← Тафсир

Тафсир · id 36432

أوضح التفاسير

محمد عبد اللطيف الخطيب

Полный текст (5 331 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

﴿لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَآءِ﴾ حرج في ترك الجهاد ﴿وَلاَ عَلَى الْمَرْضَى﴾ لأنهما سيكونان عبئاً ثقيلاً على المجاهدين ﴿وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ﴾ في سبيل الله: من مال، أو سلاح، أو مركب ﴿حَرَجٌ﴾ إثم في التخلف ﴿إِذَا نَصَحُواْ للَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ في حال تخلفهم؛ فلا يثبطون همم غيرهم، ولا يقعدونهم عن الجهاد. والنصح: إخلاص العمل من الغش ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ لأعمالهم؛ الذين نصحوا لله ورسوله، ولم يمنعهم عن الجهاد إلا العذر الشديد ﴿مِن سَبِيلٍ﴾ يدعو إلى مؤاخذتهم أو لومهم.

стр. 1157

﴿وَلاَ عَلَى الَّذِينَ﴾ رغبوا في الجهاد رغبة صادقة، ولم يمنعهم عنه سوى أنهم ﴿إِذَا مَآ أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾ أي لتعطيهم ما يركبون عليه للجهاد ﴿قُلْتَ﴾ لقلة ما عندك من المراكب؛ وكثرة المجاهدين الذين استنفدوا كل ما عندك من خيل وأبعرة أعددتها وجمعتها للجهاد؛ قلت لهم ﴿لاَ أَجِدُ مَآ أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ وعند ذاك يظهر الأسى على وجوههم، والحسرة في قلوبهم - لمزيد إيمانهم وإخلاصهم - و ﴿تَوَلَّوْاْ﴾ انصرفوا ﴿وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلاَّ يَجِدُواْ مَا يُنْفِقُونَ﴾ في سبيل الله؛ فيشترون ما يركبونه - لهم ولأمثالهم ممن منعهم عن الجهاد قلة المراكب -

стр. 1158

﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ﴾ الطريق للمؤاخذة والعقوبة ﴿عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ﴾ في التخلف ﴿وَهُمْ أَغْنِيَآءُ﴾ أقوياء يستطيعون الجهاد في سبيله تعالى بالأنفس والأموال؛ لكنهم ﴿رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ الْخَوَالِفِ﴾ النساء؛ لأنهم خلف الرجال في البيوت ﴿وَطَبَعَ﴾ غطى ﴿اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ بسبب نفاقهم ﴿فَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ ما ينفعهم فيوصلهم إلى الجنة، وما يضرهم فيلقي بهم في الجحيم هذا وقد طبع الله تعالى على قلوبهم؛ بعد أن أنزل عليهم آياته البينات، وأراهم معجزاته الظاهرات؛ فأبوا طريق الهدى والفلاح، واتبعوا طريق الشيطان؛ فكان لزاماً أن يطبع الله تعالى على قلوبهم، ويختم على أبصارهم ﴿فَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾

стр. 1159

﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ﴾ أي رجعتم من الجهاد ﴿لِتُعْرِضُواْ عَنْهُمْ﴾ فلا تعاتبوهم على تخلفهم وقعودهم ﴿فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمْ﴾ فلا تشيروا إلى تقصيرهم، ولا تعاتبوهم؛ وذلك لأن المعاتبة: تصفية للقلوب، وإبقاء للمودة؛ ألا ترى إلى وصفه تعالى لأهل النار: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لاَّ ينفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مَعْذِرَتُهُمْ وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ ﴿إِنَّهُمْ رِجْسٌ﴾ قذر لخبث باطنهم؛ فلا يطهرون بالعتاب والتوبيخ. والرجس: القذر المؤدي إلى العذاب والعقاب.

стр. 1160

﴿الأَعْرَابُ﴾ أهل البدو ﴿أَشَدُّ كُفْراً وَنِفَاقاً﴾ لجفائهم وقسوتهم، وغلظ طباعهم، وبعدهم عن العلم والعلماء، ﴿وَأَجْدَرُ﴾ أحق وأولى ﴿أَلاَّ يَعْلَمُواْ حُدُودَ مَآ أَنزَلَ اللَّهُ﴾ من شرائعه وفرائضه وأدلة توحيده؛ لقصر نظرهم، وقلة تبصرهم

