيم والتّكرمة, كما سجدت الملائكة لآدم ﵇ , وكما سجد إخوة يوسف له, فإنّ تحريم السّجود لغير الله حكم شرعي يجوز تغيّره إجماعاً.

стр. 547

الأمر الثّاني: مما ورد في الحديث, وليس في كتاب الله تعالى: ذكر الصّورة /وأنّه جاءهم على صورتين, والجواب من وجهين: الوجه الأوّل: ما ذكره النّووي والقاضي عياض وقد تقدّم. الوجه الثاني: وهو القاطع للّجاج أنّا قد ذكرنا أنّ الذي جاءهم ملك من ملائكة الله تعالى. فإن قلت: لا يجوز أن يكون للملك صورتان, وإنّما المعروف أن له صورة واحدة. فالجواب من وجوه: الأوّل: أنّه لا مانع من ذلك فهو داخل في قدرة الله تعالى. الوجه الثاني: أنّه قد جاء حديث صحيح يرفع الإشكال في ذلك, و [أنّه] (١) جاءهم في الصّورة الأولى محتجباً عنهم, وفي الثانية متجليّاً لهم, رواه شيخنا النّفيس العلوي في ((كتابه الأربعين)) (٢) وهو صحيح خرّجه الإمام شمس الدّين ابن قيّم الجوزية (٣). الوجه الثالث: ما تقدّم ذكره عن القاضي عياض والنّووي في تأويل الصّورة بالصّفة. الأمر الثّالث: أنّه كثر في الحديث ذكر ما يقتضي التّشبيه الكثير حتّى صار ذلك فيه كالتّصريح, وليس في القرآن مثل ذلك. والجواب عليه: أنّ هذا على أصول أهل التّأويل أقلّ إشكالاً لأنّ

стр. 548

صفات المخلوقين كلما [كثرت] (١) كانت أظهر دلالة على التّجوّز, وعلى حذف المسند إليه, وكان هذا أشبه بالاستعارة المجرّدة (٢) التي يذكر فيها صفات المشبّه مثل قولنا: أسد شاكي السّلاح, حسن الثّياب, لطيف الأخلاق, فصيح الكلام, ونحو ذلك من تكثير القرائن اللفظيّة الدّالّة على التّجوّز, ولو أنّه بعد إسناد الإتيان إلى الله تعالى ذكر الصّفات المختصّة بالله تعالى كان أبعد عند أهل الصّنعة من التّجوّز, وكان أشبه بالاستعارة المرشّحة التي يذكر بعدها صفات المشبّه به كقوله في البيت المشهور: * له لبد أظفاره لم تقلّم * ونحو ذلك, وقد تقدّم ذكر ذلك في المقدّمة السّادسة في المرتبة الثّانية من مراتب التّأويل (٣) , وإنّما قلنا: إنّ هذا الوارد في الحديث مثل المجاز الوارد في القرآن عند أهل التأويل؛ لأنّ كلّ واحد منهما مجاز في الإسناد وحذف المسند إليه من طرق الإيجاز في الكلام, وكلّما أردف التّجوّز من صفات المحذوف أو المذكور لم يكن في ذلك شيء من التّجوّز, وإنّما تكون فيه قرائن لفظية تدلّ على المبالغة في إظهار المقصود أو المبالغة في معنى التّجوّز, وأمّا التّجوّز فليس إلا في الإسناد على ما يعرفه علماء المعاني والبيان, والله أعلم. وقد أبرق المعترض وأرعد على البخاري ﵁

