← Тафсир

Тафсир · id 36432

أوضح التفاسير

محمد عبد اللطيف الخطيب

Полный текст (5 331 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ﴾ وهم الذين أظهروا الإيمان، وأبطنوا الكفران ﴿وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ شرك ونفاق ﴿غَرَّ هَؤُلاءِ دِينُهُمْ﴾ يعنون أن المسلمين اغتروا بدينهم؛ فخرجوا وهم ثلاثمائة وبضعة عشر، إلى زهاء ألف ثم قال تعالى رداً عليهم ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ يعتمد عليه، ويلجأ إليه ﴿فَإِنَّ اللَّهَ﴾ ناصره ومعينه؛ لأنه تعالى ﴿عَزِيزٌ﴾ غالب لا يغلب ﴿حَكِيمٌ﴾ في صنعه (انظر آية ٨١ من سورة النساء)

стр. 1052

﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمَلائِكَةُ﴾ يقبضون أرواحهم بأمر ربهم؛ فلا ينزعونها برفق؛ بل ﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ بمقامع من حديد؛ تعذيباً لهم يقال لهم في الآخرة ﴿ذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ جزاء كفركم وعنادكم

стр. 1053

﴿كَدَأْبِ﴾ كشأن وعادة ﴿آلِ فِرْعَوْنَ﴾ في كفرهم وعنادهم، وتعذيبهم بعد موتهم ﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾ أهلكهم في الدنيا بسببها

стр. 1054

﴿ذلِكَ﴾ العذاب والانتقام ﴿بِأَنَّ﴾ بسبب أن ﴿اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ أي إنه لا يجوز في حكمته تعالى أن يسلب قوماً نعمة أنعمها عليهم؛ إلا إذا استوجبوا بما ارتكبوه من إثم ونعمته تعالى التي أنعمها على قريش: هي بعثة الرسول إليهم؛ فلما غيروها بالإيذاء، والإخراج، والتكذيب، والمحاربة: غير الله تعالى نعمته عليهم بإهلاكهم يوم بدر؛ كما فعل بالأمم الماضية قبلهم؛ ممن عصى وطغى وبغى.

стр. 1055

﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ﴾ الدواب: كل ما يدب على وجه الأرض؛ وأكثر ما يطلق على العجماوات، وقد نزل الله تعالى بالإنسان الكافر إلى مصاف الحيوان؛ بل هو - في الحقيقة - شر من الحيوان

стр. 1056

﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ﴾ فإن تصادفنهم ﴿فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ﴾ فاقتلهم شر قتلة، واضربهم الضربة القاضية؛ التي تجعل من وراءهم يفرون مشردين، ويتفرقون خائفين جزعين

стр. 1057

﴿وَإِمَّا﴾ وإن ﴿تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ﴾ بينك وبينهم عهد ﴿خِيَانَةً﴾ للعهد، ونقضاً للمواثيق التي بينكما ﴿فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ﴾ أي اطرح إليهم عهدهم، وعرفهم أنك قد قابلت نقضهم للعهد، بنقضك له أيضاً ﴿عَلَى سَوَآءٍ﴾ لتكونوا مستوين في معرفة نقض العهد؛ وليكون ذلك بمثابة إعلان الحرب عليهم؛ فلا يؤخذون على غرة، ويكون ذلك منافياً لما عرف عن الإسلام والمسلمين من الفضائل والشمائل، وتوافر المروءة؛ حتى في عداوتهم ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الخَائِنِينَ﴾ ولو مع أعدائهم ـ؛ فقد نال المسلمون بأخلاقهم - من أعدائهم - أكثر مما نالوه بسيوفهم؛ فتعالى المربي الأعظم

стр. 1058

﴿وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ أنهم ﴿سَبَقُواْ﴾ أي فاتوا الله تعالى، ونجوا من عقابه ﴿إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ﴾ أي لا يفوتونه؛ بل سيدركهم عقابه في الدنيا، وعذابه ومقته في الآخرة

