Полный текст (5 331 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ﴾ الإسلام، ونبوة محمد ﴿يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ أي بالقرآن ﴿فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ انقضت عدتهن ﴿تَعْضُلُوهُنَّ﴾ تمنعوهن ﴿أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ الذين كانوا قبلكم. أو الذين يتقدمون إليهن، أو هو خطاب للأولياء. ﴿ذَلِكَ﴾ الأمر والنهي المتقدم ﴿يُوعَظُ بِهِ﴾
يتعظ ويعمل به ﴿مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ الذي يعاقب فيه العاصي على عصيانه، ويثاب فيه الطائع على طاعته أفضل للمآب وأنمى
⦗٤٥⦘ للثواب ﴿وَأَطْهَرُ﴾ لقلوبكم ونفوسكم ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ﴾ ما يصلحكم في دنياكم وأخراكم ﴿وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ لجهلكم وقصور أفهامكم، وطمعكم في الحطام الزائل الفاني، ونسيانكم النعيم الدائم الباقي
стр. 212
﴿حَوْلَيْنِ﴾ عامين ﴿وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ﴾ أي الوالد؛ ولم يقل: وعلى الوالد؛ إشعاراً بأن الوالدات إنما ولدن لهم ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ من غير إسراف ولا تقتير ﴿لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ أي لا يكلف الوالد بما لا يطيق؛ بل ينفق النفقة التي يستطيعها ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ﴾ و: ﴿لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ أي بسبب ولدها؛ بألا ينفق عليها، أو يهددها بأخذه منها ﴿وَلاَ﴾ يضار ﴿مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ﴾ بأن تطالبه بما لا يستطيع، أو تترك له ولده - بعد أن ألفها واعتاد صحبتها - وما أشبه ذلك. وإضافة الولد إليهما في الموضعين: استعطافاً لهما، وهزاً لمشاعرهما ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ﴾ أي وارث الصبي، أو وارث الأب ﴿فَإِنْ أَرَادَا﴾ أي الأب والأم ﴿فِصَالاً﴾ فطام الصغير ﴿وَإِنْ أَرَدتُّمْ﴾ أيها الأزواج الآباء ﴿أَن تَسْتَرْضِعُواْ أَوْلاَدَكُمْ﴾ أي تسترضعوا لأولادكم مراضع غير الوالدات ﴿إِذَا سَلَّمْتُم مَّآ آتَيْتُم﴾ أي ما أردتم إيتاءه لهن من الأجرة. وقرىء ﴿مَآ أُوتِيتُمْ﴾ أي ما آتاكم الله تعالى، وأقدركم عليه
стр. 213
﴿وَيَذَرُونَ﴾ يتركون ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾ ينتظرن وهي عدة المتوفى عنها زوجها؛ ما لم تكن حاملاً؛ فعدتها أبعد الأجلين: الوضع، أو الأربعة الأشهر والعشر ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ قضين عدتهن ﴿فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ﴾ من التزين والتعرض للخطاب ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ بالوجه الذي لا ينكره الشرع؛ فلا يبالغن في التزين، ولا يفرطن في التبرج
стр. 214
﴿وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ لا حرج، ولا إثم ﴿فِيمَا عَرَّضْتُمْ﴾ لوحتم وأشرتم ﴿بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَآءِ﴾ كأن تقول لها: إنك لجميلة، أو صالحة، أو من غرضي أن أتزوج. وشبه ذلك مما لا ينكره الذوق، ولا يمقته الدين ﴿أَوْ أَكْنَنتُمْ﴾ أضمرتم ﴿وَلَكِن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ﴾ على اللقاء ﴿سِرّاً﴾ خفية عن أعين الرقباء؛ ففي هذا ما فيه من تمكين للشيطان الذي يجري مجرى الدم من الإنسان وقيل: المراد بالسر: الزنا، أو هو التعريض بالجماع. والمراد: لا يكون تعريضكم سفهاً وفجوراً؛ فذكر أمثال ذلك - أمام غير الزوجة - فحش؛ لا يرتكبه إنسان ﴿وَلاَ تَعْزِمُواْ﴾ تقصدوا قصداً جازماً ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ بانقضاء عدتها ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ من سوء وشر ﴿فَاحْذَرُوهُ﴾ خافوا عقابه، ووطنوا أنفسكم على فعل الخير ما استطعتم؛ وروضوا قلوبكم على عمل الطاعات، وتجنب المخالفات
стр. 215
﴿لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ لا حرج ﴿إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَآءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ تجامعوهن ﴿أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ أي لم تقدروا لهن مهراً ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ أي أعطوهن
