← Тафсир

Тафсир · id 36432

أوضح التفاسير

محمد عبد اللطيف الخطيب

Полный текст (5 331 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ﴾ يا محمد ﴿نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا﴾ قيل: هو رجل من بني إسرائيل؛ أوتي علماً غزيراً، وقيل: هو أميةبن أبي الصلت. وأعجب الأقوال: قول بعض المفسرين: إنه نبي من أنبياءالله؛ يقال له: بلعم، أو بلعام، وقد أنزل عليه كتاباً. وهو قول باطل؛ يرده العقل والنقل؛ فإن الله تعالى ليس كأحدنا: فيخطىء في اصطفاء عباده، واختيار أنبيائه؛ و ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ ﴿فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾ أي كفر بها ﴿فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ﴾ أي إن الشيطان جعله تابعاً له ﴿فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ الهالكين؛ من غوى الفصيل: إذا هلك

стр. 982

﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا﴾ أي بهذه الآيات؛ ووفقناه للعمل بما فيها ﴿وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ﴾ سكن ﴿إِلَى الأَرْضِ﴾ أي إلى الدنيا، ورغب فيها، ومال إليها ﴿وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ واتباع الهوى من أشد الموبقات المهلكات؛ وهو إحدى موارد النار؛ فقد خلق الله تعالى الإنسان مزيجاً بين الخير والشر؛ وأبان له عن كليهما حق التبيين قال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ ثم ميزه بالعقل الذي يعقله عن الفجور المؤدي إلى النار، ويمهد له سبيل التقوى المؤدي إلى الجنة وما من إنسان - كائن من كان - إلا ويميز في نفسه بين الخير والشر، والطيب والخبيث؛ وقد تقل قدرته على هذا التمييز، أو تنعدم أصلاً؛ إذا كان مصاباً بفساد عقله، أو بذهابه غير أنه لا يمكن القول بأن ثمت مخلوقاً قد عدم التمييز بين الخير والشر انعداماً تاماً؛ وهو في تمام صحته، وكمال عقله. بل لا بد أن تكون لديه فكرة كاملة عن أن بعض الأعمال شر وبعضها خير؛ وإذا قلنا بغير ذلك فلماذا يستخفي عن الأعين حينما يتطلب هواه منه أمراً محذوراً غير مشروع؟ حتى الحيوان الأعجم فإنه يحس في قرارة نفسه ما هو شر، وما هو خير، وما هو مشروع، وما هو غير مشروع. أرأيت إلى القطة كيف استطاعت أن تميز بين ما هو مباح، وما ليس بمباح؛ فبينما هي تأكل ما تعطيه لها آمنة مطمئنة؛ إذا بها تفر فراراً بما تسرق أو تخطف، وتتوارى به عن الأعين؛ وتنظر إليك شزراً نظر الخائف المرتعب فالإنسان إذا ما اتبع هواه، ولم يستطع أن يقاوم في نفسه قوى الشر: فقد انحط بإنسانيته إلى مرتبة هي دون مرتبة البهائم أما إذا قاوم هواه، وحارب نفسه، وألزمها الخير المحض، وجنبها الإثم والشر: فقد ترقى ⦗٢٠٦⦘ بها إلى مراتب الأملاك، وصار أهلاً لخلافة الله تعالى في أرضه، وخليقاً بتبوء جنته، والتقلب في نعمته ﴿فَمَثَلُهُ﴾ أي مثل من أخلد إلى الأرض واتبع هواه ﴿كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ﴾ أو تتركه يلهث المعنى: أنه ضال سواء وعظته أم لم تعظه؛ كالكلب إن طردته فسعى لهث. وإن تركته على حاله آمناً هادئاً لهث. وهو تمثيل البلاغة، بادىء الروعة؛ يضرب لطالب الدنيا وحدها؛ فهو دائماً ذليل مهان؛ تابع لشهواته، عابد لملذاته ﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ﴾ عليهم ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ يتدبرون فيها؛ فيؤمنون

стр. 983

﴿سَآءَ مَثَلاً الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا﴾ أي بئس المثل مثلهم ﴿وَأَنفُسَهُمْ كَانُواْ يَظْلِمُونَ﴾ بالتكذيب، وتعريضها للعقاب الدنيوي، والعذاب الأخروي

