التّمييز يعرف ذلك في جميع العصاة, فكيف لا يعرفه موسى ﵇ في حقّ أوّل أنبياء الله ﵈ الذي أسجد الله له الملائكة الكرام!؟ فيجب ألا يكون قصد موسى ﵇ مجرّد اللوام, وإنّما أخرج الكلام مخرج التّعجّب والاستغراب من وقوع مثل ذلك من أهل مقام النّبوّة, سيّما ممّن أسكنه الله الجنّة وأسجد له الملائكة, وعلّمه الأسماء, وهداه واصطفاه, وحذّره من الشّيطان, ونهاه عن الشّجرة بعينها, وقطع معه الأعذار كلّها, فأراد موسى السّؤال عن السّبب الموقع /في ذلك مع استغراب شديد لوقوع الذّنب ممّن هذه حاله, واستطراف عظيم يهيج أسباب التنديم والتّحزين على ما كان.
وأمّا آدم ﵇ فجوابه يحتمل وجهين:
الوجه الأول: أن يكون قصد تهوين ما ظهر من موسى ﵇ من عظيم الاستغراب, وشديد الاستطراف لوقوع الذّنب منه, فأتى بما يمحو آثار الاستغراب والتّعجّب, ويحسم مادّة الاستنكار العتابي, وهو: سبق العلم, وجفوف القلم بجميع ما كان منه, ولا شك أنّها حجّة مسكتة للمتعجّب من وقوع الشّيء المستغرب له السّائل عن وقوعه بكيف الإنكارية, وبيان ذلك: أنّ الله تعالى لو أخبرنا بوقوع أمر من أفعالنا في وقت ثمّ لم يقع لكان هذا بالضّرورة ممّا يتحيّر العقلاء في الجواب عنه, ويتبلّد الأذكياء في معرفة وجهه, فإذا تقرّر ذلك؛ ثبت أنّ وقوع الشّيء مطابقاً لما مضى فيه من علم الله تعالى غير مستنكر في العقل ولا يدفع في النّظر, إذ من المستقبح أن يقول القائل: كيف وقع ما أخبر الله به مثل ما أخبر؟ أو كيف وقع الذي علم
стр. 562
الله كما علم؟ ولا شك أنّه إذا ثبت أنّ تقدير وقوع خلاف معلوم الله تعالى محارة للعقول, مضلّة للأفهام, لم يصح أن يكون نقيضه كذلك, إذ يستحيل في الشّيء ونقيضه أن يكون وقوع كلّ واحد منهما غريباً في العقل بديعاً في النّظر, فثبت بهذا أنّه لا معنى لاستغراب موسى ﵇ لوقوع ما كتبه الله تعالى على آدم وتعجّبه من ذلك, وثبت بذلك صحّة قول من أوتي جوامع الكلم ((فحجّ آدم موسى)) والله أعلم.
الاحتمال الثاني: أن يكون آدم ﵇ فهم من موسى ﵇ أنّه أراد إثارة أحزانه على فعل الذّنب, فقصد التّسلّي بالقدر؛ لأنّه قد خرج من دار التّكليف، ولم يبق عليه (١) أن يندم, وهذا وجه لا غبار عليه, أمّا على أصول السّنّة؛ فظاهر, وأمّا على أصول المعتزلة؛ فإنّ تألّم آدم ﵇ في تلك الحال ممكن بشرط العوض من الله تعالى والاعتبار وهما حاصلان, أمّا العوض: فظاهر, وأمّا الاعتبار: فلأنّه يمكن أن يعتبر بذلك أحد من الملائكة ﵈ أو يعتبر به أحد من المكلّفين الذين عرفوا ذلك بتعريف رسول الله ﷺ , فظهر بذلك بطلان ما توهّمه المعترض على كلّ مذهب, وسقوطه على كلّ تقدير.
الفصل الثّاني: في بطلان احتجاج الجبريّة بقدر الله تعالى الذي هو علمه السّابق وقضاؤه النّافذ, ولنورد في هذا الفصل فوائد نفيسة من كلام علماء السّنّة وأئمة الحديث, يشتمل على تعريف ماهيّة القدر
стр. 563
عندهم, ويردّ على من يقول بالجبر ممّن ينتحل مذهبهم, فمن ذلك: قول الخطّابي في ((معالم السّنن)) (١) ما لفظه: ((قد يحسب كثير من النّاس أنّ معنى القدر من الله سبحانه والقضاء [منه, معنى] الإجبار والقهر للعبد على ما قضاه وقدّره, ويتوهّم أنّ قوله: ((فحجّ آدم موسى)) من هذا الوجه, وليس كذلك, وإنّما معنى القدر الإخبار عن تقدّم علم الله تعالى بما يكون من /أفعال العباد وصدورها من تقدير منه وخلق لها.
وكذا ذكر هذا أبو السّعادات ابن الأثير في ((جامع الأصول)) (٢) ومحيي الدّين النّووي في ((شرح مسلم)) (٣).
وقال الإمام الجويني في كتابه ((البرهان)) (٤) ما لفظه: ((إن قيل: ما علم الله أنّه لا يكون, وأخبر عن وفق علمه بأنه لا يكون فلا يكون, والتّكليف بخلاف المعلوم جائز. قلنا: إنّما يسوغ ذلك لأن خلاف المعلوم مقدور في نفسه وليس امتناعه بالعلم بأنّه لا يقع, ولكن إذا كان لا يقع مع إمكانه في نفسه؛ فالعلم يتعلّق به على ما هو عليه, وتعلّق العلم بالمعلوم لا يغيّره ولا يوجبه, بل يتبعه في النّفي والإثبات, ولو كان العلم يؤثّر في المعلوم لما تعلّق العلم بالقديم. وتقرير ذلك في فنّ الكلام)) انتهى كلامه.
стр. 564
وفي كلام الفخر ابن الخطيب الرّازي أشياء في ذلك فاتني لفظها, وقد ذكرت جملة صالحة ممّا يدلّ على براءة أئمة السّنّة من الجبر, ونقلت في ذلك ألفاظهم من كتبهم الشّهيرة, وأشرت إلى معنى قولهم بخلق أفعال العباد, وقد تقدّم ذلك في ((الوهم الثالث عشر)) من هذا ((المختصر)) (١) فخذه من هنالك, فإنّه قد يتوهّم أن قولهم بالاختيار مع قولهم بخلق الأفعال مناقضة صريحة, وليس هذا بلازم من مجرّد إطلاق هذا اللّفظ, مع فرقهم بين خلق الله تعالى وفعله, وقولهم: إن أفعال العباد لا توصف بأنّها فعل الله تعالى, فقد عنوا بخلق الأفعال غير ما توهّمه منهم المعتزلة, ومما يدلّ على ذلك: أنّ العلم لو كان يخرج القادر عن القدرة لقدح ذلك في كونه تعالى قادراً, ولكان تعالى غير قادر على ترك ما علم أنّه سيخلقه, ولا على خلق ما علم أنّه لا يخلقه, ولكان العلم كافياً في إيجاد المخلوقات من غير قدرة ولا خلق, ونحو ذلك مما أجمعت الأمّة بل العقلاء على بطلانه, وقد وردت الآيات الكريمة والأحاديث الصّحيحة بما يدلّ على نفي الجبر وثبوت الاختيار:
قال الله تعالى: ((لا يكلّف الله نفساً إلا وسعها)) [البقرة/٢٨٦] وقال رسول الله ﷺ في حديث القسم للنساء: ((اللهم هذا قسمي فيما أملك, فلا تؤاخذني فيما لا أملك)) رواه أبو داود في ((السّنن)) (٢) , قال
стр. 565
الحافظ ابن كثير الشّافعي في كتابه ((إرشاد الفقيه)) (١): ((إنّه حديث صحيح)).
وروى مسلم بن الحجّاج في ((صحيحه)) (٢) من حديث أبي ذرّ ... ﵁ مرفوعاً: ((فمن وجد خيراً فليحمد الله, ومن وجد شراً فلا يلومنّ إلا نفسه)). وفي الأحاديث الصّحيحة من ذلك ما يطول ذكره, والقصد الإشارة, وقد علم أن رسول الله ﷺ كان يعمل ويجتهد في العبادة ويأمر بذلك, ويحترز في الحروب, ويلبس الدّروع, ويستشير في الرّأي ويدبّر الأمور, وقال ﷺ وقد سئل عن هذه الشّبهة بعينها: ((اعملوا فكلّ ميسّر لما خلق له)) (٣) فصلّى الله عليه وسلّم لقد أوتي جوامع الكلم, (٢وجمع في اللفظ القليل متفرّقات الحكم (٤).