⦗٤٦⦘ ما يتمتعن به، واكسوهن بعد الطلاق ﴿عَلَى الْمُوسِعِ﴾ الغني ﴿قَدَرُهُ﴾ طاقته ووسعه ﴿وَعَلَى الْمُقْتِرِ﴾
الفقير ﴿حَقّاً﴾ أي ذلك التمتيع ﴿حَقّاً﴾ واجباً ﴿عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ الذين أحسنوا أعمالهم، ورغبوا في إرضاء ربهم
стр. 216
﴿وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ قدرتم لهن مهراً ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ أي فلهن أخذ نصف المهر ﴿إَلاَّ أَن يَعْفُونَ﴾ أي تعفو الزوجة ووليها؛ فيردون المهر كله ﴿أَوْ يَعْفُوَاْ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ وهو الزوج؛ فلا يأخذ من المهر شيئاً؛ تلطفاً منه وكرماً ﴿وَأَن تَعْفُواْ﴾ أيها الأزواج؛ فتتركوا جميع المهر ﴿أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ وأرضىلله ومن المعلوم أن العبد إذا اتقى ربه وأرضاه؛ فإنه تعالى يجازيه على ذلك؛ بأن يخلف عليه أكثر مما فاته من مال، وأن يعوضه خيراً ممن تركها ﴿وَلاَ تَنسَوُاْ الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ أي تذكروا أن الأكمل لدينكم، والأجمل لفعالكم؛ ألا تتشددوا وتقلبوا ما أقدمتم عليه من خير وتوثيق لروابط المحبة، إلى عداء كبير، وشر مستطير ومن عجب أن الناس اليوم لا يفعلون ما به الله أمر؛ بل يتنكرون لأوامره، ويتشددون عند حدوث ذلك، ويتخذونه مغنماً وهو غرام، ويفرحون بما يأخذون وهو حرام وتكون عاقبة الذين أساءوا السوأى؛ في الدنيا بعدم التوفيق، وسوء الرفيق، وفي الآخرة بالحرمان من رضا الرحمن
стр. 217
﴿حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ أي أدوها في أوقاتها ﴿والصَّلاَةِ الْوُسْطَى﴾ صلاة العصر؛ لتوسطها صلاة اليوم، واشتغال الناس - في وقتها - بأعمالهم ومتاجرهم.
وقيل: صلاة الظهر؛ لتوسطها النهار. وقيل: المغرب أو العشاء. وقيل: الفجر؛ لتوسطها بين صلاة الليل والنهار، ولما فيها من المشقة والثقل على المنافقين. قال «أثقل الصلاة على المنافقين: الصبح والعشاء» وقد أخفاها تعالى: ليحافظ المؤمنون على صلواتهم أجمع ﴿وَقُومُواْ للَّهِ قَانِتِينَ﴾ طائعين خاشعين
стр. 218
﴿فَإِنْ خِفْتُمْ﴾ عند حلول وقت الصلاة من عدو يهاجمكم ﴿فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً﴾ أي فصلوا قائمين أو راكبين ولو إلى غير قبلة ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ ﴿فَإِذَآ أَمِنتُمْ﴾ أي إذا زالت أسباب الخوف﴾ اشكروه، واعبدوه، وصلوا له ﴿كَمَا عَلَّمَكُم﴾ من أحكام دينكم، ومنافع دنياكم ﴿مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ﴾ أي ما كنتم تجهلونه، ولا تستطيعون علمه بعقولكم القاصرة
стр. 219
﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ﴾ يتركون ﴿أَزْوَاجاً﴾ فليوصوا ﴿وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ﴾ أي يجب عليهم أن يوصوا قبل موتهم لأزواجهم ﴿مَّتَاعاً إِلَى الْحَوْلِ﴾ أي أن ينفق عليهن من ماله لمدة عام. قيل: إنه منسوخ بقوله تعالى: ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً﴾ ولعله حق من حقوق الزوجة؛ لها أن تتمتع به ما دامت لم تتزوج غير زوجها المتوفى ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ أي لا يخرجهن أحد من مساكنهن
⦗٤٧⦘ ﴿فإن خرجن﴾ منها باختيارهن - قبل العام، وبعد انتهاء العدة - ﴿فَلاَ جُنَاحَ﴾ لا حرج ولا إثم ﴿عَلَيْكُمْ﴾ يا أولياء الميت، أو يا أيها الحكام ﴿فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ﴾ بترك الحداد، والتزين، والتعرض للخطّاب ﴿مِن مَّعْرُوفٍ﴾ أي بشرط أن يكون ذلك في حدود المعروف؛ الذي لا ينكره الشرع، ولا العادة، ولا البيئة
стр. 220
﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ﴾ نفقة العدة؛ يعطى لها ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ من غير جلبة ولا مشقة ﴿حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾
فمن كان يتقي الله تعالى؛ فليعط مطلقته - وقد كانت ضجيعته وموضع سره ومحبته - نفقتها «بالمعروف» من غير أذى، ولا معاندة، ولا مضارة
стр. 221
