← Тафсир

Тафсир · id 36432

أوضح التفاسير

محمد عبد اللطيف الخطيب

Полный текст (5 331 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتِيْنِ﴾ وذلك أن عير قريش أقبلت من الشام في تجارة عظيمة، وخرج أبو جهل بجميع أهل مكة لتلقي العير، والمحافظة عليها؛ ونزل جبريل ﵊؛ فقال: يا محمد إن الله وعدكم إحدى الطائفتين: إما العير، وإما قريشاً. فاستشار الرسول أصحابه؛ فاختاروا العير لخفة الحرب، وكثرة الغنيمة. وهذا معنى قوله تعالى ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ والشوكة: السلاح. فقام عند ذلك أبو بكر، وعمر، وسعدبن عبادة، والمقدادبن عمرو، وسعدبن معاذ؛ رضي الله تعالى عنهم، وقالوا فأحسنوا القول، وكان مما قاله المقدادبن عمرو: يا رسول الله إمْضِ إلى حيث أمرك الله فنحن معك؛ والله لا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى ﴿فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون فوالذي بعثك بالحق لئن سرت بنا إلى برك الغماد لجالدنا معك دونه حتى تبلغه ففرح رسولالله بذلك ودعا لهم بخير؛ وقال: «سيروا على بركة الله تعالى» وكان ما كان مما هو مدون في كتب السير.

стр. 1017

﴿فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ يقال: ردفه: إذا تبعه. وأردفته إياه: إذا أتبعته

стр. 1018

﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ﴾ أي ما جعل ذلك الإمداد ﴿إِلاَّ بُشْرَى﴾ لكم ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ﴾ بالكثرة، ولا بالمعاونة؛ وإنما هو في الحقيقة لا يكون ﴿إِلاَّ مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾ ينصر الأقل الأذل، على الأكثر الأعز - متى شاء - بإرادته وقوته ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ قوي غالب، لا يغلب أبداً ﴿حَكِيمٌ﴾ في سائر أموره وتقديراته؛ فإذا قدر النصر فلمنة، وإذا قدر الهزيمة فلحكمة

стр. 1019

﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ﴾ النوم ﴿أَمَنَةً﴾ أمناً لكم؛ إذ أنه من المعلوم أن الخائف لا ينام؛ ولكن الله تعالى ربط على قلوبهم، وحال بينهم وبينها؛ فأمنوا في موطن الخوف، وخاف الكافرون في موضع الأمن والنعاس في القتال: أمن منالله، وفي الصلاة: رجز من الشيطان ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَآءِ مَآءً لِّيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ قيل: كانوا على غير ماء، وأصبحوا مجنبين؛ فنزل المطر كالسيل؛ فشربوا وتطهروا ﴿وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ ⦗٢١٢⦘ الشَّيْطَانِ﴾ بعد أن وسوس إليهم في منامهم بما أصبحهم مجنبين ﴿وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ﴾ يقويها بالصبر؛ وأنهم قد أصبحوا متطهرين ﴿وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ﴾ عند لقاء العدو، قيل: كانوا يتنقلون في حربهم على كثبان من رمل تسوخ فيه الأقدام؛ فتلبد الرمل من الماء وتثبت عليه أقدامهم عند اللقيا

стр. 1020

﴿وَاضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ البنان: أطراف الأصابع، أو هي الأصابع كلها؛ وذلك لجعلهم عاجزين عن إمساك السيوف، ومقاتلة المسلمين مرة ثانية

стр. 1021

﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ﴾ خالفوا وعادوا

стр. 1022

﴿ذلِكُمْ﴾ القتل والأسر والذل ﴿فَذُوقُوهُ﴾ أيها الكافرون في الدنيا ﴿وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ﴾ في الآخرة ﴿عَذَابَ النَّارِ﴾ وغضب الجبار

