Полный текст (5 331 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.
стр. 1086
﴿أَمْ حَسِبْتُمْ﴾ أي هل ظننتم ﴿أَن تُتْرَكُواْ﴾ بغير امتحان وابتلاء ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ﴾ لم يعلم حتى الآن؛ بمعنى أنه تعالى لم يظهر ما يعلم؛ لأنه جل شأنه عالم بكل معلوم، محيط بكل موجود أي لم يعلم ﴿الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ غيره ﴿وَلاَ رَسُولِهِ وَلاَ الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً﴾ من الولوج؛ وهو الدخول. والمراد بها بطانة الرجل وخاصته؛ أي لم يتخذوا من الكفار والمنافقين أصدقاء وخلصاء. قال تعالى: ﴿لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرْكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾
стр. 1087
﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ لا يحق لهم ﴿أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله﴾ بأن يدخلوها؛ وقد كانوا يدخلون المسجد الحرام: حاجين أو طائفين؛ بعد ما نودي فيهم بالمنع عن المسجد الحرام بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ وقد كانت فيهم السدانة، والسقاية، والرفادة ﴿شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ﴾ بعبادتهم للأصنام، وسجودهم لها؛ مع معرفتهم وإقرارهم بأنها مخلوقة ﴿أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ﴾ بطلت ﴿أَعْمَالُهُمْ﴾ الحسنة التي يعملونها في الدنيا؛ لأن الكفر محبط لسائر الأعمال
стр. 1088
﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ يدخلها ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللَّهَ﴾ وخشيته تعالى: إحدى دعائم الإيمان؛ التي لا يتم إلا بها، ولا يقوم إلا عليها؛ إذ كيف يكون مؤمناً بالله، من لم يخشالله؟ أو كيف يكون مؤمناً باليوم الآخر وما فيه من ثواب وعقاب من يخشى مع الله غيره؟ ولو تأملت بعين الاستبصار والاعتبار؛ لوجدت أن كل الأعمال الموصلة إلى الجنة توصل إلى النار - إذا صحبتها خشية المخلوقين، دون خشية رب العالمين - فكم مصيب يدخل النار؛ لخبث نيته، وسوء طويته وكم من مخطىء يدخل الجنة لصدق نيته، ومزيد خشيته ومن هنا نعلم أن خشية الله تعالى هي الإيمان كله، وأنها موصلة لخيري الدارين، وأنها طاعة من أجلِّ الطاعات، وأن خشية ما سوى الله تعالى معصية من أقبح المعاصي ويندرج تحت ذلك سائر الطاعات؛ فالجهاد: خشيةلله تعالى، والإحجام عنه: خشية من الأعداء
﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ والإنفاق: خشيةلله تعالى، والإمساك: خشية من الإملاق والفقر ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَآءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً﴾ وسائر العبادات - ما لم يشبها رياء أو نفاق - فهي خشية من الله تعالى؛ فإذا شابها شيء منهما فهي خشية لسواه
стр. 1089
﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ
⦗٢٢٥⦘ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قيل: افتخر العباس بالسقاية، وشيبة بالعمارة، وعلي رضي الله تعالى عنه بالإسلام والجهاد؛ فصدق الله تعالى علياً؛ لأن
стр. 1090
﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللَّهِ﴾ والمؤمن المهاجر: أعظم درجة من المؤمن الذي لم يهاجر
стр. 1091
﴿يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ آبَآءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَآءَ﴾ أصدقاء وخلصاء ﴿إَنِ اسْتَحَبُّواْ الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ﴾ وذلك لأن الكفر نهاية العداء، وغاية البغضاء
стр. 1092
﴿قُلْ﴾ يا محمد للمتخلفين عن الهجرة معك ﴿إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ﴾ والتمتع بصحبتهم ﴿وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا﴾ اكتسبتموها؛ وتريدون المحافظة عليها ﴿وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ﴾ تركها، وتخافون ﴿كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَآ﴾ وترتاحون في الإقامة بها. إن كان ذلك ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ﴾ انتظروا ﴿حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ بعقوبته؛ يوم فتح مكة؛ و
стр. 1093
﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ﴾ بقدرته ومعونته؛ لا بقوتكم وكثرتكم؛ كوقعة بدر، وقريظة والنضير، والحديبية، وخيبر، وفتح مكة. وقيل: إن المواطن التي نصر الله تعالى فيها الإسلام ثمانون موطناً ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ﴾ وهو وادٍ بين مكة والطائف؛ دارت فيه رحى القتال بين المؤمنين والمشركين، وانتصر المشركون فترة من الزمن. والمعنى: «ويوم حنين» نصركم الله فيه أيضاً بعد أن أذاقكم مرارة الهزيمة؛ عقوبة على تقصيركم في الاعتماد عليه، وإعجابكم بكثرتكم ﴿إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾ وقلتم: لن نغلب اليوم عن قلة. وكانوا اثني عشر ألفاً؛ والكافرون أربعة آلاف ﴿فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ﴾ هذه الكثرة ﴿شَيْئاً﴾ فالنصر يأتي به الله لمن شاء أنى شاء؛ ليس تبعاً لكثرة أو لقلة
стр. 1094
﴿ثُمَّ أَنَزلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ﴾ طمأنينته ﴿عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ فنادى الرسول ﵊ فيهم: يا معشر الأنصار، يا معشر المهاجرين، يا أصحاب سورة البقرة فرجع المسلمون إليه ﴿وَأَنزَلَ﴾ الله تعالى ﴿جُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا﴾ من الملائكة (انظر آية ٤٢ من سورة الأنفال) ﴿وَعذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ بالقتل والأسر
стр. 1095
﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِن بَعْدِ ذلِكَ عَلَى مَن يَشَآءُ﴾ إسلامه وهدايته من المشركين، أو يتوب على من يشاء من المدبرين المنهزمين؛ لأن الواجب على المجاهد ألا يولي العدو دبره. قال تعالى: ﴿وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَآءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾
стр. 1096
﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ لخبث باطنهم، وقذارة ظاهرهم؛ لأنهم لا يغتسلون، ولا يتطهرون، ولا يتجنبون النجاسات؛ فهي دائماً ملابسة لهم ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ فقراً
стр. 1097
﴿حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ﴾ سميت جزية: لأنها جزاء على الكفر ﴿عَن يَدٍ﴾ أي نقداً مقبوضة؛ غير نسيئة ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ أي تؤخذ منهم الجزية على الصغار؛ وهو الذل والهوان
стр. 1098
﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ وهو أحد أنبياء بني إسرائيل؛ وربما قال هذا القول الأوائل منهم، أو قالوه في زمن الرسول ﵊ عناداً له - لما رأوه منه من تقديس الإله، وتنزيهه عن الولد والوالد، أو نزلت هذه الآية بسبب أن اليهود سمعوا مقالة النصارى بمثل ذلك؛ فلم ينكروا عليهم، أو يردعوهم. وخلاصة القول: إنه لا يوجد الآن بين اليهود من يقول: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ فوجب أن نتأول ذلك بما قلناه. هذا ولو أنه من المعلوم أن اليهود يرتكبون ما هو أشد من نسبة الولد إلى الله
⦗٢٢٧⦘ ﴿يُضَاهِئُونَ﴾ يشابهون بقولهم هذا ﴿قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ﴾
وهم الذين قالوا: الملائكة بناتالله. وقول المشركين: اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ كيف يصرفون عن الحق؛ مع قيام الدلائل الواضحة على صدقه
стр. 1099
﴿اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ﴾ علماءهم ﴿وَرُهْبَانَهُمْ﴾ نساكهم ﴿أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللَّهِ﴾ أي كالأرباب؛ حيث أطاعوهم في كل شيء. ومنه قوله تعالى: ﴿انفُخُواْ حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَاراً﴾ أي كالنار. وقد كان الأحبار والرهبان يحلون لهم الحرام فيستحلونه، ويحرمون عليهم الحلال فيحرمونه ﴿وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ عطف على ﴿اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ﴾ أي اتخذواالمسيح ابن مريم رباً لهم ﴿وَمَآ أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَهاً وَاحِداً لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ﴾ تنزه وتقدس عن الولد، وعن الشبيه والنظير
стр. 1100
﴿يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ نُورَ اللَّهِ﴾ شرعه وبراهينه، وأدلة توحيده ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ﴾ يظهر ﴿نُورَهُ﴾ دينه وشرعه؛ ويعليه على سائر الأديان والشرائع
стр. 1101
﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى﴾ القرآن ﴿وَدِينِ الْحَقِّ﴾ الإسلام ﴿لِيُظْهِرَهُ﴾ ليعليه ﴿عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ على سائر الأديان المخالفة
стр. 1102