﴿حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ خرجوا هرباً من الجهاد. وقيل: هرباً من الطاعون ﴿فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُواْ﴾ أي أماتهم، أو عرضهم للموت عند الجهاد واحتدام القتال ﴿ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾ نصرهم على عدوهم - بعد يأسهم - والنصر: هو الحياة؛ إذ لا حياة مع ذلة، ولا بقاء بلا حرية وقيل: أماتهم موتاً حقيقياً؛ ليعلمهم بعد إحيائهم - أن الجبن لا يقي من الموت ﴿قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ وليعرفهم أن القتال والاستبسال قد يكونان سبباً في الحياة الدنيوية والسعادة الأخروية ﴿ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾ بعد موتهم؛ بدعوة نبيهم
стр. 222
﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ لأقوالكم ﴿عَلِيمٌ﴾ بأفعالكم وسرائركم
стр. 223
﴿مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ﴾ عبر تعالى عمن ينفق في سبيله، ويتصدق على عبيده؛ بالمقرض له وذلك لتأكد الوفاء والجزاء. ومن أوفى من الله في مضاعفة الحسنات؟ ولكن هل من مؤمن؟ وهل من مصدق؟ وكيف لا تصدقون ﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ﴾ الأرزاق عمن يشاء ابتلاء ﴿وَيَبْسُطُ﴾ يوسع لمن يشاء امتحاناً؛ وبيده وحده المنع والعطاء (انظر آية ٢٦١ من هذه السورة)
стр. 224
﴿الْمَلإِ﴾ الجماعة ﴿مِن بَعْدِ مُوسَى﴾ أي بعد موته ﴿هَلْ عَسَيْتُمْ﴾ أي هل طمعتم ورجوتم ﴿إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ فرض عليكم الجهاد ﴿وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَآئِنَا﴾ وقد كان جالوت وقومه قد احتلوا ديارهم، وسبوا نساؤهم، وقتلوا أبناءهم ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْاْ﴾ أي فلما فرض عليهم الجهاد، وألزموا بتخليص أوطانهم من العدو: أعرضوا ﴿إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ﴾ وهبوا نعمة الإقدام ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمينَ﴾ الكافرين؛ الذين لم يستمعوا لأوامره، وضعفوا واستكانوا
стр. 225
﴿أَنَّى﴾ كيف ﴿وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ﴾ ظنوا أن الله تعالى لا يؤتي ملكه إلا للأغنياء؛ وفاتهم أن العزة بالتقى، لا بالغنى ﴿اصْطَفَاهُ﴾ اختاره ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ البسطة في العلم: التوسع فيه، وشدة الفهم له. وفي الجسم: الطول، والضخامة، والقوة ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ﴾ أي واسع الفضل والخير والرزق
⦗٤٨⦘ ﴿عَلِيمٌ﴾ بمن هو أحق بالملك، وأجدر بالرفعة
стр. 226
﴿آيَةَ مُلْكِهِ﴾ علامته ﴿التَّابُوتُ﴾ وهو صندوق كانت به التوراة؛ وكان قد رفع من قبل عقوبة لهم ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ﴾ طمأنينة لقلوبكم؛ وهو كتاب الله تعالى «التوراة» وقد جرت عادته جل شأنه أن يبعث طمأنينته وسكينته في كتبه الكريمة، المنزلة على أنبيائه عليهم الصلاة والسلام؛ وأي طمأنينة وسكينة أعلى وأرقى من حسن الجزاء ومزيد العطاء، وكرم الرحيم، ورحمة الكريم ﴿وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ﴾ بعض الألواح التي أنزلت على موسى ﵇، وبها الكثير من الأحكام
стр. 227
﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ﴾ خرج ﴿مُبْتَلِيكُمْ﴾ مختبركم ﴿فَلَمَّا جَاوَزَهُ﴾
أي جاوز طالوت النهر ﴿قَالُواْ﴾ أي قال الذين خانوا أمر طالوت، وشربوا من النهر ﴿قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ﴾ يتأكدون ﴿أَنَّهُمْ مُلاَقُواْ اللَّهِ﴾ وهم الذين أطاعوا أمره، وسمعوا قوله؛ ولم يشربوا من النهر ﴿كَم مِّن فِئَةٍ﴾ جماعة
стр. 228
﴿وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾ أي استعدوا لمحاربتهم، واصطفوا لقتالهم ﴿قَالُواْ رَبَّنَآ أَفْرِغْ﴾ أصبب
стр. 229
﴿وَلَوْلاَ دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ﴾ يؤخذ من هذه الآية: أن الحرب من لوازم الحياة الدنيا، وأنه بدونها لا يتم العمران: فبها يحفظ التوازن الكوني، ولا يبقى على ظهر الأرض سوى من يصلح للبقاء، وللخلافة فيها؛ اللهم إلا إذا أراد الله تعالى لأرضه الفناء؛ فيشيع الفجور، وتعم الفوضى، ويملك الأرض العتاة المتجبرون؛ فيعيثون فيها فساداً، وفي أهلها إفساداً؛ ليتم الله تعالى أمره، ويرث الأرض ومن عليها؛ ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُواْ بِمَا عَمِلُواْ وَيِجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُواْ بِالْحُسْنَى﴾.
