Полный текст (5 331 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.
стр. 1436
﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانَ قَالَ أَحَدُهُمَآ﴾ بعد فترة من الزمن قضوها في السجن ﴿إِنِّي أَرَانِي﴾ أي أرى نفسي في المنام
﴿أَعْصِرُ خَمْراً﴾ أي أعصر عنباً، فيصير خمراً
стр. 1437
﴿قَالَ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ﴾ في منامكما كالعنب والخبز الذي رأيتماه ﴿إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا﴾ أخبرتكما ﴿بِتَأْوِيلِهِ﴾ بما يؤول إليه رؤية ذلك. ﴿قَبْلَ أَن يَأْتِيكُمَا﴾ تأويله. وقد يكون المعنى: «ترزقانه» أي تطعمانه «إلا نبأتكما بتأويله» أي بما يؤول إليه ذلك الطعام من عناصر وأخلاط. وأن يكون يوسف ﵇ قد منحه الله تعالى - من جملة ما منحه - علم خواص الأغذية ﴿ذلِكُمَا﴾ العلم الذي ذكرته ﴿مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾ وأفاضه عليَّ ﴿إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ لا يؤمنون بالبعث. قال تعالى: ﴿وَاتَّقُواْ اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ قيل: إن يوسف ﵇ علم مكروه الإجابة على أحدهما؛ فحاول أن يتكلم في موضوع آخر ليصرفهما عما طلباه من تأويل رؤياهما فلم يدعاه بل ألحا عليه؛ فعدل أيضاً عن إجابتهما قائلاً
стр. 1438
﴿يصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَّفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ *
стр. 1439
مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَآءً سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُمْ مَّآ أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ فلم يدعاه حتى يعبر لهما ما رأياه؛ فلم يستطع مخالفتهما.
وقد تدرج ﵇ في دعوتهم وإلزامهم الحجة؛ بأن بين لهم أولاً رجحان التوحيد على اتخاذ الآلهة المتعددة، ثم برهن على أن ما يسمونها آلهة ويعبدونها: لا تستحق الألوهية والعبادة، ثم نص على ما هو الحق القويم، والدين المستقيم؛ الذي لا يقبل العقل غيره، ولا يرتضي العلم سواه؛ ثم شرع في إجابتهما؛ فقال
стр. 1440
﴿يصَاحِبَيِ السِّجْنِ﴾ أي يا صاحبي في السجن ﴿أَمَّآ أَحَدُكُمَا﴾ الذي رأى في منامه أنه يعصر خمراً ﴿فَيَسْقِي رَبَّهُ﴾ أي سيده ﴿خَمْراً﴾ في اليقظة؛ أي سيكون من خاصته الذين أعدهم لسقياه
⦗٢٨٦⦘ ﴿وَأَمَّا الآخَرُ﴾ الذي رأى في منامه أنه يحمل فوق رأسه خبزاً تأكل الطير منه ﴿فَيُصْلَبُ﴾ في اليقظة ﴿فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِ﴾ وكأنه ﵇ قد تألم من ذكر ما يؤلم؛ فقال آسفاً ﴿قُضِيَ الأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾ والذي حاولت جاهداً أن أستقيل من الإجابة عليه، فلم تمكناني.
