← Тафсир

Тафсир · id 36432

أوضح التفاسير

محمد عبد اللطيف الخطيب

Полный текст (5 331 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

﴿يَآأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَعِينُواْ﴾ على قضاء حوائجكم الدنيوية والأخروية ﴿بِالصَّبْرِ﴾ على الطاعة، وعن المعصية، وعلى الأمور الشاقة ﴿والصَّلاَةِ﴾ وكيف لا يستعان بها؛ وهي مرضاة رب العالمين، ومناجاة أكرم الأكرمين؛ ومفرجة كرب المكروبين «كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة»

стр. 142

﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾ لنختبرنكم ﴿بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ﴾ من العدو ﴿وَالْجُوعِ﴾ القحط ﴿وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ﴾ بالفقر وتقدير الرزق ﴿وَالأَنفُسِ﴾ بالموت والأمراض ﴿وَالثَّمَرَاتِ﴾ بالحوائج والآفات الزراعية بذلك لننظر أتصبرون أم تكفرون

стр. 143

﴿الَّذِينَ إِذَآ أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا للَّهِ﴾ ملكاً وخلقاً وعبيداً ﴿وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَاجِعونَ﴾ فيجزينا أجر ما أصابنا عن النبي: «ما من عبد تصيبه مصيبة فيقول: إن الله وإنا إليه راجعون، اللهم آجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها؛ إلا آجره الله في مصيبته وأخلف له خيراً منها» وقد ورد عن أم المؤمنين أم سلمةرضي الله تعالى عنها؛ أنه لما توفي زوجها أبو سلمة رضي الله تعالى عنه: قالت - في نفسها ـ: ومن خير من أبي سلمة؟ رجل شهد المشاهد مع رسولالله، وفاز بصحبته، وحظي بمحبته؛ ولكنها استرجعت، ودعت الله كما جاء في الحديث: فخطبها رسولالله؛ فكان نعم الخلف وعنه أيضاً «ما يصيب المسلم من نصب، ولا وصب، ولا همّ، ولا حزن، ولا أذى، ولا غم حتى الشوكة يشاكها؛ إلا كفر الله بها من خطاياه»

стр. 144

﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ﴾ الصلاة من الله تعالى: المغفرة

стр. 145

﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ﴾ هما جبلان بمكة شرفها الله تعالى ﴿مِن شَعَآئِرِ اللَّهِ﴾ أعلام مناسكه ﴿اعْتَمَرَ﴾ زار ﴿فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ﴾ لا حرج، ولا إثم عليه ﴿أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ أي بالصفا والمروة؛ بأن يسعى بينهما سبعاً ﴿وَمَن تَطَوَّعَ﴾ زاد على ذلك ﴿خَيْراً﴾ أي بخير؛ بأن أراد زيادة التقرب إلى الله تعالى بالنوافل ﴿فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ﴾ له ما زاد، مجاز عليه ﴿عَلِيمٌ﴾ بظواهره وسرائره

стр. 146

﴿أَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ أغفر لهم ﴿يُنْظَرُونَ﴾ يمهلون ويؤجلون

стр. 147

﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ﴾ وما فيها من كواكب وأنجم، وأفلاك وأملاك في خلق ﴿الأرْضِ﴾ وما فيها من مخلوقات ونباتات، وأشجار وأنهار في ﴿وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي﴾ بالذهاب والمجيء، والزيادة والنقصان في ﴿الْفُلْكِ﴾ السفن ﴿الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ﴾ بأمر الله تعالى ونعمته ﴿بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ﴾ من التجارات، والانتقال بواسطتها من بلد إلى آخر ﴿وَمَآ أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَآءِ مِن مَّآءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ بعد جدبها ﴿وَبَثَّ﴾ فرق ونشر ﴿فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ﴾ وهي كل ما يدب على وجه الأرض؛ من إنسان وحيوان ونحوهما في ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ﴾ تقليبها جنوباً وشمالاً، باردة وحارة؛ بما ينفع الناس والمخلوقات، والزرع والضرع في ﴿وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ﴾ بأمر الله تعالى وقدرته ﴿بَيْنَ السَّمَآءِ وَالأَرْضِ﴾ إن في جميع ذلك ﴿لآيَاتٍ﴾ دلالات واضحات على وحدانية القادر الحكيم ﴿لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ يتدبرون هذه الآيات، ويفهمون هذه الدلالات

