← Тафсир

Тафсир · id 36432

أوضح التفاسير

محمد عبد اللطيف الخطيب

Полный текст (5 331 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

سورة يونس بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 1192

﴿الر﴾ (انظر آية ١ من سورة البقرة) ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ المحكم؛ الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه

стр. 1193

﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً﴾ استفهام للتقرير والتوبيخ؛ أي هل يجوز أن يعجب الناس ﴿أَنْ أَوْحَيْنَآ إِلَى رَجُلٍ مِّنْهُمْ﴾ وإنما العجب كل العجب: إذا لم نوحِ أصلاً، أو إذا أوحينا إلى رجل ليس منهم، أو إلى مخلوق ليس من جنسهم؛ فلا يسكنون إليه، أو يرتاحون لمخاطبته: كملك، أو جن، أو غيرهما ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُواْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ﴾ أي سابقة فضل؛ تستتبع الأجر الحسن، أو هي شفاعة الرسول ﵊ ﴿قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ﴾ أي ما هذا النبي إلا ساحر ﴿مُّبِينٌ﴾ بيّن السحر واضحه

стр. 1194

﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ استواء يليق به؛ وليس كاستواء المخلوقين؛ لأن الديان، يتقدس عن المكان، وتعالى المعبود عن الحدود ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ﴾ بين الخلائق ﴿ذلِكُمُ﴾ الموصوف بهذه الصفات، المتسم بهذه السمات ﴿اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ﴾ وحده، ولا تشركوا به شيئاً

стр. 1195

﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً﴾ فيجازي كل واحد بما عمل ﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقّاً﴾ إنه لا يخلف الميعاد ﴿إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ﴾ بالإنشاء ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ بالإحياء يوم القيامة ﴿بِالْقِسْطِ﴾ بالعدل ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ﴾ الحميم: الماء المغلي الشديد الحرارة

стр. 1196

﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَآءً﴾ تضيء للكائنات ﴿وَالْقَمَرَ نُوراً﴾ ينير للموجودات ﴿وَقَدَّرَهُ﴾ أي قدر القمر من حيث سيره ﴿مَنَازِلَ﴾ ثمانية وعشرين منزلاً، لثمان وعشرين ليلة؛ ويستتر ليلة - إذا كان الشهر تسعة وعشرين يوماً - أو ليلتين - إذا كان ثلاثين يوماً ﴿لِتَعْلَمُواْ﴾ بواسطة الشمس والقمر، واختلاف الليل والنهار؛ أو بواسطة تلك المنازل ﴿عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ حساب الشهور والأيام والأعوام ﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ ذلِكَ﴾ الكون، وما فيه من آيات بينات ﴿إِلاَّ بِالْحَقِّ﴾ إلا بالحكمة والصواب، وإظهار بدائع الصنع، ودلائل القدرة والعلم ﴿يُفَصِّلُ الآيَاتِ﴾ يبينها ويوضحها ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ يتدبرون، ويتوصلون بعلمهم إلى ما في الكون من أسرار

стр. 1197

﴿إِنَّ فِي اخْتِلاَفِ الْلَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ بالذهاب والمجيء، والإظلام والإنارة، والنقصان والزيادة ﴿وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ من بدائع صنعه، وعجائب مخلوقاته؛ إن في كل ذلك ﴿لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾ الله؛ فيؤمنون به، ويتدبرون في مصنوعاته

стр. 1198

﴿إَنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا﴾ أي لا يؤمنون بالبعث (أنظر مبحث «التعطيل» بآخر الكتاب) ﴿وَرَضُواْ﴾ سكنوا إليها، ولم يعملوا للآخرة

стр. 1199

﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ﴾ أي يهديهم مولاهم بسبب إيمانهم. لأنهم ليسوا كالذين انصرفوا فصرف قلوبهم، أو زاغوا فأزاغها

