Полный текст (5 331 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.
стр. 1891
﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ﴾ قاتلها غماً وحزناً ﴿عَلَى آثَارِهِمْ﴾ بعد توليهم عنك، وامتناعهم عن الإيمان بك ﴿إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَذَا الْحَدِيثِ﴾ القرآن
⦗٣٥٢⦘ ﴿أَسَفاً﴾ حزناً وكمداً
стр. 1892
﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ﴾ من أشجار وحفيف ورقها، وأزهار وأريج نشرها، وثمار ولذيذ طعمها، وأنهار وسلسبيل مائها، وبحار وعظيم موجها، وجبال وشامخ بنيانها، ورمال وبديع ألوانها؛ وغير ذلك مما يدهش العقول، ويحير الألباب كل ذلك خلقه المبدع الحكيم ﴿زِينَةً لَّهَا﴾ أي للدنيا؛ ليستمتع به أهلها ﴿لِنَبْلُوَهُمْ﴾ نختبرهم ﴿أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ بالزهد في الدنيا، وعدم الإقبال عليها، والرغبة في الآخرة، والحرص على كل ما يوصل إليها
стр. 1893
﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا﴾ أي ما على الأرض من زينة ﴿صَعِيداً جُرُزاً﴾ يابساً لا ينبت.
والأرض الجرز: التي لا نبات عليها، ولا بنيان؛ كأن ما عليها قد اجتث
стр. 1894
﴿أَمْ حَسِبْتَ﴾ يا محمد ﴿أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ﴾ وهو الغار الواسع في الجبل ﴿وَالرَّقِيمِ﴾ لوح مكتوب عليه أسماء أصحاب الكهف وأنسابهم، ولعله كتاب مرقوم؛ أنزل لهم لتعليمهم الشرائع. وقيل: إنه اسم كلبهم. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: ما أدري ما الرقيم؛ أكتاب هو أم بنيان؟ ﴿كَانُواْ مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً﴾ أي لا تحسب أن العجب في قصة أصحاب الكهف؛ وإنما العجب كل العجب فيما خلقناه من سموات وأرضين، وما جعلناه على الأرض زينة لها ولمن فيها
стр. 1895
﴿وَهَيِّىءْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً﴾ توفيقاً للرشاد والسداد
стр. 1896
﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ﴾ أي أنمناهم إنامة ثقيلة؛ لا تنبههم الأصوات ﴿سِنِينَ عَدَداً﴾ كناية عن التكثير؛ أي سنين كثيرة معدودة؛ وذلك لأن القليل يعلم من غير عد
стр. 1897
﴿ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ﴾ أيقظناهم من نومهم؛ كما نبعث أهل القبور من موتهم ﴿لِنَعْلَمَ أَيُّ الحِزْبَيْنِ﴾ المختلفين في مدة لبثهم ﴿أَحْصَى﴾ أضبط ﴿لِمَا لَبِثُواْ أَمَداً﴾ مدة وغاية
стр. 1898
﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ قويناها على تحمل المكروه في نصرة الدين ﴿إِذْ قَامُواْ﴾ بين قومهم، وأمام ملكهم؛ وقد عكفوا جميعاً على عبادة الأصنام ﴿فَقَالُواْ﴾ مجاهدين ﴿رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ لن نؤمن بغيره، و ﴿لَن نَّدْعُوَاْ مِن دُونِهِ إِلهاً﴾ آخر ﴿لَّقَدْ قُلْنَا إِذاً﴾ إذا دعونا من دونه ﴿شَطَطاً﴾ قولاً ذا شطط؛ أي بعيداً عن الحق
стр. 1899
﴿لَّوْلاَ﴾ هلا ﴿بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ﴾ بحجة ظاهرة على صحة عبادتهم لها
стр. 1900
﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ﴾ خطاب لأهل الكهف؛ أي وإذ جانبتم هؤلاء الكفار ﴿وَمَا يَعْبُدُونَ﴾ أي واعتزلتم الذين يعبدونه من الآلهة ﴿إَلاَّ اللَّهَ﴾ سوىالله. وقرأ ابن مسعود «وما يعبدون من دون الله» وعلى ذلك مصحفه؛ وذهب قتادة إلى أنه تفسيرها ﴿فَأْوُوا﴾ الجأوا ﴿يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِ﴾ يبسطها لكم ﴿وَيُهَيِّىءْ لَكُمْ مِّنْ أَمْرِكُمْ مِّرْفَقاً﴾ وهو ما ينتفع به؛ من بناء، وغذاء، وكساء
стр. 1901
﴿تَّزَاوَرُ﴾ تميل تقطعهم؛ أي تتركهم وتعدل عنهم ﴿وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِّنْهُ﴾ متسع من الكهف. والفجوة: الفرجة ﴿ذَلِكَ﴾ أي ميل الشمس وتركها لمكانهم؛ مع مخالفة ذلك للنظام الكوني ﴿مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾ الدالة على وجوده وقدرته ﴿فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً﴾ يلي أمره، ويقوم بمعونته ﴿مُّرْشِداً﴾ له إلى الهدى وطريق الصواب
стр. 1902
﴿وَتَحْسَبُهُمْ﴾ إذا رأيتهم ﴿أَيْقَاظاً﴾ منتبهين؛ لأن أعينهم منفتحة ﴿وَهُمْ رُقُودٌ﴾ نيام ﴿وَنُقَلِّبُهُمْ﴾ أثناء نومهم ﴿ذَاتَ اليَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ﴾ لئلا تأكل الأرض لحومهم؛ وقد يكون التقليب بواسطة ملك يأمره الله تعالى به، أو بفعلهم هم - بتوفيق من الله تعالى - كما يفعل النائم حال نومه؛ ولذا يحسبهم الرائي أيقاظاً؛ لتقلبهم وانفتاح أعينهم ﴿بِالوَصِيدِ﴾ عتبة الكهف. والباب الموصد: المغلق ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوْلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَاراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً﴾ لما حفهم الله تعالى به من الهيبة، وأحاطهم به من العظمة؛ وقد منعهم الله تعالى من الناس بالرعب: لئلا يقربوا منهم، ويعبثوا بهم؛ فصاروا بحيث لا يستطيع أحد قربهم أو الدنو منهم. أما من قال: إن الفرار منهم والرعب بسبب طول شعورهم وأظفارهم؛ فليس بشيء: لأنهم حين استيقظوا قال بعضهم لبعض ﴿لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾
стр. 1903
﴿وَكَذلِكَ بَعَثْنَاهُمْ﴾ أيقظناهم من نومهم ﴿لِيَتَسَآءَلُوا بَيْنَهُمْ﴾ ليسأل بعضهم بعضاً ﴿فَابْعَثُواْ أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ﴾ الورق: الفضة. والمراد بها: النقود التي كانت متداولة بينهم ﴿فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَآ أَزْكَى﴾ أحل وأطيب ﴿وَلْيَتَلَطَّفْ﴾ في دخول المدينة، وشراء الطعام
стр. 1904
﴿إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُواْ عَلَيْكُمْ﴾ يطلعوا عليكم، ويعلموا مكانكم
стр. 1905
﴿وَكَذلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ﴾ أطلعنا عليهم ﴿لِيَعْلَمُواْ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ أي ليعلم الناس أن وعد الله تعالى بالبعث حق: لأن القادر على بعث أهل الكهف - بعد نومهم ثلاثمائة عام - قادر على بعث الخلق بعد مماتهم. وبعث الناس يوم القيامة سيكون بأجسادهم؛ وقد أقام الله تعالى الدليل على ذلك بإحياء حمار عزير قال تعالى له ﴿وَانْظُرْ إِلَى العِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً﴾ (انظر آية ٢٥٩ من سورة البقرة) ﴿إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ﴾ أي يتنازع المؤمنون