стр. 148

﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾ أي ممن لا يعقلون، ولا يفهمون، ولا يتدبرون ﴿مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ غيره ﴿أَندَاداً﴾ شركاء وأمثالاً ﴿وَلَوْ يَرَى﴾ ولو يعلم ﴿الَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ أنفسهم بالكفر واتخاذ الأنداد ﴿إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ﴾ يوم القيامة؛ وقد كانوا يكذبون به في الدنيا ﴿أَنَّ الْقُوَّةَ﴾ والقدرة والبطش ﴿للَّهِ جَمِيعاً﴾ له وحده؛ لا للأنداد التي كانوا يعبدونها

стр. 149

﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ ⦗٣٠⦘ اتُّبِعُواْ﴾ أي تبرأ الأنداد التي كانوا يعبدونها، والكهان والرهبان الذين كانوا يطيعونهم، والسادة والرؤساء الذين كانوا يتبعونهم، وكل من دعا إلى عبادة غير الله تعالى؛ يتبرأ هؤلاء جميعاً ﴿مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ﴾ أي الذين اتبعوهم على الكفر؛ وهم فقراء الكفار والمشركين وأراذلهم. يقول السادة والرؤساء يومئذٍ: لا نعرفهم، ولم نقل لهم: اعبدونا أو اتبعونا ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ﴾ أي أسباب المودة؛ من قرابة وصداقة ولم يبق لهم نصراء

стр. 150

﴿وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً﴾ أي لو أن لنا رجعة إلى الدنيا ﴿فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ﴾ أي من رؤساء الأديان؛ الذين دعونا للكفر في الدنيا، وتبرأوا منا في الآخرة

стр. 151

﴿وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ أي لا تطيعوا وسوسته لكم بترك الحسنات، وفعل السيئات. ويدخل في ذلك شياطين الإنس أيضاً؛ فمنهم من هو أشد فتكاً، وأبلغ نكاية من شياطين الجن (انظر آية ١١٢ من سورة الأنعام)

стр. 152

﴿مَآ أَلْفَيْنَا﴾ ما وجدنا ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ﴾ أي أولو كان آباؤهم جهالاً؛ لا يفقهون، ومجانين لا يعون؛ فهم لهم متبعون؟ فمثلهم

стр. 153

﴿كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ﴾ يصيح ﴿بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَآءً وَنِدَآءً﴾ أي صوتاً يسمعه ولا يفهم معناه؛ كالبهائم تسمع صوت راعيها ولا تفهمه ﴿صُمٌّ﴾ عن سماع الحق ﴿بِكُمُ﴾ عن النطق به ﴿عُمْيٌ﴾ عن رؤيته

стр. 154

﴿يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ أي من الرزق الحلال؛ ومتى كان الأكل حلالاً: كان العمل صالحاً ومتقبلاً وإذا شاب الحرام الرزق أو أحاطت به شبهات الكسب: فترت الهمة، ووهنت العزيمة؛ ولم يتقبل الله تعالى من عبده العبادات والطاعات، وردت عليه دعوته؛ واكتنفه الذل مع عزته، والفقر مع غناه، وخسر دنياه وأخراه؛ فليحذر المؤمن الشبهات في سائر الحالات؛ خاصة في طعامه وشرابه (انظر آية ٥٨ من سورة الأعراف) ﴿وَاشْكُرُواْ للَّهِ إِن كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ فالشكر من لوازم العبادة؛ وغير الشاكر: لا يكون عابداً، ولو ظل طول دهره ساجداً. (انظر آية ١٥٢ من هذه السورة)

