← Тафсир

Тафсир · id 36432

أوضح التفاسير

محمد عبد اللطيف الخطيب

Полный текст (5 331 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.

стр. 1926

﴿وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ فيمنعون عنه ما نزل به، ويحولون دون ما أراده الله تعالى به من خزي وخسران ﴿وَمَا كَانَ مُنْتَصِراً *

стр. 1927

هُنَالِكَ﴾ عند حلول انتقام العزيز الجبار ﴿الْوَلاَيَةُ﴾ السلطان، والملك، والقدرة والنصرة ﴿لِلَّهِ الْحَقِّ﴾ لا لغيره أو «هنالك» يوم القيامة؛ عند معاقبة العاصين، وإثابة الطائعين ﴿هُوَ خَيْرٌ ثَوَاباً﴾ أي خير من يثيب على الإيمان والطاعة ﴿وَخَيْرٌ عُقْباً﴾ أي عاقبة للمؤمنين

стр. 1928

﴿وَاضْرِبْ لَهُم﴾ يا محمد ﴿مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ وحسنها وبهجتها؛ مع سرعة زوالها وانقضائها ﴿كَمَآءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ﴾ بيسر وسهولة ﴿فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ﴾ أي شرب منه، ونما وازدهر بسببه؛ غير أنه ذبل بعد ذلك ﴿فَأَصْبَحَ هَشِيماً﴾ يابساً متكسراً ﴿تَذْرُوهُ الرِّياحُ﴾ تنسفه وتطيره

стр. 1929

﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ فبهما الغنى والسعة، واليسر والعون - في هذه الدنيا المحتقرة - فلا تجعلوا المال مأربكم، والبنين مطلبكم: تجمعون المال وتنسون المآل، وتخصون بنيكم بالخير، وتغفلون الغير؛ مع أن الله تعالى قد وعد منفقاً خَلَفاً، وأوعد ممسكاً تلفاً ⦗٣٥٨⦘ ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ﴾ أعمال الخير والبر ﴿خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً﴾ وأجراً؛ من الدنيا وما فيها، ومن فيها ﴿وَخَيْرٌ أَمَلاً﴾ أي أفضل أملاً من ذي المال والبنين، بغير عمل صالح

стр. 1930

﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ﴾ في الجو، أو نذهب بها؛ بأن نجعلها هباء منثوراً ﴿وَتَرَى الأَرْضَ بَارِزَةً﴾ ظاهرة؛ لا يسترها شيء مما كان عليها؛ من الجبال والأشجار ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ﴾ أي جمعنا الخلائق في المحشر للحساب ﴿فَلَمْ نُغَادِرْ﴾ لم نترك

стр. 1931

﴿وَعُرِضُواْ عَلَى رَبِّكَ صَفَّاً﴾ أي مصطفين؛ بحيث لا يخفى أحد منهم، أو يستتر بغيره؛ ويقال لهم وقت عرضهم ﴿لَقَدْ﴾ بعثناكم بعد موتكم، وأعدناكم بعد بلاء أجسادكم؛ وها أنتم أولاء ﴿جِئْتُمُونَا﴾ بأجسادكم وأرواحكم ﴿كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ وقد ذكرنا لكم ذلك - على لسان رسلنا - فكذبتم وعصيتم و ﴿زَعَمْتُمْ أَلَّن نَّجْعَلَ لَكُمْ مَّوْعِداً﴾ نحاسبكم فيه

стр. 1932

﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ﴾ الذي فيه أعمال الخلائق؛ منذ ولادتهم حتى موتهم ﴿فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ﴾ الكافرين ﴿مُشْفِقِينَ﴾ خائفين ﴿مِمَّا فِيهِ﴾ من أعمال سيئة عملوها، وجرائم بغيضة ارتكبوها ﴿لاَ يُغَادِرُ﴾ لا يترك ﴿وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ﴾ في الدنيا ﴿حَاضِراً﴾ مثبتاً في الصحف، واضحاً. أو وجدوا جزاء ما عملوا معداً لهم

