← Тафсир

Тафсир · id 36432

أوضح التفاسير

محمد عبد اللطيف الخطيب

Полный текст (5 331 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

﴿وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ بعدم الإنفاق في سبيل الله تعالى، والاستعداد للجهاد؛ فيقوى عدوكم، وتضمحل قوتكم وفي هذا ما فيه من الذل المؤبد، والهلاك المحقق. وقيل: «ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة» بأن تعرضوها للموت المحتم، أو بإنفاق سائر مالكم فتعرضون أنفسكم وعيالكم للفقر والتلف والضياع ﴿وَأَحْسِنُواْ﴾ الظن ب الله تعالى في النصر والإخلاف أو أحسنوا أعمالكم ونياتكم

стр. 177

﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ أي حوصرتم من الأعداء، ومنعتم من الحج ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ ما تيسر منه. و «الهدي» الإبل المهداة للحرم ⦗٣٦⦘ ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً﴾ مرضاً يضطره إلى ترك شيء من المناسك ﴿أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ﴾ كبثور، أو قمل، أو نحوهما؛ مما يلجئه إلى حلق رأسه وهو محرم ﴿فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ﴾ يصوم ثلاثة أيام ﴿أَوْ صَدَقَةٍ﴾ يتصدق بها؛ وهي ثلاثة آصع. والصاع: أربع أمداد. والمد: ملء كف الرجل المعتدل ﴿أَوْ نُسُكٍ﴾ ذبح شاة. عن هادي الأمة صلوات الله تعالى وسلامه عليه، أنه قال لكعببن عجرة: «لعلك آذاك هوامك؟» قال: نعم يا رسولالله. قال: «احلق وصم ثلاثة أيام أو تصدق بفرق على ستة مساكين، أو أنسك شاة» والفرق: ثلاثة آصع ﴿فَإِذَآ أَمِنتُمْ﴾ الإحصار وكنتم في حال سعة وأمن ﴿فَمَن تَمَتَّعَ﴾ حل من إحرامه، واستباح ما كان محظوراً عليه ﴿بِالْعُمْرَةِ﴾ وفاته الحج بسبب إحصاره. والعمرة: زيارة البيت الحرام؛ مع الطواف والسعي بالإحرام ﴿إِلَى﴾ وقت ﴿الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ أي فعليه دم بسبب تمتعه بمحظورات الإحرام ﴿إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ أي من الحج ﴿ذلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ أي لم يكن من مستوطني مكة

стр. 178

﴿فَلاَ رَفَثَ﴾ الرفث: الجماع، أو الفحش في القول ﴿وَلاَ فُسُوقَ﴾ الفسوق: الفجور، والترك لأمر الله تعالى ﴿وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ أي لا مجادلة، ولا مخاصمة أثناء الحج. وذلك لأن الحج عبادة روحية تستدعي الصفاء وتفرغ النفس لعبادة ربها وحده، والبعد عن مواطن الخطأ والزلل ﴿وَتَزَوَّدُواْ﴾ لآخرتكم؛ بالعبادة والعمل الصالح والإخلاص

стр. 179

﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ﴾ أي لا حرج عليكم إن ابتغيتم - مع الحج - التجارة والتكسب ﴿فَإِذَآ أَفَضْتُم﴾ رجعتم ﴿مِّنْ عَرَفَاتٍ﴾ جبل معروف بمكة ﴿الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ جبل يقف عليه الإمام، واسمه «القزح»

стр. 180

﴿ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ أي ارجعوا من حيث رجعوا؛ وهو أمر لقريش خاصة، وقد كانوا يقفون بالمزدلفة ترفعاً عن الوقوف مع باقي المؤمنين بعرفة

стр. 181

﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَّنَاسِكَكُمْ﴾ أديتم عباداتكم المتعلقة بالحج ﴿فَاذْكُرُواْ اللَّهَ﴾ بالتكبير والثناء عليه ﴿كَذِكْرِكُمْ آبَآءَكُمْ﴾ وقد كان من دأبهم المفاخرة بالآباء ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَآ آتِنَا فِي الدُّنْيَا﴾ أي يجعل كل همه نيل ما يتمنى من دنياه ﴿وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ﴾ أي ليس له فيها من نصيب؛ لانصرافه عن تحصيلها، وانشغاله بالفانية عن الباقية؛ فكان جزاؤه الحرمان من طيبات الدنيا، وحسن ثواب الآخرة

