← Тафсир

Тафсир · id 36432

أوضح التفاسير

محمد عبد اللطيف الخطيب

Полный текст (5 331 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

﴿وَانْتَظِرُواْ﴾ عاقبة أمركم، وما سيحل بكم

стр. 1402

﴿وَللَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ لا تخفى عليه خافية فيهما ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ﴾ أمرك وأمرهم؛ فيأخذ لك منهم، ويثبتك ويعاقبهم ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ جعل الله تعالى التوكل عليه قرين عبادته والإيمان به (انظر آية ٨١ من سورة النساء).

стр. 1403

سورة يوسف بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 1404

﴿الر﴾ (انظر آية ١ من سورة البقرة).

стр. 1405

﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ أوثقه وأصدقه ﴿وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ﴾ أي قبل نزول القرآن عليك ﴿لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ عن هذا القصص وعن هذا الهدي وقد شرع تعالى في ذكر بعض هذا القصص؛ قال تعالى

стр. 1406

﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لأَبِيهِ﴾ يعقوب ﴿يأَبتِ إِنِّي رَأَيْتُ﴾ في المنام ﴿أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ فعلم يعقوب أن لابنه يوسف شأناً كبيراً

стр. 1407

﴿قَالَ﴾ له ﴿يبُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ﴾ هذه ﴿عَلَى إِخْوَتِكَ﴾ فتدركهم الغيرة منك، والحقد عليك، والحسد لك ﴿فَيَكِيدُواْ لَكَ﴾ بالدس والوقيعة والإذاية ﴿كَيْداً﴾ كبيراً ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ بين العداوة لسائر بني الإنسان؛ فلا يفتأ يوقع العداوة بين الخلان، والبغضاء بين الإخوان

стр. 1408

﴿وَكَذلِكَ﴾ كما أكرمك ربك وأعزك بهذه الرؤيا المحققة ﴿يَجْتَبِيكَ﴾ يختارك ويصطفيك ﴿وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ﴾ أحاديث الأمم الغابرة، والكتب السابقة، واستنباط الحقيقة، وتحري أدلة التوحيد؛ وهذا جميعه من إرهاصات النبوة ومقدماتها. وقيل: «تأويل الأحاديث» تعبير الرؤيا ﴿وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ بالنبوة؛ وجميع ذلك من تأويل رؤيته التي رآها ﴿وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ﴾ أولاده ﴿كَمَآ أَتَمَّهَآ عَلَى أَبَوَيْكَ﴾ جديك؛ لأن إبراهيم: أبو إسحاق، وإسحاق: أبو يعقوب والد يوسف عليهم الصلاة والسلام. وإتمام النعمة المقصود في هذه الآية: هو النبوة

стр. 1409

﴿لَّقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ﴾ عظات ﴿لِّلسَّائِلِينَ﴾ الذين يتحرون ما في القصص من عبر، وما في السير من عظات. هذا وفي قصص القرآن الكريم ما فيه من بليغ الحكم، وروائع السير، ولفت الأنظار إلى ما فيه الاعتبار والاستبصار وفي قصة يوسف ﵇ وما كان من شأنه وشأن إخوته - آيات للمتوسمين

стр. 1410

﴿إِذْ قَالُواْ﴾ أي قال بعض إخوة يوسف للبعض الآخر ﴿لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ﴾ الشقيق بنيامين ﴿أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ جماعة قوية ﴿إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ﴾ خطإ

стр. 1411

﴿اقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً﴾ بعيدة. قالوا ذلك القول حين رأوا استئثار أخويهما بحب أبيهما، وتفضيله لهما عليهم جميعاً؛ في حين أنهم يرون أنفسهم أجدر بذلك الحب، وأولى بهذا التفضيل؛ لأنهم الرجال الأشداء الأقوياء ووجه العظة: أنه يجب على الآباء عدم إيثار بعض الأبناء على بعض في الحب والقرب؛ ففي ذاك إيغار الصدور، وإشاعة البغضاء: وداعية لوقوع بني الإنسان، بين براثن الشيطان. ⦗٢٨١⦘ ﴿يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ﴾ بأن يقبل عليكم، ولا يلتفت إلى غيركم