الفصل الثّالث: في الدّليل على حسن الاحتجاج بالقدر من غير العاصي لله تعالى على ما قدّمنا في (الفصل الأول) من الاعتبار, وعلى شريطة عدم الاحتجاج به على الجبر ونفي الاختيار, والدّليل على ذلك أنّه قد ورد في الشّرع وروداً كثيراً, فمن ذلك قوله تعالى: ((لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم)) [الحديد/٢٣] فالله تعالى في هذه الآية الكريمة نصّ على حسن التّسلّي بالقدر, ولا معنى للتّسلّي
стр. 566
إلا القطع بأنّ المقدر واقع لا محالة, وإن كان ممكناً في ذاته لم يخرج تركه عن القدرة, ومن ذلك أنّ المنافقين لما قالوا لإخوانهم: ((لو أطاعونا ما قتلوا)) [آل عمران/١٦٨] ردّ الله ذلك عليهم (١) , واحتجّ بالقدر فقال تعالى: ((قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم)) [آل عمران/١٥٤] , وأصرح من هذه الآية في المقصود قوله تعالى: ((قل فادرءوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين)) [آل عمران/١٦٨] فسوّى بين القتل الذي هو من فعل المخلوقين, وبين الموت الذي هو من فعله تعالى في أنّه لا يغني الاحتراز من (٤القتل كما لا يغني الاحتراز من (٢) الموت, ومن ذلك قوله تعالى: ((إلا امرأته قدّرناها من الغابرين)) [النّمل/٥٧] فقوله: ((قدّرناها)) تعليل لهلاكها لا خبر مستقبل (٣) , لأنّه لا يحسن أن يقال: إلا امرأته جعلناها من الغابرين (٤) , لما لم يكن بينهما ملازمة تصلح للتعليل, ومن ذلك قوله تعالى: ((وكلّ إنسان ألزمناه طائره في عنقه)) [الإسراء/١٣] قال في ((الكشّاف)) (٥): ((أي عمله)) ومنه قوله تعالى: ((وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدنّ في الأرض مرتين)) [الإسراء/٤] قال في ((الكشّاف)) (٦)
стр. 567
في تفسيرها: ((وأوحينا إليهم وحياّ مقضيّاً -أي مقطوعاً مبتوتاً- بأنّهم يفسدون في الأرض لا محالة)) , هذا لفظه مع غلوّه في مذهبه.
ومنه قوله تعالى: ((قضي الأمر الذي فيه تستفتيان)) [يوسف/٤١] وقوله تعالى: ((ولولا كلمة سبقت من ربّك لقضي بينهم)) [يونس/١٩] وقوله تعالى: ((لقد حقّ القول على أكثرهم)) [يس/٧] وقول يعقوب ﵇: ((يا بنيّ لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرّقة وما أغني عنكم من الله من شيء)) [يوسف/٦٧] إلى قوله تعالى: ((إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها وإنّه لذو علم لما علّمناه)) [يوسف/٦٨] وقال الزّمخشري (١) في تفسيرها: ((خاف أن يدخلوا كوكبة واحدة فيعانوا لجمالهم وجلالة أمرهم)) إلى قوله: ((وما أغني عنكم من الله من شيء)) [يوسف/٦٧] يعني إن أراد الله بكم سوءاً لم ينفعكم, ولم يدفع عنكم ما أشرت به عليكم من التّفرق وهو مصيبكم لا محالة ((إن الحكم إلا لله)) [يوسف/٦٧] ثمّ قال: ((ولمّا دخلوا من حيث أمرهم أبوهم)) [يوسف/٦٨] يعني متفرّقين ((ما كان يغني عنهم)) رأي يعقوب ودخولهم متفرّقين شيئاً حيث أصابهم ما ساءهم مع تفرّقهم من إضافة السّرقة إليهم, وأخذ أخيهم بوجدان الصّواع (٢) في رحله, وتضاعف المصيبة على أبيهم ((إلا حاجة في نفس يعقوب)) استثناء منقطع على معنى: ولكن حاجة في نفس يعقوب قضاها, وهي: شفقته عليهم وإظهارها بما قال لهم ووصّاهم به: ((وإنّه لذو علم لما علّمناه)) يعني قوله: وما
стр. 568
أغني عنكم, وعلمه بأنّ القدر لا يغني عنه الحذر)) انتهى كلام الزّمخشري.
وإنّما اخترت كلامه دون كلام غيره من المفسّرين؛ ليكون حجّة على المعترض, فإنّه أنكر احتجاج آدم ﵇ بالقدر, والاحتجاج به والتعزّي والاعتذار مشهور في السّنّة والقرآن, وألسنة أهل الإسلام/, وإذا كان هذا الزّمخشري على أنّه داعية الاعتزال كما ترى, فكيف بغيره!؟ ولم يزل العقلاء يتسلّون بالقدر, وينظمون ذلك في أشعارهم, وقد تداول البلغاء هذا المعنى فقال بعضهم:
ما قد قضي يا نفس فاصطبري له ... ولك الأمان من الذي لم يقدر
ثمّ اعلمي أنّ المقدّر كائن ... حتماً عليك صبرت أم لم تصبري (١)
وقال آخر:
نفذ القضاء بكلّ ما هو كائن ... فأرح فؤادك من لعلّ ومن لو
وقال آخر:
ومن الدّليل على القضاء وكونه ... بؤس اللّبيب وطيب عيش الأحمق
وقال آخر:
ما ثمّ إلا ما يريـ ... ـد فألق همّك واسترح
واقطع علائقك التي ... يشغلن قلبك واطّرح
وهي قصيدة كعب بن زهير الشّهيرة (٢):
стр. 569
* وكلّ ما قدّر الرّحمن مفعول *
ونحو هذا مما لا سبيل إلى التقصّي عليه ممّا اشتهر بين المسلمين من غير نكير على المتعزّي به, فكيف أنكر المعترض ما لا يخفى!؟
فإن قال: إنّما أنكر ذلك لوقوعه من آدم ﵇ جواباً على من لامه على الذّنب, والمذنب لا يجوز له أن يتسلّى بالقدر.
فالجواب: أنّ ذلك صحيح في حقّ المذنب, ولكن آدم ﵇ تائب من الذّنب, والتّائب من الذّنب كمن لا ذنب له.
وعلى هذا الجواب بحث, وهو أن يقال: إنه لا يحسن من التّائب منّا أن يتسلّى بالقدر, بل المشروع من التّائب (١) أن يلوم نفسه ويتذكّر ما يهيج حزنه على ما فرط منه كما لم يزل عليه أهل الصّلاح.
فالجواب على هذا البحث: أنّ المبالغة في النّدم بعد التّوبة إنّما لزمتنا لبقاء توجّه التّكليف علينا, وأمّا آدم ﵇ فإنّه ما تكلّم بهذا إلا بعد الخروج من دار التّكليف, ولا شكّ أنّه لا يلزم المكلّف في دار الآخرة أن يتأسّف على ما فرط منه, ولو كان ذلك لازماً في دار الآخرة؛ للزم في أهل الجنّة وحسن منهم ولا قائل بهذا, وهذا هو لباب الجواب في هذه المباحث, وقد اقتصرت على هذا ((المختصر)) وقد أودعت ((الأصل)) (٢) أكثر من هذا, ولولا لجاج الخصم الألدّ ما احتجنا إلى ذكر هذا ولا بعضه, نسأل الله السّلامة, ونرغب إليه في الاستقامة!.
стр. 570
وقد أورد المعترض في الحديث ما ليس منه, فروى عن آدم ﷺ أنّه قال -بعد ذكر تقدير الله ذلك عليه-: ((وخلقه فيّ قبل أن يخلقني بألفي عام)) , وأوهم المعترض أنّ هذه الرّواية في الصّحاح, والصّحاح برئية من هذا الإفك, فخلق المعصية في آدم قبل أن يخلق محال, والشيء لا يكون ظرفاً لغيره في حال العدم, وكم بين هذه الرواية وبين ما ثبت في دواوين الإسلام!!.
الحديث السّادس: حديث موسى وملك الموت ﵉, وقد جعله المعترض ختام الأحاديث التي لا يمكن تأويلها, لمّا لم يعرف وجه ما ورد فيه من لطم موسى للملك ﵉ حين جاء الملك ليقبض روحه الشّريفة, وعن هذا الحديث جوابان: معارضة وتحقيق.
أمّا المعارضة: فإنّه قد ورد في القرآن العظيم أنّ موسى أخذ برأس أخيه ﵉ يجرّه إليه, وذلك من غير ذنب علمه من أخيه, ولا دفع مضرّة خافها منه, وأخوه هارون نبي كريم بنص القرآن وإجماع المسلمين/, وحرمة الأنبياء مثل حرمة الملائكة, وقد بطش موسى بهارون بطشاً شديداً, ولهذا قال هارون متلطّفاً ومستعطفاً له: يا ابن أمّ لا تأخذ بلحيتي, ولا برأسي, ولا تشمت بي الأعداء, فإن كان المعترض يكذّب القرآن فذلك حسبه من الكفران, وإن كان يتأوّل أفعال الأنبياء ﵈ على ما يليق حسب الإمكان, ويرجع فيما لم يمكن تأويله إلى الإيمان؛ فما باله لا يفعل مثل ذلك في الأحاديث الصّحيحة والسّنن المأثورة؟ وما له والتقحّم في المهالك,
стр. 571
والميل إلى متوعّرات المسالك, والقطع بتكذيب الرّواة, والمتابعة لبادىء رأيه وهواه؟.