وحاجة الكون إلى الحرب؛ كحاجته إلى الأوبئة والطواعين؛ إذ لو ترك العالم بغير حرب، وبغير وباء؛ لتكدس الناس فوق هذه الأرض تكدس الذباب، ولتكاثروا تكاثر الجراد؛ ولأكل بعضهم بعضاً شأن أحقر الحيوانات وأدنئها
ولكن شتان بين الحروب التي يحتاجها الكون، والحرب التي يدبرها الآن بعض المخلوقين للبعض الآخر؛ فإن الأولى يجب أن تكون لدفع ظلم، أو رد عدوان - وكثيراً ما يقع الظلم، ويحيق العدوان - أما الثانية فهي حروب تدبرها رؤوس خوت من العقل، وقلوب خلت من الرحمة ولا سبب لها سوى حب السيطرة، والسيادة، والتوسع. هذا وقد تطورت الحروب منذ بدء الخليقة حتى الآن: فقد كانت بادىء ذي بدء بالعصى والحجارة، ثم صارت بالمدى والسيوف، والقسي والرماح؛ ثم تطورت إلى البنادق والمدافع؛ وأخيراً - وليس آخراً - دبر الإنسان لهلاك نفسه، ومحو حضارته: القنابل الذرية والهيدروجينية،
⦗٤٩⦘ والكوبالت، والصواريخ الموجهة؛ وما شاكل ذلك من وسائل التخريب والهلاك؛ ليهدم ما بنته الإنسانية في مئات الملايين من السنين، ويجتاح ما شيدته الفطر السليمة من مدنية وحضارة بتوجيه من موجد الكون ومنشئه تعالى ولو استمر دعاة السوء والحرب ما هم عليه الآن؛ لحق لنا أن نقول بحق: إن الجنس الإنساني قد أصبح بغير شك أغبى من الذباب - وقد هداه الله تعالى النجدين - وأحط من الصرصور - وقد خلقه تعالى في أحسن تقويم - وهذا نهاية الطيش والحمق والجنون وهو إن دل على شيء؛ فلا يدل إلا على عقول عفنة، أتلفها الجشع والطمع وقلوب متحجرة، أفسدتها الأنانية وحب الذات وحقاً إن أعدى أعداء الإنسان؛ لهو الإنسان نفسه
ولو خير العقلاء بين هذه الحروب وتلكم الأوباء؛ لاختاروا الثانية وفضلوها على الأولى وذلك لأن الأولى من صنع حثالة الخلائق، ووحوش البشرية؛ والثانية من صنع الحكيم العليم، العزيز الرحيم، الذي لا يصدر أعماله إلا بحكمة، ولا ينفذ قضاءه إلا برحمة؛ وكل شيء عنده بمقدار
وترى دعاة الحروب - رغم استعدادهم بتلك القوى الهائلة، وهذه الأدوات المهلكة - يتميزون بالجبن والخور: يخشون المحن، وعاديات الزمن؛ تحيط بهم الأطباء من كل جانب؛ ليحافظوا على نبضهم وضغطهم وحرارتهم فهم دائماً في مرض ونصب، وهم وتعب (انظر آية ٥٠ من سورة طه) ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ فيسخر هؤلاء للحرب: تبعاً لحاجة الكون إلى الحرب؛ لا تبعاً لحاجاتهم وأطماعهم؛ فتعالى القادر القاهر، المسير المسخر الذي هو بكل شيء عليم
стр. 230
﴿تِلْكَ الرُّسُلُ﴾ الذين نقصّ عليك قصصهم معجزة لنبوتك، وآية لأمتك ﴿فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ لما ميزناهم به عن الآخرين ﴿مِّنْهُمْ مَّن كَلَّمَ اللَّهُ﴾ كموسى ﵊؛ وهي مرتبة جليلة: اصطفاه الله تعالى لها، واختصه بها. (انظر آية ١٦٤ من سورة النساء) ﴿وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ وناهيك برفعة قدر نبينا عليه أفضل الصلاة وأتم السلام
فاق النبيين في خلق وفي خلق
ولم يدانوه في علم ولا كرم
لم يساووك في علاك وقد حا
ل سناً منك دونهم وسناء
﴿وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ﴾ المعجزات الواضحات، كإحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص بإذن الله تعالى ﴿وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ جبريل ﵇، وقيل الإنجيل ﴿يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنْفِقُواْ﴾ زكوا وتصدقوا ﴿مِمَّا رَزَقْنَاكُم﴾ به، وأمرناكم بالإنفاق منه ﴿مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ﴾ هو يوم القيامة
стр. 231
﴿لاَّ بَيْعٌ فِيهِ﴾ أي لا معاملة فيه بين الناس كشأنهم في الدنيا. أو هو إشارة إلى أن حرصهم في الدنيا على الربح والكسب، والبيع والشراء، والأخذ والعطاء، واهتمامهم بشؤون دنياهم؛ كل هذا لا يفيد في الآخرة؛ التي لا يفيد فيها سوى العمل الصالح؛ وأين العمل الصالح؛ وقد قضوا أعمارهم في الحرص على الربح - من أي وجه كان - من رباً، أو سرقة، أو كذب، أو خداع ﴿وَلاَ﴾ تنفع في هذا اليوم صداقة أو محبة؛ وقد كانوا في الدنيا يتحابون في الشيطان، ويتصادقون على المعاصي فلا صداقة اليوم تنجي من عذاب الله ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ أي والتاركون للزكاة ﴿هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ بدليل أول الآية ﴿يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنْفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاكُم﴾ وبدليل قوله تعالى: ﴿وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ وكفر تارك الزكاة لا يحتاج إلى دليل؛ فقد قاتل الصديق رضي الله تعالى عنه مانعيها؛ والمؤمن لا تجوز مقاتلته إطلاقاً؛ فيؤخذ من ذلك أن أبا بكر حكم بخروجهم من الإسلام لمنعهم الزكاة؛ وقد قال: «والله لو منعوني عقال بعير لقاتلتهم عليه» ومن أولى بالاقتداء والاتباع من أبي بكر؟
وقد سماهم الله تعالى في هذه الآية بالكافرين وفي آية أخرى بالمشركين، وهذه التسمية بهم أولى وأليق (انظر الآيات ٦ و٧ من سورة فصلت، وآية ١٤صلى الله عليه وسلّم من سورة الأنعام).