стр. 155

﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ﴾ المسفوح ﴿وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ﴾ نهانا تعالى عن لحم الخنزير؛ لما فيه من شر وضر؛ فقد ثبت أنه يحمل ميكروبات شتى تسبب أمراضاً يعسر شفاؤها ويعز دواؤها وهذه الآية من أهم ما حرص عليه الطب الوقائي: ففي الميتة ملايين الميكروبات التعفنية والرمية، كما أن الدم هو حامل الميكروب إلى سائر الجسم؛ وقد لجأ الطب أخيراً - حينما اكتشف ذلك - إلى تحليل جزء منه فيتضح له كل ما في الجسم من أمراض؛ وهو في هذه الحال من أسرع وسائل العدوى، ولحم الخنزير: مباءة لكثير من الميكروبات، وهو العائل الأصلي للدودة الشريطية ⦗٣١⦘ ﴿وَمَآ أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ أي ما ذبح للأصنام، أو ذكر عليه اسم غير اسمه تعالى ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ أي ألجأته الضرورة إلى أكل شيء من ذلك المحرم؛ بسبب مجاعة مهلكة أشرف فيها على التلف؛ فله أن يأكل على ألا يتناول منه سوى القدر الذي يحفظ عليه حياته ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾ على أحد؛ كأن يختطف ما يسد رمقه من إنسان آخر؛ ليس له ما يسد رمقه سوى ما اختطفه منه. أو «غير باغ» على جماعة المسلمين وخارج عليهم ﴿وَلاَ عَادٍ﴾ معتد عليهم بقطع الطريق؛ فألجأه ذلك إلى الجوع المهلك المتلف؛ فليس له أن يستمتع بهذه الرخصة

стр. 156

﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ﴾ وهم اليهود والنصارى؛ كتموا نعت محمد ﵊؛ وهو موصوف عندهم في التوراة والإنجيل ﴿وَيَشْتَرُونَ بِهِ﴾ أي بذلك الكتمان ﴿ثَمَناً قَلِيلاً﴾ هو ما يأخذه أحبارهم ورهبانهم ﴿وَلاَ يُزَكِّيهِمْ﴾ لا يطهرهم. والمعنى: لا يغفر لهم

стр. 157

﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرُواْ الضَّلاَلَةَ﴾ الكفر والمعصية ﴿بِالْهُدَى﴾ بالإيمان والطاعة ﴿وَالْعَذَابَ﴾ الذي ينالهم؛ عقوبة على ضلالهم وكفرهم ﴿بِالْمَغْفِرَةِ﴾ التي تنال المؤمنين المهتدين؛ جزاء إيمانهم وطاعتهم ومن عجب أن ينصرف كثير من الناس عن إرضاء مولاهم؛ إلى الحرص على دنياهم وينصرف آخرون إلى إرضاء المخلوقين، وإغضاب رب العالمين؛ قال الشاعر: عجبت لمبتاع الضلالة بالهدى وللمشتري دنياه بالدين: أعجب وأعجب من هذين: من باع دينه بدنيا سواه: فهو من ذين أخيب ﴿شِقَاقٍ﴾ خصام وجدال وخلاف ﴿بَعِيدٍ﴾ كبير

стр. 158

﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ في الصلاة ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ﴾ ب الله إيماناً حقيقياً ﴿وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ أي وآمن بالقيامة وما فيها من بعث وحساب، ونعيم وعذاب ﴿وَالْكِتَابِ﴾ أي وآمن بالكتاب؛ وهو اسم جنس. أي آمن بسائر الكتب المنزلة ﴿وَآتَى الْمَالَ﴾ أعطاه وبذله ﴿عَلَى حُبِّهِ﴾ أي رغم حبه للمال، وحاجته إليه، وافتقاره له؛ لأن مقتضى الحب: الحاجة إلى المحبوب، والتشوق إليه. وقيل: في سبيل حبه تعالى، ورغبة في إرضائه جل شأنه والمراد: أن يعطي المال وهو طيب النفس بإعطائه (انظر آية ٣٢ من سورة الزخرف) ﴿وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ المسافر المنقطع ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ أي إعتاق العبيد، وفك الأسرى. والرق معروف - من أقدم العصور - قبل الإسلام؛ فقد عرف في مصر الفرعونية، وفي دولة آشور، ودول فارس، والدولة الرومانية والبيزنطية؛ ولم يكن الإسلام مؤسساً للرق وموجداً له - كما يزعم الكثيرون - بل كان داعياً إلى التخلص منه والقضاء عليه؛ لما يكتنفه من المباهاة والمفاخرة وإذلال الغير. وحين بزغ قمر السلام، ولاح فجر الإسلام، وسطعت ⦗٣٢⦘ أنوار الحرية: سعى الدين إلى رفع الذل والعبودية عن الأرقاء؛ فجعل من العتق قربة إلى الله تعالى ومنجاة من العذاب، وكفارة من الإثم فدعا بذلك إلى حرية الجنس الإنساني، وقدسية الآدمية (انظر آية ٩٢ من سورة النساء). ﴿الْبَأْسَآءِ﴾ الفقر ﴿والضَّرَّاءِ﴾ المرض ﴿وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ وقت اشتداد القتال