والكفار في شأنهم؛ فقال الكفار: نبني فوقهم بيعة، وقال المسلمون؛ وكانوا كثرة غالبة ﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَّسْجِداً﴾ واتخذوه فعلاً فوق كهفهم؛ وفي هذا الدليل القاطع على جواز اتخاذ المساجد فوق القبور - خلافاً لما يقول به بعض الغلاة - ولا يدفع ذلك ما رواه أبو داود والترمذي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهم؛ قال: «لعن رسولالله زوارات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج» فهو حديث - إن صح - يجب تأويله بالنهي عن السجود إلى القبور، أو الصلاة عليها؛ يدل على ذلك قوله «لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها» وذلك لأن الحديث لا يدفع صريح القرآن: «لنتخذن عليهم مسجداً» وعلة النهي في الحديث: أن اتخاذ القبور مساجد قد يؤدي إلى عبادة من فيها؛ كما اتخذت الأصنام من قبل
стр. 1906
﴿سَيَقُولُونَ﴾ أي يقول المختلفون في شأن أهل الكهف وعدتهم؛ وذلك في زمن النبي ﴿رَجْماً بِالْغَيْبِ﴾ الرجم بالغيب: القول بالظن؛ وهو دليل على بطلان السابق، وصحة اللاحق؛ وهو قوله تعالى:
﴿وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ ولم يقدح فيه بشيء ﴿فَلاَ تُمَارِ﴾ فلا تجادل ﴿فِيهِمْ إِلاَّ مِرَآءً ظَاهِراً﴾ إلا جدالاً في حدود ما ظهر لك مما أنزلناه عليك ﴿وَلاَ تَسْتَفْتِ فِيهِمْ﴾ أي في شأن أهل الكهف ﴿مِّنْهُمْ﴾ أي من اليهود وغيرهم من المشركين
стр. 1907
﴿وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذلِكَ﴾ الشيء ﴿غَداً﴾ أي فيما يستقبل من الزمان
стр. 1908
﴿إِلاَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ﴾ أن تفعله؛ فوجب إذاً الاستثناء؛ لأنك إن قلت: إني فاعل كذا. ولم تفعل؛ كنت كاذباً. أما إن استثنيت وقلت: لأفعلن كذا إن شاءالله؛ ولم يقدرك الله تعالى على فعله: كنت صادقاً ﴿وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ أي اذكره إذا نسيته فعصيته، واستغفره وتب إليه والعصيان لا يكون إلا عند نسيان الله تعالى ﴿وَقُلْ عَسَى أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَداً﴾ أي أحسن عملاً، وأقرب منفعة وهداية
стр. 1909
﴿وَلَبِثُواْ﴾ مكثوا
⦗٣٥٥⦘ ﴿فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِئَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُواْ تِسْعاً﴾ قال بعضهم: إن مدة لبثهم في الكهف «ثلاثمائة سنين» شمسية «وازدادوا تسعاً» وهي السنين القمرية؛ لأنها تزيد ثلاث سنين في كل مائة عام. وهو قول فيه الكثير من التكلف، ويتنافى مع لغة العرب - التي جاء بها القرآن - قال الشاعر:
كانوا ثمانين وازدادوا ثمانية
يعني أنهم ثمانية وثمانون؛ ولا يعقل أن يكون مقصد الشاعر: أنهم ثمانون بالحساب الشمسي، وثمانية وثمانون بالحساب القمري والذي أراه - من صريح لفظ القرآن الكريم - أن أصحاب الكهف مكثوا في كهفهم ﴿ثَلاثَ مِئَةٍ سِنِينَ﴾ ثم بعثهم الله تعالى ﴿وَكَذلِكَ بَعَثْنَاهُمْ﴾ وكان ما كان من أمرهم - الذي قصه الله تعالى على رسوله ﵊ ثم أنامهم الله تسع سنين؛ يدل عليه قوله تعالى ﴿وَازْدَادُواْ تِسْعاً﴾ ثم أماتهم بعد ذلك، وتم بناء المسجد فوقهم. وقيل: إنهم أحياء في نومهم حتى ينفخ في الصور؛ والله تعالى أعلم.
