← Тафсир

Тафсир · id 36432

أوضح التفاسير

محمد عبد اللطيف الخطيب

Полный текст (5 331 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.

стр. 1786

﴿وَآتَيْنَاهُ فِي الْدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ النبوة، والثناء الحسن، والذرية المباركة - وناهيك بمن كان رسولالله من نسله - وآتاه الله تعالى أيضاً تخليد اسمه والصلاة عليه في كل صلاة؛ مقروناً اسمه باسم سيد الخلق عليهما الصلاة والسلام

стр. 1787

﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ﴾ يا محمد ﴿أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ وذلك لأنها أصل الملة الحنيفية

стр. 1788

﴿إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ﴾ أي فرض تعظيم يوم السبت ﴿عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ﴾ روي أن موسى ﵇ طلب من بني إسرائيل أن يفردوا يوماً للعبادة، وأن يكون ذلك اليوم يوم الجمعة؛ فأبى أكثرهم إلا يوم السبت، وارتضى الأقلون بيوم الجمعة

стр. 1789

﴿ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾ دينه ﴿بِالْحِكْمَةِ﴾ القرآن ﴿وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ القول الرفيق الرقيق، الذي ينفذ في القلوب، ويحبب إلى النفوس ﴿وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ أي بالرفق واللين؛ وإذا كان الكفار يجادلون بالرفق واللين؛ فما بالك بالمؤمنين الموحدين؟

стр. 1790

﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ ليس معنى ذلك أن من قتل ابني جاز لي أن أقتل ابنه، ومن قتل أبي جاز لي أن أقتل أباه، ومن سمم إبلي جاز لي أن أسمم إبله؛ بل المراد: معاقبة الآثم نفسه بمثل إثمه؛ فإن قتل: قتل. وإن ألحق بالغير غرماً: غرم بغرم مماثل لما ألحقه بالآخرين ﴿وَلَئِن صَبَرْتُمْ﴾ عن الانتقام والمعاقبة ﴿لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ﴾ في الدنيا بترك الحزازات، ومنع الثأر والبغضاء الكامنة في النفوس؛ وفي الآخرة بما أعده الله تعالى للصابرين من جزيل لأجر، وواسع المغفرة ﴿وَاصْبِرْ﴾ يا محمد على أذى قومك

стр. 1791

﴿وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللَّهِ﴾ بمعونته وتوفيقه.

стр. 1792

سورة الإسراء بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 1793

﴿سُبْحَانَ﴾ تنزيه له تعالى من كل نقص؛ ولا يجوز أن ينزه به غيره من المخلوقين؛ وهي كلمة تدل على نهاية التنزيه، وغاية التقديس؛ وهي من السبح: بمعنى الذهاب والإبعاد. أي أنزه الله تعالى عن النقائص، وأبعده عن صفات المخلوقين، وأجله عما وصفه به الكافرون، وافتراه عليه المكذبون الضالون ﴿الَّذِي أَسْرَى﴾ الإسراء: السير ليلاً ﴿بِعَبْدِهِ﴾ قال تعالى «بعبده» ولم يقل بنبيه، أو برسوله؛ لأن صفة العبودية: هي غاية الغايات، وأشرف النعوت والصفات؛ يبتغيها العارفون، ويتمناها المخلصون ﴿إِلَى﴾ بيت المقدس؛ وقد كان التوجه إليه في الصلاة قبل تحويل القبلة ﴿الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ يريد بركات الدين والدنيا؛ لأنه كان مهبط الوحي، ومتعبد الأنبياء ﵈ ﴿أَنَّهُ﴾ أي النبي صلوات الله تعالى وسلامه عليه ﴿هُوَ السَّمِيعُ﴾ لأوامري، المبلغ لها، العامل بها ﴿البَصِيرُ﴾ المتبصر في ملوكتي، المعتبر بآياتي، المتدبر في عظمتي وجبروتي أو الضمير عائد لله تعالى؛ فهو جل شأنه سميع لكل المسموعات، بصير بكل المبصرات ويأخذ بالرأي الأول المتصوفة؛ أما أرباب الكلام فلا يرون إلا القول الثاني