стр. 1441
﴿وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ﴾ تأكد ﴿أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا﴾ وهو الساقي؛ قال له: ﴿اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ﴾ أي اذكرني عند سيدك الملك حين تلقاه ﴿فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ أي أنسى الشيطان يوسف من أن يطلب من ربه الخلاص من السجن؛ ولجأ - ناسياً - إلى العبد العاجز الفاني؛ فكان جزاءه أن لبث ﴿فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ البضع: بين الثلاث إلى التسع
стр. 1442
﴿وَقَالَ الْمَلِكُ﴾ لجلسائه ﴿إِنِّي أَرَى﴾ أي رأيت في المنام ﴿سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ﴾ أي مهازيل
стр. 1443
﴿قَالُواْ أَضْغَاثُ﴾ أي تخليط في الرؤيا؛ وهو ما لا تأويل له؛ لصدوره عن فساد المعدة وأبخرة الطعام
стр. 1444
﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا﴾ وهو الساقي: تذكر يوسف وتأويله للرؤيا ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ أي تذكر بعد مدة طويلة قول يوسف له: «اذكرني عند ربك» وقرأ ابن عباس «وادكر بعد أمه» والأمه: النسيان ﴿أَنَاْ أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ﴾ أي أدلكم على من يؤول هذا المنام لكم ﴿فَأَرْسِلُونِ﴾ أي أرسلوني إلى السجن لأحضره لكم. فأرسلوه فقال ليوسف
стр. 1445
﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ﴾ الكثير الصدق، الدائم عليه ﴿لَّعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ﴾ فأخبرهم بما تذكره من تأويل هذه الرؤيا ﴿لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ما ينفعهم من تأويلها، أو لعلهم يعلمون فضلك وعلمك؛ فيخرجونك مما أنت فيه من الضيق
стр. 1446
﴿قَالَ﴾ تأويل ذلك: أنكم ﴿تَزْرَعُونَ سَبْعُ سِنِينَ دَأَباً﴾ أي دائبين متوالين ﴿فَمَا حَصَدتُّمْ﴾ قطعتم من الأرض ﴿فَذَرُوهُ﴾ اتركوه ﴿فِي سُنبُلِهِ﴾ بغير دراس؛ ليحفظ ولا يتطرق إليه التلف. وبذلك يعلمنا الله تعالى في هذه القصة: الطريقة المثلى لتخزين الحبوب والمحاصيل لحفظها؛ إذ أن تركها بغير نزع سنابلها: أحفظ لها من التلف والفساد؛ وذلك بعكس منزوعة السنابل التي قد يدب فيها الفساد في عام واحد أو عامين
⦗٢٨٧⦘ ﴿إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ﴾ أي إلا ما تحتاجون لأكله فادرسوه وانزعوه من سنابله
стр. 1447
﴿سَبْعٌ شِدَادٌ﴾ أي سبع سنين تقحطون فيها؛ فلا تخرج الأرض نباتاً ﴿يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ﴾ أي ما خزنتموه في السنين السبع التي زرعتموها دأباً ﴿تُحْصِنُونَ﴾ تدخرونه لتزرعوا؛ لأن في استبقاء البذر: تحصين للأقوات؛ وإلا إذا أكلنا الجميع فماذا نزرع؟
стр. 1448
﴿فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ أي ينزل لهم الغيث، ويرزقون ما يعصر من الثمار؛ كالعنب، والزيتون، وغيرهما. وقيل: «يعصرون» ينجون؛ من العصرة: وهي المنجاة. ومنه العصر: وهو الملجأ
стр. 1449
﴿قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ﴾ أي أرسل إليهن الملك، وقال لهن: ما شأنكن ﴿إِذْ رَاوَدتُنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ﴾ هل وجدتن منه ميلاً إليكن؛ كالميل الذي بدا منكن إليه؟ ﴿قُلْنَ حَاشَ للَّهِ﴾ تعجباً من خلق إنسان كامل عفيف مثله ﴿مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ﴾ قط ﴿قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ﴾ التي كان يوسف في بيتها، وراودته عن نفسه، واتهمته بإرادة السوء بها؛ لما رأت قول النسوة: ﴿حَاشَ للَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ﴾ جاشت في صدرها عوامل الحب الدفين، مع الإكبار، ورغبت في الصدق الصراح؛ بعد أن ناءت بحمل الكذب المبين، طوال هذه السنين قالت: ﴿الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾ وضح وظهر ﴿أَنَاْ رَاوَدْتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ في دفاعه عن نفسه