стр. 1933

﴿إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ خرج عن طاعته ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَآءَ﴾ ومن ذرية إبليس اللعين: من يوسوس في الصلاة، ومن يحض على الزنا، ومن يأكل مع من لم يسمالله، ومن يزعج عند المصيبة ويحض على عدم الصبر إلى ما لا نهاية من الإضلال والإفساد ﴿وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ ألا ترون أنهم ينصبون لكم الأحابيل، ويزينون لكم الأباطيل ﴿بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ﴾ الكافرين ﴿بَدَلاً﴾ أن يستبدلوا طاعة الله تعالى ورسله؛ بطاعة إبليس وذريته

стр. 1934

﴿مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ﴾ أي ما أشهدت إبليس وذريته ﴿خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ وما استعنت بهم ﴿وَلاَ﴾ أشهدتهم ﴿خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ﴾ أي ولم أشهد بعضهم خلق بعض؛ بل خلقت الجميع بإرادتي وقدرتي؛ ولم أستعن بأحد منهم فكيف تطيعونهم وتتبعونهم ﴿وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً﴾ أي أعواناً أعتضد بهم وأستعين

стр. 1935

﴿وَيَوْمَ يَقُولُ﴾ الله تعالى ⦗٣٥٩⦘ ﴿نَادُواْ شُرَكَآئِيَ﴾ الذين أشركتموهم معي في العبادة ﴿فَدَعَوْهُمْ﴾ فنادوهم، أو استغاثوا بهم ﴿فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ﴾ وكيف يجيب من لا يجد له مستجيب؟ أو كيف يغيث من ليس له مغيث؟ ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُم﴾ أي بين العابدين والمعبودين ﴿مَّوْبِقاً﴾ مهلكاً؛ وهو جهنم: يهلكون فيها جميعاً. وقيل «موبقاً» حاجزاً بينهم وبين من عبدوا؛ من الملائكة، وعزير، وعيسى؛ إذ أنهم في أعالي الجنات، وعابديهم في أحط الدركات

стр. 1936

﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّواْ﴾ تيقنوا وتأكدوا؛ والظن يأتي في القرآن الكريم دائماً بمعنى اليقين؛ ما لم تدل قرينة السياق على خلافه؛ كقوله تعالى: ﴿إِن نَّظُنُّ إِلاَّ ظَنّاً وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ ﴿مُّوَاقِعُوهَا﴾ مخالطوها وواقعون فيها

стр. 1937

﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا﴾ بيّنا ﴿مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ ضربناه للناس: تقريباً لأفهامهم، وكل عظة تسلك في قلوبهم، وكل حجة تدخل في عقولهم: ليتذكروا، ويتعظوا، وينزجروا، وينيبوا ﴿وَكَانَ الإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً﴾ أي أكثر مراء، وخصومة: لا يرجع عن باطله، ولا يثوب إلى رشده ولعل المراد بالإنسان: الكافر فحسب؛ فقد وصفه الله تعالى بالجدال في غير موضع من كتابه الكريم: ﴿وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ﴾ ﴿وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِالْبَاطِلِ﴾ ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾

стр. 1938

﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُواْ إِذْ جَآءَهُمُ الْهُدَى﴾ أي أيّ مانع يمنع الناس عن الإيمان؛ بعد نزول القرآن؟ ولا حجة لمن ألحد بزعمه أن الله تعالى منعهم عن الإيمان، وصرفهم عن الإيقان؛ بل وسلك في قلوبهم الكفران؛ تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً (انظر آية ٢٠٠ من سورة الشعراء) ﴿إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ﴾ أي إن المانع لهم من الإيمان: بالغ جهلهم، ومزيد حمقهم؛ وطلبهم معاينة الهلاك الذي حل بأمثالهم من الأمم السابقة؛ كقولهم «اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم» ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلاً﴾ مقابلة وعياناً