стр. 1794

﴿وَقَضَيْنَآ إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ إليهم وحياً مقضيًّا أو حياً ﴿فِي الْكِتَابِ﴾ التوراة ﴿لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ﴾ بالمعاصي ﴿مَّرَّتَيْنِ﴾ أولاهما: قتل زكريا. وحبس أرمياء ﵉، والأخرى: قتل يحيى، وقصد قتل عيسى ﵉ ﴿وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً﴾ تبغون بغياً عظيماً؛ وأي بغي أشد من قتل خيرة خلق الله تعالى، والداعين إلى دينه الحق؟

стр. 1795

﴿فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ أُولاهُمَا﴾ أولى مرتي الفساد؛ المشار إليهما بقوله تعالى: ﴿لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾ ﴿بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَآ﴾ هم أهل بابل؛ وكان عليهم بختنصر. وقيل: جالوت ﴿أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ ذوي قوة وبطش. قيل: في المرة الأولى جاءت جند من فارس متنكرون؛ يتجسسون أخبارهم، ويعلمون مواطن ضعفهم؛ لذا قال تعالى: ﴿فَجَاسُواْ﴾ أي تجسسوا، والجوس: طلب الشيء بالاستقصاء، والتردد خلال الدور والبيوت في الغارة

стр. 1796

﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ﴾ أعدنا لكم القوة والغلبة؛ حين تبتم وأنبتم. قيل: كان ذلك بقتل داود جالوت ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً﴾ عشيرة وعدداً

стр. 1797

﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ﴾ أعمالكم ﴿أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ﴾ لأن ثواب إحسانكم عائد إليها ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ أي فلأنفسكم عقوبة إساءتكم ﴿فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ الآخِرَةِ﴾ وعد المرة الآخرة في الفساد الذي تقومون به في الأرض؛ وكان ذلك بقتل يحيىبن زكرياء ﵉ ﴿لِيَسُوءُواْ وُجُوهَكُمْ﴾ أي بعثناهم «ليسوءوا وجوهكم» وإساءة الوجه: ظهور الحزن والأسى عليه. والمراد: ليحزنوكم بالقتل والأسر والسبي. وقد يراد بـ «وجوهكم»: أشرافكم وساداتكم؛ وهو أبلغ في الهوان والإذلال ﴿وَلِيَدْخُلُواْ الْمَسْجِدَ﴾ بيت المقدس: دخلوه فاتحين فخربوه ﴿كَمَا دَخَلُوهُ﴾ وخربوه ﴿أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيراً﴾ أي يهلكوا كل شيء استولوا عليه

стр. 1798

﴿وَإِنْ عُدتُّمْ﴾ إلى الكفران والعصيان ﴿عُدْنَا﴾ إلى العقوبة والإذلال ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيراً﴾ من التضييق والحصر. أي محبساً وسجناً، أو فراشاً يتقلبون عليه

стр. 1799

﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ أي للطريقة التي هي أصوب وأعدل

стр. 1800

﴿أَعْتَدْنَا﴾ أعددنا وهيأنا

стр. 1801

﴿وَيَدْعُ الإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَآءَهُ بِالْخَيْرِ﴾ أي يطلب النفع العاجل وإن قل؛ بالضرر الآجل وإن جل أو يدعو على نفسه وأهله إذا حل به ضجر؛ كما يدعو بالخير

стр. 1802

﴿وَجَعَلْنَا الْلَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ﴾ دالتين على قدرتنا ووحدانيتنا ﴿فَمَحَوْنَآ آيَةَ الْلَّيْلِ﴾ طمسنا نورها بالظلام؛ وفي هذا الطمس آية دالة على وجوده تعالى ﴿وَجَعَلْنَآ آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ أي يبصر بها وفيها ﴿لِّتَبْتَغُواْ﴾ تطلبوا ﴿فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ﴾ رزقاً بالسعي فيه والعمل والاتجار ﴿وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ لأنه لو لم يكن ليل ونهار لما عرفت الأيام، وأحصيت الأعوام ﴿وَكُلَّ شيْءٍ﴾ تحتاجون إليه في معايشكم ﴿فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً﴾ بيناه تبييناً

стр. 1803

﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ طائر الإنسان: عمله الذي عمله في دنياه من خير أو شر؛ أي إن جزاء عمله ملازم له ملازمة القلادة للعنق ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً﴾ قد كتب فيه سائر ما عمل في دنياه ﴿أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ﴾ ﴿يَلْقَاهُ مَنْشُوراً﴾ مبسوطاً مقروءاً مذاعاً؛ يقال: نشر الخبر: إذا أذاعه