стр. 1200

﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا﴾ دعاؤهم في الجنة ⦗٢٤٧⦘ ﴿سُبْحَانَكَ﴾ تقدست وتعاليت. (انظر آية ﷺ من سورة الإسراء) ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ﴾ نهاية مطلبهم، أو خاتمة دعائهم، أو آخر قولهم؛ حينما تتحقق سعادتهم ﴿أَنِ الْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ «الذين هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله» ﴿أَيُّ﴾ لو يعجل الله للناس الشر - الذي استحقوه بارتكاب المعاصي والآثام - بقدر استعجالهم للخير - الذي يظنون أنهم استوجبوه بأعمالهم - لأهلكهم جميعاً

стр. 1201

﴿فَنَذَرُ﴾ نترك ﴿الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا﴾ أي لا يؤمنون بالبعث؛ ولا يرجون ثواباً ولا عقاباً وإنكار الآخرة وما فيها من بعث وحساب، وثواب وعقاب: يكون بلسان الحال، كما يكون بلسان المقال: فرب مؤمن بالآخرة بلسانه، وأعماله تبالغ في تكذيبه إذ أن الذي لا يقوم بما فرضه الله تعالى عليه من عبادات: غير مؤمن بالآخرة؛ ولو أقسم على إيمانه بها؛ فإن يمينه غموس، والذي يرتكب الموبقات، ولا يخشى رب الأرض والسموات: غير مؤمن بالآخرة؛ وإلا فكيف يكون مؤمناً بالآخرة من يخشى المخلوقين، ولا يخشى أحسن الخالقين؟ كيف يكون مؤمناً بلقاءالله: من يخشى الناس كخشية الله أو أشد خشية إن من شرائط الإيمان بالآخرة أيها المؤمن: أن تخشى عقابها وتطمع في ثوابها، وأن تعلم أن ربك قد أحصى عليك عملك، وأنه محاسبك؛ فمجازيك عليه: إن كان خيراً فخير، وإن كان شراً فشر ﴿فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ يترددون متحيرين

стр. 1202

﴿وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ الضُّرُّ﴾ المرض، أو الفاقة ﴿دَعَانَا لِجَنبِهِ﴾ مريضاً: لا يمكنه الحركة ﴿أَوْ قَاعِداً﴾ متعباً: لا يمكنه القيام ﴿أَوْ قَآئِماً﴾ دائباً في طلب الرزق فلا يجد ما يسد الرمق. أو المراد أنه يدعو ربه على كل حالة هو عليها. ومن المعلوم أن حالة الإنسان وهيئته لا يعدوان ثلاث حالات: نائماً، أو قاعداً، أو قائماً ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ﴾ الذي دعانا من أجله: شفينا مرضه، ومحونا بؤسه، وأزلنا فقره ﴿مَرَّ﴾ انصرف عنا، أو استمر على كفره ﴿كَأَن لَّمْ﴾ يحتج إلينا، ويفتقر إلى معونتنا، ولم ﴿يَدْعُنَآ إِلَى ضُرٍّ مَّسَّهُ﴾ فكشفناه عنه ﴿كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ﴾ الكافرين

стр. 1203

﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ﴾ الأمم ﴿لَمَّا ظَلَمُواْ﴾ كفروا ﴿وَجَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ﴾ الآيات الدالات على صدق رسالاتهم ﴿وَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ﴾ لأن الله تعالى طبع على قلوبهم؛ جزاء على كفرهم

стр. 1204

﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ ⦗٢٤٨⦘ خَلاَئِفَ﴾ خلفاء؛ تخلفونهم في سكنى الأرض وعمارتها ﴿لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ أتكفرون ككفرهم، وتنصرفون عن الإيمان كانصرافهم أم تؤمنون شأن سائر العقلاء

стр. 1205

﴿قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا﴾ أي قال الذين لا يؤمنون بالبعث، ولا بالجزاء.