стр. 1023

﴿زَحْفاً﴾ مجتمعين مهاجمين

стр. 1024

﴿إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ﴾ أي جاعلاً القتال حرفة له، متقناً لها؛ وقد فر ليكر، وتظاهر بالهزيمة، ليفوز بالغنيمة ﴿فَقَدْ بَآءَ﴾ رجع ﴿بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ﴾ وشتان بين من رجع بالفوز والغنيمة، أو الأجر والشهادة؛ وبين من «باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير»

стр. 1025

﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ﴾ أي لم تقتلوا من قتل من الأعداء بأيديكم ورماحكم ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾ بأيدي ملائكته ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ وذلك حين رمى سيد الكونين صلوات الله تعالى وسلامه عليه جيوش المشركين بقبضة من تراب، وقال: شاهت الوجوه فلم يبق مشرك إلا دخل في عينيه منها، ولم يستطع الإبصار؛ وتسبب من ذلك هزيمتهم ونصر المؤمنين هذا وقد استدل كثير من الفضلاء بهذه الآية على أن سائر أفعال الخلق المكتسبة؛ هي من الله وحده؛ فقد نفي عنهم الفعل والإنجاز؛ ألا ترى إلى قوله: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ فنفى عنهم القتل، وعن الرسول ﵊ الرمي؛ وقد حصل كلاهما؛ فكذلك سائر أفعال الخلق المكتسبة: من الله الإنشاء والإنجاز بالتسبيب، ومن الخلق الاكتساب بالقوى. وقد فاتهم أنه مما لا خلاف فيه أن سائر أعمال الخير مصدرها من الله تعالى، أما أعمال الشر فهي من الإنسان وحده؛ قال تعالى: ﴿مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ﴾ وقد نسب الله تعالى إلى نفسه قتل المشركين ورميهم بالحصباء؛ وهما خير وحسنة وإذا قلنا بغير ذلك: كانت أعمال الكفار أيضاً: من الله إنشاؤها وإنجازها؛ وهذا ما لم يقل به مؤمن ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلكِن كَانُواْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ ﴿وَلِيُبْلِيَ﴾ ينعم ويعطي ﴿الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ﴾ من فضله ﴿بَلاءً حَسَناً﴾ عطاءً كثيراً من الغنائم ﴿ذلِكُمْ﴾ النصر والغنيمة حق ﴿وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ﴾ مضعف

стр. 1026

﴿إِن تَسْتَفْتِحُواْ﴾ أي إن تطلبوا القضاء أيها الكفار ⦗٢١٣⦘ ﴿فَقَدْ جَآءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ القضاء بهلاككم ﴿وَإِن تَنتَهُواْ﴾ ترجعوا عن الكفر والحرب ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ في الدنيا والآخرة ﴿وَإِن تَعُودُواْ﴾ إلى النفاق والشقاق ﴿نَعُدْ﴾ إلى قتلكم وتشريدكم

стр. 1027

﴿وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ﴾ أي قالوا: آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم

стр. 1028

﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ﴾ أي إن شر المخلوقات التي تدب على وجه الأرض - ومنها الإنسان - ﴿الصُّمُّ﴾ عن سماع الحق ﴿الْبُكْمُ﴾ عن النطق بكلمة التوحيد. شبه تعالى الكفار بالبهائم، بل بشرّها وفي ذلك كل البلاعة، ونهاية الإعجاز: إذ أن الكافر لا يسمع الحق، والبهائم لا تسمعه، ولا ينطق بالخير، والبهائم لا تنطق به، ويأكل والبهائم تأكل؛ قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ﴾ بقي أن الإنسان يؤذي ويضر، والبهائم لا تؤذي ولا تضر فكيف لا يكون بعد هذا شراً من البهائم؟