стр. 1450
﴿ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾ أي لم أخن يوسف في غيبته، بعد أن خنته في حضوره؛ حين جابهته بقولي لزوجي «ما جزاء من أراد بأهلك سوءاً» ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾ لا يسدد عملهم
стр. 1451
﴿وَمَآ أُبَرِّىءُ نَفْسِي﴾ فأقول: إني لم أراوده ﴿إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾
الذي أراه: أن جميع ذلك تتمة لكلام امرأة العزيز؛ لأن يوسف لم يأت بعد من السجن؛ ولقول الملك بعد ذلك «ائتوني به أستخلصه لنفسي» وقد ذهب أكثر المفسرين إلى أنه من كلام يوسف ﵇؛ وزينوا ذلك بأقاويل تتنافى مع عصمة الأنبياء ﵈؛ منها: أنه حين قال: «ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب» همس جبريل في أذنه قائلاً: ولا حين حللت تكة سراويلك وهممت بها؛ فقال: «وما أبرىء نفسي» وهو قول ظاهر القبح، بادي البطلان ومن عجب أن أمهات كتب التفسير تذكر هذا القول وأمثاله، وتنسبه إلى فضلاء الصحابة، وجلة التابعين؛ وهم براء من هذا الهراء وذهب بعضهم إلى أنه من كلام العزيز: أي لم أتحامل عليه وأخنه في غيبته؛ بل جازيته على أمانته، وملكته رقاب الناس وأموالهم
стр. 1452
﴿وَقَالَ الْمَلِكُ﴾ حين وضح له علم يوسف، ورسوخ قدمه وفضله، وبراءته مما نسب إليه ﴿ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾ أي أجعله من خلصائي وأصفيائي ﴿فَلَمَّآ﴾
⦗٢٨٨⦘ جاءوا بيوسف من السجن، و ﴿كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مِكِينٌ أَمِينٌ﴾ ذو مكانة تؤتمن على كل شيء
стр. 1453
﴿قَالَ﴾ يوسف ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ﴾ أي وزيراً للمالية، أو وزيراً للتموين ﴿إِنِّي حَفِيظٌ﴾ ذو محافظة على الأموال ﴿عَلِيمٌ﴾ بإدارتها وتنميتها. وقيل: «حفيظ عليم» أي كاتب حاسب
стр. 1454
﴿وَكَذلِكَ﴾ كما أنعمنا عليه بالعلم، والصدق، والنبوة، والنجاة من السجن، والخلاص من كيد الشيطان، والقرب إلى قلب الملك؛ مثل هذا الإنعام والتفضل ﴿مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ﴾ جعلنا له مكانة فيها، وقدرة عليها. قيل: استخلفه الملك على مصر؛ فسار موكبه في طرقاتها؛ فرأته امرأة العزيز؛ فبكت وقالت: الحمدلله الذي صير الملوك عبيداً بالمعصية، والعبيد ملوكاً بالطاعة وقال بعضهم: إنه تزوجها بعد ذلك. والقول الراجح: إنه لم يتزوجها، بل تزوج راعيل زوجة اطفير، وولدت له غلامان ﴿يَتَبَوَّأُ﴾ ينزل ويسكن ﴿مِنْهَا حَيْثُ يَشَآءُ﴾ فقد ملك أموالها وأقواتها؛ واحتاج كل من فيها إليه، وليست به حاجة إلى أحد
﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا﴾ بعطائنا وأنعمنا في الدنيا ﴿مَّن نَّشَآءُ﴾ من عبادنا ﴿وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ فيها؛ بل ترزقهم منها جزاء إحسانهم
стр. 1455
﴿وَلأَجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ﴾ من أجر الدنيا وجزائها ﴿لِّلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ بربهم ﴿وَكَانُواْ يَتَّقُونَ﴾ الله في أعمالهم
стр. 1456
﴿وَجَآءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ﴾ عدا بنيامين أخاه الشقيق؛ وهم الذين تآمروا على يوسف، وألقوه في غيابة الجب؛ جاءوا - كما جاء غيرهم - ليأخذوا حاجتهم من القوت الذي حفظه يوسف في خزائنه، لسني القحط - تأويلاً لرؤيا الملك - ﴿فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ﴾ أي لم يعرفوه
стр. 1457