стр. 549

لروايته في الحديث ((فيكشف عن ساقه)) وهذا من الجهل المفرط, فإنّه لا فرق بين كشف السّاق, والمجيء عند أهل التّأويل في جواز إسناد الجميع من ذلك إلى غير الله, وامتناع إسناده إليه , وكذلك قوله في الحديث: ((فيضع الرّبّ قدمه)) أي فيضع رسول الرَّبِّ قدمه, أو نحو ذلك, وهذا النّوع من التّأويل عربي فصيح, ومنه قول جبريل ﵇ فيما حكى الله عنه: ((لأهب لك غلاماً زكيّاً)) [مريم/١٩] في إحدى القراءتين (١)؛ ومنه قول عيسى ﵇: ((وأحيي الموتى بإذن الله)) [آل عمران/٤٩] أراد: ويحيي الله الموتى عند إرادتي لذلك, ومنه الحديث الصّحيح الذي أخرجه مسلم في ((صحيحه)) (٢) عن أبي هريرة أنّ رسول الله ﷺ قال: ((إنّ الله يقول يوم القيامة: يا ابن آدم مرضت فلم تعدني /, قال: يارب! كيف أعودك وأنت ربّ العالمين؟ قال: أما علمت أنّ عبدي فلاناً مرض فلم تعده, أما علمت أنّك لو عدته لوجدتني عنده)) الحديث إلى آخره. وهو صحيح صريح في صحة مجاز الحذف الذي نحن فيه, وكذلك ما ورد في الحديث من ذكر الضّحك فهو أسهل من هذا كلّه, إن شئنا جعلناه من قبيل الإيجاز وحذف المسند إليه, ويكون مسنداً في الحقيقة إلى الملك, وإن شئنا جعلنا التّجوّز في الضّحك لا في

стр. 550

الإسناد, ويبقى الضّحك المجازيّ مسنداً إلى الله تعالى, فقد صحّ نسبة العجب والغضب والرّضا إلى الله تعالى, وكلام أهل التّأويل في هذه الأمور متقارب, وقد اشتهر في لغة العرب التّجوّز في الضّحك, وشحن البلغاء أشعارهم بذكر ضحك البروق والأزهار والأنوار, وقد فسّروا ضحك الرّبّ برضاه. وذكر ابن متّويه المعتزلي ضحك الأرض في المجاز وأنشد في ذلك: * تضحك الأرض من بكاء السّماء * وقد اتّسع البلغاء في ذلك حتّى نسبوا الضّحك إلى القبور, فدع نسبته إلى الأنوار والزّهور! قال المعرّي (١): ربّ قبر صار [قبراً] (٢) مراراً ... ضاحك (٣) من تزاحم الأضداد وقد أذكرني التّجوّز في الضّحك ليلة عجيبة كانت مرّت بي, طلع القمر فيها, وهو في غاية (٤) التّمام والإنارة, وكان طلوعه من الجانب الشّرقي في حال التماع بروق منيرة من الجانب الغربي, مع مطر وحنين رعود, واجتمعت الأنوار مع زهور رياض مختلفة الألوان في المكان الذي نحن فيه, وكان ذلك عقيب وداعنا لبعض إخواننا رعاه الله تعالى, فقلت في ذلك:

стр. 551

وليلة ضحكت أنوارها طرباً ... بروقها (١) وزهور الأرض (٢) والقمر ... فكدت أضحك لولا حنّ راعدها ... حنين شاكّ ولولا أن بكى المطر فذكّر الرّعد قلبي في تحنّنه ... حنين خلّي لمّا أن دنا السّفر فنحت حتّى تباكت كلّ ضاحكة ... من الثّلاث وحتّى رقّ لي الشّجر وهذا المعنى مطروق مشهور في أشعار المتقدّمين والمتأخّرين. فإن قلت: إنّ هذه التّجوّزات التي في الأشعار تخالف ما في القرآن والسّنّة, فإنّ من سمع الآيات والأحاديث الواردة في الصّفات لم يفهم التّجوّز إلا أن يكون من العلماء الذين قد خاضوا في الكلام وسمعوا التّأويل, وأمّا الأشعار المذكورة فكلّ من سمعها فهم التّجوّز فيها من الخاصّة والعامّة. والجواب: أنّ السّبب في ذلك ظاهر, وهو أنّ القرينة الدّالّة على التّجوّز في الأشعار معلومة بالضّرورة لكلّ سامع, فإنّ كلّ عاقل يعرف أنّ الضّحك الحقيقيّ يستحيل صدوره من الرّياض والبروق والشّمس والقمر, ونحو ذلك, بخلاف ما قدّمنا, فإن القرينة فيه خفيّة دقيقة, قد اختلف في تحرير الدّليل عليها أذكياء الخاصّة من أئمة الكلام, وردّ بعضهم دليل بعض. ومن هنا ترك أهل الحديث التّأويل مدّعين أنّ شرط حسن المجاز عندهم /سامع الكلام للقرينة الدّالّة على التّجوّز حتّى تصرفه معرفته بها عن اعتقاد ظاهر الكلام, ولذلك