стр. 232
﴿اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ﴾ الذي لا يموت أبداً ﴿الْقَيُّومُ﴾ القائم بتدبير الخلق وحفظه؛ والقائم بذاته: الذي لا يقوم غيره إلا به وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أن ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ هو الاسم الأعظم؛ الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى ﴿لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ﴾ نعاس وهو ما يتقدم النوم من الفتور ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ أي لا يشفع أحد عنده تعالى إلا إذا أذن له بالشفاعة ورضي قوله ﴿يَوْمَئِذٍ لاَّ تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً﴾ قال شفيعنا عليه أفضل الصلاة وأتم السلام «يجمع الله تعالى الناس يوم القيامة فيقولون: لو استشفعنا عند ربنا فيريحنا مما نحن فيه؟ فيأتون آدم فيقولون: أنت الذي خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا لك؛ فاشفع لنا عند ربنا. فيقول: لست هناكم ليست لي هذه المرتبة؛ ويذكر خطيئته - أكله من الشجرة - ويقول: ائتوا نوحاً؛ أول رسول بعثه الله تعالى. فيأتونه فيقول: لست هناكم؛ ويذكر خطيئته - دعوته على قومه - ويقول: ائتوا إبراهيم؛ الذي اتخذه الله خليلاً. فيأتونه فيقول: لست هناكم؛ ويذكر خطيئته - كذباته الثلاث التي عرض بها - ويقول: ائتوا موسى؛ الذي كلمه الله تعالى. فيأتونه فيقول: لست هناكم؛ ويذكر خطيئته
⦗٥١⦘ - قتله القبطي - ويقول: ائتوا عيسى فيأتونه فيقول: لست هناكم؛ ائتوا محمداً؛ فقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؛ فيأتوني فأستأذن على ربي، فإذا رأيته وقعت ساجداً؛ فيدعني ما شاء، ثم يقال: ارفع رأسك، وسل تعطه، وقل يسمع، واشفع تشفع فأرفع رأسي فأحمد ربي بتحميد يعلمنيه؛ ثم أشفع فيحد لي حداً، ثم أخرجهم من النار وأدخلهم الجنة؛ ثم أعود فأقع ساجداً مثله - في الثالثة أو الرابعة - حتى ما يبقى في النار إلا من حبسه القرآن أي أوجب عليه الخلود» (انظر آية ٩٣ من سورة النساء) ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾
أي ما سيعملونه، وما عملوه ﴿وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَآءَ﴾ أن يعلمهم إياه ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ﴾ أي وسع علمه ﴿السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ وما فيهما ﴿وَلاَ نَوْمٌ﴾ لا يشق عليه تعالى ولا يتعبه ﴿حِفْظُهُمَا﴾ بهذا النظام العجيب، والتدبير البديع ﴿لاَ الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَآ أَن تدْرِكَ القَمَرَ وَلاَ الْلَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ * وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَعَشِيّاً وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾
стр. 233
﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ يؤخذ من هذه الآية الكريمة: حرية الاعتقاد؛ ليكون التدين قرين البحث الفكري، والاقتناع العقلي؛ وذلك لأنه ﴿قَد تَّبَيَّنَ﴾ مما سقناه من المعجزات، وأوردناه من الآيات ﴿الرُّشْدُ﴾ الصواب؛ وهو الإيمان ﴿مِنَ الْغَيِّ﴾ الضلال؛ وهو الكفر ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ﴾ الطاغوت: الشيطان، أو الأصنام، أو هو كل رأس في الضلال. وهو مشتق من الطغيان ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ الحبل المحكم الوثيق ﴿لاَ انفِصَامَ لَهَا﴾ أي لا انقطاع لهذه العروة التي وثقها الله تعالى بالحق، وقواها بالإيمان
стр. 234
﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ﴾ ناصرهم ومعينهم، ومتولي أمورهم وكافيهم ولا تكون ولاية الله تعالى إلا للمؤمنين الصادقين ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لاَ مَوْلَى لَهُمْ﴾ والإيمان سابق على ولاية الله تعالى؛ فلو لم يؤمن الإنسان: لكان وليه الشيطان ﴿يُخْرِجُهُمْ﴾ مولاهم ﴿مِّنَ الظُّلُمَاتِ﴾ الكفر والجهل ﴿إِلَى النُّورِ﴾ الإيمان والعلم. (انظر آية ١٧ من هذه السورة) ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ﴾
نصراؤهم وأصدقاؤهم﴾ الإيمان والعلم ﴿إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ الكفر والجهل. جعلنا الله تعالى من المؤمنين الجديرين بولايته وحمايته، وأخرجنا من ظلمات الكفر والجهل، إلى نور الإيمان والعلم
стр. 235
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَآجَّ﴾ جادل ﴿إِبْرَاهِيمَ فِي رِبِّهِ﴾ أي في حقيقة وجوده وربوبيته ﴿أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾ أي غره ما هو فيه من ملك وسلطان؛ فجادل إبراهيم في ربه؛ وقد فاته أن السلطان الذي هو فيه، والملك الذي أوتيه؛ من لدن