стр. 182

﴿وِمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ رَبَّنَآ آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ أي رزقاً واسعاً، وعيشاً رغداً ﴿وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ ثواباً ومغفرة، وجنة عرضها كعرض السموات والأرض؛ فكان حقاً على الله أن ينيله ما يتمناه فضلاً من لدنه ونعمة وقيل: إن حسنة الدنيا: المرأة الصالحة

стр. 183

﴿أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُواْ﴾ أي ثواب ما عملوا.

стр. 184

﴿وَاذْكُرُواْ اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ﴾ هي أيام التشريق؛ وذكر الله فيها: التكبير عقب الصلوات ﴿إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ تجمعون يوم القيامة؛ فيجازيكم على ما عملتم

стр. 185

﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ﴾ المزخرف، ونفاقه المستتر ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾ لك؛ من ود وحب ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ شديد العداوة والخصومة أو ﴿يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ﴾ في الدين واليقين ﴿وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾ من إيمان وإحسان ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ للدين ولله ولرسوله

стр. 186

﴿وَإِذَا تَوَلَّى﴾ انصرف من عندك: ظهر على حقيقته، وبان على طبيعته، و ﴿سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا﴾ بكفره ونفاقه وإذاعته الإلحاد بين الناس ﴿وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾ هو مبالغة في الإفساد؛ كقولهم أهلك الزرع والضرع

стр. 187

﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ﴾ ولا تفعل ما يغضبه حملته الأنفة والحمية؛ على العمل ﴿بِالإِثْمِ﴾ الذي أمر باتقائه والبعد عنه ⦗٣٨⦘ ﴿فَحَسْبُهُ﴾ كافيه ﴿جَهَنَّمُ﴾ التي سيصلاها عقوبة له ﴿وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ الفراش

стр. 188

﴿مَن يَشْرِي نَفْسَهُ﴾ أي يبيعها ﴿فِي السِّلْمِ﴾ الإسلام؛ أو هو الاستسلام؛ وهو الصلح. أي اجتنبوا البغضاء والشحناء

стр. 189

﴿وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ لأنه يدعوكم إلى التفرقة والشقاق

стр. 190

﴿فَإِن زَلَلْتُمْ﴾ وقعتم في الزلة ﴿الْبَيِّنَاتُ﴾ المعجزات الظاهرات، والآيات الواضحات

стр. 191

﴿هَلْ يَنظُرُونَ﴾ ما ينتظرون ﴿إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾ أي بعذابه؛ كقوله تعالى: ﴿أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ أي بالعذاب ﴿فِي ظُلَلٍ﴾ جمع ظلة؛ وهو ما أظلك ﴿مِّنَ الْغَمَامِ﴾ السحاب المتكاثف ﴿وَقُضِيَ الأَمْرُ﴾ قامت القيامة، أو وجب العذاب

стр. 192

﴿سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُم مِّنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ﴾ معجزة ظاهرة واضحة ﴿وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ أي آياته؛ التي أنعم بها على عباده لهدايتهم، وإنجائهم من الضلال؛ لأنها من أجل النعم وتبديلها: أنها سيقت لتكون سبباً للهداية، فيجعلونها سبباً للغواية

стр. 193

﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ أي حببت إليهم، وزينها الشيطان لهم، وعجلنا لهم طيباتهم فيها. قال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ ﴿وَيَسْخَرُونَ﴾ في الدنيا ﴿مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ﴾ لأنهم لا يعبأون بالدنيا ولا بأهلها؛ وكل همهم الحرص على رضا ربهم جل شأنه ﴿وَالَّذِينَ اتَّقَواْ﴾ ربهم وخافوه، وعملوا بأوامره، واجتنبوا نواهيه، وصدقوا برسوله، وآمنوا بالنور الذي أنزل معه؛ فهؤلاء ﴿فَوْقَهُمْ﴾ أي فوق الكافرين؛ الذين بدلوا نعمة الله كفراً وأحلوا قومهم دار البوار فالمتقين في الجنة، والكافرين في النار ﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ﴾ من المؤمنين والكافرين ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ أي بغير سبب، فقد يرزق البليد، ويمنع النشيط، ويعطي العاصي، ويمنع الطائع؛ ما أراده كان، وما لم يرده لم يكن