стр. 1206

﴿قُل لَّوْ شَآءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ﴾ أي لو شاء الله تعالى ما أرسلني به إليكم، و ﴿مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ﴾ ﴿وَلاَ أَدْرَاكُمْ بِهِ﴾ أي ولا أعلمكم به الله تعالى على لساني ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً﴾ أي مكثت بينكم سنين طوالاً؛ فلم أحدثكم بشيء من ذلك، حتى أوحى الله تعالى إلي به، وكلفني بإبلاغه

стр. 1207

﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً﴾ اختلق قرآناً؛ كما تنسبون إلي ﴿أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ﴾ التي أنزلها؛ كما تفعلون أنتم الآن

стр. 1208

﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ غيره ﴿مَا لاَ يَضُرُّهُمْ﴾ أي لا يستطيع إيصال الضرر إليهم ﴿وَلاَ يَنفَعُهُمْ﴾ لا يجلب لهم النفع؛ وذلك لأنه جماد لا يعقل ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ﴾ نتقرب بهم إليه ﴿سُبْحَانَهُ﴾ تنزه وتقدس عن أن يكون له شريك، أو أن يشفع عنده أحد إلا بإذنه. (انظر آية ﷺ من سورة الإسراء)

стр. 1209

﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ على دين واحد؛ هو الإسلام من لدن آدم إلى نوح ﵉، أو المراد بالناس: نوح ومن نجا معه في سفينته ﴿فَاخْتَلَفُواْ﴾ فأرسل الله تعالى إليهم رسله وأنبياءه. وقيل: كانوا أمة واحدة على الكفر، فبعث الله النبيين لهدايتهم. أو المراد أنه يولد من يولد على الفطرة، ثم أبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه «فاختلفوا» عند بلوغهم ﴿وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ﴾ هي تأخير الجزاء إلى يوم القيامة ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ لعجل عقابهم في الدنيا

стр. 1210

﴿وَيَقُولُونَ لَوْلاَ﴾ هلا ﴿أُنزِلَ عَلَيْهِ﴾ أي على محمد ﴿آيَةٍ﴾ معجزة ﴿مِّن رَّبِّهِ﴾ كعصا موسى، وناقة صالح، وأمثالهما ﴿فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ للَّهِ﴾ لا يعلمه سواه ﴿وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ﴾ ﴿فَانْتَظِرُواْ﴾ ما يفعله الله بي وبكم لذلك

стр. 1211

﴿وَإِذَآ أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً﴾ رزقاً وخيراً ⦗٢٤٩⦘ ﴿مِّن بَعْدِ ضَرَّآءَ﴾ بؤس وجدب ﴿إِذَا لَهُمْ مَّكْرٌ فِي آيَاتِنَا﴾ بأن دفعوها وأنكروها بالاستهزاء والتكذيب ﴿قُلْ﴾ لهم ﴿اللَّهُ أَسْرَعُ﴾ منكم ﴿مَكْراً﴾ أي أسرع عقوبة لكم على مكركم ﴿إِنَّ رُسُلَنَا﴾ أي الحفظة ﴿يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ﴾ أي يحصون في صحف أعمالكم ما تقومون به من سوء وشر؛ فنجزيكم به، ونؤاخذكم عليه

стр. 1212

﴿حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ﴾ السفن ﴿جَآءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ﴾ شديدة الهبوب ﴿وَظَنُّواْ﴾ تأكدوا ﴿أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ﴾ أي أهلكوا. وهو من إحاطة العدو المؤدية إلى الهلاك ﴿دَعَوُاْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أي مخلصين في دعوته، صادقين في محبته

стр. 1213

﴿فَلَمَّآ أَنجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الأَرْضِ﴾ يفسدون فيها ﴿يأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُمْ﴾ أي إنما إثم بغيكم واقع على أنفسكم ﴿مَّتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ أي تمتعوا متاع الحياة الدنيا؛ وليس لكم في الآخرة من نصيب ﴿ثُمَّ إِلَينَا مَرْجِعُكُمْ﴾ يوم القيامة ﴿فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ فنجازيكم عليه