стр. 984

﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ﴾ إلى دينه ﴿فَهُوَ الْمُهْتَدِي﴾ لأن الهداية جاءته تفضلاً من لدن العزيز الكريم ﴿وَمَن يُضْلِلِ﴾ يتركه بغير هداية ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ وقد أضلهم الله تعالى بعد أن ضلوا وأضلوا قال تعالى: ﴿وَلاَ تَتَّبِعُواْ أَهْوَآءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيراً وَضَلُّواْ عَن سَوَآءِ السَّبِيلِ﴾

стр. 985

﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا﴾ خلقنا ﴿لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ﴾ خلقناهم ليؤمنوا بي وبرسلي؛ فكفروا بي وكذبوا رسلي. ومهدنا لهم سبيل الهدى؛ فاتبعوا الهوى، وأبنا لهم طريق الرشد؛ فأبوا إلا طريق الغي ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ﴾ كسائر قلوب الناس؛ خلقناها لهم ليفقهوا بها؛ ولكنهم وضعوا عليها أكنة وأقفالاً تمنعها من الفهم؛ فأضحوا ﴿لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ﴾ خلقناها لهم للإبصار والاستبصار، وللتفرقة بين النافع والضار، وللنظر إلى دلائل قدرته تعالى بعين الاعتبار؛ لكنهم وضعوا عليها غشاوة فعموا عن رؤية الحق، وأصبحوا ﴿لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ﴾ خلقناها لهم للاستماع إلى النصح والرشد؛ لكنهم صموا عن سماع الهدى؛ فأمسوا ﴿لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَآ﴾ فحق عليهم وصف ربهم ﴿أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ سبيلاً من الأنعام، و ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ عما ينجيهم

стр. 986

﴿وَللَّهِ الأَسْمَآءُ الْحُسْنَى﴾ سميت أسماؤه تعالى بالحسنى: لأنها حسنة اللفظ والمعنى، حسنة في القلب والسمع؛ كيف لا وهي تدل على اللطف والجود، والكرم، والرحمة، والرأفة، والود، والهداية ﴿فَادْعُوهُ بِهَا﴾ أي تقربوا إليه تعالى بها؛ واطلبوا منه ما تشاءون بأسمائه الكريمة: فيطلب الإنسان بكل اسم ما يليق به؛ كأن يقول: يا رحيم ارحمني، يا معز أعزني، يا غفار اغفر لي، يا رزاق ارزقني، يا قهار اقهر من ظلمني، يا تواب تب علي، يا هادي اهدني، وهكذا. وهذه الأسماء: صفات لذاته تعالى؛ إذ أن اسمه العظيم الأعظم هو «الله» وعلى ذلك كبار القوم؛ ⦗٢٠٧⦘ ألا ترى إلى قوله جل شأنه «ولله» وهو المسمى «الأسماء» أي التسميات التي يتسمى بها، أو الصفات التي يتصف بها (انظر آية ١١٠ من سورة الإسراء) ﴿وَذَرُواْ﴾ اتركوا ﴿الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ﴾ أي يميلون فيها، ويتركون القصد؛ كما فعل المشركون في تسمية أوثانهم: فاشتقوا اللات من «الله» والعزى من «العزيز»

стр. 987

﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَآ أُمَّةٌ﴾ جماعة ﴿يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ أي يحكمون بالحق عدلاً

стр. 988

﴿وَأَمْلَى لَهُمْ﴾ أمهلهم ﴿إِنَّ كَيْدِي﴾ الكيد: المكر. والمراد به: العذاب. أي إن عذابي ﴿مَتِينٌ﴾ قوي شديد

стр. 989

﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِهِمْ﴾ أي ليس بصاحبهم محمد ﴿مِّن جِنَّةٍ﴾ جنون. وكانوا يقولون: شاعر مجنون ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ بين الإنذار واضحه

