Полный текст (5 331 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.
стр. 1261
﴿قَالَ مُوسَى أَتقُولُونَ﴾ هذا القول ﴿لِلْحَقِّ﴾ الواضح ﴿لَمَّا جَآءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا﴾ أي أيعقل أن يكون هذا سحراً، وهو واضح مبين؟
стр. 1262
﴿قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا﴾ لتصرفنا ﴿وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَآءُ﴾ أي الملك؛ لأن الملوك موصوفون بالكبر والتجبر
стр. 1263
﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ﴾ لقومه ﴿ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ﴾ فائق في فن السحر؛ لنحارب موسى بسحر مثله
стр. 1264
﴿فَلَمَّا جَآءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُّوسَى أَلْقُواْ مَآ أَنتُمْ مُّلْقُونَ﴾ وذلك بعد أن قالوا له: «إما أن تلقي وإما أن نكون نحن الملقين» ﴿حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ﴾ حبالهم وعصيهم
стр. 1265
﴿قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ﴾ أي إن الذي جئتم به الآن هو السحر؛ لا ما اتهمتموني به؛ و ﴿إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ﴾ لأن سنته تعالى في خلقه: أنه ﴿لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ يظهره ويعليه ﴿بِكَلِمَاتِهِ﴾ بأمره وقدرته
стр. 1266
﴿فَمَآ آمَنَ لِمُوسَى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ﴾ أي طائفة من أبناء قومه؛ أما كبارهم فاستكبروا وعتوا وهذه الطائفة التي آمنت؛ إنما آمنت ﴿عَلَى خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ﴾ أي رغم خوفهم من فرعون، وخوفهم من ملئهم؛ الذين هم أهلوهم وآباؤهم. أو على خوف من فرعون وشيعته ﴿أَن يَفْتِنَهُمْ﴾ أن يعذبهم ﴿وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ﴾ متكبر جبار ﴿وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾ المتجاوزين للحد: بكفره وادعائه الربوبية
стр. 1267
﴿فَقَالُواْ عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا﴾ وهو لا شك معيننا وناصرنا (انظر آية ٨١ من سورة النساء) ﴿رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً﴾ أي موضع فتنة ﴿لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ بحيث يفتنوننا عن ديننا، ويضلوننا. والفاتن: المضل عن الحق. أو «فتنة» بمعنى عذاباً. أي لا تجعلنا موضع عذابهم وانتقامهم
стр. 1268
﴿وَأَوْحَيْنَآ إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا﴾ أي اتخذا. يقال: تبوأ المنزل: إذا نزله واتخذه سكناً ﴿وَاجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾ أي مساجد تصلون فيها سراً؛ خوفاً من أذى فرعون وملئه
стр. 1269
﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَآ إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ زِينَةً﴾ فرشا وثيراً، وملبساً حسناً، ومسكناً فخماً، ومركباً فارهاً، وحلياً نفيسة ﴿وَأَمْوَالاً﴾ وفيرة
⦗٢٥٩⦘ ﴿لِيُضِلُّواْ﴾ الناس ﴿عَن سَبِيلِكَ﴾ عن دينك الحق القويم ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ﴾ أي أهلكها وأذهب آثارها ﴿وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ اطبع عليها؛ جزاء تمسكهم بكفرهم، واستهزائهم بنبيهم، وإيذائهم للمؤمنين ﴿فَلاَ يُؤْمِنُواْ﴾ لك ﴿حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ﴾ الذي تنزله بالمستهزئين، وتلحقه بالكافرين
стр. 1270
﴿قَالَ﴾ الله تعالى ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا﴾ فلم يؤمن فرعون وقومه حتى أدركهم الغرق؛ فلم ينفعهم إيمانهم ﴿فَاسْتَقِيمَا﴾ اثبتا على ما أنتما عليه من نشر الدعوة ﴿وَلاَ تَتَّبِعَآنِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ صدق الإجابة، وحكمة الإمهال
стр. 1271
﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ﴾ جعلناهم يسلكونه ويتجاوزونه؛ بأن فرق الله تعالى الماء: فمر بنو إسرائيل على اليابسة. قال تعالى: ﴿فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ ﴿فَأَتْبَعَهُمْ﴾ لحقهم ﴿فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً﴾ منهم على المؤمنين ﴿وَعَدْواً﴾ اعتداء وتطاولاً وظلماً ﴿حَتَّى إِذَآ أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنواْ إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ ذهب بعضهم إلى أن فرعون قد آمن بقوله هذا؛ وأنه لا ينافي إيمانه ما جاء بعد ذلك في القرآن الكريم
стр. 1272
﴿آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ لأن ذلك القول من قول الملك الموكل بالعذاب لا من قول الحكيم الخبير وهذ القول يرده قول العزيز العليم ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ﴾ وحضور الموت - المعنى في هذه الآية - هو اليأس من الحياة؛ وقد قال فرعون ما قال وقت إطباق البحر عليه، ويأسه من النجاة، وسبب إهلاك فرعون بالإغراق: هو أنه ألجأ بني إسرائيل إلى البحر ليغرقهم أو يقتلهم؛ فكان جزاؤه من جنس عمله. وتأمل - يا رعاك الله - إلى قدرة الله؛ فقد جعل في لحظة واحدة العزيز ذليلاً، والذليل عزيزاً؛ إذ لم يكن أعز من فرعون وملئه، ولا أذل من موسى وقومه (انظر آية ١٨ من سورة النساء)
стр. 1273
﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ بجسمك؛ بعد إزهاق روحك ﴿لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ﴾ أي لمن بعدك من الأمم ﴿آيَةٍ﴾ عبرة لهم؛ وها هي ذي جثته الآن تعرض في دار الآثار المصرية. ﴿وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ﴾ الكافرين ﴿عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾ لا يتعظون بها «وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها»
стр. 1274
﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ﴾ أي أنزلناهم منزل تكريم في مصر والشام، أو الشام وبيت المقدس ﴿وَرَزَقْنَاهُمْ مِّنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ الثمار وغيرها ﴿فَمَا اخْتَلَفُواْ﴾ في أمر محمد الذي بشر به كتابهم ﴿حَتَّى جَآءَهُمُ الْعِلْمُ﴾ القرآن.
стр. 1275
﴿فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ﴾ من أن ذكرك قد ورد في التوراة والإنجيل ﴿فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ﴾ المقصود بالكتاب: التوراة والإنجيل. قال حين نزلت: «لا أشك ولا أسأل» ﴿لَقَدْ جَآءَكَ الْحَقُّ﴾ القرآن ﴿مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ الشاكين
стр. 1276
﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ﴾ وجبت ﴿عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ بالعذاب
стр. 1277
﴿فَلَوْلاَ﴾ فهلا؛ وقرأ بها أُبي وابن مسعود ﴿كَانَتْ قَرْيَةٌ﴾ واحدة؛ من القرى التي أهلكناها ﴿آمَنتُ﴾ أي تاب أهلها عن الكفر، وآمنوا بمحض إرادتهم؛ قبل أن ينزل بواديهم العذاب ويحل بساحتهم، كما حل بساحة فرعون وملئه ﴿فَنَفَعَهَآ إِيمَانُهَا﴾ لأنها آمنت قبل اليأس من الحياة ﴿إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآ آمَنُواْ﴾ بعد نزول العذاب بهم ﴿كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الخِزْيِ﴾ الذي كان سيحل بهم ﴿فِي الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ وهو انقضاء آجالهم
стр. 1278
﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً﴾ ولكنه تعالى تركهم لمحض إرادتهم واختيارهم؛ ليثيب الطائع، ويعاقب العاصي فإذا كان ربك يا محمد لم يشأ أن يؤمن الناس قسراً وجبراً ﴿أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ﴾ ليس عليك هداهم، وما عليك إلا البلاغ المبين
стр. 1279
﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ بأمره وإرادته وتوفيقه ﴿وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ﴾ العذاب ﴿عَلَى الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ﴾ لا يتدبرون آيات الله تعالى؛ فلا يؤمنون بها
стр. 1280
﴿قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ من الدلالات القاطعة بوجود صانعها وبارئها ومدبرها ﴿وَمَا تُغْنِي﴾ ما تنفع.