стр. 194

﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ على دين واحد؛ هو دين الفطرة؛ أو كانوا كفاراً لا يعلمون حالهم ولا مآلهم (انظر آية ١٩ من سورة يونس) ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ﴾ إليهم ﴿مُبَشِّرِينَ﴾ من أطاع بالجنة ﴿وَمُنذِرِينَ﴾ من عصى بالنار ⦗٣٩⦘ ﴿وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ﴾ الذين يؤيدهم ﴿بِالْحَقِّ﴾ الذي يأمرون به، ويسيرون عليه. و «الكتاب» اسم جنس: يقع على سائر الكتب المنزلة؛ كالتوراة، والإنجيل، والزبور، والقرآن ﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ﴾ أي في الكتاب المنزل مع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ﴿إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ﴾ أي إلا الذين أنزل عليهم الكتاب؛ أنزله الله تعالى مزيلاً للاختلاف، فجعلوه سبباً للخلاف ﴿بَغْياً بَيْنَهُمْ﴾ أي حسداً وظلماً: كيف ينزل الكتاب على رجل غيرهم؟ وكل واحد منهم يرى أنه أحق بنزوله عليه، وأجدر ممن نزل عليه ﴿وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ و ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ طريق

стр. 195

﴿خَلَوْاْ﴾ مضوا ﴿مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَآءُ﴾ الفقر والحاجة ﴿والضَّرَّاءِ﴾ المرض ﴿وَزُلْزِلُواْ﴾ أزعجوا إزعاجاً شديداً

стр. 196

﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾ ما الذي يتصدقون به؟ ﴿قُلْ مَآ أَنْفَقْتُمْ مِّنْ خَيْرٍ﴾ مال؛ أو هو كل ما ينفق: من مال، أو غذاء، أو كساء، أو دواء. وسمى تعالى ما ينفق: خيراً؛ لأنه سبب في كل خير في الدنيا والآخرة؛ وناهيك يقول العظيم الكريم ﴿وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ يجزي عليه أحسن الجزاء

стр. 197

﴿كَتَبَ﴾ فرض ﴿عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ الجهاد في سبيل الله ﴿وَهُوَ كُرْهٌ﴾ مكروه ﴿لَكُمْ﴾ لما فيه من مشقة، وبعد عن الأهل والولد؛ ولأنه في ظاهره تعرض للتلف والفناء، مع أنه أساس الحياة وسر البقاء ﴿وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً﴾ كالقتال ﴿وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ في الدنيا؛ بتخليص البلاد، ونجاة العباد، ورفع كلمة الله تعالى وفي الآخرة بنعيم الجنان، ورضا الرحمن ﴿وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً﴾ كالقعود مع الأهل والولد ﴿وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ﴾ في الدنيا؛ بالذل والاستعباد، وفقدان الكرامة وفي الآخرة بالجحيم والعذاب الأليم ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ﴾ ما فيه الخير لكم ﴿وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ فاتبعوا أوامره، وابتغوا ما فرضه عليكم؛ ففيه نجاتكم وسعادتكم

стр. 198

﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ الأشهر الحرم هي: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب ﴿قِتَالٍ فِيهِ﴾ أي هل يجوز القتال فيه؟ ﴿قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ من المشركين لكم ﴿وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ منع عن دينه صد أيضاً عن ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ﴾ المؤمنين ﴿مِنْهُ﴾ وجميع ذلك ﴿أَكْبَرُ عِندَ اللَّهِ﴾ إثماً وأعظم جرماً؛ من القتال في الأشهر الحرم. فكيف تسألون عن جواز القتال في الأشهر الحرم؟ قال تعالى: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ ﴿وَالْفِتْنَةُ﴾ أي الكفر، أو الإخراج من مكة، أو العذاب يوم القيامة ﴿أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ وأنكى وأشد ﴿حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ أي بطلت أعمالهم الحسنة التي عملوها؛ لأن الكفر محبط لسائر الأعمال