﴿وَيَصُدُّونَ﴾ يمنعون الناس ﴿عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ دينه ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ ولا يؤدون زكاتها، ولا يتصدقون منها ﴿وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ذهب أبو ذر الغفاري رضي الله تعالى عنه إلى أن المسلم لا ينبغي له أن يكون في ملكه أكثر من قوت يومه وليلته. والإجماع على غير ذلك؛ ما دام مؤدياً حق الله تعالى فيه. وقد زعم بعضهم أنها نزلت في أهل الكتاب فحسب؛ وهو زعم باطل
стр. 1103
﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا﴾ أي على الذهب والفضة
﴿فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ﴾ وقد اختيرت الجباه والجنوب والظهور بالكي: لأن البخيل يرى الفقير قادماً عليه فيقطب جبهته، فإذا جاءه أعرض ونأى بجانبه، فإذا طالبه بإحسان ولاه ظهره؛ فوجب أن يكوى بما بخل به على جبهته وجنبه وظهره وقد يكون المراد بذلك كيّ سائر الجسم؛ فالجبهة تدل على الأمام، والجنوب والظهور على باقي الجسم. وقد يقال: كيف يحمى على أوراق العملة المتداولة الآن إن كانت مكتنزة؟ والجواب: إنه يحمى على ما يوازيها من الذهب والفضة؛ فتكوى بها الجباه والجنوب والظهور؛ وجميع ذلك على وجه التمثيل: فقد يحمى على أطنان كثيرة من الذهب والفضة؛ فتصب على البخلاء صباً؛ ويومئذٍ يتذكرون ما فعلوه في دنياهم ﴿فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَآءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ﴾ والمراد من الآية: أن الذهب والفضة اللذين هما موضع إعجابهم في الدنيا واهتمامهم وحرصهم؛ سيكونان في الآخرة موضع ألمهم وتعذيبهم نعوذ به تعالى من غضبه وعذابه ﴿هَذَا مَا كَنَ
⦗٢٢٨⦘ زْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ﴾ أي يقال لهم: إنكم لم تكنزوا خيراً لأنفسكم؛ بل كنزتم لها الشر المقيم، والعذاب الأليم ﴿فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ أي جزاءه وعقوبته
стр. 1104
﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ لوحه المحفوظ؛ الذي كتب فيه ﴿يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ﴾ كل ما هو كائن ﴿مِنْهَآ أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ يحرم القتال فيها وهي: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب ﴿ذلِكَ﴾ أي تحريم هذه الشهور؛ هو ﴿الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ المستقيم ﴿فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ أي لا تظلموا أنفسكم في الأشهر الحرم؛ بارتكاب المعاصي؛ فإنها فيها أعظم إثماً، وأشد وزراً وقيل: الضمير في «فيهن» عائد على الأشهر كلها: الإثني عشر. أما الأشهر الحرم فإن الذنب فيهن أكبر، كما أن العمل الصالح والأجر فيهن أعظم. وقد اصطفى الله تعالى من خلقه صفايا: فاصطفى من الملائكة والناس رسلاً، واصطفى من الكلام القرآن، واصطفى من الأرض المساجد، واصطفى من الشهور رمضان والأشهر الحرم، واصطفى من الأيام الجمعة، واصطفى من الليالي ليلة القدر؛ فعظموا ما عظم الله تعالى واصطفاه: تفوزوا بجنته ورضاه ﴿وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً﴾ أي مجتمعين غير مفترقين، مؤتلفين غير مختلفين
стр. 1105
﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ النسيء: التأخير؛ وقد كانوا يؤخرون حرمة الأشهر الحرم لغيرها؛ طبقاً لأهوائهم ورغبتهم في القتال ﴿لِّيُوَاطِئُواْ﴾ ليوافقوا ﴿عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾ وذلك بتحريم شهر حلال، مكان شهر حرام استحلوه؛ فكانوا يحرمون صفر عاماً - مكان المحرم - ويحرمون المحرم عاماً؛ وذلك معنى قوله جل شأنه ﴿فَيُحِلُّواْ مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾ بإحلالهم المحرم؛ الذي هو من الأشهر الحرم
стр. 1106
﴿يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ﴾ أي اخرجوا للقتال ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ﴾ تثاقلتم وتباطأتم عن الجهاد ﴿إِلَى الأَرْضِ﴾ أي ملتم إلى القعود ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ﴾ أي أرضيتم بما في الدنيا من متاع زائل، وراحة مؤقتة؛ عما في الآخرة من نعيم مقيم، وسعادة دائمة ﴿فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي﴾ جنب متاع ﴿الآخِرَةِ﴾ ونعيمها الباقي الدائم ﴿إِلاَّ قَلِيلٌ﴾ حقير زائل
стр. 1107
﴿إِلاَّ﴾ إن لم ﴿تَنفِرُواْ﴾ تخرجوا مع النبي للجهاد ﴿يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ في الدنيا؛ بالجدب والقحط ﴿وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ﴾ يطيعونه إذا أمر، ويخرجون معه إذا استنفر ﴿وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئاً﴾ أي ولا تضروا الله شيئاً بترككم النفير وعصيانكم؛ لأنه تعالى ليس في حاجة إليكم.