стр. 159

﴿يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ﴾ فرض ﴿عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ وهو الأخذ بالمثل في العقوبة: كقتل القاتل ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ فلا يقتل حر بعبد ﴿وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ ويقتل بالحر أيضاً ﴿وَالأُنثَى بِالأُنْثَى﴾ وتقتل بالذكر، كما يقتل الذكر بها. و «القصاص»: يقتضي المماثلة في الدين؛ فلا يقتل مسلم - ولو عبداً - بكافر - ولو كان حراً - ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ﴾ أي ولي المقتول؛ بأن ترك المطالبة بالقصاص واكتفى بالدية ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَآءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ أي حيث إن ولي المقتول عفى عن قتل القاتل، وقبل الدية منه فليتبع ذلك بالمعروف، وليؤد إليه الدية بإحسان من غير مطل ولا ضرار ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذلِكَ﴾ بأن جاوز هذا الشرط؛ كأن لم يدفع القاتل الدية كاملة لولي المقتول، أو أن يقتل ولي المقتول القاتل بعد قبوله الدية

стр. 160

﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يأُولِي الأَلْبَابِ﴾ إقرأ هذه الآية - أيها المنصف الحكيم - وكرر قراءتها، وتبين معانيها ومراميها، وتفهمها جلياً، وتأملها ملياً؛ وانظر إلى بلاغة القرآن وإيجاز القرآن وإعجازه: يقول الله تعالى: إن لكم في الموت حياة. لأن القصاص: هو القتل ولنا في هذا القتل حياة ولو لم يكن القصاص: لما بقي على ظهرها إنسان: إن النفوس التي جبلت على الشر، وروضت عليه لو علمت أنه لا يوجد حاكم يحكمها، ولا رادع يردعها، ولا ولي يأخذ لضعيفها من قويها، ولفقيرها من غنيها؛ لقتل الأشرار الأخيار، وأكل الناس بعضهم بعضاً وقد صدقالله: فإن لنا في القصاص لحياة وأي حياة

стр. 161

﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ﴾ فرض عليكم ﴿إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ أي حضرت أسبابه، وأحس المريض بدنو أجله ولم يبق له سوى صالح عمله ﴿إِن تَرَكَ خَيْراً﴾ أي مالاً كثيراً ﴿الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ﴾ الذين لا يرثونه ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ الذي أذن فيه الله تعالى وأجازه في الوصية؛ مما لم يجاوز الثلث، ولم يتعمد فيه ظلم ورثته. وقيل: إن هذه الآية نسخت بآية المواريث في سورة النساء

стр. 162

﴿فَمَن بَدَّلَهُ﴾ أي غير الإيصاء - من الورثة، أو الشهود - عن وجهه الذي أراده الموصي ﴿فَإِنَّمَا إِثْمُهُ﴾ إثم هذا التبديل ﴿عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾ لا على الموصي؛ الذي أبرأ ذمته، وأرضى ربه

стр. 163

﴿فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفاً﴾ جوراً وميلاً عن الحق ﴿أَوْ إِثْماً﴾ بألا يوصي لوالديه؛ بغضاً لهما، أو لا يوصي للأقربين؛ مع فقرهم وحاجتهم، أو يوصي بأكثر مما أجازه الله تعالى ⦗٣٣⦘ في الوصية؛ متعمداً لحوق الضرر بالورثة ﴿فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ﴾ بين الموصي وورثته، أو بينه وبين من تجب عليه الوصية لهم