стр. 1029

﴿يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ للَّهِ﴾ أجيبوه ﴿وَلِلرَّسُولِ﴾ محمد صلوات الله تعالى وسلامه عليه؛ بأن تطيعوه ﴿إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ أي إذا دعاكم للإيمان الذي به تحيا النفوس، وبه تحيون الحياة الباقية أو ﴿إِذَا دَعَاكُم﴾ للجهاد وفي الجهاد حياتكم؛ وإلا فالموت والويل لمن يمكن أعداءه من نفسه، ومن دينه، ومن وطنه ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ قد أريد بالقلب هنا: العقل. قال تعالى: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ أي إن الله تعالى يحول بين المرء وعقله؛ فيعمل بغير ما يمليه عليه؛ وقد حال الله تعالى - في الجهاد - بين المؤمنين وعقولهم؛ وكذلك حال أيضاً بين المشركين وعقولهم؛ قال تعالى: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ﴾ فلو لم يحل تعالى بين المؤمنين وقلوبهم: لانهزموا رعباً لكثرة المشركين وقوتهم، ولو لم يحل أيضاً بين المشركين وقلوبهم: لما استهانوا بالمؤمنين وأمكنوهم من أنفسهم؛ وذلك ﴿لِّيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً﴾ وقد ذهب كثير من المفسرين - أثابهم الله - إلى أن معنى هذه الآية: أن الله تعالى يحول بين الكافر والإيمان وهو قول ظاهر البطلان؛ لا يجوز نسبته إلى الله تعالى وإنما أريد بالقلب هنا العقل كما بينا (انظر آيتي ١١٠ من سورة الأنعام، و٢٠٠ من سورة الشعراء)

стр. 1030

﴿وَاتَّقُواْ فِتْنَةً﴾ عذاباً ﴿لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً﴾ وذلك لأن العذاب يصيب الذين ظلموا، والذين لم يظلموا؛ لأن الظالم يهلك بظلمه وعصيانه، والذي لم يظلم يهلك لعدم منعه الظالم من ظلمه، وتركه إقامة الحد عليه

стр. 1031

﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ أي محنة من الله؛ ليختبركم كيف تحافظون فيهما على حدوده، وتتجنبون محارمه (انظر آية ١١ من سورة النساء)

стр. 1032

﴿يِاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إَن تَتَّقُواْ اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً﴾ الفرقان: ⦗٢١٤⦘ النصر والبرهان، ولعل المراد بذلك: يجعل لكم عقلاً راجحاً تفرقون به بين الحق والباطل، وبين الخير والشر وبين النفع والضر ﴿وَيُكَفِّرْ﴾ يمح

стр. 1033

﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ يكيدوا لك ﴿لِيُثْبِتُوكَ﴾ ليحبسوك

стр. 1034

﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُواْ قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا﴾ قالوا هذه القالة؛ وحينما تحداهم بقوله: ﴿قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ﴾ ركنوا إلى الفرار وولوا الأدبار

стр. 1035

﴿وَإِذْ قَالُواْ اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَآءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ لقد وصف الله تعالى هؤلاء البهم بأدق ما يوصف به أمثالهم: حيث قال: ﴿إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ وكيف لا يكون كالأنعام - بل أسوأ حالاً من الأنعام - من يقول هذا القول؟ وكان الأليق بمن يتصف بالآدمية والإنسانية؛ أن يقول: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا إليه، ووفقنا إلى اتباعه

стр. 1036

﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ﴾ وقد جرت عادته تعالى ألا يعذب أمة إلا بعد إخراج نبيها والمؤمنين منها ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ قيل: كان المشركون يقولون عند طوافهم بالبيت: غفرانك غفرانك. وقيل: أريد بالمستغفرين: المؤمنين المستضعفين؛ وهو كقوله تعالى: ﴿لَوْ تَزَيَّلُواْ لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ وقد ذهب المفسرون إلى أنه كان فيهم أمانان: نبي الله تعالى والاستغفار؛ فذهب النبي بموته، وبقي الاستغفار. وقد فاتهم أن الذي ذهب من الأمانين هو الاستغفار؛ لا الرسول صلوات الله تعالى وسلامه عليه؛ إذ لم يبق الآن مستغفر؛ وإذا استغفر إنسان: فاستغفاره في حاجة إلى استغفار أما الرسول فهو بين ظهرانينا - بل بين جوانحنا - إلى يوم نلقى الله؛ ممتعين باستغفاره لذنوبنا، وشفاعته لنا إن شاء الله قال: «تعرض علي أعمالكم؛ فإن وجدت خيراً حمدت الله، وإن وجدت شراً استغفرت لكم»