فإن قال: إنّ موسى ﵇ إنّما فعل ذلك غضباً لله تعالى؛ لأنّه ظنّ أن هارون قصّر في النّهي عما فعل قومه من عبادة العجل ومجاوزته للحدّ في الغضب لأجل مجاوزة فعلهم للحدّ في القبح, ولما بقي عليه من طبيعة البشر في الغضب, وقد ورد في ((الصّحيح)) (١) عن رسول الله ﷺ : ((اللهمّ إنّي بشر آسف كما يأسف البشر)) فكذلك موسى ﵇.
قلنا: هذا كلام صحيح, ولكن يجب أن نتطلب لما ورد في السّنّة وجهاً حسناً -أيضاً- كما تطلّبنا مثل ذلك لما ورد في القرآن العظيم, فنقول وهو التّحقيق: إنّ ذلك يحتمل وجهين:
الوجه الأوّل (٢): وهو المعتمد أن يكون الملك أتاه على صورة رجل من البشر, ولم يعرف أنّه ملك, مثل ما أتى جبريل ﵇ إلى مريم البتول ﵂ فتمثّل لها بشراً سويّاً ففزعت منه فقالت: إنّي أعوذ بالرّحمن منك إن كنت تقيّاً, ولو علمت أنّه جبريل الأمين لما استعاذت منه, فلمّا أتى ملك الموت إلى موسى
стр. 572
على هذه الصّفة, وأراد أن يقتله دفع موسى عن نفسه.
فإن قلت: أليس في الحديث أنّ ملك الموت لما رجع إلى الله تعالى قال: يا ربّ أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت وهذا يدلّ على أنّه قد أخبره أنّه ملك الموت, وأنّه جاء لقبضه.
والجواب: أنّ هذا لا يدلّ على معرفة موسى لملك الموت, لأنّ معرفة ملك الموت لكراهة موسى للموت لا تستلزم معرفة موسى للملك بنصّ ولا مفهوم, ولا معقول ولا مسموع, ولو أنّ الملك جاء على صورة البشر وادّعى أنه ملك, ولم يظهر لموسى ما يدلّ على صدقه, ولا خلق الله فيه علماً ضروريّاً بذلك, لم يكن لموسى أن يصدّقه في ذلك, وإلا جاز أن يدّعي بعض شياطين الجنّ أو الإنس مثل ذلك على الأنبياء ﵈ ويجوز عليهم, وهذا ما لا يجوز أبداً.
ويدلّ على ما ذكرناه من عدم (١) معرفة موسى للملك: أنّه قد ثبت في الحديث الصّحيح أنّ الله تعالى لا يقبض نبيّاً حتّى يخيّره (٢)
, فلمّا جاء ملك الموت لقبض روح موسى من غير تخيير, أمكن أن يكون موسى قد علم أنّه لا يقبض حتّى يخيّر, فشكّ في صدقه لذلك, والذي يدلّ على هذا دلالة ظاهرة, أنّه قد ورد في هذا الحديث بعينه أنّ
стр. 573
ملك الموت لما رجع إلى موسى ﵇ وخيّره بين الحياة والموت اختار الموت واستسلم, ويؤيد هذا أنّ الله تعالى لو أراد موته في المرة الأولى, وتسليط الملك عليه لنفذ مراد الله فيه, ولم يقدر على دفع ملك الموت, ولكن الله تعالى أراد الذي كان منه لحكمة بالغة, وليعلم من يثبت إيمانه, ومن يستحوذ عليه شيطانه, كما قال تعالى في تحويل القبلة: ((وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتّبع الرّسول ممّن ينقلب على عقبيه)) [البقرة/١٤٣] وبمثل هذه الأمور يميز الله الخبيث من الطّيب, والمؤمن من المتريّب, نسأل الله أن يثبّت قلوبنا على الإيمان, ويعصمنا من وساوس الشّيطان.
الوجه الثّاني: أن نقول: سلّمنا أنّ الملك /جاء إلى موسى ﵉ على صورة (١) يعرفه عليها, ولكن ما المانع أن يكون موسى فعل ذلك وقد تغيّر عقله, فإنّ تلك الحال مظنّة لتغيّر العقول, فقد خرّ موسى صعقاً لأجل اندكاك الطّور, فكيف بهول المطلع, فإنّه عند العلماء بجلال الله أعظم وأجلّ من اندكاك الجبل, وهذا الاحتمال ايضاً يمكن فيه حالان:
أحدهما: أن يكون الملك أتاه وقد تغيّر عقله من غمرات الألم, وسكرات النّزع.
وثانيهما: أن يكون جاءه وهو صحيح غير أليم, وإنّما تغيّر عقله حين أخبره بأزوف الرّحلة من دار العمل, وانقطاع المهلة والأمل, وذلك لأنّ أمل الأنبياء ﵈ عظيم في الترقّي في مراتب
стр. 574
الخدمة لله تعالى, وبلوغ أقصى المراتب في ذلك, والآخرة دار انقطاع من ذلك, فارتاع موسى ﵇ لذلك, ويحتمل غير ذلك مما يحتاج إلى تأويل بعض ألفاظ الحديث فتركته اختصاراً.
وأمّا ما ورد من أنّه فقأ عين الملك فقال ابن قتيبة (١): ((أذهب موسى العين التي هي تخييل وتمثيل وليست على حقيقة خلقته, وعاد ملك الموت إلى حقيقة خلقته الرّوحانية كما كان لم ينقص منه شيء)).
والوجه في الحديث عندي هو الأوّل, وإنّما ذكرت الوجه الثّاني لبيان سعة المحامل لمن طلبها, وتعريف المعترض ببطلان ما توهّم من عدم إمكان تأويل هذا الحديث.
* * *
стр. 575
ثم إنّ المعترض قدح على أهل الصّحاح بروايتهم لأحاديث فسّاق التأويل, وكفّار التأويل, (١وادّعى الإجماع على تحريم قبول كفّار التّأويل (١) , والقطع على تحريم قبول فسّاق التّأويل, وركب الصّعب والذّلول في استنتاج (٢) القطع بذلك من الأدلّة الظّنّيّة, وقد أوردت كلامه بلفظه في ((الأصل)) (٣) واستوفيت نقضه, واستوعبت الكلام فيه في قدر سبعين ورقة كباراً, وبلّغت ما يرد عليه من الإشكالات إلى نيّف ومئتي إشكال, وقدر رأيت أن أقتصر في هذا ((المختصر)) على نكت يسيرة من ذلك فأقول:
الكلام في أهل التأويل يشتمل على فوائد:
الفائدة الأولى: في تعريف المعترض أنّ في كلامه هذا هدم قواعد مذهبه, وخالف جميع سلفه, وكذّب ثقات أصحابه, وقدح على كبار أئمته, وذلك أنّ الظّاهر من مذهب الزّيديّة قبول أهل التّأويل مطلقاً كفّارهم وفسّاقهم, وادّعوا على جواز ذلك إجماع الصّحابة ﵃, وذلك في كتب الزّيديّة ظاهر لا يدفع, مكشوف لا يتقنّع. ولنذكر هنا ثماني طرق للإجماع, من طريق أئمة الزّيديّة وعلمائهم, الذين يجب عند (٤) المعترض قبول رواياتهم:
الطريق الأولى: عن الإمام المنصور بالله عبد الله بن حمزة, فإنّه ادّعى الإجماع على ذلك في كتابيه ((صفوة الاختيار)) , و ((المهذب)) لكنّه في ((الصفوة)) بالنّصّ الصّريح, وفي ((المهذّب)) بالعموم الظّاهر.
стр. 576
الطّريق الثانية: طريق الإمام يحيى بن حمزة ذكره في ((الانتصار)) في كتاب الأذان مرّة, وفي كتاب الشّهادات أخرى.
الطّريق الثّالثة: طريق القاضي زيد بن محمد صاحب ((شرح التحرير)) (١ذكرها في ((شرح التحرير)) (١) في كتاب الشّهادات, ورواها عنه الأمير الحسين في ((التقرير)).
الطّريق الرّابعة: طريق الفقيه عبد الله بن زيد العنسي ذكرها في كتابه ((الدّرر المنظومة)) في أصول الفقه.