стр. 990

﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُواْ﴾ نظر اعتبار واستبصار ﴿فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ ملكه تعالى ﴿وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ﴾ فيهما؛ وأن كل ذلك يدل على وجود الله تعالى ووحدانيته، ووجوب الإيمان به، والتصديق برسله ﴿وَأَنْ عَسَى أَن يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ﴾ فيقبضوا على ما هم عليه من تكذيب وكفر؛ فليسارعوا في الإيمان، قبل فوات الأوان وإذا لم يؤمنوا بما سقناه لهم من الدلائل ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ أي فبأي تخويف وترهيب، وتبشير وترغيب؛ بعد الذي جاء به محمد لهدايتهم يهتدون؟

стр. 991

﴿مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلاَ هَادِيَ لَهُ﴾ أي من يتركه ربه بغير هداية: فلن يستطيع أحد هدايته. وإضلاله تعالى لا يعدو أن يتركه في طغيانه؛ ما دامت أمامه سبل الهداية فلم يحاول سلوكها ﴿وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ العمه: التحير والتردد

стр. 992

﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ﴾ متى ﴿مُرْسَاهَا﴾ إرساؤها؛ أي إثباتها وإقرارها ووقتها ﴿لاَ يُجَلِّيهَا﴾ لا يظهرها ﴿لِوَقْتِهَآ إِلاَّ هُوَ﴾ وحده لا يشركه أحد - من ملك أو رسول - في ذلك ﴿ثَقُلَتْ﴾ عظمت ﴿فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ أي على أهلهما؛ لما ينتظرانه فيها من أهوال ﴿لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً﴾ فجأة ﴿يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾ أي كأنك عالم بها ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِ﴾ وحده

стр. 993

﴿قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً﴾ ألحقه بها ﴿وَلاَ ضَرّاً﴾ أدفعه عنها ﴿إِلاَّ مَا شَآءَ اللَّهُ﴾ أي يقويني ويعينني عليه ﴿وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ أي لو كنت أعلم الغيب لتحريت مواضع النجاح، ومواطن النجاة؛ ولما كنت غالباً تارة، ومغلوباً أخرى (انظر آية ٥٠ من سورة الأنعام)

стр. 994

﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ آدم ﵇ ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا﴾ من جنسها ﴿زَوْجَهَا﴾ حواء ﴿لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ ليستأنس بها، ويطمئن إليها ﴿فَلَماَّ تَغَشَّاهَا﴾ أي جامعها ﴿فَلَمَّآ أَثْقَلَتْ﴾ ثقل حملها ﴿دَّعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحاً﴾ أي نسلاً صالحاً

стр. 995

﴿جَعَلاَ لَهُ شُرَكَآءَ﴾ المعنى: ⦗٢٠٨⦘ إنه كان من نسل آدم ﵇ من كفر ب الله تعالى، وجعل له شركاء في العبادة؛ والتثنية بالنسبة للذكر والأنثى

стр. 996

﴿أَيُشْرِكُونَ﴾ به في العبادة ﴿مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ يخلق الله تعالى الحجارة - التي هم من جنسها - ويخلق الإنسان منها الأصنام التي يعبدها

стр. 997

﴿وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ﴾ أي لا تستطيع الأصنام ﴿لَهُمْ﴾ أي لعابديهم ﴿نَصْراً﴾ على عدوهم ﴿وَلاَ أَنْفُسَهُمْ يَنصُرُونَ﴾ لو أراد أحد الناس بهم سوءاً؛ وها هو إبراهيم ﵊ قد حطمها تحطيماً، وتركها جذاذاً؛ وقال لعبدتهم ﴿قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ﴾

стр. 998

﴿وَإِن تَدْعُوهُمْ﴾ أي وإن تدعوا هذه الآلهة ﴿إِلَى الْهُدَى لاَ يَتَّبِعُوكُمْ﴾ لأنهم لا يسمعونكم، ولا يرونكم ﴿سَوَآءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ﴾ أي سيان عندهم دعاؤكم وصمتكم؛ فكيف يهديكم إلى الرشاد؛ من إذا دعي إليه: استوى عنده دعاؤكم وصمتكم؛ لأنه لا يسمع ولا يعقل