стр. 1939

﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ﴾ من آمن بالجنة ﴿وَمُنذِرِينَ﴾ من كفر بالنار ﴿لِيُدْحِضُواْ﴾ يبطلوا ﴿وَاتَّخَذُواْ آيَاتِي﴾ القرآن ﴿وَمَا أُنْذِرُواْ﴾ به من الحساب والعذاب ﴿هُزُواً﴾ سخرية

стр. 1940

﴿وَمَنْ أَظْلَمُ﴾ أي لا أحد أظلم ﴿مِمَّن ذُكِّرَ بِآيِاتِ رَبِّهِ﴾ المنذرة له بسوء المنقلب ﴿وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ من كفر وعصيان؛ فلم يرجع عن كفره، ولم يتب من عصيانه ﴿إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً﴾ أغطية ﴿أَن يَفْقَهُوهُ﴾ أن يفهموا هذا القرآن: عقوبة لهم. قال تعالى: «ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون» جعلنا ﴿وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً﴾ صمماً أن يسمعوه ذلك لأنهم ﴿وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُواْ إِذاً أَبَداً﴾ كفراً منهم وعناداً

стр. 1941

﴿لَوْ يُؤَاخِذُهُم﴾ الله ﴿بِمَا كَسَبُواْ﴾ عملوا من سيئات ﴿لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ﴾ في الدنيا ﴿بَل لَّهُم مَّوْعِدٌ﴾ يعذبون فيه: وهو يوم القيامة ﴿لَّن يَجِدُواْ مِن دُونِهِ مَوْئِلاٍ﴾ ملجأ

стр. 1942

﴿وَتِلْكَ الْقُرَى﴾ أي أهلها: كقرى عاد، وثمود، وقوم لوط، وغيرهم ﴿أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ﴾ لما كفروا؛ كما كفر هؤلاء ﴿وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم﴾ لإهلاكهم ﴿مَّوْعِداً﴾ وهو إقامة الحجة عليهم، واليأس من إيمانهم

стр. 1943

﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى﴾ ابن عمران ﴿لِفَتَاهُ﴾ يوشعبن نون؛ وكان تابعاً له يخدمه، ويتلقى منه العلم ﴿لا أَبْرَحُ﴾ أي لا أزال سائراً ﴿حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ﴾ ملتقى بحر فارس والروم؛ مما يلي المشرق ﴿أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً﴾ زماناً طويلاً

стр. 1944

﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا﴾ أي بين البحرين ﴿نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَباً﴾ يعني دخل في الماء واستتر به؛ والمراد أن الحوت اتخذ سرباً في البحر لطريقه. والسرب: الشق الطويل

стр. 1945

﴿فَلَمَّا جَاوَزَا﴾ أي جاوز موسى وفتاه ذلك المكان - الذي تسرب فيه الحوت من حيث لا يدريان - وسارا في طريقهما المرسوم، وبلغ منهما الجوع مبلغه؛ وحل وقت الغداء من اليوم الثاني لتسرب الحوت ﴿قَالَ﴾ موسى ﴿لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَآءَنَا﴾ والغداء: ما يؤكل في الغدوة؛ وهي أول النهار؛ وليس كما يتوهمه الأكثرون من أنه وقت الظهيرة ﴿لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَذَا نَصَباً﴾ تعباً، ومشقة، وجوعاً

стр. 1946

﴿قَالَ﴾ له فتاه ﴿أَرَأَيْتَ﴾ أي أتذكر ﴿إِذْ أَوَيْنَآ إِلَى الصَّخْرَةِ﴾ لنستريح عليها؛ عند مجمع البحرين ﴿فَإِنِّي﴾ عند ذاك ﴿نَسِيتُ الْحُوتَ﴾ أي نسيت أن أتفقده ﴿أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ أن أتذكره وأحتفظ به

стр. 1947

﴿قَالَ﴾ له موسى ﴿ذَلِكَ﴾ الذي حدث ﴿مَا كُنَّا نَبْغِ﴾ هو الذي كنا نطلبه ﴿فَارْتَدَّا﴾ رجعا ﴿عَلَى آثَارِهِمَا﴾ من حيث جاءا ﴿قَصَصاً﴾ يتتبعان طريقهما الذي أتيا منه