стр. 1412

﴿قَالَ قَآئِلٌ مِّنْهُمْ لاَ تَقْتُلُواْ يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ﴾ قعر البئر الخرب؛ الذي حفر ولم يبن بعد ﴿يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ﴾ السائرين

стр. 1413

﴿قَالُواْ يَأَبَانَا مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ﴾ ذهب بعض القراء إلى أن لفظ ﴿تَأْمَنَّا﴾ يجب فيه الإشمام. والإشمام هذا - كما يزعمون - هو أن يشير الإنسان بشفتيه كأنه ينطق بضمة بحيث لا يظهر أثر ذلك في النطق وهو قول هراء لا يجب التعويل عليه بحال؛ انظر - إن شئت المزيد - كتابنا «الفرقان» ﴿وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ﴾ أي قائمون بمصالحه

стр. 1414

﴿قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَن تَذْهَبُواْ بِهِ﴾ لأني لا أطيق فراقه. وقد زاد ذلك من حنقهم على يوسف، وأسرّوها في أنفسهم ﴿وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ﴾ وقد لقنهم بذلك الحجة التي يحتجون بها من حيث لا يشعر

стр. 1415

﴿قَالُواْ لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ جماعة قوية ﴿إِنَّآ إِذَاً لَّخَاسِرُونَ﴾ لأن الذئب إذا قدر على أكل أحدنا من بيننا؛ فهو على أكل مواشينا وأغنامنا أقدر. فأذن لهم بأخذ يوسف

стр. 1416

﴿فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ وَأَجْمَعُواْ﴾ عزموا أمرهم على ما اتفقوا عليه وو ﴿أَن يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ﴾ أي أوحينا إلى يوسف - بعد أن ألقوه في الجب - وحي إلهام. وقيل: نزل إليه جبريل ﵇ قائلاً له ﴿لَتُنَبِّئَنَّهُمْ﴾ لتخبرنهم في مستقبل الأيام ﴿بِأَمْرِهِمْ هَذَا﴾ الذي صنعوه معك

стр. 1417

﴿وَجَآءُوا أَبَاهُمْ عِشَآءً يَبْكُونَ﴾ يتباكون

стр. 1418

﴿قَالُواْ يَأَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ﴾ نتسابق في الجري أو الرمي ﴿وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَاعِنَا﴾ ثيابنا وطعامنا ﴿فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا﴾ بمصدق لمقالتنا

стр. 1419

﴿وَجَآءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ أي مكذوب؛ ليس بدم يوسف كما زعموا ⦗٢٨٢⦘ ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ﴾ زينت وسهلت ﴿لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً﴾ سيئاً اقترفتموه ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ على فراق يوسف والصبر الجميل: ما لا شكوى فيه إلى الخلق ﴿وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ﴾ المطلوب منه العون ﴿عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ ما تذكرون من أمر يوسف

стр. 1420

﴿وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ﴾ رفقة سائرون ﴿فَأَرْسَلُواْ وَارِدَهُمْ﴾ الذي يبحث لهم عن الماء، ويرده ليستقي لهم ويدلهم عليه. فوجد الجب ﴿فَأَدْلَى دَلْوَهُ﴾ فيه؛ فتعلق يوسف في الدلو ﴿قَالَ﴾ الوارد لما رأى يوسف في الدلو ﴿يبُشْرَى هَذَا غُلاَمٌ﴾ وذهب به إلى صحبه؛ ففرحوا به ﴿وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً﴾ أي أخفوه في متاعهم ليتاجروا فيه كالبضاعة

стр. 1421

﴿وَشَرَوْهُ﴾ أي باعوه. يقال: شراه يشريه: إذا ملكه، أو باعه، كاشتراه ﴿بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ قليل حقير