стр. 999

﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ﴾ تعبدون ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ غيره ﴿عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ مملوكون له؛ كما أنتم له مماليك ﴿فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ﴾ يجيبوكم لما دعوتموهم إليه. وإلا فكيف تعبدون ما لا يسمع ولا يعقل؟

стр. 1000

﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَآ﴾ كأرجلكم ﴿أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَآ﴾ كأيديكم ﴿أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَآ﴾ كأعينكم ﴿أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ كآذانكم؟ فإذا كانوا لم يبلغوا بعد حد العابدين المخلوقين؛ فكيف تسوونهم بأحسن الخالقين؟ ﴿فَلاَ تُنظِرُونِ﴾ تؤجلون وتمهلون

стр. 1001

﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ العفو: ضد الجهد؛ أي تسهل في معاملة الناس من غير كلفة، ولا تطالبهم بما يشق عليهم، أو ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ أي الزيادة. والمعنى: لا تأخذ للصدقات إلا مما زاد عن حاجتهم. قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ﴾ وقيل: إنها نسخت بعد نزول آية الزكاة ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ المعروف والجميل من الأعمال. وقد ورد عن الرسول الكريم صلوات الله تعالى وسلامه عليه: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾: هو أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك وحقاً إن من يرى ما فعله الرسول ﵊ بأعدائه؛ بعد أن أوسعوا في الكيد له، وأفرطوا في إيذائه والنيل منه إن من يرى ذلك الإيذاء والبلاء، ويرى بعد ذلك معاملته لهم؛ بعد أن أمكنه الله تعالى منهم، ودخل مكة - فاتحاً ظافراً - بجيش عرمرم لجب؛ لم تر جزيرة العرب مثله من قبل؛ يكتسح مكة، وتطؤها خيله؛ والبلاد جميعاً في قبضته وتحت رحمته؛ وقد شملها - مع القدرة - عفوه، وعمها - مع القوة - عدله فلم تثره عليهم حفيظة، أو تحفزه على الفتك بهم ضغينة في حين أن مثلهم قليل عليه هلاك النفوس، وقطع الرؤوس ⦗٢٠٩⦘ انظروا إلى أبي سفيانبن حرب؛ وقد فعل بالمؤمنين ما فعل، وآذاهم أبلغ الإيذاء، وأنزل بهم صنوف البلاء: فهو الذي نكل بهم أشد التنكيل في أحد، وزلزلهم في الخندق، وهاج عليهم القبائل، وحرض عليهم الكفار والمنافقين وانظروا عفو الرسول عنه، بعد أن أمكن الله منه: فإن عفوه ﵊ لم يقف عند حد فك أسره وإنجائه من الموت فحسب؛ بل قد منَّ عليه بما أعظم شأنه، ورفع رأسه: فقد قال عند دخول مكة «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن» فأي معروف هذا، وأي فضل، وأي عفو؟ ورب قائل يقول: إن إكرام أبي سفيان وتكريمه، والعفو عنه: إنما كان لرفعته في قبيلته، وكرامته على قومه. فها هو ذا «وحشي» ذلك العبد الحبشي، الذي لا أهل له يدفعون عنه، ولا عشيرة تؤويه، ولا قبيلة تحميه؛ وهو الذي أدمى قلب المسلمين، بقتل إمام المجاهدين: عم الرسول ﵊ «حمزة» سيد الشهداء؛ وقد جيء بوحشي إلى رسولهالله؛ وقد أسلم - أو تظاهر بالإسلام وقتذاك خشية القتل - ولا شيء حينئذٍ أحب إلى سائر المسلمين من أن يروا دمه؛ كما رأوا أحشاء حمزة وقد طعنه وحشي بحربته خيانة وغدراً فلم يكن شأن الرسول معه سوى أن قال له: «غيب عني وجهك فلا أرينك» فأي مثل هذا لضبط النفس، والعفو الجميل وإننا لو أردنا أن نورد طرفاً مما كان عليه من كريم الخصال، وحميد الفعال: لما وسعتنا الأسفار الضخام؛ فتبارك الذي خصه بمحاسن الأخلاق (انظر آية ٤ من سورة القلم)