стр. 1804

﴿مَّنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدي لِنَفْسِهِ﴾ لأن ثواب هدايته عائد إليها ﴿وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾ لأن إثم ضلاله واقع عليها ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ أي لا تحمل نفس إثم نفس أخرى ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ﴾ أحداً من الناس ﴿حَتَّى نَبْعَثَ﴾ إليهم ﴿رَسُولاً﴾ يبين لهم ما يجب عليهم، وأن يكون الرسول بلسان المرسل إليهم؛ ليستطيع أن يبين لهم ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ وعلى هذا فواجب الأمة الإسلامية تبليغ القرآن الكريم لسائر الأمم، وترجمته لمن لا يتكلمون بالعربية. ولهذا البحث مزيد بيان فانظره إن شئت في كتابنا «الفرقان»

стр. 1805

﴿وَإِذَآ أَرَدْنَآ أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً﴾ أي أهل قرية؛ بسبب انصرافهم عن الطاعات، وانغماسهم في الشهوات ﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾ من الأمر؛ الذي هو ضد النهي. أي أمرنا أغنياءها وكبراءها بالطاعة؛ فلم يمتثلوا لأمرنا، ولم يستجيبوا لإرادتنا ﴿فَفَسَقُواْ فِيهَا﴾ فخرجوا عن أمرنا، وعصوا رسلنا، وكذبوا بآياتنا أو المراد بالفسق: الزنا. وقرىء «أمرنا» من التأمير. أي جعلنا مترفيها أمراء فيها ﴿فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ﴾ وجب العذاب على أهل القرية جميعهم. وجب على من عصى وفسق: لعصيانه وفسقه، ووجب على الباقين لعدم منعهم العاصي عن عصيانه، وعدم ضربهم على أيدي الفسقة قال تعالى: ﴿وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً﴾ والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر: من أولى واجبات المؤمنين ﴿فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً﴾ أي دمرنا القرية التي فشا فيها الفساد والسفاد، وعم فيها العصيان والطغيان وتدميرها يكون بتدمير أهلها؛ وذلك بأن يسلط الله تعالى عليهم الأدواء والآفات، ⦗٣٣٩⦘ ويفشي فيهم الأمراض والعاهات ولا يخفى أن الزنا مصدر من مصادر الأمراض الفتاكة المتلفة، وقد اقتضت حكمة الحكيم العليم بأن تكون عاقبة الزنا فقراً مدقعاً، وهلاكاً محققاً: فهو السبب الأوحد لمرض الزهري؛ الذي يصيب الأجسام، وينخر في العظام، ويجعل القوي هزيلاً، والعزيز ذليلاً ولا يقتصر هذا المرض اللعين على الفاسق فحسب؛ بل يصاحب بنيه وذراريه، وخلطائه وجلسائه، وخلطاء خلطائه، وجلساء جلسائه؛ إلى ما لا نهاية له؛ فتنحط بذلك قوى الأمة، ويضعف إنتاجها ونتاجها؛ حتى يعصف بزهرة الشباب؛ فيشوه خلقهم، كما شوه خلقهم: فنهلك القرية بسبب انحلال قوي بينها وضعفهم واستكانتهم؛ وعدم استطاعتهم مجاراة الحياة في تجارة، أو صناعة، أو زراعة فيحل بواديهم الدمار والبوار؛ وهذا - ولا شك - إحدى العقوبات التي ينزلها الله تعالى في الدنيا بمن غضب عليه أعاذنا الله تعالى من غضبه وعقابه؛ بمنه وفضله هذا ولا يجوز بحال فهم الآية بظاهر سياقها: ﴿وَإِذَآ أَرَدْنَآ أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا﴾ فحاشلله أن يريد الهلاك لأناس قبل ارتكابهم الإثم، واستحقاقهم الهلاك وكيف يستطيع عبد أن يمتنع عن إرادة مولاه، وإرادته مشيئة كائنة؟ ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَآ أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ وحاش أن يأمر تعالى بالفسق وهو الناهي عنه، المتوعد عليه وإلا لو قلنا: إنه تعالى أراد الفسق، وأمر الفاسق به؛ فلماذا يتوعده؟ وعلام يعاقبه ويؤاخذه؟ وهل من العدل - يا ذوي العقول - أن يأمر عبيده بالعصيان، ويهلكهم على تنفيذ أمره؟ فتعالى الله عن إرادة الفسق، أو الأمر به، وجل عن الظلم؛ وهو القائل: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن كَانُواْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ ولا يعذب الله تعالى أحداً من خلقه قبل أن ينذره ويحذره ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ ينهي عن الفسق، ويتوعد عليه؛ لا أن يأمر به، ويرغب فيه هذا وقد عجز بعضهم عن فهم هذه الآية وأمثالها؛ فأطاح ذلك بألبابهم ومعتقداتهم؛ فساروا على غير هدى، وسقطوا في مهاوي الردى فتفهم ما قلناه وتدبره؛ هديت وكفيت