стр. 552

أجمعوا على تأويل حديث: ((الرّكن يمين الله تعالى)) (١) , وحديث: ((إنّي أجد نفس الرّحمن من جهة اليمن)) (٢) ونحوهما. وأجمعوا على تأويل قوله تعالى ((ونحن أقرب إليه من حبل الوريد)) [ق/١٦] وقوله تعالى: ((إلا هو معهم أين ما)) [المجادلة/٧] ونحوهما لما كانت القرينة معروفة عند المخاطب, قالوا: والمعلوم من أحوال المسلمين في زمن رسول الله ﷺ عدم المعرفة بالأدلّة الكلاميّة الموجبة للتّأويل. وأمّا المتكلّمون ومن اختار التّأويل؛ فإنّهم لم يشترطوا في حسن المجاز إلا تمكّن السّامع من معرفة القرينة ولو بالنّظر الدّقيق والبحث الطّويل, ولما اضطرب النّاس في هذا ودقّ الكلام فيه, وعظم الخطر, اعتصم الجماهير من أهل السّنّة بالإقرار بما ورد في الآيات والأحاديث, على الوجه الذي أراده الله تعالى, مذعنين للعلم بذلك الوجه, لا رادّين لما ورد في ذلك من السّمع, ولا مشبّهين لله تعالى بما لحقه من صفات النّقص, معتقدين أنّ الله تعالى كما وصف نفسه في قوله تعالى: ((ليس كمثله شيء)) [الشورى/١١] منزّهين لله تعالى

стр. 553

من كلّ ما يقتضي النّقص من شبه المخلوقين في أفعالهم وذواتهم وصفاتهم, وهذه عقيدة صالحة منجية لمن اعتقدها, ومن ضلّل أهلها لزمه تضليل أصحاب رسول الله ﷺ وتضليل جميع المسلمين إلا طائفة المتكلّمين, وذلك يعود إلى الإدغال في الدّين والقدح على سيّد المرسلين, ونعوذ بالله من تأويل الجاهلين وانتحال المبطلين. وقد دخل تحت هذه الجملة تأويل حديثين أوردهما المعترض في هذا المعنى, ثمّ إنّه أردفهما بحديث جرير بن عبد الله البجلي في الرّؤية, وهو الحديث الثّالث, ونظمه في سلكهما, وقد تقدّم الكلام على صحته, وأنّه متواتر المعنى, وأنّ شواهده مرويّة عن أكثر من ثلاثين صحابيّاً في أكثر من ثمانين حديثاً. وأمّا الكلام على معناه: فأمّا أهل الحديث: فيؤمنون به كما ورد على الوجه الذي أراده رسول الله ﷺ . وأمّا المتكلّمون من الأشعرية والمعتزلة والشّيعة: فيجتمعون على أنّه تعالى لا يرى في جهة متحيزاً كما يرى القمر, ثمّ يفترقون في تفسير معناه, ولا حاجة إلى نقل ألفاظهم في ذلك فإنّه معروف في مواضعه, وإنّما غرضنا هنا بيان بطلان ما زعم المعترض من اشتمال كتب الحديث الصّحيحة على ما يجب تكذيب راويه, وهذا الحديث مما لا يمكن تكذيب راويه لأنّه حديث متواتر كما قدّمنا, ومن أنكر ذلك لم يزد على أنّه ادّعى على نفسه (١) الجهل بتواتره, ونحن نسلّم له