стр. 1422

﴿وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لاِمْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ﴾ أي أكرمي مقامه عندنا ﴿وَكَذلِكَ﴾ إشارة إلى إنجاء يوسف، وعطف قلب الذي اشتراه عليه ﴿مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ﴾ جعلنا له مكانة فيها، وسلطاناً عليها ﴿وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ﴾ تصديقاً لقول أبيه يعقوب: ﴿وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ﴾ ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾ أي على أمر نفسه؛ لا يعجزه شيء أراده؛ وإنما يقول له: كن؛ فيكون ويحتمل أن يعود الضمير إلى يوسف ﵇؛ أي والله غالب على أمر يوسف؛ يحوطه بعنايته وكلاءته وحفظه ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ ذلك

стр. 1423

﴿وَلَمَّا بَلَغَ﴾ يوسف ﴿أَشُدَّهُ﴾ كمال قوته وشدته؛ وهو من ثماني عشرة إلى ثلاثين، وهو أيضاً بلوغ الحلم. أو هو إلى الأربعين: حيث تكون النبوة؛ بدليل قوله تعالى: ﴿حُكْماً وَعِلْماً﴾ حكمة ﴿وَعِلْماً﴾ فقهاً في الدين ﴿وَكَذلِكَ﴾ مثل ما آتينا يوسف من الحكمة والعلم ﴿نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ الذين يحسنون أعمالهم كما أحسن يوسف، ويعفون أنفسهم كما أعف

стр. 1424

﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا﴾ امرأة العزيز: والمراودة: الإرادة برفق ولين ﴿وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ﴾ عليه معها ﴿وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾ أي هلم؛ فلما رأى منها ما رأى ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ﴾ أن أخون من أكرمني وآواني ﴿إِنَّهُ رَبِّي﴾ أي سيدي ومالكي، والمقصود به عزيز مصر، أو أراد به الله تعالى ﴿أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ أحسن إقامتي؛ فلا أخونه في أهله، وإذا كان المراد به الله تعالى: كان معنى «أحسن مثواي» أي أحسن إقامتي في هذه الدنيا؛ إذ أنجاني من الهلاك المحقق، وأكرمني بحب مخلوقاته لي وعطفهم عليَّ؛ فلا أعصيه بأقبح ما يعصى به

стр. 1425

﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ﴾ همت بإمساكه وضمه المراد بهمه ﵇: ميل الطبع البشري، ومنازعة الشهوة الفطرية؛ لا القصد الاختياري. وهذا الهم مما يصح أن يكتب له به حسنة، لا أن تحسب عليه سيئة. وقد جاء في الحديث القدسي عن رب العزة: «إذا هم عبدي بسيئة فلم يعملها كتبت له حسنة» وقد تخبط كثير من المفسرين في تأويل هذا بما يتنافى وعصمة لأنبياء عليهم الصلاة والسلام ﴿لَوْلا أَن رَّأَى﴾ وبرهان ربه: عصمته من الوقوع فيما يقع فيه عامة البشر. ولما كان البرهان: هو الدليل؛ كان برهان الله تعالى: دليل وجوده وقدرته؛ فأثبت الله تعالى قدرته بمنعه، وأثبت وجوده بالحيلولة بينه وبين الوقوع في الخطيئة أرانا الله تعالى برهانه، وعصمنا بقدرته، وحال بيننا وبين معصيته، وهدانا برحمته ﴿كَذلِكَ﴾ أي أريناه برهان وجودنا ﴿لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَآءَ﴾ الخيانة والزنا

стр. 1426

﴿وَاسُتَبَقَا الْبَابَ﴾ جرى يوسف منها، وجرت وراءه لتمسكه؛ فأدركت ثيابه ﴿وَقَدَّتْ﴾ شقت ﴿قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ﴾ من خلف ﴿وَأَلْفَيَا﴾ وجدا ﴿سَيِّدَهَا﴾ زوجها ﴿لَدَى الْبَابِ﴾ عند الباب؛ حينما أراد أن يفتحه هرباً منها. فلما رأت زوجها أسقط في يدها، وحاولت الدفاع عن نفسها أمامه ﴿قَالَتْ مَا جَزَآءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلاَّ أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ «ما» نافية؛ أي ليس له إلا أن يسجن. فلما رأى يوسف ما أحاطته به الآثمة من إثم؛ شرع في الدفاع المشروع عن نفسه