стр. 1806

﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ﴾ أي وكثيراً ما أهلكنا من الأمم

стр. 1807

﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ﴾ الدنيا ﴿عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ﴾ أي آتينا من نشاء ممن يرغبون في الدنيا ما نشاء إعطاءه له؛ لا ما يريده هو لنفسه؛ فكم قد رأينا منصرفاً عن الآخرة، مقبلاً على الدنيا، وقد خسر كليهما: لا مال في يديه، ولا صحة في جسمه، ولا ولد يسنده في كبره وعوزه؛ ورأينا آخر يماثله في كفره، ويشاكله في عقيدته؛ وقد آتاه الله تعالى من دنياه ⦗٣٤٠⦘ ما أراد، بل وزاد؛ وذلك كله بتصريف الحكيم العليم يعطي من يشاء ما يشاء، ويمنع من يشاء عما يشاء؛ وقد يعطي من يبغض، ويمنع من يحب؛ لحكمة علمها، ومشيئة قدرها ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ﴾ أي جعلنا في الآخرة لمن أراد العاجلة ﴿جَهَنَّمَ يَصْلاهَا﴾ يدخلها ﴿مَذْمُوماً مَّدْحُوراً﴾ مطروداً من رحمة الله تعالى

стр. 1808

﴿وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا﴾ أي عمل الأعمال الصالحة الموصلة لها ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ شرط الله تعالى إيمانه؛ فقد يعمل الكافر أعمالاً صالحة؛ لا يبتغي بها دنيا؛ ولكنها مردودة عليه لكفره، معجل له ثوابها في دنياه عدلاً من ربه

стр. 1809

﴿كُلاًّ نُّمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ﴾ أي نعطي كلا من المطيع والعاصي تفضلاً منا وإحساناً ﴿وَمَا كَانَ عَطَآءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً﴾ ممنوعاً من أحد من خلقه

стр. 1810

﴿انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ في الرزق والجاه، والصحة والقوة؛ وقد يكون الفاضل أدنى رتبة من المفضول؛ ولكن لا عبرة في التفضيل في الدنيا، وإنما الاعتداد والعبرة بالتفضيل في الآخرة ﴿وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ﴾ أعظم من درجات الدنيا ﴿وَأَكْبَرُ﴾ وأعظم ﴿تَفْضِيلاً﴾ فينبغي الاعتناء والتمسك بالأعمال الموصلة إليها

стр. 1811

﴿وَقَضَى رَبُّكَ﴾ أمر وألزم وأوجب ﴿أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ أردف تعالى عبادته بالإحسان إلى الوالدين لأنه سبحانه هو المؤثر في وجود الإنسان على الحقيقة، والوالدان هما المؤثران في وجوده - بحسب العرف الظاهر - وأيضاً فإن الله تعالى لا يمل من الإنعام على عبده؛ ولو أتى بأعظم الجرائم، وأكبر الآثام، وكذا الوالدان لا يملان الإنعام على ولدهما وإكرامه؛ ولو كان مسيئاً لهما غاية الإساءة فليتأمل ذلك العاق لأبويه، وليبادر بالإحسان إليهما؛ ليحظى بالغفران وقد ذهب بعض الفلاسفة إلى أن الوالدين لم ينجبا ولدهما رغبة في إيجاده، وإنما هو ثمرة لشهوة اشتهياها وأراداها بمحض اختيارهما؛ فلا فضل لهما عليه، ولا منة أسدياها إليه. وقد فات هؤلاء الفجار أن الله تعالى جعل مصدر الولد الاشتهاء واللذة: لحكمة حفظ الأنواع وبقائها؛ وناهيك بما يتحمله الوالدان بعد ذلك في سبيل تربية بنيهما وتنشئتهم وما يبذلانه من متاعب في سبيل راحتهم: فطالما سهرا ليناموا، وشقيا ليسعدوا وطالما أنفقا من مالهما في سبيل إطعامهم، وطالما بذلا النفس والنفيس في سبيل تمريضهم والمحافظة عليهم أليس كل ذلك موجب لإكرامهما وإعزازهما، وطلب الرحمة لهما فليتأمل ذلك كل عاق لوالديه، وليبادر إلى إدراك ما فاته من الإحسان إليهما؛ قبل أن ينقطع حبل حياتهما فيخسر الدنيا والآخرة وقد ورد أن الله تعالى لا ينظر يوم القيامة لمن عق والديه ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ﴾ خص تعالى ⦗٣٤١⦘ الكبر؛ لأنه مبعث الضعف والحاجة، ومظنة الملل والاستثقال ﴿فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ﴾ وهي أدنى كلمة تقال في التضجر. وقد ورد عن الرسول صلوات الله تعالى وسلامه عليه: «لو علم ربك دون أف لنهى عنه»