стр. 1161

﴿وَمِنَ الأَعْرَابِ مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ﴾ في سبيل الله ﴿مَغْرَماً﴾ غرامة وخسراناً؛ لأنه ينفقه رياء وخوفاً ﴿وَيَتَرَبَّصُ﴾ ينتظر ﴿بِكُمُ الدَّوَائِرَ﴾ دوائر الزمان: وهي أنكاده، وتقلباته، ومصائبه، وهزائمه ﴿عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ السَّوْءِ﴾ دعاء بنزول العذاب - الذي ينتظرونه لكم - بهم، وحلول الهلاك بساحتهم

стр. 1162

﴿وَمِنَ الأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ إيماناً يقينياً ﴿وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ وما فيه من ثواب وعقاب ﴿وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَاتٍ عِندَ اللَّهِ﴾ تقربهم منه، وتدنيهم من رحمته ﴿وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ﴾ دعواته ﴿أَلا إِنَّهَا﴾ أي نفقاتهم، أو دعوات الرسول ﵊، واستغفاره لهم ﴿قُرْبَةٌ﴾ تقربهم من الله تعالى ﴿سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ﴾ بسبب ذلك ﴿فِي رَحْمَتِهِ﴾ نعيمه ورضوانه وجنته

стр. 1163

﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ﴾ هم من شهد بدراً، أو بيعة الرضوان ﴿رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ﴾ (انظر آية ٢٢ من سورة المجادلة)

стр. 1164

﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ﴾ يا أهل المدينة ﴿مِّنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ﴾ كقبائل أشجع وأسلم وغفار ومزينة وجهينة ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ﴾ منافقون أيضاً ﴿مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ﴾ أي لجوا واستمروا عليه ﴿لاَ تَعْلَمُهُمْ﴾ لتسترهم ونفاقهم وتظاهرهم بالإيمان ﴿سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ﴾ في الدنيا: بالقتل والأسر والخزي والهوان، أو بالأمراض والفضيحة ﴿ثُمَّ يُرَدُّونَ﴾ يوم القيامة.

стр. 1165

﴿وَآخَرُونَ﴾ من المنافقين ﴿اعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ﴾ بأن تابوا منها. وأقلعوا عنها

стр. 1166

﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾ بها من دنس الشح، والبخل، والإثم ﴿وَتُزَكِّيهِمْ﴾ تنمي أعمالهم وحسناتهم ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ ادع لهم ﴿إِنَّ صَلَوَاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ﴾ رحمة وسلام وطمأنينة

стр. 1167

﴿أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ يغفر لهم ذنوبهم ﴿وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ﴾ يتقبلها، ويجزي عليها

стр. 1168

﴿وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾ لأنه تعالى مطلع على السرائر ﴿وَرَسُولُهُ﴾ بإطلاع الله تعالى له على أعمالكم؛ قال: «تعرض عليَّ أعمالكم فإن وجدت خيراً حمدت الله، وإن وجدت شراً استغفرت لكم» ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ سيرون بفراستهم ما تنطوي عليه أفئدتكم، وما تنطق به ألسنتكم وتخفيه قلوبكم؛ فإن المؤمن يريه الله تعالى ببصيرته ما لا يراه المنافق ببصره وقد جرت عادة الله تعالى على فضح المنافق وانكشاف أمره؛ قال الشاعر: ومهما تكن عند امرىء من خليقةوإن خالها تخفي على الناس تعلم ﴿وَسَتُرَدُّونَ﴾ ترجعون يوم القيامة ﴿إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ ما خفي وما ظهر ﴿فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ يجازيكم عليه

стр. 1169

﴿وَآخَرُونَ﴾ غير من ذكر من المتخلفين ﴿مُرْجَوْنَ لأَمْرِ اللَّهِ﴾ مؤخرون إلى أن يظهر أمر الله تعالى فيهم ﴿إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ﴾ فلا يتوب عليهم، ويموتون بلا توبة؛ ويعرضهم للعذاب الأكبر يوم القيامة ﴿وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ فيتوبون إلى ربهم، ويحسنون أعمالهم؛ قال تعالى: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ﴾ ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بخلقه ﴿حَكِيمٌ﴾ في صنعه؛ فيعلم من يستحق منهم العفو، ممن لا يستحق

стр. 1170

﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُواْ مَسْجِداً ضِرَاراً﴾ مضارة. أي بقصد الإضرار بالمؤمنين. وهم أناس من المنافقين. قيل: كانوا اثني عشر رجلاً، وقصدوا ببنائه الإضرار بالذين بنوا مسجد قباء ﴿وَإِرْصَاداً﴾ إعداداً وترقباً ﴿لِّمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ من الكفار والمنافقين ﴿وَلَيَحْلِفَنَّ إِنْ أَرَدْنَا﴾ ما أردناه ببناء هذا المسجد ﴿إِلاَّ الْحُسْنَى﴾ والتوسعة على المصلين.