стр. 1427

﴿قَالَ﴾ إنني لم أراودها؛ بل ﴿هِيَ﴾ التي ﴿رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَآ﴾ قيل: تكلم صبي من أهلها؛ وكان في المهد، وقيل: هو ابن عم لها؛ كان وزيراً للملك، ومستشاراً له؛ قال: ﴿إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ﴾ شق ﴿مِن قَبْلُ﴾ من أمام ﴿فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الكَاذِبِينَ﴾ من خلف

стр. 1428

﴿فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ﴾ وهو مما يؤكد كذبها وصدقه: التفت إليها و ﴿قَالَ﴾ لها ﴿إِنَّهُ﴾ أي الذي حصل من المراودة، واتهام البريء ﴿مِن كَيْدِكُنَّ﴾ أيها النساء ﴿إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ ثم التفت إلى يوسف، وقال له

стр. 1429

﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ الأمر الذي حدث فلا تذكره لأحد. ثم التفت إلى امرأته قائلاً ﴿وَاسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ﴾ وبذلك وضح أنه استقر في ذهن العزيز - بعد أن رأى بنفسه ما رأى، وسمع ما سمع - براءة يوسف وخطيئة امرأته. وكان أقل ما يجب عليه وقتذاك: أن يحول بين لقائها به، ورؤيتها له: لكنه لم يفعل؛ ليتم الله تعالى ما أراده بيوسف، وما أراده له؛ فسارت بذكر قصته مع امرأة العزيز الركبان، وتناقلوا حديثهما في كل مكان

стр. 1430

﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ﴾ يا للذل والعار ﴿امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا﴾ خادمها ومملوكها ﴿عَن نَّفْسِهِ﴾ لتنال غرضها منه ﴿قَدْ شَغَفَهَا ⦗٢٨٤⦘ حُبّاً﴾ أي مس حبه شغاف قلبها. وشغاف القلب: غلافه، أو حجابه، أو حبته، أو سويداؤه بقولهن؛ وسمي حديثهن مكراً: لأنه تم في خفية؛ كما يخفي الماكر مكره

стр. 1431

﴿أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ﴾ تدعوهن لمجلسها ﴿وَأَعْتَدَتْ﴾ أعدت ﴿لَهُنَّ مُتَّكَئاً﴾ مجلساً للطعام؛ أعدت فيه ما يتكأ عليه من الوسائد والنمارق، أو أعدت لهن فاكهة يتكأ عليها عند قطعها؛ كالأترج مثلاً ﴿وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّيناً وَقَالَتِ﴾ ليوسف ﴿اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ﴾ فخرج ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ﴾ أعظمنه. وقيل: أكبرن: أي حضن، والهاء للسكت؛ وهو تأويل ليس بشيء ﴿وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ من شدة ذهولهن مما رأينه من جمال يوسف ﵇ وصباحة وجهه؛ لم يشعرن بالسكاكين وقد جرحت أيديهن ﴿وَقُلْنَ حَاشَ للَّهِ﴾ تنزيهاً لله؛ وهو لفظ خاص به تعالى: فلا يقال: حاش لك، بل حاشاك، وحاشا لك ﴿مَا هَذَا بَشَراً﴾ كسائر البشر ﴿إِنْ هَذَآ﴾ ما هذا ﴿إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ وصفنه بالملكية؛ لأنه من المعلوم ألا شيء أجمل من الملك، ولا شيء أقبح من الشيطان

стр. 1432

﴿قَالَتْ فَذلِكُنَّ﴾ أي فهذا هو ﴿الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ﴾ من الإرادة؛ أي طلبته بنفسي لنفسي ﴿فَاسَتَعْصَمَ﴾ امتنع، وتحصن بالعصمة، ومنع نفسه من أن أناله ﴿وَلَيَكُوناً مِّن الصَّاغِرِينَ﴾ الذليلين. ووجه العظة مما مضى من هذه القصة: أنه لا يجوز لعاقل أن يضم في بيته شاباً ممتلئاً قوة وفتوة وجمالاً؛ ويدعه مع امرأته تجتاحها عواصف الشهوة، وتهتاجها أعاصير الخطيئة، ويدع للشيطان بينهما مجالاً وأي مجال، بل الواجب أن يلتزم حدود الدين الحنيف، وأوامر الخالق جل شأنه ﴿قُلْ لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ ذلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ (انظر مبحث التبرج والسفور بآخر الكتاب)