стр. 164

﴿يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ﴾ فرض ﴿عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ فقد كان الصوم مفروضاً على من تقدمنا من الأمم ﴿لَعَلَّكُمْ﴾ بسبب هذا الصيام ﴿تَتَّقُونَ﴾ الله تعالى، وتخشون غضبه، وتعملون بأوامره؛ ومن هذا يعلم أن الصيام يبعث على الإيمان الصادق، ويرقق القلب، ويصفي النفس، ويعين على خشية الله تعالى؛ ولذا استعان به الأنبياء في تحقيق مآربهم، والأولياء في تهذيب نفوسهم، والخاصة في شفاء قلوبهم، والعامة في شفاء جسومهم

стр. 165

﴿أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ﴾ أي قلائل ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ يتحملونه بجهد ومشقة؛ وهو رخصة لمن يتعبه الصوم ويجهده (انظر آية ٢٢٦ من هذه السورة) ﴿فَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً﴾ زاد في الإطعام، أو زاد في الصيام؛ تطوعاً منه فوق ما فرض عليه من الإطعام والصيام ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ﴾ وفي هذا ما فيه من الحث على الإطعام، والترغيب في الصيام. ومنه يعلم ما في الصيام من فوائد جمة لا تدركها العقول؛ فإنه فضلاً عن كونه مرضات للرب، ومطهرة للنفس؛ فقد ثبت أنه علاج ناجع لكثير من الأمراض المستعصية؛ وقد يكون العلاج الوحيد لضغط الدم، وقد أجمع الأطباء على فائدته الكبيرة لمرضى السكر؛ يدل على ما تقدم قوله تعالى ﴿وَأَن تَصُومُواْ﴾ حال المرض والسفر ﴿خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ما فيه مصالحكم

стр. 166

﴿وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى﴾ آيات الكتاب الكريم ﴿وَالْفُرْقَانِ﴾ الذي يفرق بين الحق والباطل ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ﴾ أي حضره؛ ولم يكن مسافراً، ولا مريضاً ﴿فَلْيَصُمْهُ﴾ وليس معنى الشهود: الرؤية والمشاهدة ﴿وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ﴾ أي عدة الشهر؛ ليتساوى صائم الشهر كاملاً، مع من قضى ما فاته لعذر

стр. 167

﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي﴾ أين ربنا؟ وهل يسمع لدعائنا، ويستجيب لندائنا؟ ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ منهم؛ أسمع نجواهم وشكواهم، و ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ ورب قائل يقول: إنني أسأله في كل يوم فلا يعطيني، وأناديه في كل ساعة فلا يجيبني. والجواب على هذا القائل: إنك أيها السائل لم تسأل ربك بل امتحنته، ولم تناده بل سخرت منه؛ ولو أنك ناديته بحق لأجابك، وسألته بصدق لاستجاب لك إن من شرائط السؤال - أيها الممتحن لربه، الساخر بقدرته - أن تتيقن بإجابته تيقنك بوجودك، وأن تثق بما عنده وثوقك بنفسك: تسأل صديقك - الذليل الحقير الضعيف الفقير - أن يعطيك شيئاً؛ وأنت على تمام الوثوق، ومزيد اليقين بإجابة سؤالك، وتدعو ربك - المعطي المانع، الضار النافع - أن يهبك أحقر الأشياء؛ وأنت من الإجابة آيس، ومن عطائه قانط فما ترجوه بعد هذا الكفران؟ تؤمن ⦗٣٤⦘ بصديقك أكثر ما تؤمن بربك، وترجو إجابة سؤالك ودعائك؛ هيهات هيهات أن يجاب لك؛ قبل أن تحسن ظنك به، وتثق بما عنده، وتعبده كأنك تراه، وتخشاه كأنه يراك (انظر آية ٦٠ من سورة غافر) ﴿فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي﴾ إذا دعوتهم لما يصلحهم وينجيهم؛ لأجيبهم فيما يطلبونه مني ومن هذا يعلم أن الإيمان والعمل الصالح: شرط في قبول الدعاء ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ يصيبون الرشد والسداد، ويوفقون لما يجعلهم مجابي الدعاء، عظيمي الرجاء