стр. 1037

﴿وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ هو تأييد لما تقدم: أي لولا وجودك فيهم، ووجود المستغفرين بينهم: لعذبهم الله تعالى؛ لأنهم مستحقون للعذاب فعلاً؛ بسبب أنهم ﴿يَصُدُّونَ﴾ يمنعون المؤمنين ﴿عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ يمنعونهم عن دخوله، والطواف به ﴿وَمَا كَانُواْ﴾ أي وما كان هؤلاء المشركون الصادون ﴿أَوْلِيَآءَهُ﴾ أي لا ولاية لهم على المسجد الحرام حتى يمنعوا الناس من الطواف به ﴿إِنَّ﴾ ما ﴿أَوْلِيَآؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ﴾ الذين يخشون ربهم، ويخافون سوء الحساب

стр. 1038

﴿وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ﴾ أي دعاؤهم ﴿عِندَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكَآءً﴾ صفيراً ﴿وَتَصْدِيَةً﴾ تصفيقاً؛ وقد كانت قريش يطوفون بالبيت عراة؛ يصفقون ويصفرون؛ كما يفعل اليوم بعض من يدعون الولاية والجذب في كثير من مجالسهم ⦗٢١٥⦘ المختصة بذكر الله تعالى وعبادته

стр. 1039

﴿فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً﴾ لأنهم لن ينالوا ما يبتغونه؛ وسيتم الله تعالى نعمته بإكمال دينه ﴿ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾ في الدنيا؛ بالقتل وذهاب الأموال، والخزي

стр. 1040

﴿لِيَمِيزَ﴾ يفصل ﴿الْخَبِيثَ﴾ الكافر ﴿مِنَ الطَّيِّبِ﴾ المؤمن؛ فيجعل الخبيث في نيران الجحيم والطيب في جنات النعيم أو هو عام في كل شيء: في العبادات، والمعاملات، والنفقات والصدقات، وفي سائر الأعمال التي يخبثها الرياء، والأذى، والمن. ويطيبها الإخلاص في الطاعات، وتطهير السر والعلن ﴿وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ﴾ يجمعه ويجعله متراكماً

стр. 1041

﴿قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ﴾ يرجعوا عن الكفر ﴿يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ ما قد مضى من ذنوبهم؛ لأن الإيمان يجب ما قبله ﴿وَإِنْ يَعُودُواْ﴾ إلى الكفر بعد انتهائهم عنه ﴿فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينِ﴾ أي طريقتنا في معاملة الكافرين؛ وهي إهلاكهم واستئصالهم؛ فكذا نفعل بهم

стр. 1042

﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ حتى لا يكون شرك ﴿فَإِنِ انْتَهَوْاْ﴾ عن الكفر ﴿فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ فيجازيهم عليه

стр. 1043

﴿وَإِن تَوَلَّوْاْ﴾ أعرضوا عن الإيمان، وبان منهم العدوان ﴿فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ مَوْلاَكُمْ﴾ ناصركم ومعينكم

стр. 1044

﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ﴾ من مال الكفار في القتال ﴿فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ﴾ يأمر فيه تعالى بما يشاء؛ وأربعة الأخماس للمحاربين الغانمين؛ وقد قسم الله تعالى الخمس على خمسة ﴿وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ قرابته ﴿وَالْيَتَامَى﴾ أطفال المسلمين الذين هلك آباؤهم ﴿وَالْمَسَاكِينِ﴾ ذوي الحاجة من المسلمين ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ الذي انقطع به الطريق في السفر ﴿إِن كُنتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ أي وآمنتم بما أنزلنا على عبدنا محمد من الآيات والمعجزات، والملائكة الذين أنزلناهم لنصرته ﴿يَوْمَ الْفُرْقَانِ﴾ يوم النصر، وهو يوم بدر؛ وسمي «يوم الفرقان» لأنه يوم فرق الله تعالى به بين باطل المشركين، وحق المؤمنين