⦗٥٢⦘ ذي الجلال والإكرام؛ الذي يؤتي فضله من يشاء - منحة أو محنة - ليقيم بذلك الدليل على وجوده، والبرهان على وحدانيته ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ﴾ لعدو الله نمروذ ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ أي يخلق الحياة والموت ﴿قَالَ﴾ نمروذ ﴿أَنَا﴾ أيضاً ﴿أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ مثلما يحيي ربك ويميت ﴿قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ إن استطعت. وهنا أسقط في يد الكافر الخاسر؛ وقامت عليه الحجة القاطعة الدامغة ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ دهش وتحير، ولم يحر جواباً وذلك لأن إبراهيم ﵊ ألهمه مولاه أن يسلك مع عدو الله أسلوباً قاطعاً لكل جدل، دامغاً لكل حجة: لقد قال الكافر لإبراهيم - جواباً على تقريره بأن الله تعالى يحيي ويميت - «أنا أحيي وأميت» فلو قال إبراهيم: كيف تحيي وكيف تميت؛ وقد انفرد الله تعالى بهما دون سائر الخلائق؟ لأحضر عدو الله إنساناً مقضياً بموته فأطلقه، وإنساناً بريئاً فأماته؛ وكان لإبراهيم على ذلك رد آخر: وهو أن الله تعالى يحيي ابتداء ويميت بغير أداة؛ ولاتسعت بينهما رقعة الجدال؛ ولكن الله تعالى ألهمه العدول عن مجاراته في هذه المهاترات، والتضييق عليه بالحجة التي لا تقبل التأويل، ولا تحتمل الجدل، ولا تتسع للمحاورة والمداورة؛ فقال له: «إن الله يأتي بالشمس من المشرق» فإن كنت إلهاً كما تزعم ﴿فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ وأنى لعدو الله أن يتعرض لملك الله بتغيير، أو لنظامه بتبديل؟
стр. 236
﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ﴾ وهو عزير: أحد أنبياء بني إسرائيل (انظر آية ٣٠ من سورة التوبة) ﴿وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ أي ساقطة على سقوفها؛ وهي بيت المقدس؛ وقد خربها بختنصر، وقتل أهلها ومن فيها ﴿قَالَ﴾ عزير في نفسه ﴿أَنَّى يُحْيِي﴾ كيف يحيي؟ ﴿هَذِهِ﴾ القرية؛ أي أهلها ﴿اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ خرابها وهلاك أهليها ﴿فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِئَةَ عَامٍ﴾ أنامه؛ كما أنام أصحاب الكهف نيف وثلاثمائة عام ﴿ثُمَّ بَعَثَهُ﴾ أيقظه كما أيقظهم. وقد يكون المراد بالإماتة: الموت الحقيقي؛ الذي هو سلب الروح من الجسد - سلباً كلياً - ليكون إحياؤه دليلاً على إحياء أمثاله ممن مات من أهل هذه القرية ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ لم يتغير ﴿وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ﴾ كيف صار رميماً؛ وهذا يدل على طول المكث، وأنه لبث مائة عام؛ لا ﴿يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ كما توهم. وقد أراه الله تعالى - في نفسه - كيف يقوم الإنسان بعد الإحياء عند بعثه، وأراه - في حماره - كيف يجمع العظم المتفتت، وكيف يركب بعضه فوق بعض ﴿وَانْظُرْ إِلَى العِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا﴾ نركب بعضها على بعض (انظر آية ٢٠ من سورة الكهف)
стр. 237
﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى﴾ قد يظن ظان
⦗٥٣⦘ من هذه القالة - أن إبراهيم ﵇ كان شاكاً في البعث، أو كان مرتاباً في قدرة ربه تعالى - وهو صفيه وخليله ومصطفاه - ولا يجوز بحال نسبة الشك، أو الارتياب إلى الأنبياء عليهم الصَّلاة والسَّلام؛ خصوصاً في أهم المعتقدات التي يتوقف عليها صحة الإيمان: كالبعث والإحياء. وأمامنا الكهرباء واللاسلكي وأمثالهما؛ فما من أحد إلا ويؤمن بهما إيماناً يقينياً وهو لا يعرف كيفيتهما أو كنههما؛ ويود لو توصل إلى عرفانهما. ولا يقال: إنه بطلبه هذه المعرفة شاك فيهما، غير مؤمن بوجودهما ﴿فَصُرْهُنَّ﴾ اضممهن ﴿ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً﴾
قيل: إنه أخذ أربعة أصناف من الطيور؛ فذبحها وخلط بين لحمها وعظمها ودمها وريشها، وجعل على كل جبل جزءاً منها؛ ثم نادى: تعالين بإذنالله؛ فصار كل جزء منهن يتضامُّ إلى الآخر ويتماسك، وجئن إليه طائرات كما كن
стр. 238