стр. 554

ما ادّعاه لنفسه من الجهل ولا ننازعه, فإن ادّعى على أحد غيره أنّه يجب أن يشاركه في الجهل؛ لم يساعده على ذلك دليل من العقل ولا من السّمع, إلا أن يدّعي أحد مثل دعواه فنسلّم له /من الجهل ما ادّعاه, ومن أحبّ معرفة تواتر هذا الحديث فليطالع كتب أهل الحديث الحافلة الجامعة لطرقه الكثيرة وفوائده الغزيرة, ولا طريق إلى إقامة البرهان على التواتر إلا ما ذكرناه كما يعرف ذلك أهل الصّناعة, ولو كان إلى ذلك سبيل غير ما أشرنا لفتحنا أبوابها وذلّلنا صعابها. وبعد, فكلام الفريقين في هذه المسألة معروف المواضع مكشوف البراقع, فاختصرنا التّطويل بنقل المعروف, وبيان المكشوف. الحديث الرّابع: حديث خروج أهل التّوحيد من النّار, والشّفاعة لهم إلى الوهّاب الغفّار, وتمييزهم بذلك من بين الكفّار, فإنّ المعترض أنكر ذلك أشدّ الإنكار, ونظمه في سلك ما يجب تكذيب راويه من الأخبار, وبنى كلامه في ذلك على شفا جرف هار, وتوهّم أنّه في ذلك موافق لإجماع أهل البيت الأطهار, وخطؤه ينكشف بذكر فائدتين يتّضح بهما المذهب الحقّ المختار: الفائدة الأولى: في تعريف المعترض أنّه قد جهل في ذلك مذهب أصحابه, وظنّ أنّ هذا المذهب مما يختصّ بالقول به خصومه, ولم يعلم أن ذلك مذهب مشترك بين السّني والشّيعي والمعتزلي والأشعري, فقد ظهر القول به في كلّ الطّوائف, واشترك في نصرته أجناس أهل المعارف, ونحن ننقل ما يدلّ على ذلك من مصنّفات

стр. 555

أصحاب المعترض: فمن ذلك من ذكره الحاكم أبو سعد في ((شرح العيون)) فإنّه أورد فصلاً في ذكر المرجئه, وأخطأ في هذه التّسمية كما سيأتي بيانه, ونسب الإرجاء إلى جلّة وافرة من أكابر شيوخ المعتزلة, ذكر ذلك في تراجمهم عند الكلام عليها في طبقاتهم من كتابه هذا, حتّى نسب إلى زيد بن عليّ ﵁ مخالفة المعتزلة المبالغين في هذه المسألة, وصرّح بأنّه يخالف المعتزلة في المنزلة بين المنزلتين, ذكره في ترجمة زيد بن علي ﵁ مختصرة بعد ترجمته البسيطة, وأسند إلى صاحب ((المصابيح)) وإنّما ذكرت هذا عن زيد ابن علي ﵁؛ لأن الخصوم يقبلون (١) رواية هذا الرجل, وإلا فأهل الحديث يرون عنه مخالفة المعتزلة, وحسبك أن أبا عبد الله الذّهبي لم يذكره في ((الميزان)) وقد شرط ألا يترك أحداً تكلّم فيه بحق أو باطل إلا ذكره. وقال الحاكم المذكور في ((شرح العيون)) في فصل عقده فيما أجمع عليه أهل التّوحيد والعدل /: ((إن اسم الاعتزال صار في العرف لمن يقول بنفي التّشبيه والرؤية والجبر, وافق في الوعيد أو خالف, وافق في مسائل الإمامة أو خالف, وكذا في فروع الكلام, ولذا تجد الخلاف بين الشّيخين والبصرية والبغدادية يزيد على الخلاف بينهم وبين سائر المخالفين, وكذا تراهم يعدّون من نفى الرؤية, وقال بحدوث القرآن, ومسائل العدل: معتزليّاً وإن خالف في الوعيد ككثير من مشايخنا, منهم الصّالحي والخالديّ وغيرهما, وكذا ترى من

стр. 556

خالف في هذه الأصول لا يعدّ منهم, وإن قال بالوعيد كالنّجارية والخوارج وغيرهم)). انتهى. وقال حميد بن أحمد المحلّي الزّيدي في كتابه ((عمدة المسترشدين في أصول الدين)) (١): ((إن القائلين بالشّفاعة لأهل الكبائر والخروج من النّار صنفان: عدلية وغير عدلية, وذكر للعدلية القائلين بذلك مذاهب أربعة. وذكر القاضي عبد الله بن حسن الدّواري الزّيدي في ((تعليق الخلاصة)): انقسام القائلين بذلك إلى عدلية, وغير عدلية, قال: ((فمن أهل العدل القائلين بذلك: أبو القاسم البستي, وكان من الزّيدية من أصحاب المؤيد بالله, وغيره من المعتزلة منهم: محمد بن شبيب, وغيلان الدّمشقي رأس المعتزلة, ومُوَيْس بن عمران, وأبو شمر, وصالح قبّة, والرّقاشي, والصّالحي, والخالدي وغيرهم, ومن القدماء (٢): سعيد بن جبير!! , وحمّاد بن [أبي] سليمان, وأبو حنيفة وأصحابه)). انتهى كلامه. قلت: وإلى ذلك ذهب من أئمة الزّيديّة الدّعاة: يحيى بن