стр. 1059

﴿وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا اسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ﴾ من عجب أن يعد لنا العدو السيف والسنان، ونعد له أطراف اللسان؛ وهيهات هيهات أن يكسب اللسان حقاً أكسبه السنان؛ وها هي ذي تعاليم الرحمن، ومن هو أعلم بالإنسان من الإنسان؛ تقول: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا اسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ﴾ فليتنبه الغافل، وليتدبر العاقل ﴿وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ﴾ ربطها وحبسها للجهاد في سبيل الله تعالى. والرباط من الخيل: الخمس فما فوقها، وتجمع على «ربط» وبها قرأ الحسن وعمرو بن دينار وغيرهما ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ﴾ تخوفون برباط الخيل ﴿عَدْوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ وهم اليهود وكفار مكة﴾ أي وأعداء آخرين غير هؤلاء الأعداء؛ وهم المنافقون. وقيل: هم فارس والروم. وقيل: هم الجن؛ لقوله تعالى: ﴿لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ وهو ينطبق على المنافقين أيضاً؛ لأنهم غير معلومين؛ وقد ورد عن الرسول الكريم صلوات الله تعالى وسلامه عليه: «إن الجن لا تقرب داراً فيها فرس، وأنها تهرب من صهيل الخيل»

стр. 1060

﴿وَإِن جَنَحُواْ﴾ مالوا ﴿لِلسَّلْمِ﴾ للمسالمة وعدم الحرب ﴿فَاجْنَحْ لَهَا﴾ فمل إليها؛ أي إلى السلم كما مالوا إليه ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ وحده ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ﴾ لقولك ﴿الْعَلِيمُ﴾ بحالك (انظر آية ٨١ من سورة النساء)

стр. 1061

﴿وَإِن يُرِيدُواْ أَن يَخْدَعُوكَ﴾ يمكروا ويغدروا بك. ⦗٢١٩⦘ ﴿فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ﴾ كافيك

стр. 1062

﴿يأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾ التحريض: المبالغة في الحث على الأمر ﴿إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ﴾ على مرضات ربهم وطاعته، يجاهدون أعداء الله تعالى ابتغاء جنته ﴿يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُنْ مِّنكُمْ مِّئَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفاً مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ نتيجة العدد في الفرضين واحدة؛ وهو أن الواحد من المؤمنين الصابرين؛ يغلب العشرة من الكافرين؛ وإنما كررها تعالى ليبين لنا أن زيادة العدد أو نقصانه لا يؤثران في الغلبة: فسواء كان المجاهد واحداً أو ألفاً؛ فإن الواحد يغلب العشرة، والألف يغلب العشرة الآلاف؛ مع اشتراط الصبر في هذا، والكفر في ذاك ﴿بِأَنَّهُمْ﴾ أي تلك الغلبة بسبب أن الكافرين ﴿قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ﴾ لأنهم يقاتلون بغير احتساب وطلب ثواب؛ فيقل ثباتهم، وتضعف عزيمتهم. وقد كان ذلك عند بدء الإسلام، وقلة معتنقيه، وكثرة أعدائه ومحاربيه؛ فلما نما الإسلام، وزاد المسلمون: خفف الله تعالى عنهم:

стр. 1063

﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِن يَكُنْ مِّنكُمْ مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُواْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ بقوته ومعونته ﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ بالعون والنصر، والإمداد

стр. 1064

﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ﴾ ما صح وما جاز ﴿أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ﴾ الإثخان: كثرة القتل؛ وذلك حتى يذل الكفر بإشاعة القتل في أهله، ويعز الإسلام والمسلمين بالاستيلاء والقهر؛ ثم يكون بعد ذلك الأسر. وقد روي أن النبي أتى بسبعين أسيراً - فيهم العباس عمه وعقيل - فاستشار النبي أصحابه فيهم؛ فقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: قومك وأهلك، استبقهم لعل الله يتوب عليهم، وخذ منهم فدية تقوي بها أصحابك. وقال عمر رضي الله تعالى عنه: كذبوك وأخرجوك، فقدمهم واضرب أعناقهم؛ فإن هؤلاء أئمة الكفر، وإن الله قد أغناك عن الفداء: مكن علياً من عقيل، وحمزة من العباس، ومكني من فلان - لنسيب له - فلنضرب أعناقهم فقال ﵊: مثلك يا أبا بكر كمثل إبراهيم؛ حيث قال: ﴿وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ ومثلك يا عمر كمثل نوح؛ حيث قال: ﴿رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً﴾ ثم قال رسول الله ﷺ لهم: «إن شئتم قتلتموهم، وإن شئتم فاديتموهم واستشهد منكم بعدتهم؛ فقالوا: بل نأخذ الفداء - فاستشهدوا بأحد - فلما أخذوا الفداء نزلت هذه الآية ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا﴾ أي متاعها؛ ويعني به ما أخذ من فدية الأسرى ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ﴾ لكم ﴿الآخِرَةَ﴾ وما فيها من نعيم مقيم وفي هذه القصة من احترام الشورى، والنزول على رأي الأغلبية ما فيه؛ وليس من أحد أوسع حكمة، وأسدّ رأياً، وأهدى ⦗٢٢٠⦘ رشداً؛ من الرسول صلوات الله تعالى وسلامه عليه؛ ولكنه استشار أصحابه، وأمضى رأي الجماعة؛ تنبيهاً لأمته، وتعليماً لهم؛ وإقراراً لنظم الشورى، وهذه هي الديمقراطية الحقة؛ التي يجب السير على نهجها ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ﴾ في ملكه، غالب لا يغلب ﴿حَكِيمٌ﴾ في صنعه