стр. 199

﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ﴾ ما حكمها؟ (انظر آية ٩٠ من سورة المائدة) ﴿وَالْمَيْسِرِ﴾ القمار ﴿قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ وأي إثم لقد أكرمك الله تعالى أيها الإنسان بالعقل المنير؛ فكيف تطفئه بالخمر؟ ووهبك الخير الكثير؛ فكيف تتلفه بالقمار؟ وهب أنك كاسب فيه غير خاسر؛ فبم تستحل لنفسك ما ليس لك بحق، وما هو محرم عليك، وشؤم على عيالك؟ ويدخل في عموم الميسر: ما يسمونه باليانصيب، وكذلك سائر المراهنات، وسباق الخيل؛ وكل كسب أو خسارة بغير سبب معقول، ووجه مشروع: فهي إثم في الخمر والميسر؛ مع ما فيهما من أسقام وآثام ﴿وَمَنَافِعُ﴾ في الظاهر ﴿لِلنَّاسِ﴾ ألا يربحون في تجارة الخمر، ويكسبون في لعب الميسر؟ وهو ربح ممقوت؛ الخسارة منه أكسب وكسب حرام؛ الإفلاس منه أربح وهي منافع حقيرة زائلة؛ بجانب ما يترتب عليها من الآلام والآثام فقد أثبت الطب - قديمه وحديثه - أن الإدمان على الخمر: يسبب تلفاً بالكبد، ويحول خلاياه الحية إلى ألياف ميتة؛ كما تؤدي إلى تصلب الشرايين، وإلى نزيف المخ، وإلى إفساد الجهاز العصبي، وضعف المدارك الحسية ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ﴾ أي أيّ شيء ينفقونه؟ ﴿قُلِ الْعَفْوَ﴾ أي الزائد عن نفقتكم وحاجاتكم. أو خير ما تنفقونه: «العفو» عند القدرة ﴿أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾

стр. 200

﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ﴾ في المعيشة ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ﴾ منكم في هذه المخالطة ﴿مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ الذي أراد بها تدبير أموال اليتامى، وإصلاح أمورهم ﴿وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لأَعْنَتَكُمْ﴾ لأحرجكم وضيق عليكم

стр. 201

﴿وَلاَ تَنْكِحُواْ الْمُشْرِكَاتِ﴾ أي لا تتزوجوهن. والمشركة: التي تدعو مع الله إلهاً آخر؛ وهي غير الكتابية: اليهودية أو النصرانية. ﴿وَلاَ تُنْكِحُواْ الْمُشِرِكِينَ﴾ أي لا تزوجوهم بناتكم ﴿حَتَّى يُؤْمِنُواْ﴾ وقد ذهب جماعة - منهم حبر الأمة ابن عباس رضي الله تعالى عنهما - إلى أن لفظ المشركات والمشركين؛ يعم اليهود والنصارى لقوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ فهم مشركون أيضاً؛ لأن إلههم الذي يعبدونه يلد؛ وإلهنا تعالى ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ ويعارض هذا الرأي: قوله تعالى ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ﴾ وقد قصد بهم اليهود والنصارى الذين قالوا: عزير ابنالله، والمسيح ابنالله. وعلى ذلك يكون المراد بالمشركين: عبدة الأصنام والنار والكواكب، ومن شاكلهم؛ ممن لا يؤمنون بوجود إله أصلاً ﴿أُولَئِكَ﴾ المشركون والمشركات ﴿يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ أي إلى الكفر المؤدي إلى النار؛ فلا تجوز مناكحتهم ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ﴾ بما يدعو إليه من أعمال صالحات؛ موصلة إليهما، موجبة لهما ﴿بِإِذْنِهِ﴾ بأمره وإرادته