﴿وَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ﴾ أعطاهم حاجتهم من الأقوات التي جاءوا من أجلها؛ قيل: أعطى كل واحد منهم حمل بعير. وقد كان هاجه الشوق إلى أخيه؛ وأراد أن يحتال على مجيئه ﴿قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَّكُمْ مِّنْ أَبِيكُمْ﴾ لأعطيه مثل ما أعطيتكم
﴿أَلاَ تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَاْ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾ المضيفين، المكرمين
стр. 1458
﴿فَإِن لَّمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلاَ كَيْلَ لَكُمْ عِندِي﴾ أي فلا أعطيكم طعاماً بعد ذلك
стр. 1459
﴿قَالُواْ سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ﴾ سنتحايل عليه في الإتيان به إليك
стр. 1460
﴿وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ﴾ لغلمانه ﴿اجْعَلُواْ بِضَاعَتَهُمْ﴾ التي جاءوا بها ثمناً للطعام؛ دسوها ﴿فِي رِحَالِهِمْ﴾ خفية من حيث لا يشعرون ﴿لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَآ إِذَا انْقَلَبُواْ﴾ رجعوا ﴿إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ إلينا بها وبأخيهم؛ قيل: كان محرماً في شريعتهم أخذ شيء من غير ثمن له، أو «لعلهم يرجعون» لأخذ حمل بعير لأخيهم كما أخذوا
стр. 1461
﴿فَلَمَّا رَجِعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُواْ يأَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ﴾ لمن لم يحضر معنا ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَآ أَخَانَا﴾ بنيامين ﴿نَكْتَلْ﴾ له؛ كما اكتلنا لأنفسنا، وقرىء «يكتل»
стр. 1462
﴿قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاَّ كَمَآ أَمِنتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ﴾ يوسف ﴿مِن قَبْلُ﴾ ففجعتموني فيه ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ يرحم ضعفي وذلتي، وحسرتي على مهجتي؛ فيحفظ لي ولدي، ويرده إليَّ
стр. 1463
﴿وَلَمَّا فَتَحُواْ مَتَاعَهُمْ وَجَدُواْ بِضَاعَتَهُمْ﴾ التي أمر يوسف بدسها في رحالهم ﴿رُدَّتْ إِلَيْهِمْ﴾ فعجبوا من ذلك، و ﴿قَالُواْ يأَبَانَا مَا نَبْغِي﴾ أي أي شيء نطلب بعد ذلك؟ ﴿هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا﴾ تفضلاً وكرماً. أو «ما» نافية؛ أي لا نبغي شيئاً منك؛ بل تكفينا بضاعتنا هذه التي ردت إلينا ﴿وَنَمِيرُ أَهْلَنَا﴾ من الميرة؛ أي نجلب لهم الطعام ﴿وَنَحْفَظُ أَخَانَا﴾ في رحلتنا هذه ﴿وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾
أي حمل بعير لأخينا بنيامين ﴿ذلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾ على الملك؛ لا يبخل به علينا؛ وقد رأينا من كرمه وسخائه ما رأينا
стр. 1464
﴿قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقاً مِّنَ اللَّهِ﴾ عهداً وقسماً ﴿لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ﴾ أي إلا أن يحيط بكم العدو، ويصير ليس في إمكانكم النجاة به ﴿فَلَمَّآ آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ﴾ حلفوا له على ذلك ﴿قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ رقيب مطلع
стр. 1465
﴿وَقَالَ﴾ موصياً لهم ﴿يبَنِيَّ لاَ تَدْخُلُواْ﴾ المدينة ﴿مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُواْ مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ﴾ قيل: كانت وصية يعقوب: خشية من العين. والذي أراه أنه خشي أن يصيبهم مكروه مجتمعين؛ فيحل بهم جميعاً. وقيل: خشية أن يراهم الملك مجتمعين ويرى عددهم، واستواء أجسامهم، وقوتهم، فيبطش بهم: حسداً لهم، أو خوفاً منهم ﴿وَمَآ أُغْنِي عَنكُمْ مِّنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ لا أدفع عنكم شيئاً أراده الله تعالى بكم.