стр. 1910
﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾ وهي صيغة تعجب؛ أي ما أبصره تعالى بكل موجود، وما أسمعه لكل مسموع
стр. 1911
﴿لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ التي ذكرها في كتابه الكريم: فقد وعد تعالى بحفظه من التبديل والتغيير، وبالتالي فإن ما فيه من قصص، وعبر، وترغيب، وترهيب، كله حق، وكله واقع لا محالة ﴿وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ﴾ غيره ﴿مُلْتَحَداً﴾ ملجأ
стр. 1912
﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ﴾ احبسها ﴿﴾ صباحاً ﴿وَالْعَشِيِّ﴾ مساء ﴿يُرِيدُونَ﴾ بعبادتهم ﴿وَجْهَهُ﴾ أي لا يريدون بطاعتهم الدنيا - مع حاجتهم إليها - بل يريدون عبادته تعالى ورضاءه ﴿وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ﴾ لا تجاوز، ولا تنصرف ﴿عَنْهُمْ﴾ عن هؤلاء الطائعين؛ ولو كانوا من المعدمين ﴿تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ أي لا تصرف وجهك عن الفقراء - الذين لا يجدون ما يأكلون، أو يلبسون، أو يركبون - إلى الأغنياء الذين طعموا أحسن الطعام، ولبسوا فاخر الثياب، وركبوا فاره المركب؛ وجميع ذلك من زينة الحياة الدنيا. أما في الآخرة فقد يعري الكاسي، ويكسي العاري، ويركب الماشي، ويحفي الراكب ﴿وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا﴾ عقوبة له، وانتقاماً منه؛ لاتباعه هواه، وعصيانه مولاه ﴿وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ (انظر آية ١٧٦ من سورة الأعراف) ﴿وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾
مجاوزاً عن الحق، ومسرفاً في العصيان والكفر
стр. 1913
﴿وَقُلِ الْحَقُّ﴾ الإسلام والقرآن ﴿مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَآءَ﴾ منكم ﴿فَلْيُؤْمِن﴾ باختياره ﴿وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ بإرادته؛ فقد خير الله تعالى الإنسان، بين الكفر والإيمان؛ بعد أن بين له عاقبة الإيمان، ومغبة الكفران ﴿إِنَّآ أَعْتَدْنَا﴾ هيأنا
⦗٣٥٦⦘ وأعددنا ﴿لِلظَّالِمِينَ﴾ الكافرين ﴿نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ أي تحيط بهم يوم القيامة إحاطة السرادق بمن فيه من الجموع ويقال للدخان، إذا ارتفع وأحاط بالمكان: سرادق ﴿وَإِن يَسْتَغِيثُواْ﴾ من العطش ﴿يُغَاثُواْ بِمَآءٍ كَالْمُهْلِ﴾ وهو المعدن المذاب، أو القطران، أو عكر الزيت ﴿وَسَآءَتْ مُرْتَفَقاً﴾ المرتفق: المتكأ، وهو ما يستند إليه بمرفق اليد: كالمخدة، ونحوها. والمعنى: انعدام الراحة فيها. أو هو كل ما ينتفع به، وليس في جهنم ما ينتفع به إطلاقاً؛ وإنما سيقت للمقابلة مع قوله تعالى عن الجنة «وحسنت مرتفقاً» كما سيأتي
стр. 1914
﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ جنات الإقامة؛ من عدن بالمكان: إذا أقام فيه ﴿سُنْدُسٍ﴾ ما رق من الديباج ﴿وَإِسْتَبْرَقٍ﴾ ما غلظ منه ﴿الأَرَآئِكِ﴾ السرر
стр. 1915