стр. 202

﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ أي عن شأن الزوجة في مدة الحيض، وما ينبغي على الزوج حيالها وقت نزول دم الحيض؟ ﴿قُلْ هُوَ أَذًى﴾ مستقذر مبغوض ﴿فَاعْتَزِلُواْ النِّسَآءَ فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ﴾ أي لا تجامعوهن؛ لأن الأصل في الجماع: إنتاج الولد؛ وهن في هذه الحال غير مؤهلات للحمل. وقد جعل الله التلذذ عند التقاء الرجل بالمرأة: حرصاً على بقاء الجنس، واستيفاء لحاجة الكون من بني آدم وغيره من الأحياء؛ والمرأة الحائض تستقذر عادة؛ فإذا حاول الرجل إتيانها - وهي على هذه الحال - ربما أبغضها استقذاراً لها؛ فنهانا الحكيم العليم بعدم قربانهن في المحيض ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ أي حتى ينقطع الدم، ويمتنع الأذى؛ ويغتسلن؛ فيصرن نظيفات طاهرات مؤهلات لما أعدهن الله تعالى له. وقد أثبت الطب تحقق الضرر من التقاء الرجل بالمرأة وقت حيضها ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾ جامعوهن ﴿مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ في الفرج؛ لا في مكان آخر يكرهونه ويغضب الله تعالى

стр. 203

﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ﴾ شبههن الله تعالى بالحرث: لما يلقى في أرحامهن وينتجن من الولد ﴿أَنَّى شِئْتُمْ﴾ أي بأي طريقة أردتم؛ في المكان المعلوم: موضع الحرث، لا موضع الفرث. وزعم بعض الفساق: أن الله تعالى أباح إتيان المرأة في دبرها؛ مستدلاً بقوله تعالى: «أنى شئتم» أي في أي موضع أردتم. والمعلوم أن معنى «أنى» لغة: ⦗٤٢⦘ كيف. فلا تعطى المعنى الفاسد الذي ذهبوا إليه ومن المعلوم أيضاً أن الله تعالى أنزل هذا القرآن على مخلوقات تسمع وتعقل وتعي؛ فإذا ما كان هناك أمر تعاف إتيانه أحط الحيوانات؛ فكيف يتوهم حصوله من أفضل المخلوقات ولم نسمع أن حماراً أتى أتاناً في دبرها؛ فكيف نصدق أن إنساناً يستسيغ أن يكره امرأته على إتيانها في غير ما أمر الله تعالى به؟ فليتق الله من يؤمن بالله، ولا يدع شيطانه ينزل به إلى درك لم تنزل إليه البهائم التي لا تعقل وإن الإنسان ليرى العذرة في الطريق فيستقذر أن يمشي بقربها؛ فكيف يذهب بإرادته ويندس في مكانها ووعائها أفَ لمن يفعل ذلك، أو يحاوله؛ وله الويل يوم يسأل عنه ويعاقب عليه.

стр. 204

﴿وَلاَ تَجْعَلُواْ اللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ﴾ أي لا تجعلوه تعالى معرضاً لأيمانكم؛ فتحلفون به في كل وقت وحين، وفي كل مناسبة، وتعرضوا اسمه الكريم للابتذال بكثرة الحلف به. وقد ذم الله تعالى كثير الحلف بقوله ﴿وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ﴾ أو المعنى: ولا تجعلوا الله مانعاً وحاجزاً دون الخير؛ كمن يحلف على قطيعة رحم، أو عدم الإصلاح بين متخاصمين، أو عدم التصدق؛ أو ما شاكل ذلك. قال الصادق المصدوق صلوات الله تعالى وسلامه عليه: «من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها؛ فليكفِّر عن يمينه» ﴿أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ وَتُصْلِحُواْ بَيْنَ النَّاسِ﴾ وهي الأمور المحلوف عليها: أداء أو تركاً. ويجوز أن يكون المعنى: ﴿وَلاَ تَجْعَلُواْ اللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ﴾ إلا إن كان ذلك بسبب البر والتقوى والإصلاح بين الناس؛ فحينئذٍ يجوز لكم أن تحلفوا بقصد إقناع البعض وإرضائه عن الآخر؛ كمن يحلف للزوجة المغاضبة: أن زوجها يقول عنها: إنها خير امرأة. وكمن يحلف للأخ المخاصم: أن أخاه يدعو له بالهداية والخير ويتطلب رضاه. وقد يكون الواقع عكس المحلوف به