стр. 1065

﴿لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ اللَّهِ﴾ أي لولا حكم منه تعالى ﴿سَبَقَ﴾ بإحلال الغنائم والأسرى لكم ﴿لَمَسَّكُمْ﴾ لنالكم وأصابكم ﴿فِيمَآ أَخَذْتُمْ﴾ من فداء الأسرى ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ مما أعده الله تعالى لمن يخالفون أمره

стр. 1066

﴿يأَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّمَن فِي أَيْدِيكُمْ مِّنَ الأَسْرَى إِن يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً﴾ إيماناً بالله، وإخلاصاً للمؤمنين ﴿يُؤْتِكُمْ﴾ في الدنيا ﴿خَيْراً مِّمَّآ أُخِذَ مِنكُمْ﴾ من الفداء ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ ما تقدم من ذنوبكم

стр. 1067

﴿وَإِن يُرِيدُواْ﴾ أي الأسرى ﴿خِيَانَتَكَ﴾ بأن يظهروا الإيمان، ويبطنوا الكفران ﴿فَقَدْ خَانُواْ اللَّهَ﴾ بكفرهم ﴿مِن قَبْلُ﴾ أي قبل وقعة بدر ﴿فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ﴾ أي أظفرك بهم في بدر

стр. 1068

﴿وَالَّذِينَ آوَواْ﴾ النبي ﴿وَّنَصَرُواْ﴾ المؤمنين وهم الأنصار رضي الله تعالى عنهم ﴿أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ﴾ في المعونة والنصرة؛ ولا حجة لمن زعم أنهم أولياء في الإرث أيضاً

стр. 1069

﴿وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُمْ مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُواْ﴾ ليكونوا كالسابقين من المهاجرين؛ وليس معنى ذلك أن تعادوهم وتسووا بينهم وبين الكافرين أو المنافقين ﴿وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ أي طلبوا معاونتكم على أعدائهم من أجل الدين ﴿فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ أي فواجب عليكم نصرهم ومعاونتهم ﴿إِلاَّ﴾ إذا كان استنصارهم بكم ﴿عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ﴾ عهد و ﴿مِّيثَاقٌ﴾ فلا يجوز نقضه من أجلهم؛ إذ أن الوفاء بالمواثيق والعهود والعقود من أسس الإسلام؛ بل هو الإسلام نفسه فكل وعد وكل عقد، وكل عهد، وكل ميثاق؛ إنما هو عقد بين طرفين ثالثهما الله تعالى؛ فمن نقضه: فقد أخل بالوفاء مع ربه وخالقه ومالك أمره؛ قال تعالى: ﴿وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ﴾ وقال أيضاً ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلاَ يِنقُضُونَ الْمِيثَاقَ﴾ وقال جل شأنه ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ﴾ وقال عز من قائل: ﴿وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً﴾ (انظر آية ﷺ من سورة المائدة) وهذه الآية تعتبر قانوناً سامياً، ودستوراً دولياً؛ تكتبه الأمم في معاهداتها، وينص عليه المشرعون والمقننون في كتبهم وقوانينهم؛ ولكن الكتابة والتقنين والتشريع - في عرف ساسة اليوم - شيء غير التنفيذ؛ وأصبح الجميع ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ فكم من معاهدة، وكم من اتفاق، وكم من تحالف؛ ضرب به عرض الحائط؛ وصار المنطق للقوة وحدها، وصار من يملك أداة التخريب والدمار هو صاحب الحق، وهو الناطق بالصواب فانظر - يا رعاك الله ⦗٢٢١⦘ وهداك - إلى تشريع مولاك: ﴿وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ﴾ فتعالى الله الملك الحق؛ الهادي للرشاد والسداد ﴿وَالَّذينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ﴾ ظاهر الآية: إثبات موالاة الكافرين لبعضهم؛ وحقيقتها طلب كف المؤمنين عن موالاتهم، وإيجاب مباعدتهم ﴿إِلاَّ تَفْعَلُوهُ﴾ أي إن لم تفعلوا ما أمرت به من نظام الحرب، والإثخان في الأرض قبل اتخاذ الأسرى، وولاية المهاجرين والمؤمنين، ونصرة من يستنصر من المسلمين - مع المحافظة على العهود والمواثيق - وعدم موالاة الكافرين؛ فإن لم تفعلوا ذلك ﴿تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ لأن ذلك مؤد إلى انهزامكم، واستيلاء العدو على بلادكم، وعدم الثقة في عهودكم ومواثيقكم