стр. 1466
﴿وَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ﴾ ضمه إليه، وأجلسه بجواره، و ﴿قَالَ﴾ له ﴿إِنِّي أَنَاْ أَخُوكَ فَلاَ تَبْتَئِسْ﴾ فلا تحزن ﴿بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ أي بما عمل إخوتك معنا
стр. 1467
﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ﴾ هي ما يسقى به؛ وكانت من ذهب ﴿فِي رَحْلِ أَخِيهِ﴾ بنيامين ﴿ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ﴾ نادى مناد ﴿أَيَّتُهَا الْعِيرُ﴾ العير: الإبل. أي يا أهل هذه القافلة، يا أصحاب هذه الإبل ﴿إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ فدهش إخوة يوسف من توجيه هذه التهمة لهم على رؤوس الأشهاد؛ وهم منها براء قد ﴿ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ أي على المنادين بالسرقة؛ متسائلين
стр. 1468
﴿مَّاذَا تَفْقِدُونَ﴾ وما الذي سرق منكم؟
стр. 1469
﴿قَالُواْ نَفْقِدُ صُوَاعَ﴾ صاع ﴿الْمَلِكُ﴾ والصاع: مكيال يكال به. والمراد بالصواع هنا: الكأس الذي يشرب فيه؛ لأنه سمي في الآية المتقدمة بالسقاية «جعل السقاية في رحل أخيه» ﴿وَلِمَن جَآءَ بِهِ﴾ أي بالصواع المسروق ﴿حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ مكافأة له على ضبط السارق ﴿وَأَنَاْ بِهِ زَعِيمٌ﴾ كفيل بأداء حمل البعير
стр. 1470
﴿قَالُواْ تَاللَّهِ﴾ قسم فيه معنى التعجب ﴿لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ﴾ وما جاء بنا إلا طلب القوت
стр. 1471
﴿قَالُواْ فَمَا جَزَآؤُهُ﴾ أي فما جزاء السارق ﴿إِن كُنتُمْ كَاذِبِينَ﴾ في قولكم، وكان السارق من بينكم
стр. 1472
﴿قَالُواْ جَزَآؤُهُ مَن وُجِدَ﴾ المسروق ﴿فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾ أي فهو عبد رق جزاء سرقته. وكان في شريعتهم استرقاق السارق
стр. 1473
﴿فَبَدَأَ﴾ يوسف ﴿بِأَوْعِيَتِهِمْ﴾ أي بتفتيشها ﴿قَبْلَ وِعَآءِ أَخِيهِ﴾ وذلك تمويهاً لهم، وتغطية عليهم؛ ليشعرهم بحقيقة ما يسفر عنه وعاء أخيه أي استخرج السقاية ﴿كَذلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾ أي علمناه ذلك الكيد؛ الذي استطاع به أن يأخذ أخاه، وليكون هذا سبباً في اجتماعه بأبويه.
ومن هذا يؤخذ جواز التوصل إلى الأغراض المشروعة بالحيل؛ ولو أدى ذلك إلى الكذب؛ ما توافرت المنفعة، بغير أن يترتب عليها إضرار بأحد، و ﴿مَا كَانَ﴾ يوسف ﴿لِيَأْخُذَ أَخَاهُ﴾ رقيقاً بسبب سرقة لم يرتكبها ﴿فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾ سلطانه وعادته وحكمه
стр. 1474
﴿قَالُواْ إِن يَسْرِقْ﴾ أخونا هذا
⦗٢٩١⦘ ﴿فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ﴾ يعنون يوسف ﵇؛ وكان قد سرق في صغره صنماً من ذهب لجده أبي أمه؛ فكسره ﴿فَأَسَرَّهَا﴾ أخفى هذه القالة ﴿يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ﴾ ولم يظهر التضجر والتألم. ويجوز أن يكون المعنى: فأسر يوسف في نفسه قوله: ﴿أَنْتُمْ شَرٌّ مَّكَاناً﴾ لسرقتكم إياي من أبيكم، وظلمكم الذي ظلمتموه لي وله ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمْ بِمَا تَصِفُونَ﴾ بما تقولون، أو بما تكذبون
стр. 1475
﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُواْ﴾ يئسوا من قبول مطلبهم ﴿خَلَصُواْ نَجِيّاً﴾ انفردوا متناجين فيما بينهم ﴿وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِي يُوسُفَ﴾ أي ألم تعلموا تفريطكم في يوسف من قبله؛ فكيف تفرطون في أخيه أيضاً ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ﴾ لن أفارق ﴿الأَرْضِ﴾ أرض مصر ﴿حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي﴾ في الرجوع؛ راضياً عني، غير غاضب عليَّ ﴿أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾ بخلاص أخي بنيامين، وعودته معنا ﴿قَالَ كَبِيرُهُمْ﴾ وأخذ بجريرته
следующие страницы →