стр. 557

المحسّن المعروف بالدّاعي, والمهدي أحمد بن يحيى المتأخّر, وكان الفقيه علي بن عبد الله بن أبي الخير يذهب إلى هذا, وغيره من أهل المعرفة, فثبت بما ذكرناه أنّ المعترض قد جهل مذاهب أصحابه. أمّا الفائدة الثانية: فهي في الإشارة إلى ضعف كلامه وبطلان شبهته, فإنّه ذكر أنّ الأحاديث الدّالّة على خروج أهل الإسلام من النّار تعارض آيات الوعيد الدّالّة على خلود أهل النّار, وهذا جهل مفرط, فإنّ العموم والخصوص لا يتناقضان على القطع عند أحد من فرق الإسلام بحيث يقطع على كذب أحدهما في نفس الأمر, ولو جحد ذلك أحد من أهل الجهل كان الرّدّ عليه متسهّلاً على أقل أهل المعارف الإسلامية بصيرة, وكيف يستطيع مسلم أن يشكّ في جواز ذلك, والقرآن مشحون بالعموم والخصوص, كما يعرف ذلك أهل التّمييز, دع أهل الخصوص: مثال ذلك قوله تعالى: ((من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلّة ولا شفاعة)) [البقرة/٢٥٤] , فأطلق نفي الخلّة والشّفاعة في هذه الآية عن كلّ أحد, ثمّ قيّده في قوله تعالى: ((الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدوٌ إلا المتّقين)) [الزخرف/٦٧] , وقال /تعالى: ((ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون)) [الأنبياء/٢٨] , فأثبت الخلّة والشّفاعة لمن اتّقى, ولمن ارتضى بعد أن نفاهما مطلقاً, وكذلك ما ورد في خروج أهل الإسلام من النّار من صحيح الأخبار, المتواتر معناها عند العلماء الأحبار, وقد أوضحت ذلك في ((الأصل)) (١) بما لا فائدة لذكره في هذا ((المختصر)) , لأنّه من جليّات

стр. 558

مبادىء الأصول الفقهيّة لا من خفيّات المعارف النّظرية, والأمر في هذه المسألة عند علماء الزّيدية قريب, وقد ذكر القاضي حسن بن محمد النّحوي في كتابه ((التذكرة في الفقه)) (١) الذي هو مدرسهم الآن: أنّ المخالف في هذه المسألة لا يكفّر ولا يفسّق, فلا حاجة إلى التّطويل بذكرها, وإنّما أحببت تعريف المعترض أنّه قد جاوز حدود الزّيدية والعتزلة فيها؛ فزاد على معلّمه كما تقول العامّة. الحديث الخامس: حديث محاجّة آدم وموسى (٢) ﵉, والجواب على ما ذكره: أنّ المحدّثين أبرياء عما اتّهمهم به من افتراء ذلك في نصرة مذهبهم, ولو كان المعترض من أهل التمييز لعلم أنّ ظاهر ذلك الحديث ليس بمذهب لأحد من أهل الإسلام, وعرف أنّ رجال الحديث وأهل السّنّة قد نصّوا على تأويله في شروح