﴿وَاضْرِبْ لَهُم﴾ يا محمد ﴿مَّثَلاً﴾ للكافر والمؤمن، أو لمن يعتز بالدنيا ويترك الآخرة وراء ظهره، ومن يرغب في الآخرة ولا يحرص على الدنيا؛ فمثلها كمثل ﴿رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا﴾ وهو المقبل على الدنيا، المنصرف عن الآخرة ﴿جَنَّتَيْنِ﴾ بساتين ﴿مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ﴾ والبستان إذا أحيط بالنخيل: ضم إلى حسن المخبر؛ جمال المنظر (انظر آية ٢٦٦ من سورة البقرة)
стр. 1916
﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا﴾ أعطت ثمرها كاملاً ﴿وَلَمْ تَظْلِمِ مِّنْهُ شَيْئاً﴾ أي لم تنقص من ثمارها شيئاً: أينعت كأحسن ما يكون الينع، وأثمرت كأحسن ما يكون الثمار
﴿وَفَجَّرْنَا خِلالَهُمَا نَهَراً﴾ إمعاناً في حسنهما وزيادة في خصوبتهما
стр. 1917
﴿وَكَانَ لَهُ﴾ أي لصاحب الجنتين ﴿ثَمَرٌ﴾ مال وافر مثمر؛ مما حازه من جنتيه في سابق أيامه ﴿فَقَالَ لَصَاحِبِهِ﴾ المقبل على الآخرة، المنصرف عن الدنيا ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً﴾ أي وأعظم عشيرة. والنفر: الرهط؛ وهو ما دون العشرة. وترك صاحبه
стр. 1918
﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ﴾ دخل أحد بستانيه ﴿وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ﴾ بالكفر، وعدم الشكر وبالغرور والكبر؛ وحين رأى كثرة ثماره، وجريان أنهاره، وأوحى إليه الشيطان أن توافر المال والماء موجب لتوافر المحصول والثراء و ﴿قَالَ﴾ في نفسه ﴿مَآ أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَذِهِ﴾ الجنة
стр. 1919
﴿وَمَآ أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾ كما يزعمون ﴿وَلَئِن﴾ كانت قائمة، و ﴿رُّدِدتُّ إِلَى رَبِّي لأَجِدَنَّ﴾ عنده ﴿خَيْراً مِّنْهَا﴾ أي خيراً من جنتي هذه ﴿مُنْقَلَباً﴾ مرجعاً وعاقبة؛ وذلك كقول نظائره من الكافرين ﴿وَمَآ أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنْقَلَباً﴾
стр. 1920
﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ﴾ المؤمن؛ رداً على ما قاله: كيف تقول ما قلت؟ وكيف تنكر البعث والقيامة؟ ﴿أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ﴾ أي خلق آدم - وهو أصل البشرية - خلقه الله تعالى ﴿مِن تُرَابٍ ثُمَّ﴾ خلق أبناءه جميعاً ﴿مِن نُّطْفَةٍ﴾ مني ﴿ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً﴾ سميعاً، بصيراً، عاقلاً (انظر آية ٢١ من سورة الذاريات)
стр. 1921
﴿لَّكِنَّ﴾ أصلها
⦗٣٥٧⦘ «لكن أنا» ﴿هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾ أي أنا شأني أن أقول: «الله ربي» ﴿وَلاَ أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً﴾ ولا أكفر بنعمته تعالى؛ كما كفرت أنت
стр. 1922
﴿وَلَوْلا﴾ وهلا ﴿إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ﴾ عند إعجابك بها، وسرورك من منظرها ﴿مَا شَآءَ اللَّهُ لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ﴾ ولم تقل «ما أظن أن تبيد هذه أبداً» إنك ﴿إِن تَرَنِ أَنَاْ أَقَلَّ مِنكَ مَالاً وَوَلَداً﴾ في هذه الدنيا الفانية
стр. 1923