стр. 1108
﴿إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ أي إن لم تنصروه فسينصره من نصره حين لم يكن معه سوى رجل واحد ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾ هو وأبو بكر رضي الله تعالى عنه ﴿إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ والغار: نقب في الجبل؛ وقد كانا في غار بجبل ثور؛ وهو من جبال مكة المكرمة ﴿إِذْ يَقُولُ﴾ محمد ﴿لِصَاحِبِهِ﴾ أبي بكر رضي الله تعالى عنه؛ حين رأى المشركين يجوبون الجبل بحثاً عن النبي ليقتلوه؛ فقال للنبي: لو نظر أحدهم تحت قدميه لأبصرنا. فقال عليه أفضل الصَّلاة وأتم السلام ﴿لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ بنصره وعونه وكلاءته ﴿فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ﴾ السكينة: الطمأنينة ﴿وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا﴾ ملائكة يحفظونه من أن يراه الكفار، ومن أن ينال منه أحدهم لو رآه ﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ دعوتهم إلى الشرك ﴿السُّفْلَى﴾ المنحطة المغلوبة ﴿وَكَلِمَةُ اللَّهِ﴾ دينه، والدعوة إلى توحيده ﴿هِيَ الْعُلْيَا﴾ الظاهرة الغالبة
стр. 1109
﴿انْفِرُواْ خِفَافاً وَثِقَالاً﴾ أي اخرجوا للقتال ركباناً ومشاة، أو شباباً وشيوخاً، أو أغنياء وفقراء
стр. 1110
﴿لَوْ كَانَ عَرَضاً قَرِيباً﴾ أي لو كان ما دعوتهم إليه مغنماً سهل المأخذ ﴿وَسَفَراً قَاصِداً﴾ وسطاً، غير بعيد ﴿لاَّتَّبَعُوكَ﴾ جرياً وراء منافعهم الدنيوية ﴿وَلَكِن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ﴾ المسافة الشاقة ﴿وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ بالكذب والنفاق، وتعريضها للعذاب الأليم
стр. 1111
﴿عَفَا اللَّهُ عَنكَ﴾ هو من ألطف العتاب ﴿لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾ في التخلف عن الجهاد؟
من هذه الآية نعلم مكانة الرسول صلوات الله تعالى وسلامه عليه عند ربه، وعلوّ قدره، وسمو منزلته؛ فقد بشره مولاه جل شأنه بالعفو قبل أن يخبره بالذنب؛ ولأنه لو قال له معاتباً: لم أذنت لهم؟ لخيف عليه أن ينشق قلبه حزناً وكمداً
стр. 1112
﴿وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ شكت في صحة الدين
стр. 1113
﴿وَلَكِن كَرِهَ اللَّهُ انبِعَاثَهُمْ﴾ كره نهوضهم للخروج للجهاد معك؛ على ما هم عليه من شك ونفاق؛ لا يتوفر معهما الإقدام، وصدق الدفاع ﴿فَثَبَّطَهُمْ﴾ الله عن الخروج؛ أي كسلهم عنه ﴿وَقِيلَ﴾ لهم ﴿اقْعُدُواْ مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ مع المرضى والنساء والشيوخ والصبيان؛ الذين أقعدهم المرض والضعف والعجز والصغر؛ وهؤلاء الشاكون المرتابون
стр. 1114
﴿لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم﴾ للقتال ﴿مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً﴾ الخبال: النقصان، والهلاك، والعناء، والكل؛ والمعنى: ما زادوكم إلا فساداً وتعويقاً ﴿ولأَوْضَعُواْ خِلاَلَكُمْ﴾ لمشوا بينكم بالدس والنميمة، وإفساد ذات البين ﴿يَبْغُونَكُمُ﴾ يطلبون لكم ﴿الْفِتْنَةِ﴾ الإفساد والعداوة، أو يبغون لكم الكفر، أو المراد بالفتنة: الدس والوقيعة؛ لقوله تعالى ﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ أي مصدقون لما يقولونه، أو ﴿سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ أي جواسيس من المنافقين: يسمعون أسراركم، ويبلغونها لهم
стр. 1115
﴿لَقَدِ ابْتَغَوُاْ﴾ طلبوا وأرادوا لك ﴿الْفِتْنَةَ مِن قَبْلُ﴾ حين قدمت المدينة ﴿وَقَلَّبُواْ لَكَ الأُمُورَ﴾ دبروا لك الحيل والمكائد لإبطال دينك ﴿حَتَّى جَآءَ الْحَقُّ﴾ النصر الذي وعدك الله تعالى به ﴿وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ فشا دينه، وسطع نوره