стр. 559

الحديث النّبويّ على صاحبه السّلام, لأنّ ظاهره يقتضي أن يحتجّ العصاه بالقدر على الله تعالى, وذلك ممنوع بإجماع المسلمين, وإنّما يحتجّ به من تاب من ذنبه عند أهل السّنّة كما ذكره شرّاح الحديث على صاحبه السّلام. وعندي في الجواب عنه وجه واضح, وقبل الكلام عليه أشير إلى تمهيد (قاعدة) , وهي: أن الأمّة أجمعت على عصمة الأنبياء ﵈ عن الجهل بالله تعالى وصفاته وقواعد شرائعه, وعلى صحّة عقائدهم فيما يتعلّق بأفعال الله وحكمته وجلاله. وهذه القاعدة تقتضي المنع من تجويز وقوع المنازعة بين الأنبياء ﵈ في أمر من الأمور الدينية, فإن وقع بينهم ما يشبه ذلك علمنا أنّه ليس على طريق دفع الحقّ بالمماراة, ولا على سبيل اللّجاجة في المجادلة, وإنّما يكون على سبيل الموعظة والمعاتبة وطلب الزّيادة في المعرفة, مثال ذلك: ما جرى بين موسى وهارون, وبين موسى والخضر -سلام الله عليهم-, فمناظرتهم على /سبيل الموعظة والعتاب, لا على سبيل الجهل بالحقّ في أمر الدّين ولا الدّفع له, فهم معصومون عن ذلك, وإذا (١) كانت محاجّتهم من هذا القبيل, لم تدخلها البراهين العقلية, ولم تقرّر على القواعد القطعيّة, وحسن منهم فيها الاسترواح إلى الاحتجاج بما يجري به الاعتذار في مألوف العادات ولطيف المخاطبات, فلنتكلّم في ثلاثة فصول: الفصل الأول: في الدّليل على أنّ محاجّتهما ﵉

стр. 560

ليست برهانية, والدّليل على ذلك: أنّهما لم يتنازعا في أمر يصح فيه من مثلهما الجهل المحض الذي لا يغسل أدرانه إلا صريح البراهين القاطعة, ولا يجلو ظلامه إلا شروق الأدلّة الصّادعة, وقد ظهر هذا من كلامهما ظهوراً لا يخفى. أمّا موسى فإنه هو الذي بدأ الخطاب, وفتح هذا الباب, فسأل آدم ﵇ عن كيفية ذنبه, وأكله الشّجرة وأتى بكيف الإنكارية, ولا شكّ أنّ السّؤال عن الكيفية المحقّقة غير مقصود, فإنّه يعرف كيف أكل الشّجرة, فلم يقصد حقيقة السّؤال, وإنّما قصد إظهار التّعجّب والاستنكار (١) لما فعله آدم ﵇ وورود ((كيف)) بمعنى ذلك كثير شهير, من ذلك قوله تعالى: ((كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم)) [البقرة/٢٨] فإنّه تعالى لم يرد محض السّؤال عن كيفية الكفر, ويؤيّد ما ذكرته: أنّ موسى ﵇ قدّم قبل السؤال, عن كيفية أكل الشجرة, السّؤال عن اصطفاء الله تعالى لآدم, ثمّ عقب ذلك السّؤال عن كيفية وقوع الذّنب منه, فظهر أنّه أراد كيف كان منك الذي كان من الذّنب, وأنت من الله تعالى بتلك المنزلة الرّفيعة والمحلّ العظيم!؟ ويؤيّد ما ذكرته من أنّ موسى ﵇ قصد المعاتبة, أو معرفة هذا السّبب العجيب الذي أوقع آدم ﵇ في ذلك مع جلالة قدره: أنّ موسى ﵇ أجلّ من أن يجهل أنّ التّائب من الذّنب غير مستحق للذّمّ, وأدنى أهل