стр. 1214

﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ صفتها في زوالها وفنائها ﴿كَمَآءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَآءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ﴾ أي اختلط بالماء ﴿نَبَاتُ الأَرْضِ﴾ جميعاً؛ فأنبت ﴿مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ﴾ من الحبوب والثمار وغيرهما ﴿وَالأَنْعَامُ﴾ أي ومما تأكل الأنعام؛ من الكلإ والتبن والشعير وغيره ﴿حَتَّى إِذَآ أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ﴾ استكملت زينتها وبهجتها؛ بالثمار والأزهار، والنبات والأقوات ﴿وَظَنَّ﴾ تيقن ﴿أَهْلُهَآ أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ﴾ أي متمكنون منها، مالكون لها ⦗٢٥٠⦘ ﴿أَتَاهَآ أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً﴾ وذلك لأن الأمر - إذا أتى - يكون نهاراً في بقعة من الأرض، وليلاً في بقعة أخرى. والمقصود بأمر الله الذي يأتي ليلاً أو نهاراً: الأمر بزوال الأرض والسموات، وانقضاء الدنيا ﴿فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً﴾ خراباً يباباً؛ كالأرض المحصودة ﴿كَأَن لَّمْ تَغْنَ﴾ كأن لم تسكن إطلاقاً

стр. 1215

﴿وَاللَّهُ يَدْعُو﴾ إلى الإيمان به، والعمل الصالح؛ وكلاهما موصل ﴿إِلَى دَارِ السَّلاَمِ﴾ إلى الجنة؛ لأنها ممتلئة أمناً وخيراً، وسعادة وسلاماً؛ ولأنها هي «دار السلام» ﴿وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ﴾ ويقال لهم: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ﴾ والمنعم بها تعالى اسمه «السلام»

стр. 1216

﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ﴾ في هذه الدنيا ﴿الْحُسْنَى﴾ الجنة؛ جزاء لإحسانهم ﴿وَزِيَادَةٌ﴾ هي مضاعفة حسناتهم إلى ما لا نهاية له وقد ورد في الحديث الشريف: أن الزيادة؛ هي النظر إلى وجه الله تعالى ﴿وَلاَ يَرْهَقُ﴾ لا يغشى ﴿وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ﴾ غبرة وسواد؛ كشأن أهل النار ﴿وَلاَ ذِلَّةٌ﴾ هوان وخزي؛ كالذلة والمهانة التي تعتري أهل الجحيم

стр. 1217

﴿وَالَّذِينَ كَسَبُواْ السَّيِّئَاتِ﴾ عملوها ﴿جَزَآءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا﴾ أي بعقوبة تماثلها في الجرم ﴿وَتَرْهَقُهُمْ﴾ تغشاهم ﴿ذِلَّةٌ﴾ خزي وهوان وفضيحة ﴿مَّا لَهُمْ مِّنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ﴾ مانع، وواق؛ يمنع عنهم عذابه، ويقيهم ناره ﴿كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ﴾ غطيت ﴿وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِّنَ الْلَّيْلِ مُظْلِماً﴾ أي صارت وجوههم سوداء كقطع الليل المظلم

стр. 1218

﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ مَكَانَكُمْ﴾ أي ألزموا مكانكم لا تبرحوه؛ حتى تروا ما يحل بكم ﴿أَنتُمْ وَشُرَكَآؤُكُمْ﴾ الذين كنتم تعبدونهم ﴿فَزَيَّلْنَا﴾ فرقنا وميزنا ﴿بَيْنَهُمْ﴾ وبين المؤمنين. وهو كقوله تعالى ﴿وَامْتَازُواْ الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾

стр. 1219

﴿هُنَالِكَ﴾ أي في ذلك اليوم ﴿تَبْلُواْ﴾ من الابتلاء، وقرىء «تتلو» من التلاوة ﴿كُلُّ نَفْسٍ مَّآ أَسْلَفَتْ﴾ ما قدمت من عمل ⦗٢٥١⦘ ﴿وَرُدُّواْ إِلَى اللَّهِ مَوْلاَهُمُ﴾ إلههم وسيدهم ﴿الْحَقِّ﴾ الذي لا إله غيره، ولا سيد سواه، ولا شريك له ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ أي غابت عنهم آلهتهم التي كانوا يزعمونها؛ فلم تشفع لهم عندالله، ولم تمنع عنهم عذابه