الطّريق الخامسة: طريق الشّيخ أبي الحسين البصريّ المعتزليّ ذكرها في كتابه ((المعتمد)) (٢) في أصول الفقه.
الطّريق السّادسة: طريق الحاكم أبي سعيد المحسّن بن كرّامة المعتزلي ذكرها في كتابه ((شرح العيون)).
الطّريق السّابعة: طريق الشّيخ /الحسن بن محمد بن الحسن الرّصّاص الزّيدي رواها عنه حفيده أحمد بن محمد بن الحسن في كتابه ((غرر الحقائق)) (٣).
الطّريق الثّامنة: طريق حفيده هذا أحمد بن محمد الرّصّاص ذكرها في كتابه ((جوهرة الأصول)).
وفي هؤلاء من اقتصر على دعوى الإجماع, على قبول فسّاق التّأويل دون الكفار, ومنهم من ادّعى الإجماع على قبول كفّار التّأويل
стр. 577
أيضاً, وهم: الإمام يحيى بن حمزة في ((الانتصار)) [نصّاً] (١) صريحاً, والإمام المنصور في ((المهذّب)) عموماً ظاهراً, وعبد الله بن زيد في ((الدّرر)) نصّاً صريحاً, والقاضي زيد في ((الشّرح)) كذلك.
وقال المؤيّد في ((اللّمع)) -الذي هو مدرس الزّيديّة- في كفّار التّأويل ما لفظه: ((فعلى هذا شهادتهم جائزة عند أصحابنا)) ثبت هذا اللّفظ عنه في كتاب ((اللّمع)) وكتاب ((التقرير)) وهذا في الشّهادة التي هي آكد من الرّواية, وأكثر من هذا أنّ السّيد أبا طالب قال في كتاب ((اللّمع)): ((إنّ كلّ من قبلهم ادّعى الإجماع على ذلك, وهذا يدلّ على أنّ المدّعين للإجماع عدد كثير من ثقات العلماء وأهل المعرفة التّامّة, فكيف يجترىء المعترض بالقدح بذلك على المحدّثين موهماً أنّه لا يذهب إلى جواز لك أحد من الزّيديّة والمعتزلة, وقد أجمعت الزّيديّة على قبول مراسيل من يقبل من كفّار التّأويل وفسّاقه؛ كالمنصور بالله والمؤيد بتخطئة المجتهدين الذين قبولهم وبنوا الأحكام على روايتهم, ويستلزم ذلك عدم الاعتداد بأقوالهم, وانعقاد الإجماع على رءوسهم, وتحريم التقليد لهم, ونحو ذلك من الشّناعات المستلزمة لمخالفة الإجماع.
الفائدة الثّانية: في بيان كلام أئمة الحديث في ذلك, فقد ذكروا في فسّافق التأويل أقوالاً:
الأول: أنّهم لا يقبلون كالمصرّحين, يروى عن مالك, وقال ابن
стр. 578
الصّلاح (١): ((إنه بعيد مباعد للشّائع عن أئمة الحديث, فإنّ كتبهم طافحة بالرّواية عن المبتدعة غير الدّعاة)) كما سيأتي.
الثّاني: أنّه إن كان يستحلّ الكذب لنصرة مذهبه لم يقبل, وإلا قبل, وهو مذهب أحمد, كما قال الخطيب.
قال ابن الصّلاح (١): وهذا مذهب الكثير أو الأكثر, وهو أعدلها وأولاها.
قال ابن حبّان: ((هو قول أئمتنا قاطبة لا أعلم بينهم فيه خلافاً)) وكذا حكى بعض أصحاب الشّافعي عن أصحاب الشّافعي أنّهم لم يختلفوا في ذلك (٢).
وأمّا كفّار التّأويل فمن لم يكفّرهم فحكمهم عنده على ما تقدّم, وأمّا من كفّرهم فحكى زين الدّين ابن العراقي (٣) عن الحافظ الخطيب البغدادي الشّافعي أنّه حكى عن جماعة من أهل النّقل والمتكلّمين أنّهم يقبلون أهل التّأويل وإن كانوا كفّاراً, قال زين الدّين: واختاره صاحب ((المحصول)).
قلت: الجمهور منهم على ردّ الكافر, قال زين الدين: ونقله السّيف الآمدي عن الأكثرين/, وبه جزم أبو عمرو ابن الحاجب.
стр. 579
وقال صاحب ((المحصول)) (١): ((الحقّ أنّه إن اعتقد حرمة الكذب قبلنا روايته, وإلا فلا, لأنّ اعتقاده حرمة الكذب يمنعه منه)).
الفائدة الثّالثة: في ذكر بعض حجج القابلين لهم والمخالفين في ذلك, أمّا القابلون لهم فلهم حجج:
الحجّة الأولى: الإجماع, وبيانه أنّ أهل الحديث وأهل السّنة قاطبة أجمعوا على صحة حديث ((الصّحيحن)) , مع أنّ في حديثهما ما هو مستند إلى المبتدعة: القدريّة والمرجئة وغيرهم, من غير ظهور متابعة, ولا استشهاد, ولا تصريح من البخاري ومسلم بأنّ المتأوّل غير مقبول عندهما, فيجب حملهما على معرفة متابعات وشواهد تقوّي حديث أولئك المبتدعة, ويجب الحكم بصحّة حديثهم لأجل تلك المتابعات والشّواهد, لا لأجل الثّقة لهم. هذا إجماع ظاهر من أهل السّنة.
وأمّا المعتزلة والشّيعة: فقد ذكرنا رواية ثقاتهم للإجماع على ذلك, وذكرنا إجماعهم على الرّجوع إلى ((الصّحيحين)) وغيرهما من كتب أهل السّنة, وبيّنا أنّهم يقبلون مراسيل من يقبل أهل التّأويل, وأنّه لا يمكنهم تمييز حديثهم من حديث أهل التّأويل عندهم ألبتّة.
فإن قيل: كيف نصغي إلى دعوى الإجماع, وقد علم وقوع الخلاف؟.
قلنا: ذلك يصحّ؛ لأنّ الإجماع المدّعى ليس بإجماع جميع
стр. 580
الأمّة, وإنّما هو إجماع أهل عصر منهم, وهو إجماع الصّدر الأوّل من الصّحابة والتّابعين ومن بعدهم, فإنّ أهل العصر قد يجمعون فيعلم إجماعهم بعض أهل العلم فيرويه ويتبعه, ولا يعلم ذلك بعض أهل العلم فيخالف, ويروى الخلاف والإجماع, ومثل هذا كثير الوقوع, وقد عيّن كثير من أهل العلم ذلك العصر المدّعى إجماع أهله, وذكر أنّه عصر الصّحابة والتّابعين, واحتجّوا بإجماع الصّحابة على قبول القائمين على عثمان ﵁ من الصّحابة, ممّن روى هذا أبو عمرو بن الحاجب في ((مختصر المنتهى)) (١) وأجاب عنه بوجهين:
الأوّل: عدم تسليم الإجماع.
وهذا الوجه ليس بشيء, لأنّ راوي الإجماع إذا كان ثقة عارفاً مطّلعاً موافقاً في الطّريق التي يعرف بها ثبوت الإجماع؛ وجب قبوله كما يجب قبول راوي الحديث. ولم يعارض إلا بنقل الخلاف بطريقة صحيحة, ولو جاز مقابلة نقلة الأدلّة بذلك أمكن ردّ كلّ راوٍ وتكذيب كلّ عالم.
الوجه الثّاني: أنّه يجوز أنّهم قبلوا حديث أولئك لعدم اعتقادهم فسقهم, أو لتوقّفهم في ذلك, أو لعدم معرفتهم بوقوع ذلك منهم, أو لاعتقاد بعضهم إصابتهم.
والجواب عنه من وجوه:
الأول: أنّه إذا روى الإجماع ثقة لم يقدح تجويز وهمه في روايته
стр. 581
لما لا حقيقة له, ولو قدح بمثل ذلك في هذا الإجماع أمكن/ القدح بمثله في كلّ إجماع, بل في كلّ رواية طريقها النقل في الأخبار واللّغات ونحوها, فيقال في الخبر المرفوع: لعلّ السّامع له وهم أنّه من كلام رسول الله ﷺ , وإنّما حكاه رسول الله ﷺ عن غيره, أو لعلّه توهّمه مرفوعاً وهو موقوف, أو مسنداً وهو مقطوع, أو نحو ذلك.
الوجه الثّاني: أنّ مدّعي الإجماع ادّعى العلم, ومن ردّ ذلك لم ينقل خلافاً في ذلك وإنّما استبعد أن يعلم ذلك غيره مع أنّه لا يعلمه, ومن علم حجّة على من جهل, وقد يختلف النّاس في معرفة أخبار السّلف وأحوالهم, ويحصل لبعض العلماء بشدّة البحث للأخبار والتّواريخ علم بأمور كثيرة لا يشاركه فيها غيره, وفي قبول مدّعي الإجماع حمل الجميع على السّلامة أمّا المدّعي فلظنّ صدقه وتورّعه عن رواية ما لا يعرف, وأمّا المنكر فلظنّ عدم معرفته لما عرف مدّعي الإجماع, وحمله على عدم العناد, وعلى أنّه لو عرف لوافق.