стр. 561

التّمييز يعرف ذلك في جميع العصاة, فكيف لا يعرفه موسى ﵇ في حقّ أوّل أنبياء الله ﵈ الذي أسجد الله له الملائكة الكرام!؟ فيجب ألا يكون قصد موسى ﵇ مجرّد اللوام, وإنّما أخرج الكلام مخرج التّعجّب والاستغراب من وقوع مثل ذلك من أهل مقام النّبوّة, سيّما ممّن أسكنه الله الجنّة وأسجد له الملائكة, وعلّمه الأسماء, وهداه واصطفاه, وحذّره من الشّيطان, ونهاه عن الشّجرة بعينها, وقطع معه الأعذار كلّها, فأراد موسى السّؤال عن السّبب الموقع /في ذلك مع استغراب شديد لوقوع الذّنب ممّن هذه حاله, واستطراف عظيم يهيج أسباب التنديم والتّحزين على ما كان. وأمّا آدم ﵇ فجوابه يحتمل وجهين: الوجه الأول: أن يكون قصد تهوين ما ظهر من موسى ﵇ من عظيم الاستغراب, وشديد الاستطراف لوقوع الذّنب منه, فأتى بما يمحو آثار الاستغراب والتّعجّب, ويحسم مادّة الاستنكار العتابي, وهو: سبق العلم, وجفوف القلم بجميع ما كان منه, ولا شك أنّها حجّة مسكتة للمتعجّب من وقوع الشّيء المستغرب له السّائل عن وقوعه بكيف الإنكارية, وبيان ذلك: أنّ الله تعالى لو أخبرنا بوقوع أمر من أفعالنا في وقت ثمّ لم يقع لكان هذا بالضّرورة ممّا يتحيّر العقلاء في الجواب عنه, ويتبلّد الأذكياء في معرفة وجهه, فإذا تقرّر ذلك؛ ثبت أنّ وقوع الشّيء مطابقاً لما مضى فيه من علم الله تعالى غير مستنكر في العقل ولا يدفع في النّظر, إذ من المستقبح أن يقول القائل: كيف وقع ما أخبر الله به مثل ما أخبر؟ أو كيف وقع الذي علم

стр. 562

الله كما علم؟ ولا شك أنّه إذا ثبت أنّ تقدير وقوع خلاف معلوم الله تعالى محارة للعقول, مضلّة للأفهام, لم يصح أن يكون نقيضه كذلك, إذ يستحيل في الشّيء ونقيضه أن يكون وقوع كلّ واحد منهما غريباً في العقل بديعاً في النّظر, فثبت بهذا أنّه لا معنى لاستغراب موسى ﵇ لوقوع ما كتبه الله تعالى على آدم وتعجّبه من ذلك, وثبت بذلك صحّة قول من أوتي جوامع الكلم ((فحجّ آدم موسى)) والله أعلم. الاحتمال الثاني: أن يكون آدم ﵇ فهم من موسى ﵇ أنّه أراد إثارة أحزانه على فعل الذّنب, فقصد التّسلّي بالقدر؛ لأنّه قد خرج من دار التّكليف، ولم يبق عليه (١) أن يندم, وهذا وجه لا غبار عليه, أمّا على أصول السّنّة؛ فظاهر, وأمّا على أصول المعتزلة؛ فإنّ تألّم آدم ﵇ في تلك الحال ممكن بشرط العوض من الله تعالى والاعتبار وهما حاصلان, أمّا العوض: فظاهر, وأمّا الاعتبار: فلأنّه يمكن أن يعتبر بذلك أحد من الملائكة ﵈ أو يعتبر به أحد من المكلّفين الذين عرفوا ذلك بتعريف رسول الله ﷺ , فظهر بذلك بطلان ما توهّمه المعترض على كلّ مذهب, وسقوطه على كلّ تقدير. الفصل الثّاني: في بطلان احتجاج الجبريّة بقدر الله تعالى الذي هو علمه السّابق وقضاؤه النّافذ, ولنورد في هذا الفصل فوائد نفيسة من كلام علماء السّنّة وأئمة الحديث, يشتمل على تعريف ماهيّة القدر

стр. 563

عندهم, ويردّ على من يقول بالجبر ممّن ينتحل مذهبهم, فمن ذلك: قول الخطّابي في ((معالم السّنن)) (١) ما لفظه: ((قد يحسب كثير من النّاس أنّ معنى القدر من الله سبحانه والقضاء [منه, معنى] الإجبار والقهر للعبد على ما قضاه وقدّره, ويتوهّم أنّ قوله: ((فحجّ آدم موسى)) من هذا الوجه, وليس كذلك, وإنّما معنى القدر الإخبار عن تقدّم علم الله تعالى بما يكون من /أفعال العباد وصدورها من تقدير منه وخلق لها. وكذا ذكر هذا أبو السّعادات ابن الأثير في ((جامع الأصول)) (٢) ومحيي الدّين النّووي في ((شرح مسلم)) (٣). وقال الإمام الجويني في كتابه ((البرهان)) (٤) ما لفظه: ((إن قيل: ما علم الله أنّه لا يكون, وأخبر عن وفق علمه بأنه لا يكون فلا يكون, والتّكليف بخلاف المعلوم جائز. قلنا: إنّما يسوغ ذلك لأن خلاف المعلوم مقدور في نفسه وليس امتناعه بالعلم بأنّه لا يقع, ولكن إذا كان لا يقع مع إمكانه في نفسه؛ فالعلم يتعلّق به على ما هو عليه, وتعلّق العلم بالمعلوم لا يغيّره ولا يوجبه, بل يتبعه في النّفي والإثبات, ولو كان العلم يؤثّر في المعلوم لما تعلّق العلم بالقديم. وتقرير ذلك في فنّ الكلام)) انتهى كلامه.