стр. 1070

﴿وَأْوْلُواْ الأَرْحَامِ﴾ أي ذووا القرابات ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ في البر، والإنفاق والإحسان. والرحم: وعاء الولد ومنبته. وأطلق على القرابات: لأنه أصلها وسببها.

стр. 1071

سورة التوبة

стр. 1072

﴿بَرَآءَةٌ﴾ اختلف في التسمية في ابتداء هذه السورة - كسائر سور القرآن الكريم - فعن علي وابن عباس رضي الله تعالى عنهم: أن بسم الله الرحمن الرحيم: أمان، وبراءة نزلت لرفع الأمان. وهو قول غير جائز - ولعله قد دس على الراوين - ف الله جل شأنه: رحيم ورحمن؛ سواء أمر بالقتال، أو أمر بالسلم، أمر بالعذاب، أو أمر بالثواب وقال بعض الصحابة رضوان الله تعالى عليهم: إن الأنفال وبراءة سورة واحدة؛ نزلت في القتال. وهو قول خير من سابقه، ولا بأس به. و ﴿بَرَآءَةٌ﴾ أي تخلص وتبرؤ من المواثيق والعهود وهذا التبرؤ ﴿مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ أي عقدتم معهم مواثيق بعدم الاعتداء؛ فنقضوها

стр. 1073

﴿فَسِيحُواْ﴾ فسيروا آمنين أيها المشركون. والسيح: السير على مهل ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ وهي مدة الهدنة التي ضربها الله تعالى لهم للتوبة من الشرك ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ﴾ أي غير فائتي عذابه وانتقامه بل سيدرككم بالأخذ والعقوبة

стр. 1074

﴿وَأَذَانٌ﴾ إيذان وإعلام ﴿مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ﴾ جميعاً: من عاهد منهم ومن لم يعاهد، ومن نقض عهده ومن لم ينقض ﴿يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ﴾ يوم عرفة ⦗٢٢٢⦘ ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ومن عهودهم ﴿وَرَسُولُهُ﴾ بريء منهم أيضاً. ومن بريء منه الله تعالى فإن رسوله بريء منه، ومن برىء منه الرسول فإن الله تعالى بريء منه ﴿فَإِن تُبْتُمْ﴾ أيها المشركون من كفركم ونقضكم للعهود ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ لأنكم ضمنتم الأمان في الدنيا، والأمن في الآخرة ﴿وَإِن تَوَلَّيْتُمْ﴾ أعرضتم عن ذلك ﴿فَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ﴾ غير فائتي عذابه

стр. 1075

﴿إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً﴾ مما عاهدوكم عليه ﴿وَلَمْ يُظَاهِرُواْ﴾ لم يعاونوا ﴿عَلَيْكُمْ أَحَداً﴾ من أعدائكم ﴿فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾ التي ضربتموها في العهد. يؤخذ من ذلك أنه كانت تعقد بين المؤمنين والمشركين معاهدات ومحالفات، مؤقتة بمواقيت؛ كما يفعل كبار ساسة العالم اليوم؛ بغير فارق سوى أن هؤلاء ناقضون للعهد، صارمون للود؛ وأولئك لعهدهم راعون، ولأماناتهم حافظون