الوجه الثّالث: أنّ اختلافهم في العلّة لا يقدح في صحّة التّمسّك بالإجماع, كما لو أجمعوا على قتل رجل اختلفوا في العلّة, فقيل: بالقصاص, وقيل: بالرّدة, وقيل: بغير ذلك, فإن قتله يجوز قطعاً, وكذلك قبول رواية فاسق التأويل إذا أجمعوا عليه واختلفوا في علّته, فمنهم من قبله لأن فسق التأويل لا يوجب ردّ الرّواية, ومنهم من قبله؛ لأنّ مذهبه أنّه ليس بفسق عنده, فإنّ حديث ذلك الرّجل يكون مقبولاً بالإجماع, وأمّا فسقه فمأخوذ من دليل آخر.
ويتعلّق بهذا بحث دقيق يتعلّق بالحديث المتلقّى بالقبول؛ هل
стр. 582
نقطع بصحّته أم لا؟ وقد اختلف العلماء فيه وأوضحته في ((الأصل)) بما لا مزيد عليه.
الوجه الرّابع: وهو المعتمد أنّا وإن سلّمنا عدم العلم بإجماع الصّحابة على ذلك فلا نسلّم عدم العلم بإجماع المتأخّرين على قبول ما اتّفق البخاري ومسلم على تصحيحه من حديث المبتدعة, وقد قدّمنا بيان إجماع المعتزلة والشّيعة على ذلك, وبيّنا اضطرارهم إلى القول به, وبسطناه في ((الأصل)) بسطاً يضطر المعاند إلى الوفاق, ويخضع له منهم أهل اللّجاج والشّقاق, ومن وقف على كلام أبي عبد الله الذّهبي في ((ميزان الاعتدال في نقد الرّجال)) (١) أيقن أنّه لا سبيل إلى رواية السّنن إلا على هذه الطريقة.
ولله درّ الإمام الشّافعي ﵁ ما أوضح مناره وأقوى أنظاره, وأصحّ اختياره, وأحسن اعتباره! فهذه نبذة يسيرة ممّا يتعلّق بالحجّة الأولى وهي حجّة الإجماع.
الحجّة الثّانية: أنّ الأمّة أجمعت على أنّه يحرم على العالم
стр. 583
العمل بالعموم مع ظنّ وجود الخاصّ, والعمل بالحديث الظّنّي مع ظنّ وجود ناسخه, والعمل بالقياس مع ظنّ وجود النّصّ, ولا شكّ أنّ أخبارهم توجب ظنّ وجود الخاصّ والنّاسخ والنّصّ المانعة من العمل بالعامّ والمنسوخ والقياس.
الحجّة الثّالثة: أنّ في ردّ حديثهم مضرّة مظنونة, ودفع المضرّة عن النّفس واجب./ وأمّا أنّ في ذلك مضرّة مظنونة فذلك معلوم؛ فإنّ أهل الصّدق والأمانة لو أخبرونا بأنّ الطّعام مسموم؛ لوجب علينا تجنّبه عند الأشعرية والمعتزلة عقلاً وشرعاً, وإذا كان هذا في مضارّ الدّنيا -مع حقارتها- فكيف إذا أخبرونا بأنّ فعل بعض الأمور يغضب الله ﷻ , ويستحقّ به عقابه ونكاله.
الحجّة الرّابعة: أنّه يحصل بخبرهم الظّنّ, والعمل بالظنّ حسن عقلاً, أمّا عند المعتزلة فظاهر, وأمّا عند الأشعرية فلأنّ الفخر الرّازي ذكر في ((المحصول)) وغيره أنّهم لم يخالفوا في هذا القدر, وإنّما خالفوا في أنّ تارك ما أوجبه العقل يستحق الذّمّ عاجلاً والعقاب آجلاً.
وتقرير هذا الوجه: أنّ العقلاء اتّفقوا على حسن الخبر والاستخبار, واعتمدوا في المهمّات على إرسال الرّسول, وكتابة الكتّاب, وبعث النّذير إلى من يخاف عليه, والطّليعة إلى من يُخاف منه, وكلّ هذا لا يفيد إلا الظّنّ, وكذلك تصرّفاتهم فإنّ عامّتها مبنيّ على استحسان العمل بالظّنّ, فسفر التّاجر على ظنّ الرّبح, وزرع الزّارع على ظنّ التّمام, وغزو الملوك على ظنّ الظفر, وقراءة القرّاء على ظنّ حصول المعرفة, ولهذا فإنّ رسول الله ﷺ لما بعث رسله إلى
стр. 584
أهل عصره يخبرونهم بالشّريعة ويبلّغونهم الأحكام اتفق أهل ذلك العصر بفطر عقولهم السّليمة على وجوب العمل بما أخبرهم به رسل رسول الله ﷺ من غير أن يعلموا جواز ذلك بنصّ شرعيّ متواتر قطعي, ومن غير أن يستقبح ذلك منهم أحد, ولم يختلفوا ويتناظروا في ذلك, فثبت بهذا أنّ العمل بالظّنّ حسن عقلاً, وأن العمل له لم يزل بين المسلمين ظاهراً قديماً وحديثاً, ولا يخص من ذلك إلا ما خصّه الدّليل الشّرعي, وقد تعرّض ابن الحاجب لإبطال هذا الوجه فلم يأت بشيء, ولولا خوف التّطويل لبيّنت ذلك.
الحجّة الخامسة: قوله تعالى: ((فمن جاءه موعظة من ربّه فانتهى فله ما)) [البقرة/٢٧٥] وقوله تعالى: ((فإمّا يأتينّكم منّي هدى فمن اتّبع هداي فلا يضلّ ولا يشقى)) [طه/١٢٣] وأمثال ذلك, وهذا عام في كلّ ما جاء عن الله, سواء كان من كلامه -سبحانه- أو على لسان رسول الله ﷺ , وسواء كان معلوماً أو مظنوناً, بل الأكثر من ذلك هو الذي جاء مظنوناً, وقد ثبت أنّ معنى القرآن الكريم منقسم إلى: معلوم ومظنون, وأنّا متعبّدون بهما معاً, وأنّ المعنى المظنون من جملة ما جاءنا من عند الله تعالى, فكذلك السّنّة فيها معلوم ومظنون, وكلّ منهما مما جاءنا من عند الله.
الحجّة السّادسة: قوله تعالى: ((وقالوا لو كنّا نسمع أو نعقل ما كنّا في أصحاب السّعير)) [الملك/١٠] فذمّهم الله تعالى بعدم الاستماع على الإطلاق, ولابدّ من تقييده بعدم استماع ما جاء من عند الله تعالى من معلوم أو مظنون, وإنّما قدّرنا ذلك لأنّ تقدير المعلوم وحده على خلاف الإجماع, فإنّ الأمّة أجمعت على وجوب الرّجوع إلى الأدلّة
стр. 585
الظّنية من المعاني القرآنية/ والأخبار الآحادية, وإنّما لم يؤثّموا المجتهدين إذا خالفوا شيئاً من الأدلّة الظّنيّة؛ لأنّهم اتّبعوا ما ظنّوا صحّته.
الحجّة السّابعة: قوله تعالى: ((خذوا ما آتيناكم بقوّة واذكروا ما فيه لعلّكم تتقون)) [البقرة/٦٣] وهي عامّة في كلّ ما آتانا الله من معلوم ومظنون, وقد ثبت في ((الصّحيح)) (١) عن رسول الله ﷺ أنّه قال: ((إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم)) فيجب بذل الاستطاعة في تعرّف ما آتانا الله تعالى من معلوم ومظنون, فأعلى المراتب: أن نعلم اللفظ والمعنى, ودون ذلك: أن نعلم اللفظ ونظنّ المعنى. ودون ذلك: أن نعلم المعنى ونظنّ اللّفظ أو نظنّهما معاً, على أنّ في علم المعنى مع ظنّ اللفظ بحثاً ليس هذا موضعه.
الحجّة الثّامنة: قوله تعالى: ((ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون)) [المائدة/٤٤] وفي آية: ((الفاسقون)) [المائدة/٤٧] وفي آية ((الظّالمون)) [المائدة/٤٥] وقد ثبت أنّ ما أنزل الله منقسم إلى معلوم ومظنون وقد مرّ تقريره.