стр. 1812

﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ أي ألن جانبك، وكن ذليلاً في معاملتهما - مهما كنت عزيزاً - حباً فيهما، ورحمة بهما؛ فقد أذللتهما في صغرك وأتعبتهما وأشقيتهما؛ وقد أحباك كل الحب ورحماك كل الرحمة فكن لهما محباً، وبهما رحيماً، ليحبك الرحمن، ويرحمك الرحيم

стр. 1813

﴿لِلأَوَّابِينَ﴾ الراجعين إلى الله تعالى

стр. 1814

﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾ بعد أن أمر الله تعالى عباده بعبادته، وبالإحسان إلى الوالدين والتذلل لهما: أردف بذوي القربى، ووجوب إيفائهم حقوقهم التي جعلها في أعناقنا؛ فأمرنا بإيتائها لهم. ومن هذه الآية يعلم أي للأقرباء حقوقاً أقلها: معاونة فقرائهم، وزيارة أغنيائهم، ومواساة ضعفائهم. وبعد أن أمرنا تعالى ببر الوالدين والأقرباء؛ ولبعضهم من الحقوق ما يستأهل البر والعطف والمساعدة؛ بعد ذلك عرفنا تعالى أن لكل محتاج - قريب كان أو بعيد - حقاً واجب الأداء والوفاء؛ قال تعالى: ﴿وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ وهو المسافر الذي انقطع به الطريق واعلم - هديت وكفيت - أن هذا الحق الذي أمر به الله تعالى غير فريضة الزكاة؛ فاحرص على ذلك حرصك على دينك ﴿وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيراً﴾ بالإنفاق في غير طاعة الله تعالى؛ فلو أنفق سائر ماله في الخير والصدقة: ما كان من المبذرين إذ أنه لا خير في السرف، ولا سرف في الخير ولا يعقل أن يكون البار بالمساكين، من إخوان الشياطين

стр. 1815

﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ وقد خرج أبو بكر رضي الله تعالى عنه من سائر ماله في سبيل الله تعالى؛ فكان ذلك إحدى محامده

стр. 1816

﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ﴾ أي عمن ذكر؛ لضيق ذات يدك، وفقر به الله امتحنك ﴿ابْتِغَآءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ﴾ أي طلباً لرزق يأتيك؛ فتوفي به ما عليك مما أمرك الله تعالى به، وألزمك بأدائه. ومن عجب أن نرى في زماننا بعض من أفاء الله تعالى عليهم بالمال الكثير، والرزق الوفير؛ وقد بدلوا نعمة الله كفراً؛ وجزوا والديهم عقوقاً وخذلاناً، وأقربائهم ذلاً وحرماناً، ومساكينهم قهراً ونهراً؛ في حين أنهم في سعة من العيش؛ يسرفون في ملذاتهم وشهواتهم بغير حساب بينا نجد فقيراً مدقعاً يتعثر في أسماله، ولا يكاد يفي بحاجة عياله؛ إذا به يقتطع من قوته فيعطي الأبوين والأقرباء، ولا ينسى المساكين والفقراء وذلك فضل من الله يؤتيه من يشاء والله يجزي العاملين، ويتولى الصالحين ﴿فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُوراً﴾ سمحاً سهلاً: بأن تعدهم بالإعطاء، عند حلول العطاء، وبأن توسع عليهم عندما يغدق المولى ⦗٣٤٢⦘ عليك وبذلك يكون رفقك سبباً في رزقك، وسخاؤك سبباً في رخائك