стр. 1002

﴿وَإِماَّ يَنَزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ﴾ نزغ الشيطان بينهم: أفسد وأغرى

стр. 1003

﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ﴾ الطائف: العسس. شبه به بدء وسوسة الشيطان؛ لأنه عليه اللعنة يأتي متلصصاً؛ وبعد أن يتمكن من ضحيته: يتحكم فيها بأمرها بالمنكر، ونهيها عن المعروف

стр. 1004

﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ﴾ أي يكونون مدداً لهم، ويعضدونهم

стр. 1005

﴿قَالُواْ لَوْلاَ اجْتَبَيْتَهَا﴾ أي هلا اخترتها واختلقتها ﴿هَذَا بَصَائِرُ﴾ أي هذا القرآن بصائر: وهو جمع بصيرة؛ وهي الحجة الواضحة

стр. 1006

﴿وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ﴾ حال قراءته في الجهر ﴿وَأَنصِتُواْ﴾ حال قراءته في السر. وهذا في غير الصلاة؛ إذ «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب» وذهب بعضهم إلى أن الاستماع والإنصات واجبان على المأموم عند قراءة الإمام

стр. 1007

﴿وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ﴾ حين استماعك للقرآن وما فيه من عظات ﴿تَضَرُّعاً﴾ تذللاً وتخشعاً وتواضعاً ﴿وَخِيفَةً﴾ من أن يعاقبك مولاك على تقصير ⦗٢١٠⦘ وقع منك ﴿وَدُونَ الْجَهْرِ﴾ أي أقل من الجهر؛ لأن الإخفاء أدخل في الإخلاص، وأقرب إلى حسن التفكر ﴿بِالْغُدُوِّ﴾ هو ما قبل طلوع الشمس ﴿وَالآصَالِ﴾ هو ما بعد العصر إلى المغرب. والمراد: واذكر ربك في كل وقت

стр. 1008

﴿إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ﴾ هم الملائكة.

стр. 1009

سورة الأنفال بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 1010

﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ﴾ الأنفال: الغنائم التي تزيد عن حصة المجاهدين - وهي الخمس من كل ما غنموه - وقيل: هو ما جاء من غير قتال؛ كفرس، أو عبد، أو سلاح. وقيل: هي زيادة كان يزيدها الرسول ﵊ لبعض المجاهدين: تشجيعاً لهم، وحثاً لغيرهم؛ فسألوا عن ذلك؛ فقيل لهم ﴿قُلِ الأَنفَالُ للَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ يضعها الرسول بأمر الله تعالى حيث يشاء ﴿فَاتَّقُواْ﴾ أي أصلحوا الأحوال التي بينكم. كقوله تعالى ﴿بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ أي بمضمراتها

стр. 1011

﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ﴾ الكاملو الإيمان هم ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ فزعت لذكره؛ استعظاماً له، وتهيباً من جلاله وعزه وسلطانه ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً﴾ على إيمانهم ويعتمدون، ويستعينون

стр. 1012

﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ﴾ في أوقاتها ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ فلا يخافون فقراً، ولا يخشون فاقة؛ لأنهم ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾

стр. 1013

﴿أُوْلئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً﴾ فتدبر أيها المؤمن الكريم هذه الآية، وسائل نفسك: هل أنت مؤمن حقاً؟ وهل إذا ذكر الله أمامك: وجل قلبك؟ وإذا تليت عليك آياته: زادتك إيماناً؟ وهل أنت تنفق مما رزقكالله، كما أمركالله؟ فإن كنت تفعل ذلك: فأنت من السعداء الناجين، فاهنأ بما آتاك الله تعالى من فضل، وما وهبك من خير وإن كنت في واد والمؤمنون في واد آخر؛ فالجأ إلى الرحيم الودود، واجأر إلى اللطيف الحميد؛ ليتم إيمانك، ويثبت يقينك، ويوفقك لإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والوثوق بما عندالله؛ فنعم القريب، ونعم المجيب ﴿لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ في جناته ﴿وَمَغْفِرَةٌ﴾ لذنوبهم ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ وهو ما أعده الله تعالى لهم في الجنة من لذيذ المآكل والمشارب، وهنيء العيش