⦗٢٦١⦘ ﴿الآيَاتِ﴾ المبينة الواضحة ﴿وَالنُّذُرُ﴾ الرسل ﴿عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ﴾ لا يفتحون أعينهم للآيات، ولا أسماعهم للعظات
стр. 1281
﴿فَهَلْ يَنتَظِرُونَ﴾ بتكذيبك ومخالفتك ﴿إِلاَّ مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْاْ﴾ أي الذين مضوا من الأمم الذين كذبوا؛ فنزل بهم العذاب ﴿فَلاَ أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ غيره ﴿وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ﴾ يميتكم باستيفاء آجالكم في الدنيا
стр. 1282
﴿وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ﴾ أي استقم واتجه بكليتك ﴿لِلدِّينِ﴾ الذي أمرت باتباعه؛ ولا تلتفت إلى ما عداه ﴿حَنِيفاً﴾ مائلاً إلى الإسلام
стр. 1283
﴿وَلاَ تَدْعُ﴾ لا تعبد ﴿مِّن دُونِ اللَّهِ﴾ غيره ﴿مَا لاَ يَنفَعُكَ﴾ إن دعوته وعبدته ﴿وَلاَ يَضُرُّكَ﴾ إن كفرته وتركته ﴿فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِّنَ الظَّالِمِينَ﴾ الخطاب للرسول الكريم صلوات الله تعالى وسلامه عليه؛ والمراد به أمته؛ لأنه هو صاحب الدين الحنيف، الداعي إليه، الهادي له، وهو الآمر بالتوحيد، الحاث عليه، الناهي عن الشرك، المحطم له وفقنا الله تعالى إلى حسن اتباعه، وحشرنا في زمرته؛ بفضله ورحمته
стр. 1284
﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ﴾ مرض، وشدة ﴿فَلاَ كَاشِفَ لَهُ﴾ أي لا كاشف لهذا الضر ﴿إِلاَّ هُوَ﴾ وحده ﴿وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ﴾ عافية ويسر ﴿فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ يُصَيبُ بِهِ﴾ أي بالخير، أو بكل ما أراد من خير وشر ﴿مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ جزاء، أو ابتلاء
стр. 1285
﴿قُلْ يأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَآءَكُمُ الْحَقُّ﴾ القرآن - الذي هو حق كله - ﴿مِن رَّبِّكُمْ فَمَنُ اهْتَدَى﴾ به
⦗٢٦٢⦘ ﴿فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ لأن ثواب هدايته عائد إليها ﴿وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾ لأن إثم ضلاله واقع عليها ﴿وَمَآ أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾ فألزمكم بالإيمان، وأجبركم على الهدى.