стр. 1045

﴿إِذْ أَنتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا﴾ جانب الوادي القريب وهو من الدنو ﴿وَهُم بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى﴾ جانب الوادي البعيد ﴿وَالرَّكْبُ﴾ أي ركب المشركين ﴿أَسْفَلَ مِنكُمْ﴾ في مكان منخفض؛ مما يلي البحر ﴿وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ﴾ أنتم والأعداء، على هذا اللقاء ﴿لاَخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِن﴾ تم هذا التوافق ﴿لِّيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً﴾ وهو نصر الإسلام، ومحق الكفر، وإعلاء كلمة الله تعالى: ⦗٢١٦⦘ ﴿لِّيَهْلِكَ﴾ ليكفر ﴿مَنْ هَلَكَ﴾ من كفر ﴿عَن بَيِّنَةٍ﴾ حجة واضحة؛ هي انخذالهم - وهم الأكثرون الأقوياء وانتصار المؤمنين عليهم - وهم الأقلون الضعفاء - ﴿وَيَحْيَى﴾ يؤمن ﴿مَنْ حَيَّ﴾ من آمن ﴿عَن بَيِّنَةٍ﴾ حجة ظاهرة. وأي حجة أَبين وأظهر من غلبة الضعيف للقوي وانهزام الجيش اللجب، ذي السطوة والقوة. أمام شرذمة لا حول لها ولا طول إلا ب الله ذي العزة والمنعة ولم تكن البينة في انتصار الضعفاء على الأقوياء فحسب؛ بل لقد رأى المسلمون - وهم الأقلون - الكافرين قليلاً - وهم الأكثرون - ورأى الكافرون المسلمين كثيراً؛ فانخلعت قلوبهم، وأمكن الله تعالى منهم ولم تكن بينة الله تعالى - التي جعلها فيصلاً بين الكفر والإيمان - قائمة على انتصار الضعفاء على الأقوياء، ورؤية الأقلين للأكثرين قليلاً، والأكثرين للأقلين كثيراً؛ لم يكن هذا وحده؛ بل رأى المسلمون والكافرون في هذه المعركة جنود الله تعالى من الملائكة جهاراً تنكل بالكافرين تنكيلاً، وتحصد عتاة المشركين وسراتهم حصداً؛ ولقد كان المؤمن يقصد الكافر بسيفه؛ فتطيح رأس الكافر قبل أن يصل سيف المؤمن إلى عنقه

стр. 1046

﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ أي يريك الكفار ﴿فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً﴾ فسررت واطمأننت لذلك، وأخبرت أصحابك فسروا واطمأنوا ﴿وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيراً لَّفَشِلْتُمْ﴾ جبنتم ﴿وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ﴾ أي لترددتم بين الثبات والفرار ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ﴾ بما أراك في منامك؛ مما تقوى به قلوبكم، وتشتد به عزائمكم ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ بمكنونات القلوب وما خفي فيها

стр. 1047

﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ﴾ في القتال ﴿فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً﴾ كما أراكهم في منامك ﴿وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ﴾ قلة تزيد عن قلتكم؛ ليطمعوا فيكم، ويقدموا على قتالكم، ولا يحجموا عن حربكم؛ وكان ذلك قبل الالتحام؛ فلما التحم الفريقان أراهم إياكم مثليهم؛ قال تعالى: ﴿يَرَوْنَهُمْ مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾

стр. 1048

﴿وَلاَ تَنَازَعُواْ﴾ تتنازعوا ﴿فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ أي تضعفوا وتذهب قوتكم، وتدول دولتكم