الحجّة التّاسعة: حديث الحسن بن علي ﵄ عن رسول الله ﷺ : ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)) وهو حديث حسن معمول به, ذكره النّووي في ((مباني الإسلام)) وحسّنه (٢) وأخرجه
стр. 586
الترمذي في ((جامعه)) (١) وهو يصلح حجّة في المسألة هو وما في معناه من الحديث, لمن ثبت له صحته من غير طرق المبتدعة بفسق أو بكفر, وهو يدلّ على قبول من يظنّ صدقه لأنّ ردّه مما يريب.
فإن قلت: إنّ تصديقهم مما يريب أيضاً.
فالجواب من وجهين:
أحدهما: أنّا لا نسلّم أنّ ذلك يسمّى ريباً؛ لأنّه راجح مظنون, والرّاجح المظنون صحته لا يسمّى تجويز خلافه ريباً في اللغة, فإنّ الإنسان إذا غاب من منزله ساعة من نهار, وعهده بعمارته قائمة صحيحة؛ فإنّه لا يسمّى مريباً في انهدام الدّار, وإن كان يجوز ذلك, وكذا إذا أخبره ثقة بخوف عدوّ, فإنّه يسمى مريباً من خوف العدوّ لا صدق الثّقة الذي أخبره.
الوجه الثّاني: أنّا لو سلّمنا أنّ ذلك يسمّى ريباً لما سلّمنا سقوط التّكليف بقبولهم, وذلك لأنّ في قبولهم ريباً مرجوحاً, وفي ردّهم ريباً راجحاً, ولا شكّ أنّ الاحتراز من المضرّة الرّاجح وقوعها أولى من الاحتراس من المضرّة المرجوح وقوعها, وإلا لزم قبح التّصديق للنذير, وإن كان ثقة, لتجويز الكذب أو الوهم عليه, ونحو ذلك, ويعضد هذا المعنى كلّ ما ورد فيه مثل حديث: ((الحلال بيّن والحرام بيّن, وبينهما أمور مشتبهات, فمن اتّقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه)) (٢) الحديث, وهو صحيح, ويدخل في الشّبهات, ارتكاب ما
стр. 587
رووا تحريمه, وترك ما رووا وجوبه, بل هو أقرب إلى الحرام؛ لأنّه من قبيل ارتكاب ما يغلب على الظّنّ تحريمه, فتأمّل ذلك ونظائره في الحديث.
الحجّة العاشرة: أنّه يحرم عليهم كتم ما يعرفونه من حديث رسول الله ﷺ لما ورد في تحريم ذلك من القرآن والسّنّة والإجماع, فلا يرتفع وجوب ذلك عنهم إلا بدليل يعارض أدلّة تحريم كتم العلم في القوّة والظّهور, ولا شكّ أنّه لا يوجد ما يماثل ذلك في إسقاط تحريم الكتم عليهم, وإذا ثبت أنّه يجب عليهم التّبليغ ويحرم عليهم الكتم/ ثبت أنّه يجب قبولهم وإلا لم يكن لتبليغهم فائدة, ولا لوجوب ذلك عليهم معنى.
وأمّا المصرّح بالكفر والفسق؛ فغير متعبّد بذلك في حال فسقه, لانعقاد الإجماع على اشتراط توبته في القبول.
وأمّا المتأوّل؛ فلم ينعقد الإجماع على ذلك بل ادّعى غير واحد من أهل الفقه انعقاد الإجماع على قبولهم كما قدّمنا فافترقا. وفي هذا بحث لطيف تركته اختصاراً.
وهذه عشر حجج اختصرتها من نيّف وثلاثين حجّة ذكرتها في ((الأصل)) (١) , وأردفتها بذكر بضعة عشر مرجّحاً لقبولهم على ردّهم.
وأمّا الرّادّون لحديث كفار التّأويل وفسّاقه, فقد احتجّوا بأمور
стр. 588
ضعيفة, وقد أوردتها في ((الأصل)) (١) وأضحت الجواب عليها, وأنا أورد هنا أقوى ما تمسّكوا به, وألوّح إلى جمل كافية في الجواب على ذلك.
فممّا احتجّوا به قوله تعالى: ((يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبيّنوا أن تصيبوا قوماً بجهالة)) [الحجرات/٦].
قال المعترض: وهذا في معنى العموم كأنّه قال: إن جاءكم فاسق أيّ فاسق.
والجواب من وجوه:
الوجه الأوّل: أنّ المتأوّل لا يستحق اسم الفسوق في عرف العرب؛ لأنّه في عرف أهل اللّغة: الذي يتعمّد ارتكاب الفواحش تمرّداً أو خلاعة, وليس هو من يكفّ نفسه عن كلّ ما يعلم تحريمه أو يظنّه, ولا يفعل قبيحاً إلا بتأويل, وإذا لم يكن يسمّى فاسقاً في عرفهم لم تتناوله الآية, سواء كان يسمّى في وضع اللغة أم لا, لأنّ الحقيقة العرفية مقدّمة على الحقيقة اللّغوية, والذي يدلّ على ذلك العرف آيات كثيرة, منها: قوله تعالى في الكفّار: ((وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين)) [الأعراف/١٠٢] وقوله تعالى في المشركين: ((كيف يكون للمشركين عهد عند الله -إلى قوله- وأكثرهم فاسقون)) [التوبة/٧ - ٨] وقوله تعالى في اليهود: ((وأنّ أكثركم فاسقون)) [المائدة/٥٩] وهذه الآيات الكريمة دالّة على أنّ في المشركين وسائر الكفّار من ليس بفاسق, وقد فسّر الزّمخشري هذه
стр. 589
الآيات على المعنى الذي ذكرته, فقال (١) في قوله تعالى: ((وأكثرهم فاسقون)) [التوبة/٨] ((متمرّدون خلعاء لا مروءة تزعهم, ولا شمائل مرضيّة تردعهم, كما يوجد ذلك في بعض الكفرة من التّفادي عن الكذب والنّكث, والتّعفّف عمّا يثلم العرض ويجرّ أحدوثة السّوء)) انتهى.
وهو تصريح منه بما ذكرته في تفسير الفاسق, فكيف يدخل فيه المتأوّل المتعبّد المتورّع المتخشّع!؟ وقد فهم هذا المعنى في هذه الآية بخصوصها غير واحد من أهل العلم بتفسير كتاب الله تعالى, فقال عبد الصّمد (٢) في تفسيرها: سمّى الله الوليد فاسقاً لكذبه الذي وقع به الإغراء, وقال القرطبي في هذه الآية في ((تفسيره)) (٣): ((وسمّى الله الوليد فاسقاً أي: كاذباً)) قال القرطبي (٤): ((وقال العلماء: الفاسق
стр. 590
الكذّاب, وقيل: الذي لا يستحي من الله)). انتهى كلامه.
وفيه شهادة للمعنى الذي ذكرته, أقصى ما في الباب: أنّ هذا الاحتمال غير ظاهر, لكنّه محتمل غير مرجوح, وذلك يمنع من الاحتجاج بها في المتأوّلين.
الوجه الثّاني: أنّ الله تعالى قال: ((إن جاءكم فاسق بنبأ فنبيّنوا)) [الحجرات/٦] ولم يقل: فلا تقبلوه, والتّبيّن هو تطلّب/ البيان, وليس القطع على أنّه كاذب يسمّى تبيّناً في اللغة ولا في العرف ولا في الشّرع, وقد جاء الأمر بالتّبيّن في القرآن الكريم, وليس المراد به الرّدّ والتّكذيب, وذلك في قوله تعالى في سورة النّساء: ((يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبيّنوا)) [النساء/٩٤] فروى البخاريّ ومسلم (١) من حديث ابن عبّاس ﵄ أنّ المسلمين لحقوا رجلاً في غُنيمة له, فقال: السّلام عليكم, فقتلوه وأخذوا غُنيمته فنزلت, وهو حديث صحيح مرويّ من غير طريق, فثبت أنّ التّبيّن طلب البيان لا ردّ المتّهم.
فنقول: من جملة التّبيّن أنّا ننظر إلى المخبر أهو من أهل الصّدق والتّحري أم لا؟ فإن لم يكن منهم لم نقبله, وإن كان منهم نظرنا هل أخبرنا بأمر يتعلّق بحقوق المخلوقين, أو بأمر من أمور (٢) الدّين, فإن كان ممّا يتعلّق بأمر الدّين؛ اكتفينا فيه بظنّ صدقه وأمانته ما لم يجرح بأمر يعارض أدلّة قبوله, وإن كان في حقوق المخلوقين لم نصدقه حتّى
стр. 591
يشهد معه شاهد آخر غالباً, ولا شكّ أنّ الآية نزلت في حقوق المخلوقين وأنّ الوليد لم يكن في المتأوّلين باتّفاق العارفين.