стр. 1433

﴿وَإِلاَّ تَصْرِفْ﴾ وإن لم تصرف ﴿عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ﴾ أمل ﴿إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ﴾ المذنبين

стр. 1434

﴿فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ﴾ أجاب دعوته، وصرف عنه كيدهن ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ﴾ لمن يدعوه ﴿الْعَلِيمُ﴾ بحال خلقه

стр. 1435

﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ الآيَاتِ﴾ الدالة على براءته مما نسب إليه، وألصق به ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾ أي إلى أن ينقطع كلام الناس وينسون ما حصل بينه وبين امرأة العزيز؛ وأدخل يوسف السجن، مع من أدخل من العصاة والمجرمين

стр. 1436

﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانَ قَالَ أَحَدُهُمَآ﴾ بعد فترة من الزمن قضوها في السجن ﴿إِنِّي أَرَانِي﴾ أي أرى نفسي في المنام ﴿أَعْصِرُ خَمْراً﴾ أي أعصر عنباً، فيصير خمراً

стр. 1437

﴿قَالَ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ﴾ في منامكما كالعنب والخبز الذي رأيتماه ﴿إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا﴾ أخبرتكما ﴿بِتَأْوِيلِهِ﴾ بما يؤول إليه رؤية ذلك. ﴿قَبْلَ أَن يَأْتِيكُمَا﴾ تأويله. وقد يكون المعنى: «ترزقانه» أي تطعمانه «إلا نبأتكما بتأويله» أي بما يؤول إليه ذلك الطعام من عناصر وأخلاط. وأن يكون يوسف ﵇ قد منحه الله تعالى - من جملة ما منحه - علم خواص الأغذية ﴿ذلِكُمَا﴾ العلم الذي ذكرته ﴿مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾ وأفاضه عليَّ ﴿إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ لا يؤمنون بالبعث. قال تعالى: ﴿وَاتَّقُواْ اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ قيل: إن يوسف ﵇ علم مكروه الإجابة على أحدهما؛ فحاول أن يتكلم في موضوع آخر ليصرفهما عما طلباه من تأويل رؤياهما فلم يدعاه بل ألحا عليه؛ فعدل أيضاً عن إجابتهما قائلاً

стр. 1438

﴿يصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَّفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ *

стр. 1439

مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَآءً سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُمْ مَّآ أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ فلم يدعاه حتى يعبر لهما ما رأياه؛ فلم يستطع مخالفتهما. وقد تدرج ﵇ في دعوتهم وإلزامهم الحجة؛ بأن بين لهم أولاً رجحان التوحيد على اتخاذ الآلهة المتعددة، ثم برهن على أن ما يسمونها آلهة ويعبدونها: لا تستحق الألوهية والعبادة، ثم نص على ما هو الحق القويم، والدين المستقيم؛ الذي لا يقبل العقل غيره، ولا يرتضي العلم سواه؛ ثم شرع في إجابتهما؛ فقال

стр. 1440

﴿يصَاحِبَيِ السِّجْنِ﴾ أي يا صاحبي في السجن ﴿أَمَّآ أَحَدُكُمَا﴾ الذي رأى في منامه أنه يعصر خمراً ﴿فَيَسْقِي رَبَّهُ﴾ أي سيده ﴿خَمْراً﴾ في اليقظة؛ أي سيكون من خاصته الذين أعدهم لسقياه ⦗٢٨٦⦘ ﴿وَأَمَّا الآخَرُ﴾ الذي رأى في منامه أنه يحمل فوق رأسه خبزاً تأكل الطير منه ﴿فَيُصْلَبُ﴾ في اليقظة ﴿فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِ﴾ وكأنه ﵇ قد تألم من ذكر ما يؤلم؛ فقال آسفاً ﴿قُضِيَ الأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾ والذي حاولت جاهداً أن أستقيل من الإجابة عليه، فلم تمكناني.
следующие страницы →