стр. 1286
سورة هود
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 1287
﴿الر﴾ (انظر آية ﷺ من سورة البقرة) ﴿كِتَابٌ﴾ قرآن ﴿أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ بما احتوته من عجيب النظم، وبليغ اللفظ، وبديع المعاني؛ لا خلل فيها ولا خطل ﴿ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ بينت بالأحكام، والمواعظ، والوعد، والوعيد، والثواب والعقاب، والقصص ﴿مِن لَّدُنْ﴾ من عند ﴿حَكِيمٍ﴾ محكم للأمور ﴿خَبِيرٍ﴾ بكل ما كان وما يكون
стр. 1288
﴿إِنَّنِي لَكُمْ مِّنْهُ نَذِيرٌ﴾ بالعقاب ﴿وَبَشِيرٌ﴾ بالثواب
стр. 1289
﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ﴾ من الشرك والكبائر ﴿ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ﴾ من ذنوبكم. وقدم تعالى الأمر بالاستغفار: لأن المغفرة هي الغرض، والتوبة هي السبب المؤدي إلى المغفرة ﴿يُمَتِّعْكُمْ﴾ في الدنيا ﴿مَّتَاعاً حَسَناً﴾ بسعة الرزق، ورغد العيش؛ فإن لم يرزقهما التائب المستغفر رزق ما هو خير منهما: رزقه الله تعالى القناعة والرضا. قال الشافعي رضي الله تعالى عنه:
غنى بلا مال عن الناس كلهموليس الغنى إلا عن الشيء لا به
ورزقه الله تعالى أيضاً السرور والحبور؛ فتعالى الغني المغني، اللطيف الخبير وهذا المتاع الحسن ﴿إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ هو انقضاء الأجل، وتحقيق الأمل؛ وكمال السعادة، وتمام السيادة، وتوفية الأجر الذي وعد به الكريم، وتفضل به على عباده المؤمنين التائبين ﴿وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ أي جزاء فضله ﴿وَإِن تَوَلَّوْاْ﴾ تتولوا وتعرضوا.
стр. 1290
﴿أَلا إِنَّهُمْ﴾ وصف للمنافقين ﴿يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾ أي يطوون قلوبهم على عداوة المؤمنين وبغضهم. أو المراد: ينصرفون ويعرضون عن سماع الحق ﴿لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ﴾ أي من الله؛ ظناً منهم أنه تعالى لا يرى سرائرهم، أو ﴿لِيَسْتَخْفُواْ﴾ من الرسول ﴿أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ﴾ يتغطون بها؛ كراهة استماع كلام الله تعالى. وهذا كقول نوح ﵊ ﴿جَعَلُواْ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْاْ ثِيَابَهُمْ﴾ والله تعالى ﴿يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ بما حوته القلوب
стр. 1291
﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ﴾ الدابة: كل ما يدب على وجه الأرض؛ من إنسان وحيوان وطائر ﴿إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ تكفل به تعالى لكل ذي روح؛ فانظر - يا رعاك الله - كيف يرزق مولاك الطير في الهواء، والسمك في الماء، والدودة في الصخرة الصماء وانظر إلى رزقه للإنسان، رغم أنه دائب العصيان، دائم الكفران فإن الأسماك في البحار لتكاد تلقي بنفسها بين يديه؛ ليملأ بها شدقيه والطير يهجر أوطانه، ويترك أخدانه، وينتقل من بلد فيه نشأ، وفي أرضه درج؛ فيسبح في الهواء آلاف الأميال؛ ليلقي عصا الترحال، على مائدة بني الإنسان؛ وبعد ذلك فإن هذا الإنسان - بعد موته - يكون طعاماً لغيره مما خلق الله تعالى من الدواب التي تكفل برزقها، وضمن حياتها حتى تنتهي آجالها. فأي نظام هذا الذي وضعه العلي القدير، ونظمه الحكيم الخبير؟ هو بعد ذلك ﴿وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا﴾ أي مستقر كل دابة خلقها ﴿وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ والمستقر: موضع القرار؛ من مكان، أو مسكن في الأرض. والمستودع: مكانها في الصلب والرحم، أو مكانها في الأرض حين تدفن بعد موتها ﴿كُلِّ﴾ من الدواب، والرزق، والمستقر، والمستودع ﴿فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ بين وهو اللوح المحفوظ
стр. 1292
﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَق السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ وما فيهما ﴿لِيَبْلُوَكُمْ﴾