﴿مَّثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ابتغاء مرضاته وثوابه ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ﴾ من قمح؛ زرعت في الأرض فـ ﴿أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ﴾ وهذا العدد أضعاف ما تنتجه أخصب الأراضي وأحسنها﴾ ينمي ويزيد في الحسنات ﴿لِمَن يَشَآءُ﴾ أكثر من السبعمائة ضعف المذكورة: ﴿سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ﴾ فقد يجعل الكريم الحليم، الودود الرحيم؛ من كل حبة من هذه السبعمائة: سبعمائة أخرى؛ فتكون أربعمائة وتسعين ألفاً - كما يفعل الزارع الثري الغني - ويضاعفها تعالى أيضاً إن شاء؛ وذلك معنى قوله تعالى: ﴿فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً﴾ ولا حرج على فضله تعالى (انظر آية ١١٧ من سورة آل عمران)
стр. 239
﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ابتغاء ثوابه ومرضاته ﴿ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَآ أَنْفَقُواُ مَنّاً﴾ المن: أن يعتد الإنسان ويفخر على من أحسن إليه بإحسانه ﴿وَلاَ أَذًى﴾ ينالون به المنفق عليه؛ بأن يسخروه في المشاق، ويؤذوه بالشتم والسب؛ أولئك المنفقين الذين لا يمنون ولا يؤذون ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ وناهيك بأجر الكريم العظيم وفي هذا ما فيه من عظم الأجر، ومزيد الثواب ﴿وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ لِّلأَبْرَارِ﴾
стр. 240
﴿قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَآ أَذًى﴾ أي إنك إن تلين لأخيك القول، وتغفر له زلاته، وتعفو عن سيئاته؛ خير - عند الله - من أن تتصدق عليه صدقة تتبعها بالمن والأذى
стр. 241
﴿يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأَذَى﴾ أي لا تذهبوا ثواب صدقاتكم بأن تمتنوا بها على الفقراء، وتقابلوهم بالسخرية والاستهزاء، وتؤذوهم بالقول أو بالفعل؛ بسبب حاجتهم إليكم، ولا تجعلوا إنفاقكم ﴿كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَآءَ النَّاسِ﴾ أي مراءاة لهم وتفاخراً؛ ليقال: هو كريم
⦗٥٤⦘ جواد.
وما أكثر هؤلاء في عصرنا هذا ﴿فَمَثَلُهُ﴾ أي مثل المنفق رياء ﴿كَمَثَلِ صَفْوَانٍ﴾ حجر أملس ﴿عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ﴾ مطر غزير ﴿فَتَرَكَهُ صَلْداً﴾ أملس لم يعلق به شيء؛ فكذلك من يرائي بعبادته وإنفاقه؛ فإن رياءه يذهب ثواب عمله، ولا يبقي له أجراً؛ كما يذهب المطر ما على الحجر الصلد الأملس من التراب ﴿لاَّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ﴾ أي لا يجدون ثواب شيء مما أنفقوا؛ لأنهم أنفقوه رياء؛ وابتغاء الفخر؛ لا ابتغاء وجه الله تعالى ومرضاته. هذا مثلهم
стр. 242
﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَآءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ أي طلباً لرضائه ﴿وَتَثْبِيتاً مِّنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ أي متثبتين مستيقنين بحسن جزائه، ومزيد ثوابه ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ﴾ بستان ﴿بِرَبْوَةٍ﴾ مكان مرتفع ﴿أَصَابَهَا وَابِلٌ﴾ مطر شديد ﴿فَآتَتْ أُكُلَهَا﴾ أنتجت ثمرها ﴿ضِعْفَيْنِ﴾ أي مثلي ما يثمر غيرها ﴿فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ﴾ مطر قليل؛ وهو الرذاذ، أو الندى. أي أن المنفقين ابتغاء وجه الله تعالى: يتضاعف لهم ثواب أعمالهم، ويجزون عنها الجزاء الأوفى؛ وذلك بعكس المرائي الذي يمحي ثواب عمله
стр. 243
﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ﴾ استفهام للإنكار ﴿أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ﴾ بستان ﴿مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾ ذكر الله تعالى النخيل والأعناب في غير موضع من كتابه الجليل؛ وذلك لفتاً لأنظار ذوي الاعتبار إلى ما يحتويه الصنفان من فوائد تجل عن الحصر: فمن فوائد التمر أنه يقوي الكبد والرئتان والحلق، ويزيد في الباه مع الصنوبر، وأكله على الريق: قاتل لديدان المعدة، وهو من أكثر الثمار تغذية للبدن؛ ويعتبر التمر غذاء ودواء، وفاكهة. أما العنب فهو من أجل الفواكه وأكثرها نفعاً؛ وهو يسهل ويسمن، ويقوي القلب والرئتان، ويقطع البلغم ﴿وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ﴾ ضعف عن السعي والكسب، واحتاج إلى الدعة والراحة ﴿وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَآءُ﴾ أبناء صغار ضعاف؛ لا يقدرون على السعي والكسب ﴿فَأَصَابَهَآ﴾ أي أصاب جنته؛ الذي أصبح هو وذريته في مسيس الحاجة إلى ثمارها ﴿إِعْصَارٌ﴾ ريح شديد مهلكة ﴿فِيهِ نَارٌ﴾ أي في هذا الإعصار نار ﴿فَاحْتَرَقَتْ﴾ جنته بما فيها من نبات وثمار
وهذا تمثيل لذهاب ثواب المرائي يوم القيامة؛ وهو أشد ما يكون احتياجاً إلى قليل الثواب
стр. 244