﴿فعسَى رَبِّي أَن يُؤْتِيَنِ﴾ في الآخرة الباقية ﴿خَيْراً مِّن جَنَّتِكَ﴾ التي تعجب بها وتفخر ﴿وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَاناً﴾ صواعق ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾ والحسبان أيضاً: العذاب؛ وهو يشمل كل آفة تنزل من السماء؛ فتهلك الزرع ﴿فَتُصْبِحَ﴾ جنتك الزاهية الزاهرة، المثمرة الناضرة ﴿صَعِيداً زَلَقاً﴾ أرضاً جرداء ملساء؛ لا تثبت عليها قدم
стр. 1924
﴿أَوْ يُصْبِحَ مَآؤُهَا﴾ الذي يتوقف عليه إثمارها وازدهارها ﴿غَوْراً﴾ غائراً: أي ذاهباً في الأرض ﴿فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً﴾ وكيف يطلب مالا وجود له أصلاً؟ وقد حقق الله تعالى ما قاله المؤمن في جنة الكافر: فأنزل الله من السماء ما أتلفها أو نحوها
стр. 1925
﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ هو كناية عن إهلاك الثمار عن آخرها ﴿فَأَصْبَحَ﴾ الكافر ﴿يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ يضرب إحداهما على الأخرى؛ ندماً وتحسراً ﴿عَلَى مَآ أَنْفَقَ فِيهَا﴾ أي في الجنة: من جهد، ووقت، ومال ﴿وَيَقُولُ يلَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً﴾ بعد أن علم أن كفره كان سبباً لما حل به من المصائب
стр. 1926
﴿وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ فيمنعون عنه ما نزل به، ويحولون دون ما أراده الله تعالى به من خزي وخسران ﴿وَمَا كَانَ مُنْتَصِراً *
стр. 1927
هُنَالِكَ﴾ عند حلول انتقام العزيز الجبار ﴿الْوَلاَيَةُ﴾ السلطان، والملك، والقدرة والنصرة ﴿لِلَّهِ الْحَقِّ﴾ لا لغيره أو «هنالك» يوم القيامة؛ عند معاقبة العاصين، وإثابة الطائعين
﴿هُوَ خَيْرٌ ثَوَاباً﴾ أي خير من يثيب على الإيمان والطاعة ﴿وَخَيْرٌ عُقْباً﴾ أي عاقبة للمؤمنين
стр. 1928
﴿وَاضْرِبْ لَهُم﴾ يا محمد ﴿مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ وحسنها وبهجتها؛ مع سرعة زوالها وانقضائها ﴿كَمَآءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ﴾ بيسر وسهولة ﴿فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ﴾ أي شرب منه، ونما وازدهر بسببه؛ غير أنه ذبل بعد ذلك ﴿فَأَصْبَحَ هَشِيماً﴾ يابساً متكسراً ﴿تَذْرُوهُ الرِّياحُ﴾ تنسفه وتطيره
стр. 1929
﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ فبهما الغنى والسعة، واليسر والعون - في هذه الدنيا المحتقرة - فلا تجعلوا المال مأربكم، والبنين مطلبكم: تجمعون المال وتنسون المآل، وتخصون بنيكم بالخير، وتغفلون الغير؛ مع أن الله تعالى قد وعد منفقاً خَلَفاً، وأوعد ممسكاً تلفاً
⦗٣٥٨⦘ ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ﴾ أعمال الخير والبر ﴿خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً﴾ وأجراً؛ من الدنيا وما فيها، ومن فيها ﴿وَخَيْرٌ أَمَلاً﴾ أي أفضل أملاً من ذي المال والبنين، بغير عمل صالح
стр. 1930
﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ﴾ في الجو، أو نذهب بها؛ بأن نجعلها هباء منثوراً ﴿وَتَرَى الأَرْضَ بَارِزَةً﴾ ظاهرة؛ لا يسترها شيء مما كان عليها؛ من الجبال والأشجار ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ﴾ أي جمعنا الخلائق في المحشر للحساب ﴿فَلَمْ نُغَادِرْ﴾ لم نترك
следующие страницы →