стр. 1220

﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَآءِ﴾ بإنزال المطر؛ المنبت للحب والثمر؛ وإن شاء تعالى منعه ﴿وَالأَرْضِ﴾ بإخراج النبات والأقوات؛ وإن شاء تعالى أجدبها؛ فمتم عند ذاك جوعاً وعطشاً ﴿أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ﴾ يملك خلقها، وإن شاء أصمها ﴿والأَبْصَارَ﴾ أنارها، وإن شاء أعماها ﴿وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ المسلم من الكافر، والكافر من المسلم، والإنسان من النطفة، والنطفة من الإنسان ﴿وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ﴾ في السماء والأرض؛ فينزل الماء، ويخرج النبات، وينشر الأقوات؛ ويهب لمن شاء البنين ولمن شاء البنات؛ بتدبير منظم حكيم ﴿ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾

стр. 1221

﴿فَأَنَّى﴾ فكيف ﴿تُصْرَفُونَ﴾ عن الإيمان؛ وهذه دلائله وبراهينه

стр. 1222

﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ﴾ وجبت ﴿كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ عذابه ﴿عَلَى الَّذِينَ فَسَقُواْ﴾ كفروا وتمردوا، وتجاوزوا الحد. وهي قوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾

стр. 1223

﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ﴾ الذين تعبدونهم ﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ فكيف تصرفون عن عبادته؛ مع قيام هذه الأدلة؟

стр. 1224

﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ﴾ أي الأصنام التي تعبدونها ﴿أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ﴾ وهو الله جل شأنه ﴿أَحَقُّ﴾ وأجدر ﴿أَن يُتَّبَعَ﴾ ويعبد ويطاع ﴿أَمَّن لاَّ يَهِدِّي﴾ يهتدي ﴿إِلاَّ أَن يُهْدَى﴾ أي لا يهتدي إلى مكانه إلا إن هداه غيره إليه. والمعنى: أفمن يهدي الناس إلى الحق ويهديهم إلى ما يصلحهم، ويهديهم إلى ما فيه خيرهم - وهو الله تعالى - أحق بالعبادة والاتباع أمن لا يستطيع هداية نفسه إلى مكانه - وهم الأصنام - إلا أن يحمله حامل؛ فيضعه حيث شاء؛ لا حيث تريد الأصنام؛ التي لا إرادة لها ﴿فَمَا لَكُمْ﴾ ما الذي أصابكم، وماذا دهاكم وأتلف عقولكم؟ ﴿كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ هذا الحكم الفاسد؛ الذي لا يسنده عقل ولا منطق

стр. 1225

﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ﴾ أي أكثر الكفار ﴿إِلاَّ ظَنّاً﴾ حيث قلدوا آباءهم في عبادة الأصنام؛ ولم يحكموا عقولهم

стр. 1226

﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَن يُفْتَرَى﴾ أي لا يجوز عقلاً، ولا يصح دراية أن يكون هذا القرآن مفترى. لأنه فوق طاقة البشر ﴿وَلَكِنْ﴾ أنزل ﴿تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ ما تقدمه من الكتب كالتوراة والإنجيل وغيرهما ﴿وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ﴾ تبيين ما كتبه الله تعالى، وأنزله على رسله ﴿لاَ رَيْبَ﴾ لا شك ﴿فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ *

стр. 1227

أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ﴾ (انظر آية ٢٣ من سورة البقرة) ﴿وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُمْ﴾ استعينوا بمن شئتم ﴿مِّن دُونِ اللَّهِ﴾ غيره: هل يمكنكم أن تأتوا بسورة من مثله ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾

стр. 1228

﴿بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ﴾ وهو القرآن الكريم؛ والناس دائماً أعداء لما جهلوا ﴿وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ لم يأتهم حتى الآن عاقبة ما في القرآن من الوعد والوعيد ﴿وَمِنهُمْ﴾ أي من أهل مكة ﴿مَّن يُؤْمِنُ بِهِ﴾ أي من سيؤمن بهذا القرآن. علم الله تعالى ذلك عنهم

стр. 1229

﴿وَمِنْهُمْ مَّن لاَّ يُؤْمِنُ بِهِ﴾ أبد الدهر ﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ﴾ وسيقتص منهم في الدنيا والآخرة

стр. 1230

﴿وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِّي عَمَلِي﴾ ثواب عملي ﴿وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ﴾ إثمه وعقابه
следующие страницы →