﴿يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنْفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ أي من أحسن ما عندكم وأنفسه ﴿وَمِمَّآ أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ﴾ من سائر صنوف النبات والفاكهة ﴿وَلاَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ أي لا تقصدوا أردأ ما عندكم فتجودوا به؛ يؤيده قوله تعالى: ﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ﴾ أي لو قدم لكم
⦗٥٥⦘ ما تقدمونه من الخبيث؛ لتأخذوه في حق من حقوقكم؛ ما قبلتموه لفساده ورداءته ﴿إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ﴾ أي إلا أن تغضوا أبصاركم عن خبثه ورداءته؛ فكيف تقدمونلله ما لا ترضونه لأنفسكم أتجعلونلله ما تكرهون؟ والإغماض: غض البصر. وهو كناية عن المسامحة ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ﴾ عنكم وعن إنفاقكم؛ ولكنه تعالى يمتحن بهذه الأوامر قلوبكم ﴿حَمِيدٌ﴾ محمود، وأهل لكل حمد. أو «حميد» يحمد أفعالكم الحسنة؛ فيجازيكم عليها
стр. 245
﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾ أي يخيل إليكم بوسوسته أن الإنفاق يذهب بمالكم، ويفضي إلى سوء حالكم؛ ولكن الله تعالى ﴿يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ﴾ لذنوبكم ﴿وَفَضْلاً﴾ يختصكم به في الدنيا ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ﴾ موسع عليكم جزاء إنفاقكم؛ ألا ترون إلى قوله جل شأنه: ﴿مَّثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ﴾ وقوله عز وعلا: ﴿وَمَآ أَنفَقْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ وقد وعد تعالى مغفرة ذنوبكم: جزاء حسناتكم ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ ﴿عَلِيمٌ﴾ بالمنفقين فيكافئهم، وبالممسكين فيعاقبهم
стр. 246
﴿يُؤّتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ﴾
والحكمة: العلم النافع، الموصل لخيري الدنيا والآخرة ﴿وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾ ومن الحكمة: أن يعلم الإنسان أن الله تعالى صادق الوعد، وأن ما يبذله في سبيله سيؤتيه مكانه أضعافاً مضاعفة في الدنيا، وثواباً عظيماً ومغفرة ورضواناً في الآخرة ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ﴾ يتذكر ﴿إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ﴾ ذووا العقول
стр. 247
﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ﴾ الأغنياء؛ الذين ظلموا الفقراء بحبس حقوقهم عنهم، ومنع إيصال الصدقات إليهم؛ فهؤلاء ما لهم ﴿مِنْ أَنْصَارٍ﴾ ينصرونهم من الله تعالى، ويمنعون عنهم عذابه يوم القيامة. أو المراد: أنهم ليس لهم أنصار في الدنيا؛ لكراهة الناس لهم، وبغضهم إياهم (انظر الآيات ١٤١ من سورة الأنعام، و٦ و٧ من سورة فصلت)
стр. 248
﴿إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَاتِ﴾ وتوزعوها أمام الناس عياناً ﴿فَنِعِمَّا هِيَ﴾ فنعم شيئاً هي؛ لأن إبداءها يحفز الهمم على التقليد لكم، والاقتداء بكم ﴿وَإِن تُخْفُوهَا﴾ عن الناس، وتتستروا عند إعطائها ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ لأن فيه جبر خواطر الفقراء، وعدم إذلالهم والأفضل أن يبدي الزكاة المفروضة للاقتداء، ويخفي الصدقة حتى لا تعلم شماله ما فعلت يمينه ﴿وَيُكَفِّرُ﴾ يمحو
стр. 249
﴿لَّيْسَ عَلَيْكَ﴾ يا محمد ﴿هُدَاهُمْ﴾ أي لا تذهب نفسك عليهم حسرات؛ فلست ملزماً بهدايتهم؛ إنما عليك الإنذار والبلاغ المبين ﴿مَّنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾ ﴿وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلأَنْفُسِكُمْ﴾ أي فثوابه وأجره عائد عليكم ﴿وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ﴾ جزاؤه في الدنيا بالستر، وفي الآخرة بالأجر
стр. 250
﴿لِلْفُقَرَآءِ الَّذِينَ أُحصِرُواْ﴾ منعوا بسبب الجهاد عن التكسب، وعن السير في مناكبها ﴿لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الأَرْضِ﴾ أي لا يستطيعون سفراً للتجارة والكسب
﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ﴾ بحالهم ﴿أَغْنِيَآءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ وذلك لإبائهم السؤال، ومجانبتهم التملق والتزلف ﴿تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ﴾ بما يلوح عليهم من انكساف البال، ورثاثة الحال ﴿لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافاً﴾ إلحاحاً أي يأخذونه ويستحلونه. والربا: الزيادة. هذا وقد فشا الربا في مجتمعنا هذا فشواً شنيعاً ذريعاً؛ ينذر بضياع الثروة، ومحو البركة، وسقوط المحبة، وانعدام التعاطف والتراحم بين الناس. وآكلوا الربا
следующие страницы →