стр. 205

﴿لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ﴾ لا يعاقبكم ﴿بِالَّلغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ وهو ما لا يعقد عليه القلب؛ كقول الإنسان: لا والله، وبلى والله

стр. 206

﴿يُؤْلُونَ﴾ يقسمون. وبها قرأ ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ﴿تَرَبُّصُ﴾ التربص: الانتظار ﴿فَآءُوا﴾ رجعوا

стр. 207

﴿ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ﴾ ثلاثة حيضات ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ﴾ أزواجهن ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ لقد كانت النساء قبل الإسلام مستعبدات، مملوكات، مهانات؛ وكان الرجل يرى أن وجود المرأة معرة؛ ويعاملها معاملة العبيد - بل أسوأ من معاملة العبيد - وكانت المرأة توهب وتورث كسائر الجمادات والحيوانات؛ ويزوجها وليها لمن لا تريد ولا ترغب رغم أنفها؛ شأن جهلة هذا العصر: الذين يضحون ببناتهم على مذابح الأطماع الدنيئة؛ ابتغاء العرض الزائل. وكان الرجل ⦗٤٣⦘ في الجاهلية إذا مات عن زوجة: جاء ابنه - من غيرها - أو جاء أحد ورثته؛ فألقى ثوبه عليها وقال: ورثت امرأته كما ورثت ماله. وتصير في حوزته، ويصير أحق بها من كل الناس - حتى من أهلها وأبويها - فإن شاء تزوجها من غير صداق، وإن شاء زوجها وأخذ صداقها لنفسه. فلما أشرقت شمس الإسلام وبزغ قمر السلام: خلصهن من هذا الاستعباد وأنقذهن من الذل والاسترقاق، وأوجب لهن على الرجال - مثل ما يجب للرجال عليهن - من حسن العشرة، وترك المضارة، والحب، والإخلاص، والمودة، والرحمة وغير ذلك من الحقوق التي تعرف بالبديهة، ويحس بها كل ذي عقل وقلب وأمر ألا تزوج إلا بإذنها، وبمن ترتضيه لنفسها. ولا حجة لمن قال بعكس ذلك من الفقهاء؛ لقوله: «لا تنكح الأيم حتى تستأمر، ولا تنكح البكر حتى تستأذن؛ وإذنها صماتها» وقد رد الرسول الكريم؛ صلوات الله تعالى وتسليماته عليه: تزويج الأب ابنته بغير إذنها وقد حثنا الدين الحنيف على التلطف بهن والعناية بأمرهن وقد قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: إني لأتزين لامرأتي كما تتزين لي. وأتى عمربن الخطاب رضي الله تعالى عنه بامرأة تصر على فراق زوجها؛ فنظر إلى الزوج فوجده أشعث غير نظيف الثياب؛ فقال: أدخلوه الحمام وألبسوه الأبيض. فلما جيء به نظيف الجسم، نظيف الثياب؛ قال لها: أتقيمين معه؟ قالت: نعم. فأصلح بينهما؛ وقال لمن حضره: تصنعوا لهن كما يتصنعن لكم.