стр. 1014

﴿كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ﴾ بالمدينة إلى بدر ﴿بِالْحَقِّ﴾ الذي أمر به الله ﴿وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾ ذلك الخروج. المعنى: إن إصلاح ذات البين، ووجل القلوب عند ذكر المحبوب، وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة: خير لكم عند ربكم؛ كما أن إخراج محمد ﵊ من بيته كان خيراً له

стр. 1015

﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ﴾ مجاهدة العدو ﴿بَعْدَمَا تَبَيَّنَ﴾ لهم النصر؛ بوعد الله تعالى به. وذلك أنهم خيروا بين العير والنفير، فاختاروا العير ﴿كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ﴾ حين تأمرهم بالقتال ﴿إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ﴾ وكان ذلك في وقعة بدر

стр. 1016

﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتِيْنِ﴾ وذلك أن عير قريش أقبلت من الشام في تجارة عظيمة، وخرج أبو جهل بجميع أهل مكة لتلقي العير، والمحافظة عليها؛ ونزل جبريل ﵊؛ فقال: يا محمد إن الله وعدكم إحدى الطائفتين: إما العير، وإما قريشاً. فاستشار الرسول أصحابه؛ فاختاروا العير لخفة الحرب، وكثرة الغنيمة. وهذا معنى قوله تعالى ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ والشوكة: السلاح. فقام عند ذلك أبو بكر، وعمر، وسعدبن عبادة، والمقدادبن عمرو، وسعدبن معاذ؛ رضي الله تعالى عنهم، وقالوا فأحسنوا القول، وكان مما قاله المقدادبن عمرو: يا رسول الله إمْضِ إلى حيث أمرك الله فنحن معك؛ والله لا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى ﴿فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون فوالذي بعثك بالحق لئن سرت بنا إلى برك الغماد لجالدنا معك دونه حتى تبلغه ففرح رسولالله بذلك ودعا لهم بخير؛ وقال: «سيروا على بركة الله تعالى» وكان ما كان مما هو مدون في كتب السير.

стр. 1017

﴿فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ يقال: ردفه: إذا تبعه. وأردفته إياه: إذا أتبعته

стр. 1018

﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ﴾ أي ما جعل ذلك الإمداد ﴿إِلاَّ بُشْرَى﴾ لكم ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ﴾ بالكثرة، ولا بالمعاونة؛ وإنما هو في الحقيقة لا يكون ﴿إِلاَّ مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾ ينصر الأقل الأذل، على الأكثر الأعز - متى شاء - بإرادته وقوته ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ قوي غالب، لا يغلب أبداً ﴿حَكِيمٌ﴾ في سائر أموره وتقديراته؛ فإذا قدر النصر فلمنة، وإذا قدر الهزيمة فلحكمة

стр. 1019

﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ﴾ النوم ﴿أَمَنَةً﴾ أمناً لكم؛ إذ أنه من المعلوم أن الخائف لا ينام؛ ولكن الله تعالى ربط على قلوبهم، وحال بينهم وبينها؛ فأمنوا في موطن الخوف، وخاف الكافرون في موضع الأمن والنعاس في القتال: أمن منالله، وفي الصلاة: رجز من الشيطان ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَآءِ مَآءً لِّيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ قيل: كانوا على غير ماء، وأصبحوا مجنبين؛ فنزل المطر كالسيل؛ فشربوا وتطهروا ﴿وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ ⦗٢١٢⦘ الشَّيْطَانِ﴾ بعد أن وسوس إليهم في منامهم بما أصبحهم مجنبين ﴿وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ﴾ يقويها بالصبر؛ وأنهم قد أصبحوا متطهرين ﴿وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ﴾ عند لقاء العدو، قيل: كانوا يتنقلون في حربهم على كثبان من رمل تسوخ فيه الأقدام؛ فتلبد الرمل من الماء وتثبت عليه أقدامهم عند اللقيا

стр. 1020

﴿وَاضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ البنان: أطراف الأصابع، أو هي الأصابع كلها؛ وذلك لجعلهم عاجزين عن إمساك السيوف، ومقاتلة المسلمين مرة ثانية
следующие страницы →