стр. 564

وفي كلام الفخر ابن الخطيب الرّازي أشياء في ذلك فاتني لفظها, وقد ذكرت جملة صالحة ممّا يدلّ على براءة أئمة السّنّة من الجبر, ونقلت في ذلك ألفاظهم من كتبهم الشّهيرة, وأشرت إلى معنى قولهم بخلق أفعال العباد, وقد تقدّم ذلك في ((الوهم الثالث عشر)) من هذا ((المختصر)) (١) فخذه من هنالك, فإنّه قد يتوهّم أن قولهم بالاختيار مع قولهم بخلق الأفعال مناقضة صريحة, وليس هذا بلازم من مجرّد إطلاق هذا اللّفظ, مع فرقهم بين خلق الله تعالى وفعله, وقولهم: إن أفعال العباد لا توصف بأنّها فعل الله تعالى, فقد عنوا بخلق الأفعال غير ما توهّمه منهم المعتزلة, ومما يدلّ على ذلك: أنّ العلم لو كان يخرج القادر عن القدرة لقدح ذلك في كونه تعالى قادراً, ولكان تعالى غير قادر على ترك ما علم أنّه سيخلقه, ولا على خلق ما علم أنّه لا يخلقه, ولكان العلم كافياً في إيجاد المخلوقات من غير قدرة ولا خلق, ونحو ذلك مما أجمعت الأمّة بل العقلاء على بطلانه, وقد وردت الآيات الكريمة والأحاديث الصّحيحة بما يدلّ على نفي الجبر وثبوت الاختيار: قال الله تعالى: ((لا يكلّف الله نفساً إلا وسعها)) [البقرة/٢٨٦] وقال رسول الله ﷺ في حديث القسم للنساء: ((اللهم هذا قسمي فيما أملك, فلا تؤاخذني فيما لا أملك)) رواه أبو داود في ((السّنن)) (٢) , قال

стр. 565

الحافظ ابن كثير الشّافعي في كتابه ((إرشاد الفقيه)) (١): ((إنّه حديث صحيح)). وروى مسلم بن الحجّاج في ((صحيحه)) (٢) من حديث أبي ذرّ ... ﵁ مرفوعاً: ((فمن وجد خيراً فليحمد الله, ومن وجد شراً فلا يلومنّ إلا نفسه)). وفي الأحاديث الصّحيحة من ذلك ما يطول ذكره, والقصد الإشارة, وقد علم أن رسول الله ﷺ كان يعمل ويجتهد في العبادة ويأمر بذلك, ويحترز في الحروب, ويلبس الدّروع, ويستشير في الرّأي ويدبّر الأمور, وقال ﷺ وقد سئل عن هذه الشّبهة بعينها: ((اعملوا فكلّ ميسّر لما خلق له)) (٣) فصلّى الله عليه وسلّم لقد أوتي جوامع الكلم, (٢وجمع في اللفظ القليل متفرّقات الحكم (٤). الفصل الثّالث: في الدّليل على حسن الاحتجاج بالقدر من غير العاصي لله تعالى على ما قدّمنا في (الفصل الأول) من الاعتبار, وعلى شريطة عدم الاحتجاج به على الجبر ونفي الاختيار, والدّليل على ذلك أنّه قد ورد في الشّرع وروداً كثيراً, فمن ذلك قوله تعالى: ((لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم)) [الحديد/٢٣] فالله تعالى في هذه الآية الكريمة نصّ على حسن التّسلّي بالقدر, ولا معنى للتّسلّي
следующие страницы →