стр. 1076

﴿فَإِذَا انسَلَخَ﴾ أي مضى ﴿الأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾ وهي ذي القعدة وذي الحجة والمحرم ﴿فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ﴾ ناكثي العهد ﴿حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ في الحل أو الحرم، وفي الأشهر الحرم، أو غير الأشهر الحرم ﴿وَخُذُوهُمْ﴾ الأخذ: الانتقام والأسر ﴿وَاحْصُرُوهُمْ﴾ حاصروهم؛ حتى يضطروا إلى الإسلام، أو الاستسلام ﴿وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ كل طريق؛ وترصدونهم به، وتترقبونهم فيه ﴿فَإِن تَابُواْ﴾ عن الشرك وآمنوا ﴿وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ﴾ في أوقاتها ﴿وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ﴾ المفروضة ﴿فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ﴾ أطلقوا سراحهم من الأسر ولا تتعرضوا لهم بأذى

стр. 1077

﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ الذين أمرت بقتالهم ﴿اسْتَجَارَكَ﴾ أي استجار بك، وطلب منك الأمن ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللَّهِ﴾ ومن هنا نعلم أن الإسلام لم ينتشر بالشدة والقسوة - كما يزعم بعض أعدائه وشانئيه - وإنما انتشر وشاع بالحجة والإقناع وباللطف لا العنف؛ ولم تكن مهمة المسلمين النيل من الكافرين؛ بل إقناعهم وهدايتهم حتى يعرفوا الحق فيتبعوه؛ وليس بعد ذلك مطعن لطاعن، أو مغمز لغامز؛ ممن طمس الله تعالى بصائرهم، وجعلهم من حزب الشيطان فهو يدعوهم دائماً إلى نار السعير ﴿ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ موضع أمنه؛ وهو المكان الذي يختاره لنفسه بنفسه. والمعنى: حافظ عليه حتى يصل إلى ديار قومه. وبعد ذلك يجوز قتاله إذا بدت منه إذاية للمسلمين، أو إضرار بمصالحهم

стр. 1078

﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ اللَّهِ وَعِندَ رَسُولِهِ﴾ أي لا يجوز أن يكون لهم عهد؛ لأنهم قوم لا أمان لهم ﴿إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ﴾ منهم ﴿عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ ولم ينكثوا بعهدهم ﴿فَمَا اسْتَقَامُواْ لَكُمْ﴾ أي أقاموا على العهد. ⦗٢٢٣⦘ ﴿فَاسْتَقِيمُواْ لَهُمْ﴾ على الوفاء بعهدهم

стр. 1079

﴿كَيْفَ﴾ تكرار للتأكيد؛ أي «كيف يكون للمشركين عهد» هم ﴿وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ﴾ أي إن يظفروا بكم ﴿لاَ يَرْقُبُواْ﴾ لا يراعوا ﴿فِيكُمْ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً﴾ الإل: الحلف، والقرابة، والجوار و «الذمة»: العهد ﴿يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ رياء ونفاقاً ﴿وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ﴾ الإيمان

стр. 1080

﴿اشْتَرَوْاْ﴾ استبدلوا ﴿بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ القرآن ﴿ثَمَناً قَلِيلاً﴾ هو اتباع الشهوات ﴿فَصَدُّواْ﴾ منعوا ﴿عَن سَبِيلِهِ﴾ دين الله القويم

стр. 1081

﴿فَإِن تَابُواْ﴾ عن الشرك ﴿وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ﴾ في أوقاتها ﴿وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ﴾ المفروضة ﴿فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ وأخوة الدين: تفضل أخوة النسب، وترتقي عنها في السبب

стр. 1082

﴿وَإِن نَّكَثُواْ﴾ نقضوا ﴿أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ﴾ أي وإن نكثوا عهدهم الموثق بالأيمان ﴿وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ﴾ القويم المستقيم؛ فهم من أئمة الفجرة الكفرة ﴿فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ رؤساءه؛ لأنه بقتل الرؤساء: يخضع المرءوسون ويذلوا ويستكينوا ﴿لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ﴾ يرجعون عما هم فيه