ليختبركم ﴿أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ فيجزي عليه الجزاء الأوفى ﴿وَلَئِن قُلْتَ إِنَّكُمْ مَّبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ الْمَوْتِ﴾ ومجزيون على أعمالكم ﴿لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَذَآ﴾ أي ما هذا القرآن المحتوي على ذكر البعث ﴿إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ بيِّن السحر واضحه. وقرأ حمزة وعلي ﴿سَاحِرٌ﴾ ويكون المراد به الرسول صلوات الله تعالى وسلامه عليه. والساحر: الكاذب المبطل
стр. 1293
﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ﴾ مدة من الزمن ﴿لَّيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ﴾ أي ما يمنع العذاب من النزول؟ ﴿أَلاَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ﴾ العذاب ﴿لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ﴾ أي لا يمنعه مانع، ولا يدفعه دافع ﴿وَحَاقَ﴾ نزل ﴿بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِؤونَ﴾ من العذاب ويقولون: «ما يحبسه»
стр. 1294
﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً﴾ نعمة وفضلاً ﴿ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ﴾ امتحاناً له ﴿إِنَّهُ لَيَئُوسٌ﴾ قنوط من رحمة الله تعالى ﴿كَفُورٌ﴾ به
стр. 1295
﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ
⦗٢٦٤⦘ نَعْمَآءَ﴾ غنى وسعة ﴿بَعْدَ ضَرَّآءَ﴾ فقر وشدة ﴿مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي﴾ أي انقطع الفقر والضيق ﴿إِنَّهُ﴾ عندئذ ﴿لَفَرِحٌ﴾ فرح بطر وكبر؛ لا فرح نعمة وشكر ﴿فَخُورٌ﴾ على الناس، متكبر عليهم، مستهين بهم
стр. 1296
﴿إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ﴾ على الضراء، وشكروا ربهم في سائر حالاتهم ﴿وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ﴾ في النعماء، ولم ينكروا أنعم الله تعالى عليهم، وفضله الواصل إليهم ولا يخفى أن أولى الأعمال الصالحة وأولاها: البذل والصدقة ﴿
стр. 1297
فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا﴾ وذلك لأنهم كانوا يتلقون الوحي - عند نزوله - بالطعن والاستهزاء؛ فنزلت هذه الآية لفتاً لأنظارهم؛ وليعلموا أنهم مهما سخروا، ومهما استهزؤا، فإن الله بالغ أمره، وإن رسوله مبلغ رسالته ﴿وَضَآئِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾ كراهة استهزائهم، وكراهة ﴿أَن يَقُولُواْ لَوْلاَ﴾ هلا ﴿أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَآءَ مَعَهُ مَلَكٌ﴾ يؤيده في رسالته؟ قال تعالى مخاطباً رسوله الكريم ﴿لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾ ﴿إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ ﴿لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُسَيْطِرٍ﴾ ﴿إِنَّمَآ أَنتَ نَذِيرٌ﴾ منذر لهم بما أعددته للكافرين، من عذاب أليم
стр. 1298
﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ اختلق القرآن ﴿قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ﴾ (انظر آية ٢٣ من سورة البقرة) ﴿مُفْتَرَيَاتٍ﴾ مختلقات ﴿وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُمْ﴾ لمعاونتكم ﴿مِّن دُونِ اللَّهِ﴾ غيره
стр. 1299
﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ﴾ أي لم يجبكم من استعنتم بهم للإتيان بمثل هذا القرآن؛ وبان لكم عجزكم جميعاً عن الإتيان بمثله ﴿فَاعْلَمُواْ أَنَّمَآ أُنزِلِ﴾ هذا القرآن ﴿بِعِلْمِ اللَّهِ﴾ وإرادته؛ لا باختلاق مختلق، ولا بافتراء مفتر ﴿وَأَن لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ﴾ بعد ظهور هذه الدلالات والحجج القاطعة
стр. 1300
﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ ويرغب في الحصول على المزيد من ملذاتها؛ ضارباً صفحاً عن الآخرة وما يوصل إليها من الإيمان وصالح الأعمال؛ فأولئك ﴿نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا﴾ أي نجزهم في الدنيا على ما عملوه فيها من عمل صالح: كبر الوالدين، وحسن المعاملة، وأمثال ذلك ﴿وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ﴾ لا ينقصون شيئاً مما عملوه؛ فيجزون بمزيد من المال والصحة
следующие страницы →