الوجه الثّالث: أنّ الله تعالى علّل التبيّن بخوف الإصابة بالجهالة, وهذه العلّة غير حاصلة في خبر المتديّن (١) , فإنّ خبره يفيد الظّنّ الرّاجح وذلك لا يسمّى جهالة لوجهين:
الوجه الأوّل: أنّه يسمّى علماً في لغة العرب لقوله تعالى: ((وما شهدنا إلا ما علمنا)) [يوسف/٨١] وغير ذلك, وما ثبت أنّه يسمّى علماً في لسان العرب فلا يسبق إلى الفهم أنّه يسمّى جهالة, ولا يجوز ذلك إلا بدليل.
الوجه الثّاني: وهو المعتمد أنّا نظرنا في الجهالة هل هي عدم العلم أو عدم الظّنّ؟ فوجدناها عدم الظّنّ لا عدم العلم, وإنّما قلنا ليست عدم العلم؛ لأنّ العلم لا يحصل أيضاً بخبر المسلم الثّقة ولا بخبر الثّقتين, فثبت أنّ الجهالة تنتفي بحصول الظّنّ, وهو حاصل بخبر المتأوّل المتديّن, وقد قال القرطبي (٢): ((في هذه الآية الكريمة سبع مسائل, وذكر منها: أنّ القاضي إذا قضى على الظّنّ لم يكن ذلك عملاً بجهالة كالقضاء بشاهدين عدلين, وقبول قول عالم مجتهد)) انتهى.
وهو صريح في المعنى الذي ذكرته ولله الحمد. وللزّمخشري (٣)
стр. 592
مثل ذلك ذكره في تفسير قوله تعالى: ((فإن علمتموهمّ مؤمنات)) [الممتحنة/١٠].
الوجه الرّابع: أنّ الآية خاصّة في حقوق المخلوقين (٢لا عامّة في جميع أخبار المخبرين, ولا شكّ أنّ خبر الواحد الثقة غير مقبول في حقوق المخلوقين (١) على الإطلاق, وأنّ الثّقات غير مقبولين في حقوقهم إذا كانت بينهم أحنة عداوة, والوليد كان بينه وبين الذين كذب عليهم عداوة, فلا حجّة في الآية لا في عمومها, ولا في (٣مفهومها, ولا في (٢) تعليلها المقتضي للقياس عليها.
الوجه الخامس: أنّا لو قدّرنا عمومها وسلّمنا تسليم جدل لم يمنع ذلك من تخصيصها, ولا شكّ أنّ في أدلّتنا المتقدّمة ما هو أخصّ منها كالإجماع, ودليل المعقول وغيرهما.
الوجه السّادس: أنّا لو سلّمنا عدم وجود المخصّص, لم يلزم ما ذكره الخصوم؛ لأنّ ما أوردناه من الآيات الكريمة معارضة لعموم هذه الآية, لو سلّمنا /أنّها عامّة وتلك الآيات أرجح لكثرتها, ولما في قبول المتأوّلين من الاحتياط غالباً, ولما في مخالفة ذلك من خوف مخالفة الإجماع, ولغير ذلك من المرجّحات المذكورة في ((الأصل)) وقد ذكرت في ((الأصل)) (٣) سبعة عشر وجهاً في القدح على المعترض
стр. 593
في احتجاجه بهذه الآية الكريمة, وفي هذا القدر كفاية -إن شاء الله تعالى-.
الحجّة الثّانية: ممّا احتجّوا به: القياس على الكافر والفاسق المصرّحين, قالوا: فإنّ العلّة في ردّهما الكفر والفسق, وهي حاصلة في المتأوّلين, والجواب من وجوه:
الأوّل: أنّ هذا قياس مصادم للإجماع والدّليل العقلي, فلا يقبل وفاقاً, فإنّ كلّ واحد منهما يمنع منه.
الوجه الثّاني: أنّه مخصّص لكثير من الآيات القرآنية (١) والآثار الصّحيحة, وكلّ قياس على هذه الصّفة لم يلزم المصير إليه, بل يقف ذلك على حسب مذهب العالم في تجويز تخصيص العموم به, وعلى حسب قوّة العموم أو (٢) قوّة القياس أو ضعفهما, أو قوّة أحدهما وضعف الآخر.
الوجه الثّالث: أنّ التّعليل بالفسق غير مسلّم, وإذا لم تسلّم العلّة انهدم أساس القياس, وذلك أنّ الخصم ادّعى أنّ العلّة في قبول العدل: أنّ قبول منصب تعظيم وتشريف, والفاسق المتأوّل غير أهل لذلك, وعندي أنّ العلّة هي ظنّ الصّدق ورجحانه, والدّليل على ذلك وجوه:
الوجه الأوّل: قوله تعالى: ((واستشهدوا شهيدين من رجالكم)) [البقرة/٢٨٢] , فلو كانت العلّة مجرّد العدالة, وكونها منصباً شريفاً, مستحقّاً للتعظيم, مانعاً من قبول الرّدّ لما فيه من الاستهانة بالمردود
стр. 594
والتهمة له, لكفى العدل الواحد, فإن قيل: هذا ينعكس عليكم, فإنّه لو كان العلّة الظّنّ لكفى الوحد أيضاً, فالجواب من وجوه (١):
أحدهما: أنّ القصد في حقوق المخلوقين الظّنّ الأقوى حسب الإمكان المتيسّر, وفي حقوق الله تعالى مجرّد الظّنّ.
وثانيهما: أنّه إذا بطل بهذا تعليلنا بطل به تعليل الخصم, وذلك يضرّ الخصم ولا يضرّنا, لأنّ بطلان به تعليل يستلزم بطلان القياس وبذلك تبطل حجّة الخصم القياسية. وأمّا نحن؛ فلم (٢) نحتج إلى القياس في هذه المسألة وإنّما قصدنا بطلانه.
وثالثها: أنّ سائر أدلّتنا في استنباط التعليل بالظّنّ غير معارضة بما يساويها في القوّة.
الوجه الثّاني: (٣) قوله تعالى: ((او آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت)) [المائدة/١٠٦] فأباح الله تعالى قبول كافر التّصريح عند الضّرورة الدّنيوية, حين لم يوجد من يحفظ المال بالشّهادة سواه, فدلّ على أنّ قبولها ليس بمنصب تشريف لا يستحقه إلا مؤمن, فأولى وأحرى أن نقبل المتأوّل من أهل القبلة, إذا اضطررنا إلى ذلك في أمر ديننا, بأن يحفظ عن نبيّنا ﷺ حكماً ونظنّ صدقه فيه ولا نجد غيره أحداً يرويه, فإنّ الشّرع قد جعل الشّهادة في حقوق المخلوقين آكد من الخبر عن أمور الدّين, لما ورد فيها من اعتبار
стр. 595
شاهدين اثنين, وعدم الاجتزاء بامرأة واحدة عن احد الشّاهدين ونحو ذلك, فإذا جاز في الضّرورة اعتبار كافر التّصريح في الشّهادة, مع تغليظ حكمها, فجواز اعتبار كافر التّأويل في الرّواية أولى, وفي هذه الآية أوضح دليل على جواز تخصيص العلّة, فتأمّل ذلك.
الوجه الثّالث: قوله تعالى: ((ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها)) [المائدة/١٠٨] فعلّل بما يفيد قوّة الظّنّ.
الوجه الرّابع: قوله تعالى في /الكتابة: ((ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى ألا ترتابوا)) [البقرة/٢٨٢] وهذا أوضح دليل على اعتبار ما يبعد عن الرّيبة, دون اعتبار منصب العدالة الرّاجع إلى ما يستحقه المسلم من التّعظيم.
الوجه الخامس: ورود الشّرع بشاهد ويمين عند من يقول بذلك من أهل العلم, ولا شكّ أنّ شرع اليمين يدلّ على اعتبار قوّة الظّنّ ولا يناسب مقام تعظيم المؤمن, بل فيها تهمة للشّاهد والحالف, ولو صُدّقا من غير شهادة ولا يمين كان أكثر تعظيماً لهما.
الوجه السّادس: أنّه يجب ردّ حديث العدل في دينه إذا كان سيء الحفظ [يترجّح] (١) خطؤه على صوابه, وهذا إجماع, وفيه أكبر دليل على أن العبرة الظّنّ, ولهذا وجب ردّ المسلم المتديّن حيث زال الظّنّ لصدقه, ولو كانت العلّة ما ذكره المعترض من استحقاقه لمنصب القبول بإسلامه وإيمانه وديانته؛ لوجب قبول سيء الحفظ, وإن كان
стр. 596
خطؤه أكثر من صوابه, لأنّه لم يتعمّد ولا إثم [عليه] (١) في ذلك ولا حرج باتفاق المسلمين.