стр. 1083

﴿أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْماً نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُمْ﴾ نقضوها ﴿وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ﴾ هموا بإخراجه ﵊ من مكة؛ حين تشاورا بدار الندوة ﴿وَهُم بَدَءُوكُمْ﴾ بالقتال ﴿أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ ببدر؛ حين قالوا: لن ننصرف حتى نستأصل محمداً وأصحابه، وتغنينا القيان، وننحر الجزور، ونشرب الخمور

стр. 1084

﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ بالقتل والجراح ﴿وَيُخْزِهِمْ﴾ أَن كُنتُم يَشَآء حَكِيمٌ وَاللَّهُ أَوَّلَ بَدَءوكُمْ يُعَذّبْهُمُ ﴿وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ ⦗٢٢٤⦘ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ﴾ أَمْ بَدَءوكُمْ يَشَآء عَلَى حَكِيمٌ مُّؤُمِنِينَ. ﴿وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ﴾ بالنصر على الكافرين

стр. 1085

﴿وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ مما نالهم من أذى المشركين

стр. 1086

﴿أَمْ حَسِبْتُمْ﴾ أي هل ظننتم ﴿أَن تُتْرَكُواْ﴾ بغير امتحان وابتلاء ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ﴾ لم يعلم حتى الآن؛ بمعنى أنه تعالى لم يظهر ما يعلم؛ لأنه جل شأنه عالم بكل معلوم، محيط بكل موجود أي لم يعلم ﴿الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ غيره ﴿وَلاَ رَسُولِهِ وَلاَ الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً﴾ من الولوج؛ وهو الدخول. والمراد بها بطانة الرجل وخاصته؛ أي لم يتخذوا من الكفار والمنافقين أصدقاء وخلصاء. قال تعالى: ﴿لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرْكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾

стр. 1087

﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ لا يحق لهم ﴿أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله﴾ بأن يدخلوها؛ وقد كانوا يدخلون المسجد الحرام: حاجين أو طائفين؛ بعد ما نودي فيهم بالمنع عن المسجد الحرام بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ وقد كانت فيهم السدانة، والسقاية، والرفادة ﴿شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ﴾ بعبادتهم للأصنام، وسجودهم لها؛ مع معرفتهم وإقرارهم بأنها مخلوقة ﴿أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ﴾ بطلت ﴿أَعْمَالُهُمْ﴾ الحسنة التي يعملونها في الدنيا؛ لأن الكفر محبط لسائر الأعمال

стр. 1088

﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ يدخلها ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللَّهَ﴾ وخشيته تعالى: إحدى دعائم الإيمان؛ التي لا يتم إلا بها، ولا يقوم إلا عليها؛ إذ كيف يكون مؤمناً بالله، من لم يخشالله؟ أو كيف يكون مؤمناً باليوم الآخر وما فيه من ثواب وعقاب من يخشى مع الله غيره؟ ولو تأملت بعين الاستبصار والاعتبار؛ لوجدت أن كل الأعمال الموصلة إلى الجنة توصل إلى النار - إذا صحبتها خشية المخلوقين، دون خشية رب العالمين - فكم مصيب يدخل النار؛ لخبث نيته، وسوء طويته وكم من مخطىء يدخل الجنة لصدق نيته، ومزيد خشيته ومن هنا نعلم أن خشية الله تعالى هي الإيمان كله، وأنها موصلة لخيري الدارين، وأنها طاعة من أجلِّ الطاعات، وأن خشية ما سوى الله تعالى معصية من أقبح المعاصي ويندرج تحت ذلك سائر الطاعات؛ فالجهاد: خشيةلله تعالى، والإحجام عنه: خشية من الأعداء ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ والإنفاق: خشيةلله تعالى، والإمساك: خشية من الإملاق والفقر ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَآءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً﴾ وسائر العبادات - ما لم يشبها رياء أو نفاق - فهي خشية من الله تعالى؛ فإذا شابها شيء منهما فهي خشية لسواه

стр. 1089

﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ ⦗٢٢٥⦘ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قيل: افتخر العباس بالسقاية، وشيبة بالعمارة، وعلي رضي الله تعالى عنه بالإسلام والجهاد؛ فصدق الله تعالى علياً؛ لأن

стр. 1090

﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللَّهِ﴾ والمؤمن المهاجر: أعظم درجة من المؤمن الذي لم يهاجر
следующие страницы →