стр. 1171

﴿لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ وهو مسجد قباء

стр. 1172

﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ﴾ وهو حافة الوادي المتصدع، المشرف على السقوط

стр. 1173

﴿لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْاْ رِيبَةً﴾ شكاً ﴿فِي قُلُوبِهِمْ إِلاَّ أَن تَقَطَّعَ﴾ تتقطع ﴿قُلُوبِهِمْ﴾ بالموت؛ أو إلا أن يتوبوا

стр. 1174

﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الّجَنَّةَ﴾ مثل تعالى إثابتهم بالجنة على بذلهم أنفسهم وأموالهم في سبيله؛ بالشراء. عن الحسن رضي الله تعالى عنه: أنفساً هو خلقها، وأموالاً هو رزقها ومر أعرابي بالرسول ﵊ وهو يقرؤها فقال: بيع والله مربح؛ لا نقيله ولا نستقيله؛ وخرج إلى الغزو فاستشهد ﴿يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ﴾ أي يقتل بعضهم بعض الكفار ﴿يُقَاتِلُونَ﴾ يقتل بعض الكفار بعضهم ﴿وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً﴾ أي إن جزاء المؤمن على جهاده بالجنة: وعد من الله حق ﴿فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ﴾ ومن هنا يعلم أن فريضة الجهاد، ومقاومة الأعداء، وبذل النفس والمال في سبيل إعلاء كلمة الله تعالى: كان من أقدم العصور التي نزل فيها تشريع إلهي، ودين سماوي؛ وأنه قد نص على أجر المجاهدين وثوابهم ﴿فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ﴾ قبل أن ينزل به القرآن الكريم؛ الذي جاء مصدقاً لما تقدمه من الرسل والكتب ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾ أي لا أحد أوفى منه تعالى ﴿فَاسْتَبْشِرُواْ﴾ أيها المجاهدون ﴿بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ﴾ الله ﴿وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ وأي فوز أعظم من التمتع بالجنة، والفوز برضا الله تعالى؟ ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَآئِزُونَ﴾

стр. 1175

﴿التَّائِبُونَ﴾ عن المعاصي ﴿الْحَامِدُونَ﴾ لله تعالى في كل حالة. ⦗٢٤٢⦘ ﴿السَّائِحُونَ﴾ المجاهدون، أو الصائمون. وذلك لأن الصائم تصفو روحه، وتضعف شهوته، وتنجلي قريحته، ويعتدل نظره، ويقل هواه؛ فيكون أقرب شبهاً بالملائكة؛ فيسيح في ملكوت الله تعالى، ويتفكر في خلق السموات والأرض؛ وقيل: هم طلبة العلم؛ لأنهم يسيحون في الأرض ابتغاء طلبه وتحصيله؛ أو هم الجائلون بأفكارهم في ملك ربهم وتوحيده ﴿وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ﴾ أحكامه، والعمل بما فيها، والحض عليها ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الذين هذا حالهم بالجنة

стр. 1176

﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ﴾ أي ما يجوز لهم ولا يحق ﴿أَن يَسْتَغْفِرُواْ﴾ يطلبوا من الله المغفرة ﴿لِلْمُشْرِكِينَ﴾ الذين يتخذون مع الله إلهاً آخر ﴿وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِي قُرْبَى﴾ أي ولو كان المشركون ذوي قرابة للنبي والذين آمنوا. قيل: نزلت حين استغفر لعمه أبي طالب، واستغفر بعض المؤمنين لآبائهم المشركين ﴿مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ لأنهم ماتوا على الكفر؛ وليس بعد الكفر ذنب. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾

стр. 1177

﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ﴾ حين استغفر له ﴿إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَآ إِيَّاهُ﴾ وهي قوله لأبيه حال حياته ﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ والمعنى: أنه لا يجوز لكم أيها المؤمنون المستغفرون للمشركين؛ أن تحتجوا باستغفار إبراهيم لأبيه؛ لأنه استغفر له عن موعدة وعدها إياه، ولأنه لم يتبين له بعد أنه من أعداء الله، وأنه من أصحاب الجحيم ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ للَّهِ﴾ بإبائه الإيمان، وموته على الكفر ﴿تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ وترك الاستغفار له ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ﴾ كثير التأوه من خشية الله تعالى

стр. 1178

﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ﴾ وإنما يضل من أصر على الكفر ﴿وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ﴾ ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ﴾

стр. 1179

﴿لَقَدْ تَابَ الله عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ﴾ تاب عليهم: رزقهم الإنابة إلى أمره وطاعته ﴿الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ في غزوة تبوك: كان للعشرة رجال البعير الواحد، وكان زادهم التمر المدود، والشعير المسوس؛ وربما اقتسم اثنان منهم التمرة الواحدة.