стр. 1116
﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي﴾ في القعود عن الجهاد ﴿وَلاَ تَفْتِنِّي﴾ أي لا توقعني في الفتنة؛ وهي الإثم. قال تعالى رداً على قولهم ﴿أَلا فِي الْفِتْنَةِ﴾ الكفر والعذاب والإثم ﴿سَقَطُواْ﴾ وقعوا؛ بسبب ما قالوا. وما فعلوا، وبسبب تخلفهم عن الجهاد ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ لا ينجو منها أحد منهم
стр. 1117
﴿إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ﴾ نصر وغنيمة ﴿تَسُؤْهُمْ﴾ لأنهم لا يبتغون لك الخير؛ لخبث باطنهم ﴿وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ﴾ شدة وهزيمة ﴿يَقُولُواْ قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا﴾ من الحذر والتيقظ؛ ولم نقع فيما وقعوا فيه
стр. 1118
﴿قُل لَّن يُصِيبَنَآ﴾ من خير أو شر ﴿إِلاَّ مَا كَتَبَ﴾ قدر وقضى ﴿اللَّهُ لَنَا﴾ فلا دافع له، ولا مناص من وقوعه.
⦗٢٣١⦘ ﴿هُوَ مَوْلاَنَا﴾ ناصرنا ومتولي أمورنا ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ في سائر أمورهم (انظر آية ٨١ من سورة النساء)
стр. 1119
﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَآ﴾ تنتظرون لنا ﴿إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ النصر، أو الشهادة: وكلاهما حسن. بل الشهادة التي تتوقعونها لنا: أحسن وألذ من النصر ﴿وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ﴾ ننتظر لكم ﴿أَن يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ﴾ بقارعة من السماء؛ كقارعة عاد وثمود ﴿أَوْ بِأَيْدِينَا﴾ بأن نقتلكم
стр. 1120
﴿قُلْ أَنفِقُواْ﴾ في طاعة الله تعالى ﴿طَوْعاً﴾ بإرادتكم ﴿أَوْ كَرْهاً﴾ رغم أنوفكم ﴿لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ﴾ ما تنفقونه ﴿إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْماً فَاسِقِينَ﴾ كافرين
стр. 1121
﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾ بنفاقهم، ورغبتهم في إيصال السوء إليك ﴿وَلاَ يَأْتُونَ الصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى﴾ لأنهم لا يبتغون من أدائها ثواباً، ولا يخشون من تركها عقاباً وإنما يقومون بها اتقاء للمؤمنين، ومراءاة لهم
стр. 1122
﴿فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ﴾ وكثرتها ﴿وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ﴾ ولا تظنن أن ذلك إنعام منا عليهم، أو رضاء عن أعمالهم ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ بما يلقونه في سبيل تحصيل الأموال والحرص عليها، والكدر عند إنفاقها، وبما يلقونه من عنت الأولاد، ومرضهم وفقدهم؛ في حين أن المؤمن لا يحرص على الجمع، ولا يألم للإنفاق؛ ويكتب له بكل أذى يلقاه حسنة ﴿وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ﴾ تخرج أرواحهم؛ والزهوق: الخروج بصعوبة
стр. 1123
﴿وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾ جبناء؛ يخافون القتل إذا هم أظهروا ما يبطنون
стр. 1124
﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَئاً﴾ يلجأون إليه خوفاً من القتال ﴿أَوْ مَغَارَاتٍ﴾ سراديب في الجبال ﴿أَوْ مُدَّخَلاً﴾ نفقاً ﴿وَهُمْ يَجْمَحُونَ﴾ يسرعون كالفرس الجموح الذي لا يرد
стр. 1125
﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَلْمِزُكَ﴾ يعيبك ﴿فِي الصَّدَقَاتِ﴾ أي في توزيعها. والمراد بالصدقات الزكاة المفروضة؛ وقد كانت تجمع، وتوزع بمعرفة الرسول صلوات الله تعالى وسلامه عليه ﴿فَإِنْ أُعْطُواْ مِنْهَا رَضُواْ وَإِن لَّمْ يُعْطَوْاْ مِنهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾ أي إن رضاهم وسخطهم للدنيا؛ لا للدين، ولأنفسهم لا للمسلمين.
следующие страницы →