стр. 208

﴿الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ﴾ دفعتان مفترقتان. فلو طلقها ثلاثاً بلفظ واحد: لم يقع إلا واحدة (انظر مبحث الطلاق بآخر الكتاب. وانظره أيضاً مفصلاً في «زاد المعاد» لابن قيم الجوزية) ﴿تَسْرِيحٌ﴾ تطليق ﴿بِإِحْسَانٍ﴾ من غير إجحاف ولا مضارة ﴿وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ﴾ أي حرام عليكم ﴿أَن تَأْخُذُواْ مِمَّآ آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ من المهر وغيره ﴿إِلاَّ أَن يَخَافَآ﴾ الزوجان ﴿أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ بأن يخشى الزوج أن يسيء معاملتها - لكراهته لها - أو أن تسيء عشرته - لبغضها له - ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ﴾ أيها الحكام. قال تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَكَماً مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِّنْ أَهْلِهَآ﴾ ﴿فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَآ﴾ لا إثم ولا حرج ﴿فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ نفسها؛ من ⦗٤٤⦘ رد ما أخذته - إن كانت كارهة له - ولا يجوز للزوج أن يأخذ أكثر مما أعطى؛ إذ هو ظلم بين، ودليل على خسة الطبع، ودناءة النفس وحكمة رد المهر: أنها له كارهة، ولصحبته مبغضة؛ وهو في حاجة للتزوج بغيرها؛ فوجب أخذ ما دفعه ليمهر به سواها. أما إذا كان هو الكاره لها، المائل عنها لغيرها؛ فلا يحل له أصلاً أن يأخذ شيئاً مما آتاها ﴿أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً﴾ هذا وقد جاءت جميلة بنت سلول - وكانت زوجاً لثابتبن قيس - إلى النبي، وقالت له: يا رسول الله إني لا أعتب على ثابت في دين ولا خلق؛ ولكني أخشى الكفر بعد الإسلام؛ لشدة بغضي له فقال لها سيد ولد آدم: «أتردين عليه حديقته التي أصدقك؟» قالت: نعم وزيادة. فقال: «أما الزيادة فلا؛ ولكن حديقته». فأخذها ثابت وخلى سبيلها. وهذا أول خلع في الإسلام. وقال بعض الفقهاء بجواز أخذ شيء من مالها. ولا حجة لهم فيه: لقوله تعالى: ﴿وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّآ آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً﴾ واستثنى من ذلك بقوله جل شأنه ﴿إِلاَّ أَن يَخَافَآ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ أي في هذه الحال فقط يحل أخذ بعض المهر أو كله، في حدود قوله تعالى: ﴿مِمَّآ آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ من المهور والهدايا ونحوهما (انظر آية ٢٠ من سورة النساء)

стр. 209

﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ للمرة الثالثة ﴿فَلاَ تَحِلُّ لَهُ﴾ مراجعتها ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ﴾ حتى تتزوج رجلاً آخر، ويبني بها ويذوق عسيلتها وتذوق عسيلته ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ الزوج الآخر ﴿فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَآ﴾ هي والمطلق الأول ﴿أَن يَتَرَاجَعَآ﴾ بعد انقضاء عدتها من زوجها الآخر بعقد جديد، وذلك ﴿إِن ظَنَّآ﴾ تأكدا ﴿أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ أوامره وشرائعه؛ التي سنها لعباده: من ترك المضارة، وحسن المعاملة، وطيب المعاشرة، وتوافر المودة والرحمة

стр. 210

﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ أي قاربن آخر عدتهن ﴿وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً﴾ أي مريدين الإضرار بهن ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ بارتكاب ما نهى الله تعالى عنه، وتعريضها للعقاب

стр. 211

﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ﴾ الإسلام، ونبوة محمد ﴿يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ أي بالقرآن ﴿فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ انقضت عدتهن ﴿تَعْضُلُوهُنَّ﴾ تمنعوهن ﴿أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ الذين كانوا قبلكم. أو الذين يتقدمون إليهن، أو هو خطاب للأولياء. ﴿ذَلِكَ﴾ الأمر والنهي المتقدم ﴿يُوعَظُ بِهِ﴾ يتعظ ويعمل به ﴿مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ الذي يعاقب فيه العاصي على عصيانه، ويثاب فيه الطائع على طاعته أفضل للمآب وأنمى ⦗٤٥⦘ للثواب ﴿وَأَطْهَرُ﴾ لقلوبكم ونفوسكم ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ﴾ ما يصلحكم في دنياكم وأخراكم ﴿وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ لجهلكم وقصور أفهامكم، وطمعكم في الحطام الزائل الفاني، ونسيانكم النعيم الدائم الباقي