стр. 1180

﴿وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ﴾ أي وتاب أيضاً على الثلاثة الذين خلفوا عن التوبة؛ فلم يقبل رسول الله توبتهم وهم: كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع، وهلال بن أمية. وقيل ﴿الَّذِينَ خُلِّفُواْ﴾ أي تخلفوا عن الجهاد في غزوة تبوك ﴿حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ﴾ فلم يبق فيها أنس ولا سرور، وذلك بسبب أن الرسول ﵊ دعا لمقاطعتهم؛ فكان أحدهم يفشي السلام لأقرب أقربائه فلا يرد عليه، وهجرتهم نساؤهم وأهلوهم تيقنوا ﴿أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ﴾ فأكثروا من الابتهال والاستغفار، إلى أن تاب عليهم العزيز الغفار ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ﴾ لما ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وضاقت عليهم أنفسهم بما وسعت: لجأوا إلى اللطيف المنان، الرحيم الرحمن؛ فتاب عليهم ليتوبوا فانظر - يا رعاك الله وهداك - إلى رحمة مولاك يتوب عليك لتتوب ﴿تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ﴾ ويحببك لتحبه ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ ويرضى عنك لترضى عنه ﴿رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ﴾ فاسأله أن يتوب عليك، وأن يحببك، وأن يرضى عنك تاب الله علينا فيمن تاب، وأحبنا فيمن أحب، ورضي عنا فيمن رضي

стр. 1181

﴿مَا كَانَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ﴾ مدينة الرسول ﴿وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِّنَ الأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ اللَّهِ﴾ أي ما صح وما جاز لهم أن يقعدوا عن طاعته، ويتخلفوا عن الجهاد معه ﴿وَلاَ يَرْغَبُواْ﴾ لا يضنوا ﴿بِأَنْفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ﴾ أي عما يصيب نفسه من أذى وغم؛ بل يجب عليهم أن يفدوه بأنفسهم وأموالهم وأهليهم، وأن يكونوا معه في الضراء قبل السراء، وفي الشدة قبل الرخاء ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ﴾ عطش ﴿وَلاَ نَصَبٌ﴾ تعب ﴿وَلاَ مَخْمَصَةٌ﴾ جوع ﴿وَلاَ يَرْغَبُواْ بِأَنْفُسِهِمْ﴾ أي لا يحتلون بلداً، ولا يدوسون موضعاً ﴿يَغِيظُ الْكُفَّارَ﴾ وطؤهم له ﴿وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً﴾ منالاً. أي لا يقتلون منهم قتيلاً، أو يأسرون أسيراً، أو يجرحون جريحاً ﴿إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ ينالون أجره، ويكسبون ثوابه

стр. 1182

﴿وَلاَ يَقْطَعُونَ وَادِياً﴾ أرضاً ﴿إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ﴾ أجرهم وجزاؤهم

стр. 1183

﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ما صح، وما جاز لهم ﴿لِيَنفِرُواْ﴾ للحرب، أو لطلب العلم ﴿كَآفَّةً﴾ عامة؛ ويتركوا أهلهم بلا عائل، وأوطانهم بلا حافظ؛ بل ينفر بعضهم للجهاد، وبعضهم للتفقه في الدين، ويبقى باقيهم لحماية الذمار، وحفظ الديار ⦗٢٤٤⦘ ﴿فَلَوْلاَ﴾ فهلا ﴿نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ﴾ جماعة ﴿مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ﴾ يتعلموا ويتبصروا ﴿وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ﴾ بما تعلموه وتفقهوا فيه ﴿لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ الجهل فيتجنبونه.

стр. 1184

﴿يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِّنَ الْكُفَّارِ﴾ أي القريبين منكم؛ لأنك لو قاتلت الأبعدين؛ لم تأمن غدر الأقربين. وذلك النظام من أدق فنون القتال؛ لتحمي ظهرك ممن يلونك من الأعداء ﴿وَلِيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ قسوة وشدة؛ ليكونوا عبرة لمن بعدوا عنكم من الكفار؛ وليتم أمر الله تعالى وإعلاء دينه

стр. 1185

﴿وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ﴾ من القرآن ﴿فَمِنْهُمْ﴾ أي من المنافقين ﴿مَّن يَقُولُ﴾ لأصحابه تعجباً ﴿أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ﴾ السورة ﴿إِيمَاناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً﴾ بالله؛ ويقيناً بوحدانيته، وتصديقاً برسوله ﴿وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ بما أعده الله تعالى لهم من ثواب وأجر