الوجه السّابع: أنّ علماء الأصول عملوا في باب التّرجيح بتقديم خبر من قوي الظّنّ بإصابته وصدقه, ولم يقدّموا خبر من كثر ثوابه وعظمت منزلته عند الله تعالى, فاعتبروا في التّرجيح جودة الحفظ, وملازمة الفنّ, وموافقة أهل الإتقان, ولم يعتبروا أسباب عظم المنزلة عند الله من كثرة الجهاد والصّدقة والذّكر, وقد ضعّفوا [جماعة] (٢) لكثرة اشتغالهم بالعبادة وانقطاعهم في الذكر, حتّى غفلوا عن الحديث وساء حفظهم, وهذا أوضح دليل على تعليل القبول بالظّنّ لا باستحقاق منصب التعظيم.
الوجه الثّامن: أنّه يجب على المجتهد العمل بما يُفيده الظّنّ في المعاني القرآنية اللفظيّة ونحوها, فيجب عليه تقديم دليل المنطوق على دليل المفهوم ونحو ذلك, وليس العلّة أنّ دليل المنطوق منصب (٣) للتعظيم, ودليل المفهوم منصب للاستهانة, وإنّما العلّة وجوب قبول الرّاجح وتقديمه على المرجوح, فيجب مثل ذلك في رواة الأخبار النّبويّة, فإنّ العلّة واحدة وهي حصول الظّنّ الرّاجح.
قال المعترض: يلزم وجوب قبول من ظنّ صدقه من المصرّحين
стр. 597
بالمعاصي.
والجواب: أنّه مخصوص بالإجماع على ردّه, وهذا لا يبطل العلّة لأنّه تخصيص, وتخصيص العلّة جائز كما في تعليل وجوب القصاص بالقتل العمد العدوان, مع أنّه يخص من ذلك الأب إذا قتله ابنه عمداً عدواناً, فإنّه لا يقتل به قصاصاً, وإن كانت علّة وجوب القصاص قد وجدت فيه للدّليل الذي خصّه, ولابدّ للمخالف من تخصيص العلّة, فإنّ من علّل بالعدالة خصّص من العدول سيء الحفظ الذي خطؤه أكثر من صوابه.
وقد ذكرنا أنّ قوله تعالى: ((أو آخران من غيركم)) [المائدة/١٠٦] حجّة ظاهرة على جواز تخصيص العلّة, على أنّ الشّيخ العلامة عزّ الدّين بن عبد السّلام قد روى خلافاً في قبول فاسق التّصريح المظنون صدقه, فروى عن الإمام الأعظم أبي حنيفة ﵁: أنّ فاسق التّصريح متى كان معروفاً بالصّدق مشهوراً بالأنفة العظيمة من رذيلة الكذب, بحيث أنه اختبر في ذلك وعرف منه أنّه يجتنبه كما يجتنب المؤمن الحرام قُبلت شهادته, ذكره في كتاب ((قواعد الأحكام في مصالح الأنام)) (١) وبه قال المنصور بالله من أئمة الزّيديّة, وشرط في جواز قبوله خلوّ الأرض -التي يقبل فيها- عن وجود أهل العدالة؛ لأنّه قاس ذلك على جواز قبول الكافر في السّفر عند عدم المسلمين.
واحتج سائر أهل العلم على المنع من قبول المصرّحين: بأنّ
стр. 598
وازع المصرّح عن (١) الكذب إنّما هو الحياء عن (٢) ظهور هذه الرّذيلة عليه والأنفة من ذلك, وهذا الوازع وإن عظم فإنّه /لا يقوم مقام وازع التّقوى والمراقبة لله تعالى, لأنّ خوف العار وحبّ المحمدة يضعف فيما يخفى ويظنّ صاحبه أنّه لا ينكشف للنّاس, والوازع الأخروي, والحياء من الله, والخوف من غضبه وعقوبته مستو في الباطن والظّاهر, والفاسق المصرّح وإن حصل بخبره ظنّ, فالظّنّ بخبر الثّقة من أهل العدالة أقوى, ولا يمنع أن يرد الشّرع باعتبار ظنّ دون ظنّ في حقوق الله تعالى لزيادة قوّة أحدهما على الآخر, كما ورد باعتبار ذلك في حقوق المخلوقين لهذه العلّة, فوجب الحكم بالظّنّ الصادر عن شهادة عدلين دون الظّنّ الصّادر عن شهادة عدلتين, وكذلك حقوق الله تعالى فلا يمنع وجوب قبول الظّنّ الصّادر عن العدل دون غيره, ولكن هذا خلاف الظّاهر فلا يصار إليه إلا بدليل, وذلك الدّليل هو قوله تعالى: ((شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم)) [المائدة/١٠٦] , وقوله تعالى: ((ممّن ترضون من الشهداء)) [البقرة/٢٨٢] ونحو ذلك ممّا ورد في السّنّة النّبويّة, فلهذا تركنا الفاسق والكافر المصرّحين.
وأمّا الفرق بين الكافر والفاسق تأويلاً, وقبول الفاسق دون الكافر فضعيف؛ لأنّ التّأويل إن أثّر في القبول لعلّة ظنّ الصّدق اعتبر فيهما معاً, وإلا لم يعتبر, وأمّا من لم يقبل الدّعاة منهم فله وجهان:
стр. 599
أحدهما: أنّهم يتّهمون لشدّة حرصهم على الدّعاء إلى بدعتهم بتدليس خفيّ عن بعض الضّعفاء فيما ينصر مذهبهم, ونحو ذلك, وهذا يضعف فيما لا يتعلّق بمذهبهم, ويوقف فيه فيما يتعلّق بذلك على حسب القرائن.
الوجه الثّاني: للزّجر عن مخالطة الطّلبة لهم خوفاً على الطّلبة من فتنتهم, وهذا نظر مصلحي (١) لا يسقط بمثله وجوب العمل بالحديث الرّاجح المظنون صحّته, ولا سيما وقد بلغنا ما رووه بعد موتهم أو في حياتهم من غير مخالطة لهم, ولم أقف للقائلين بذلك على وجه, وإنّما تكلّفت هذين الوجهين لهم, والعجب من مصنّفي علوم الحديث كيف لم يتعرضوا لذكر وجه ذلك! على أنّ الرّواية عن الدّاعية الثّقة ثابتة في ((الصحيح)) كرواية حديث قتادة مع أنّه كان قدريّاً, روى الذّهبي عنه في ((التّذكرة)) (٢) أنّه لم يكن يقنع حتّى يصيح به صياحاً, رواه بصيغة الجزم عن ضمرة بن ربيعة عن (٣) عبد الله بن شوذب ثقة عن ثقة, ولنقتصر على هذا القدر من إيراد ما تمسّكوا به وبيان الجواب عليهم, فليس لهم متمسّك أقوى مما ذكرناه.
الفائدة الرّابعة: في ذكر ثلاث طوائف خصّهم بالذكر, وأورد في الاحتجاج على جرحهم في الرّواية ما لم يورد في غيرهم:
الطّائفة الأولى المجبّرة: لكنّه أراد بهم من ليس بجبريّ من
стр. 600
الأشعرية وأهل الحديث, وهذا لفظه قال: أمّا المجبّرة فعندهم أنّ الله تعالى يحوز أن يعاقب المطيع وأن يثيب العاصي فلا فائدة في الطّاعة, وأيضاً فعندهم أنّ أفعالهم من الله تعالى, فالإثابة عليها والعقاب لا معنى له, فإن قالوا: هذا من جهة العقل, لكن قد ورد السّمع أنّه يدخل المطيع الجنّة والعاصي النّار, قلنا: إنّه إنّما وعد ذلك مقروناً بمشيئته لقوله: ((يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء)) [الفتح/١٤] وهم لا يعلمون من الذين يشاء الله أن يغفر لهم.
أقول: الجواب عليه من وجوه/:
الوجه الأوّل: أنّا قد بيّنّا غير مرّة أنّ الأشعرية وأهل الحديث لا يقولون بالجبر, وبيّنّا نصوص أئمتهم على ثبوت الاختيار ونفي الإجبار كالجويني والخطّابي والنّووي وابن الحاجب, وغير واحد ممّن قدّمنا ذكره, وهم أعرف بمذاهبهم من غيرهم, والرّجوع إليهم في تفسير مقاصدهم في عباراتهم أولى من الرّجوع إلى من عداهم؛ وإذا جاز أن يُنسب إليهم ما هم مفصحون بالبراءة منه, جاز أن ينسب إلى الشّيعة والمعتزلة مثل ذلك, فوجب اطّراحه والرّجوع إلى العدل والإنصاف, والحكم بما ظهر من أهل الخلاف.
الوجه الثّاني: أنّ المعلوم ضرورة من مذهبهم خلاف ما ذكره, وإنّما ألزمتهم ذلك المعتزلة مجرّد إلزام, كما أنّهم ألزموا المعتزلة القول بأقبح من ذلك في كثير من مسائل الكلام, والفريقان أعقل من أن يرتكبوا من الكذب المعلوم بالضّرورة ما ارتكبه المعترض, فإن