стр. 168

﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ﴾ أي كل ليلة صيام؛ لا الليلة الأولى من رمضان؛ كما يتوهمه بعض العامة ﴿الرَّفَثُ﴾ الجماع ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾ أي كلاكما ستر للآخر عن الحرام، أو شبههما تعالى باللباس: لاعتناقهما، واشتمال كل واحد منهما على صاحبه، أو هو بيان لسبب الإحلال: فإن الذي بينكم وبينهن مثل هذه المخالطة والملابسة: قل صبركم عنهن، وصعب عليكم اجتنابهن؛ فلذا رخص لكم في مباشرتهن ﴿تَخْتانُونَ﴾ أن تخونون ﴿أَنْفُسُكُمْ﴾ وتظلمونها بالجماع، أو تنقصونها حظها من الثواب ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ غفر ما سلف منكم ﴿وَعَفَا عَنْكُمْ﴾ بإحلال ما كان محظوراً عليكم ﴿أَلَّن﴾ بعد الإحلال ﴿بَاشِرُوهُنَّ﴾ جامعوهن ﴿الْخَيْطُ الأَبْيَضُ﴾ الفجر ﴿مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ﴾ الليل ﴿وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ﴾ لا تجامعوهن ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ﴾ مقيمون ومعتكفون ﴿فِي الْمَسَاجِدِ﴾ للتعبد والصلاة

стр. 169

﴿وَتُدْلُواْ﴾ تلقوا ﴿بِهَآ﴾ بالأموال ﴿إِلَى الْحُكَّامِ﴾ على سبيل الرشوة. وهذا مشاهد؛ يفعله بعض ضعافي النفوس عديمو الضمائر: فيرشون أمثالهم - ممن لا خلاق لهم - ليقتطعوا بذلك مال إخوانهم ﴿بِالإِثْمِ﴾ بالباطل والظلم فليحذر هذا وليتجنبه من يؤمن ب الله ويخشاه، وليخف يوماً إذا طولب فيه بالوفاء: عجز عن الأداء

стр. 170

﴿وَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ هو كناية عن وجوب مباشرة الأمور من وجوهها التي يجب أن تباشر عليها. وقيل: كانوا يأتون بيوتهم - في الإحرام - من نقب ينقبونه في ظهرها؛ زاعمين أن ذلك من البر

стр. 171

﴿وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ أي قاتلوا الذين يبدأونكم بالقتال، أو قاتلوا الرجال الذين يقاتلونكم فحسب؛ ولا تقاتلوا الشيوخ والنساء والصبيان ﴿وَلاَ تَعْتَدُواْ﴾ بالابتداء بالقتال، أو بقتال الذين لم يقاتلوكم

стр. 172

﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُم﴾ حيث وجدتموهم ﴿وَأَخْرِجُوهُمْ﴾ والمراد بذلك المشركين ﴿مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ﴾ أي من مكة؛ لأنهم أخرجوا المسلمين منها ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ «الفتنة»: عذاب القيامة، أو الإخراج من مكة، أو الشرك

стр. 173

﴿فَإِنِ انتَهَوْاْ﴾ عن الشرك ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ لهم ما تقدم من كفرهم ﴿رَّحِيمٌ﴾ بهم؛ فلا يعذبهم بما فعلوه حال كفرهم. والإيمان يجبُّ ما قبله

стр. 174

﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ لا يكون شرك، ولا يكون إيذاء ﴿فَإِنِ انتَهَوْاْ﴾ عن الشرك والقتال ﴿فَلاَ عُدْوَانَ﴾ أي لا يصح القتال والاعتداء ﴿إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ الكافرين؛ وقد انتهوا عن القتال وأسلموا