стр. 1817

﴿وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾ أي لا تكن بخيلاً ﴿وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ فتكن من المسرفين ﴿فَتَقْعُدَ مَلُوماً﴾ مستوجباً للوم: من نفسك، ومن بني جنسك ﴿مَّحْسُوراً﴾ متحسراً

стр. 1818

﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ﴾ يوسعه ﴿وَيَقْدِرُ﴾ يضيق

стр. 1819

﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ﴾ فقر ﴿خَطَئاً﴾ إثماً وخطأ

стр. 1820

﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى﴾ اعلم - هداك الله تعالى - أن قربان الزنا غير إتيانه، وقرع الباب غير ولوجه. وقد أريد بقربانه: غشيان مواضعه، وتعريض النفس له؛ من إطالة النظر، وإشغال الفكر، وإشباع الغرائز: قال تعالى: ﴿قُلْ لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ﴾ فإذا ما صان الإنسان نفسه، وكف بصره: تجنب مواضع الزلل ولا يخفى ما في الزنا من فساد للأنساب، وقطع للأرحام؛ وما يترتب عليه من فتك الأمراض الخبيثة بالنفوس؛ وهو من الذنوب التي جاء ذمها وتقبيحها والزجر عليها في سائر الأديان؛ والدليل على فحش هذا الجرم وشناعته: قسوة عقابه، وشدة جزائه؛ فقد جعل الشارع الحكيم عقوبة الزنا: الرجم بالحجارة للمحصن «المتزوج» وجلد مائة لغير المحصن «الأعزب» (انظر آيتي ١٦ من هذه السورة، و٢ من سورة النور» ﴿وَسَآءَ سَبِيلاً﴾ أي بئس هذا الطريق طريقاً

стр. 1821

﴿وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً﴾ بغير ذنب يستحق عليه القتل ﴿فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ﴾ لوارثه المطالب بدمه ﴿سُلْطَاناً﴾ تسلطاً على القاتل وحده ﴿فَلاَ يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ﴾ بأن يقتل غير القاتل، أو يقتل بعد أخذه الدية ﴿إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً﴾ بكلمة الله تعالى وأمره

стр. 1822

﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ كأن ينميه ويستثمره، ولا يأخذ الوصي منه شيئاً إلا بمقدار ما يأكل - إذا كان فقيراً - بشرط عدم الإخلال برأس المال ﴿حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ أي قوته: وهو ما بين ثماني عشرة إلى ثلاثين سنة ﴿وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ﴾ الذي تعاهدون الناس عليه، والميثاق الذي تواثقونهم به ﴿إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً﴾ عنه. وقيل: يسأل العهد نفسه؛ تبكيتاً لناقضه، وتقريعاً له (انظر آيتي ﷺ من سورة المائدة، و٧٢ من سورة الأنفال)

стр. 1823

﴿وَزِنُواْ بِالْقِسْطَاسِ﴾ الميزان ﴿ذلِكَ خَيْرٌ﴾ في الدنيا: بحب الناس لكم، وإقبالهم عليكم. وفي الآخرة: برضا الرب عنكم، وإحسانه إليكم ﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ أي أحسن مآلا وعاقبة

стр. 1824

﴿وَلاَ تَقْفُ﴾ ولا تَتَتَبَّعْ ﴿مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ كأن تقول: سمعت؛ وأنت لم تسمع، ورأيت؛ وأنت لم تر؛ وعلمت؛ وأنت لم تعلم ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ﴾ الفؤاد: القلب؛ وأريد به العقل ﴿كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ﴾ الإنسان ﴿مَسْؤُولاً﴾ فيجب على العاقل الحكيم ألا يسمع إلا خيراً، وألا يرى محرماً، وألا يفكر ⦗٣٤٣⦘ شراً، ولا يعتقد نكراً

стр. 1825

﴿وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحاً﴾ أي لا تمش متكبراً، مختالاً. وقد أخذ بعضهم من هذه الآية: تحريم الرقص؛ لأنه أشد من المرح، وأشر من الاختيال ﴿إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الأَرْضَ﴾ بكبرك وتجبرك ﴿وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً﴾ بتعاظمك وتفاخرك
следующие страницы →