стр. 1948

﴿فَوَجَدَا﴾ عند الصخرة: التي استراحا عليها، ونسيا الحوت عندها ﴿عَبْداً مِّنْ عِبَادِنَآ﴾ هو الخضر ﵇ ﴿آتَيْنَاهُ رَحْمَةً﴾ الرحمة: الوحي، والنبوة؛ يدل عليه قوله تعالى: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ﴾ وقوله تعالى في نهاية هذه القصة؛ على لسان الخضر ﵇ ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ أي إنما فعلت ما فعلت بوحي من الله تعالى. وأكثر المفسرين على أنها - في هذه الآية التي نحن بصددها - الولاية، وكشف الحجب؛ والذي أراه ويقتضيه السياق: أنها النبوة قولاً واحداً: إذ لا يعقل أن يوجد في زمن أي نبي من هو أعلم وأحكم منه: لأن النبي - في كل زمان - خيرة الله تعالى من أهل ذلك الزمان

стр. 1949

﴿رَشَداً﴾ أي صواباً استرشد به

стр. 1950

﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً﴾ أي على ما لم تعلم حقيقة خبره

стр. 1951

﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً﴾ عظيماً منكراً

стр. 1952

﴿وَلاَ تُرْهِقْنِي﴾ تكلفني ﴿مِنْ أَمْرِي عُسْراً﴾ مشقة؛ بل عاملني بالعفو واليسر

стр. 1953

﴿قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً﴾ طاهرة، بريئة من الذنب ﴿لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُّكْراً﴾ عظيماً منكراً.

стр. 1954

﴿قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّي عُذْراً﴾ أي قد قام عذرك في مطالبتي بعدم مصاحبتك؛ كما قطعت على نفسي

стр. 1955

﴿اسْتَطْعَمَآ أَهْلَهَا﴾ طلبا منهم أن يطعماهما على سبيل الضيافة ⦗٣٦٢⦘ ﴿فَأَبَوْاْ أَن يُضَيِّفُوهُمَا﴾ لبخل فاش فيهم. والبخل من أحط الصفات المذمومة؛ خاصة إذا كان بالطعام لقوم جياع قد طلبوه بأنفسهم والبخل: يمحو سائر الحسنات، كما أن السخاء يمحو السيئات﴾ أي جداراً آيلاً للسقوط فبناه. من هنا يعلم أن الإحسان يجب على المحسن؛ لمن أحسن أو أساء، وأنه يبذل من غير مقابل ومن عجب أنا نرى النفوس الشريرة تقابل الإحسان بالإساءة، وتجزي الخير بالشر ﴿قَالَ﴾ موسى للخضر ﵉ ﴿لَوْ شِئْتَ لاَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ﴾ أي على بناء الجدار ﴿أَجْراً﴾ نطعم به؛ لأنهم أبوا مجاملتنا بقليل الطعام؛ فكيف نجاملهم بهذا العمل الكبير الخطير؟

стр. 1956

﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ﴾ والمسكين: أحسن حالاً من الفقير؛ لأن الفقير: هو الذي لا يجد القوت، والمسكين: الذي يجد الكفاف؛ ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ﴾ فوصفهم تعالى بالمسكنة؛ مع أنهم يملكون سفينة تؤجر للركوب والحمل؟ وقال قوم بأن المسكين أشد بؤساً من الفقير. والقول الذي قلناه أولى؛ يظاهره المعقول والمنقول؛ وقد كان رسولالله يتعوذ من الفقر، وكان يقول: «اللهم أحيني مسكيناً وأمتني مسكيناً» ويستحيل عقلاً أن يتعوذ ﵊ من الفقر؛ ثم يسأل ما هو أسوأ حالاً منه. وقد قيده تعالى بقوله: ﴿أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ أي ذا فقر ﴿وَكَانَ وَرَآءَهُم﴾ أي في طلبهم. وقيل: «وراءهم» أي أمامهم في سيرهم