стр. 1186

﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ شك ونفاق ﴿فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ الرجس: القذر. وهو كل عمل يؤدي إلى العذاب؛ أي زادتهم كفراً على كفرهم

стр. 1187

﴿أَوَلاَ يَرَوْنَ﴾ أي أو لا يرى هؤلاء المنافقون ﴿أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ﴾ ما أعده الله تعالى لهم من ثواب وأجر ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ شك ونفاق ﴿فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ الرجس: القذر. وهو كل عمل يؤدي إلى العذاب؛ أي زادتهم كفراً على كفرهم ﴿أَوَلاَ يَرَوْنَ﴾ أي أو لا يرى هؤلاء المنافقون ﴿أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ﴾ جعون ﴿وَلاَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ يتذكرون

стр. 1188

﴿وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ﴾ على الرسول ﵊ ﴿سُورَةٌ﴾ من القرآن ﴿نَّظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ قائلين ﴿هَلْ يَرَاكُمْ مِّنْ أَحَدٍ﴾ من المؤمنين ﴿ثُمَّ انصَرَفُواْ﴾ من مجلس الرسول؛ معرضين عن سماع القرآن ﴿صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُم﴾ بعد أن مهد لهم تعالى سبل الإيمان فأنكروها، وأبان لهم دواعي الحق فتنكروا لها، وأنزل عليهم آياته فانصرفوا عنها؛ بعد كل ذلك ﴿صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُم﴾ جزاء لهم على انصرافهم؛ وهو كقوله تعالى ﴿فَلَمَّا زَاغُواْ أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ وقد يكون معنى قوله تعالى: ﴿صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُم﴾ دعاء عليهم؛ كقوله ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ﴾ هذا شأن الزائغين المنصرفين؛ أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات؛ فأولئك ﴿يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ﴾

стр. 1189

﴿لَقَدْ جَآءَكُمْ﴾ أيها الناس ﴿رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ﴾ أي من جنسكم، وقرىء ﴿مِّنْ أَنفُسِكُمْ﴾ بفتح الفاء؛ من النفاسة. أي من أشرفكم وأفضلكم، أو أكثركم طاعة وتقرباً إلى الله تعالى ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾ شاق على نفسه ارتكابكم الإثم، وتعرضكم للهلاك والتلف والخسران؛ وهو من العنت؛ أي المشقة والحرج ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾ أي حريص على إيمانكم وهدايتكم ونجاتكم

стр. 1190

﴿فَإِن تَوَلَّوْاْ﴾ أعرضوا عن الإيمان ﴿فَقُلْ حَسْبِيَ﴾ كافيّ ﴿اللَّهِ﴾ وحده.

стр. 1191

سورة يونس بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 1192

﴿الر﴾ (انظر آية ١ من سورة البقرة) ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ المحكم؛ الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه

стр. 1193

﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً﴾ استفهام للتقرير والتوبيخ؛ أي هل يجوز أن يعجب الناس ﴿أَنْ أَوْحَيْنَآ إِلَى رَجُلٍ مِّنْهُمْ﴾ وإنما العجب كل العجب: إذا لم نوحِ أصلاً، أو إذا أوحينا إلى رجل ليس منهم، أو إلى مخلوق ليس من جنسهم؛ فلا يسكنون إليه، أو يرتاحون لمخاطبته: كملك، أو جن، أو غيرهما ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُواْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ﴾ أي سابقة فضل؛ تستتبع الأجر الحسن، أو هي شفاعة الرسول ﵊ ﴿قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ﴾ أي ما هذا النبي إلا ساحر ﴿مُّبِينٌ﴾ بيّن السحر واضحه

стр. 1194

﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ استواء يليق به؛ وليس كاستواء المخلوقين؛ لأن الديان، يتقدس عن المكان، وتعالى المعبود عن الحدود ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ﴾ بين الخلائق ﴿ذلِكُمُ﴾ الموصوف بهذه الصفات، المتسم بهذه السمات ﴿اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ﴾ وحده، ولا تشركوا به شيئاً

стр. 1195

﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً﴾ فيجازي كل واحد بما عمل ﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقّاً﴾ إنه لا يخلف الميعاد ﴿إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ﴾ بالإنشاء ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ بالإحياء يوم القيامة ﴿بِالْقِسْطِ﴾ بالعدل ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ﴾ الحميم: الماء المغلي الشديد الحرارة
следующие страницы →