стр. 212

﴿حَوْلَيْنِ﴾ عامين ﴿وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ﴾ أي الوالد؛ ولم يقل: وعلى الوالد؛ إشعاراً بأن الوالدات إنما ولدن لهم ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ من غير إسراف ولا تقتير ﴿لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ أي لا يكلف الوالد بما لا يطيق؛ بل ينفق النفقة التي يستطيعها ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ﴾ و: ﴿لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ أي بسبب ولدها؛ بألا ينفق عليها، أو يهددها بأخذه منها ﴿وَلاَ﴾ يضار ﴿مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ﴾ بأن تطالبه بما لا يستطيع، أو تترك له ولده - بعد أن ألفها واعتاد صحبتها - وما أشبه ذلك. وإضافة الولد إليهما في الموضعين: استعطافاً لهما، وهزاً لمشاعرهما ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ﴾ أي وارث الصبي، أو وارث الأب ﴿فَإِنْ أَرَادَا﴾ أي الأب والأم ﴿فِصَالاً﴾ فطام الصغير ﴿وَإِنْ أَرَدتُّمْ﴾ أيها الأزواج الآباء ﴿أَن تَسْتَرْضِعُواْ أَوْلاَدَكُمْ﴾ أي تسترضعوا لأولادكم مراضع غير الوالدات ﴿إِذَا سَلَّمْتُم مَّآ آتَيْتُم﴾ أي ما أردتم إيتاءه لهن من الأجرة. وقرىء ﴿مَآ أُوتِيتُمْ﴾ أي ما آتاكم الله تعالى، وأقدركم عليه

стр. 213

﴿وَيَذَرُونَ﴾ يتركون ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾ ينتظرن وهي عدة المتوفى عنها زوجها؛ ما لم تكن حاملاً؛ فعدتها أبعد الأجلين: الوضع، أو الأربعة الأشهر والعشر ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ قضين عدتهن ﴿فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ﴾ من التزين والتعرض للخطاب ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ بالوجه الذي لا ينكره الشرع؛ فلا يبالغن في التزين، ولا يفرطن في التبرج

стр. 214

﴿وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ لا حرج، ولا إثم ﴿فِيمَا عَرَّضْتُمْ﴾ لوحتم وأشرتم ﴿بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَآءِ﴾ كأن تقول لها: إنك لجميلة، أو صالحة، أو من غرضي أن أتزوج. وشبه ذلك مما لا ينكره الذوق، ولا يمقته الدين ﴿أَوْ أَكْنَنتُمْ﴾ أضمرتم ﴿وَلَكِن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ﴾ على اللقاء ﴿سِرّاً﴾ خفية عن أعين الرقباء؛ ففي هذا ما فيه من تمكين للشيطان الذي يجري مجرى الدم من الإنسان وقيل: المراد بالسر: الزنا، أو هو التعريض بالجماع. والمراد: لا يكون تعريضكم سفهاً وفجوراً؛ فذكر أمثال ذلك - أمام غير الزوجة - فحش؛ لا يرتكبه إنسان ﴿وَلاَ تَعْزِمُواْ﴾ تقصدوا قصداً جازماً ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ بانقضاء عدتها ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ من سوء وشر ﴿فَاحْذَرُوهُ﴾ خافوا عقابه، ووطنوا أنفسكم على فعل الخير ما استطعتم؛ وروضوا قلوبكم على عمل الطاعات، وتجنب المخالفات

стр. 215

﴿لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ لا حرج ﴿إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَآءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ تجامعوهن ﴿أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ أي لم تقدروا لهن مهراً ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ أي أعطوهن ⦗٤٦⦘ ما يتمتعن به، واكسوهن بعد الطلاق ﴿عَلَى الْمُوسِعِ﴾ الغني ﴿قَدَرُهُ﴾ طاقته ووسعه ﴿وَعَلَى الْمُقْتِرِ﴾ الفقير ﴿حَقّاً﴾ أي ذلك التمتيع ﴿حَقّاً﴾ واجباً ﴿عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ الذين أحسنوا أعمالهم، ورغبوا في إرضاء ربهم
следующие страницы →