стр. 175

﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ﴾ في الحرمة والتقديس والأمن وعدم القتال ﴿بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ أي مقابلاً له. والأشهر الحرام: ذو القعدة، وذو الحجة، ومحرم، ورجب. فإذا قاتلكم المشركون في شهر منها؛ فلا تضعوا أيديكم على صدوركم، وتتحرجوا من قتالهم في مثلها وتقولوا: لا نقاتل في الأشهر الحرم؛ فقد حرم الله تعالى فيها القتال والاعتداء. بل قاتلوهم فيها كما قاتلوكم ﴿وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ فكما انتهكوا حرمة الأشهر الحرم؛ جاز لكم أن تقتصوا بمثلها. يؤكده قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ في الأشهر الحرم ﴿فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ فيها. وليس معنى ذلك: أن من يقتل ولدي أقتل ولده، ومن يسمم بهيمتي أسمم بهيمته؛ إذ ما ذنب الولد حتى يعاقب بما جناه أبوه وما ذنب البهيمة حتى تعاقب بما جناه صاحبها؟ بل يجب أن تقع المماثلة في العقاب على نفس المجرم جزاء ما جنت يداه

стр. 176

﴿وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ بعدم الإنفاق في سبيل الله تعالى، والاستعداد للجهاد؛ فيقوى عدوكم، وتضمحل قوتكم وفي هذا ما فيه من الذل المؤبد، والهلاك المحقق. وقيل: «ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة» بأن تعرضوها للموت المحتم، أو بإنفاق سائر مالكم فتعرضون أنفسكم وعيالكم للفقر والتلف والضياع ﴿وَأَحْسِنُواْ﴾ الظن ب الله تعالى في النصر والإخلاف أو أحسنوا أعمالكم ونياتكم

стр. 177

﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ أي حوصرتم من الأعداء، ومنعتم من الحج ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ ما تيسر منه. و «الهدي» الإبل المهداة للحرم ⦗٣٦⦘ ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً﴾ مرضاً يضطره إلى ترك شيء من المناسك ﴿أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ﴾ كبثور، أو قمل، أو نحوهما؛ مما يلجئه إلى حلق رأسه وهو محرم ﴿فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ﴾ يصوم ثلاثة أيام ﴿أَوْ صَدَقَةٍ﴾ يتصدق بها؛ وهي ثلاثة آصع. والصاع: أربع أمداد. والمد: ملء كف الرجل المعتدل ﴿أَوْ نُسُكٍ﴾ ذبح شاة. عن هادي الأمة صلوات الله تعالى وسلامه عليه، أنه قال لكعببن عجرة: «لعلك آذاك هوامك؟» قال: نعم يا رسولالله. قال: «احلق وصم ثلاثة أيام أو تصدق بفرق على ستة مساكين، أو أنسك شاة» والفرق: ثلاثة آصع ﴿فَإِذَآ أَمِنتُمْ﴾ الإحصار وكنتم في حال سعة وأمن ﴿فَمَن تَمَتَّعَ﴾ حل من إحرامه، واستباح ما كان محظوراً عليه ﴿بِالْعُمْرَةِ﴾ وفاته الحج بسبب إحصاره. والعمرة: زيارة البيت الحرام؛ مع الطواف والسعي بالإحرام ﴿إِلَى﴾ وقت ﴿الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ أي فعليه دم بسبب تمتعه بمحظورات الإحرام ﴿إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ أي من الحج ﴿ذلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ أي لم يكن من مستوطني مكة

стр. 178

﴿فَلاَ رَفَثَ﴾ الرفث: الجماع، أو الفحش في القول ﴿وَلاَ فُسُوقَ﴾ الفسوق: الفجور، والترك لأمر الله تعالى ﴿وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ أي لا مجادلة، ولا مخاصمة أثناء الحج. وذلك لأن الحج عبادة روحية تستدعي الصفاء وتفرغ النفس لعبادة ربها وحده، والبعد عن مواطن الخطأ والزلل ﴿وَتَزَوَّدُواْ﴾ لآخرتكم؛ بالعبادة والعمل الصالح والإخلاص

стр. 179

﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ﴾ أي لا حرج عليكم إن ابتغيتم - مع الحج - التجارة والتكسب ﴿فَإِذَآ أَفَضْتُم﴾ رجعتم ﴿مِّنْ عَرَفَاتٍ﴾ جبل معروف بمكة ﴿الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ جبل يقف عليه الإمام، واسمه «القزح»

стр. 180

﴿ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ أي ارجعوا من حيث رجعوا؛ وهو أمر لقريش خاصة، وقد كانوا يقفون بالمزدلفة ترفعاً عن الوقوف مع باقي المؤمنين بعرفة
следующие страницы →