стр. 1049

﴿وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِم بَطَراً﴾ طغياناً ﴿وَرِئَآءَ النَّاسِ﴾ أي رياء وهم أهل مكة حين نفروا لحماية العير؛ فأتاهم رسول أبي سفيان أن ارجعوا فقد سلمت عيركم. فأبى أبو جهل، وقال: حتى نقدم بدراً، وننحر بها الجزور، ونشرب الخمور، وتعزف القيان؛ ونطعم العرب - فذلك بطرهم ورياؤهم الناس بإطعامهم - فوافوها: فسقوا كؤوس المنايا مكان الخمر، وناحت عليهم النوائح مكان القيان؛ فنهى الله تعالى المؤمنين أن يكونوا أمثالهم: بطرين، طربين، مرائين ﴿وَيَصُدُّونَ﴾ يمنعون ﴿عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ دينه

стр. 1050

﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ التي عملوها في معاداة الرسول ﴿وَقَالَ﴾ لهم الشيطان؛ تقوية لقلوبهم ﴿لاَ غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ ⦗٢١٧⦘ مِنَ النَّاسِ﴾ وقد ظهر لهم الشيطان على صورة سيد الناحية التي تم فيها القتال ﴿وَإِنِّي جَارٌ﴾ أي مجير ﴿لَّكُمْ فَلَمَّا تَرَآءَتِ الْفِئَتَانِ﴾ تلاقى الجمعان ﴿نَكَصَ﴾ رجع الشيطان ﴿عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ هارباً ﴿وَقَالَ﴾ وذلك حين رأى إبليس اللعين، الملائكة المقربين؛ يضربون الكفار مع المسلمين؛ فقال: ﴿إِنَّي أَرَى﴾ بعيني رأسي ﴿مَا لاَ تَرَوْنَ﴾ أنتم ﴿إِنَّي أَخَافُ اللَّهَ﴾ كذب اللعين في هذا القول؛ ولكنه قاله حينما رأى ألا حول له ولا قوة في هذا اليوم: فركن إلى الفرار، وولى الأدبار

стр. 1051

﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ﴾ وهم الذين أظهروا الإيمان، وأبطنوا الكفران ﴿وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ شرك ونفاق ﴿غَرَّ هَؤُلاءِ دِينُهُمْ﴾ يعنون أن المسلمين اغتروا بدينهم؛ فخرجوا وهم ثلاثمائة وبضعة عشر، إلى زهاء ألف ثم قال تعالى رداً عليهم ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ يعتمد عليه، ويلجأ إليه ﴿فَإِنَّ اللَّهَ﴾ ناصره ومعينه؛ لأنه تعالى ﴿عَزِيزٌ﴾ غالب لا يغلب ﴿حَكِيمٌ﴾ في صنعه (انظر آية ٨١ من سورة النساء)

стр. 1052

﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمَلائِكَةُ﴾ يقبضون أرواحهم بأمر ربهم؛ فلا ينزعونها برفق؛ بل ﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ بمقامع من حديد؛ تعذيباً لهم يقال لهم في الآخرة ﴿ذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ جزاء كفركم وعنادكم

стр. 1053

﴿كَدَأْبِ﴾ كشأن وعادة ﴿آلِ فِرْعَوْنَ﴾ في كفرهم وعنادهم، وتعذيبهم بعد موتهم ﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾ أهلكهم في الدنيا بسببها

стр. 1054

﴿ذلِكَ﴾ العذاب والانتقام ﴿بِأَنَّ﴾ بسبب أن ﴿اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ أي إنه لا يجوز في حكمته تعالى أن يسلب قوماً نعمة أنعمها عليهم؛ إلا إذا استوجبوا بما ارتكبوه من إثم ونعمته تعالى التي أنعمها على قريش: هي بعثة الرسول إليهم؛ فلما غيروها بالإيذاء، والإخراج، والتكذيب، والمحاربة: غير الله تعالى نعمته عليهم بإهلاكهم يوم بدر؛ كما فعل بالأمم الماضية قبلهم؛ ممن عصى وطغى وبغى.

стр. 1055

﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ﴾ الدواب: كل ما يدب على وجه الأرض؛ وأكثر ما يطلق على العجماوات، وقد نزل الله تعالى بالإنسان الكافر إلى مصاف الحيوان؛ بل هو - في الحقيقة - شر من الحيوان
следующие страницы →