стр. 1957

﴿فَخَشِينَآ أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً﴾ إذا عاش وبلغ مبلغ الرجال؛ لأن الله تعالى علم عنه ذلك، وأمرني بما هنالك

стр. 1958

﴿فَأَرَدْنَآ أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا﴾ من الأبناء الصلحاء ﴿خَيْراً مِّنْهُ زَكَاةً﴾ أي إيماناً وصلاحاً وتقى ﴿وَأَقْرَبَ رُحْماً﴾ أي رحمة بوالديه، وبراً بهما فانظر يا رعاكالله، إلى حكمةالله: لقد فرح الأبوان بابنهما حين ولد، وحزنا عليه حين قتل؛ ولو بقي لخسرا بسببه الدنيا والآخرة فارض هداكالله، بقضاءالله؛ فإن قضاءه للمؤمن فيما يكره؛ خير له من قضائه فيما يحب

стр. 1959

﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً﴾ يؤخذ من هذا: أن صلاح الآباء، ينفع الأبناء؛ حتى قيام الساعة ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَآ أَشُدَّهُمَا﴾ أي رشدهما. وبلوغ الأشد: اكتمال القوة؛ وهو ما بين ثماني عشرة، إلى ثلاثين سنة ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ وإنما فعلته بوحي من ربي؛ وهذا أيضاً دليل على نبوة الخضر ﵇؛ كما قدمنا

стр. 1960

﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي الْقَرْنَيْنِ﴾ قيل: إنه الاسكندر الأكبر الرومي المقدوني. وقيل: إنه غيره. وذهب قوم إلى أنه نبي، أو رجل صالح؛ أرسله الله تعالى لإحداث أحداث كونية، روحية؛ وقد مدحه الله تعالى في القرآن. وسبب تسميته بذي القرنين: ⦗٣٦٣⦘ أنه بلغ قطري الأرض؛ من مشرقها إلى مغربها. وقيل: سمي بذلك لأن له ضفيرتان كالقرنين. وقيل: لأنه عاش قرنين من الزمان؛ والله تعالى أعلم وأحكم

стр. 1961

﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرْضِ﴾ أي جعلنا له مكانة فيها، وملكناها له، وسهلنا سيره فيها ﴿وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ أراده ﴿سَبَباً﴾ أي وسيلة توصله إلى ذلك الشيء الذي أراده وقدرنا وقوعه

стр. 1962

﴿فَأَتْبَعَ سَبَباً﴾ فسلك طريقاً نحو المغرب ﴿وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ أي ذات حمأة. والحمأة: الطين الأسود المنتن. وقرىء «عين حامية» بمعنى حارة؛ والمراد عين سوداء لا ضوء فيها، وذلك رأي العين. أما الشمس فالثابت أنها أعظم وأكبر من الأرض؛ وقد قدروا أنها أكبر من حجم الأرض بأكثر من مليون وأربعمائة وأربعة آلاف مرة ﴿وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْماً﴾ كافرين، جبارين، معتدين ﴿قُلْنَا يذَا الْقَرْنَيْنِ﴾ يؤخذ من هذه الآية أنه كان نبياً يوحى إليه؛ وإن لم يكنه فهو عبد صالح أوحى الله تعالى إليه وحي إلهام ﴿إِمَّآ أَن تُعَذِّبَ﴾ هؤلاء القوم؛ على كفرهم وبغيهم وطغيانهم ﴿وَإِمَّآ أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً﴾ بإسداء النصح والإرشاد. وقيل: ﴿إِمَّآ أَن تُعَذِّبَ﴾ بالقتل والفتك ﴿وَإِمَّآ أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً﴾ بالأسر حتى المتاب ﴿ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ﴾ يوم القيامة ﴿فَيُعَذِّبُهُ عَذَاباً نُّكْراً﴾ شديداً: تنكره الطاقة، ولا تحتمله القوة

стр. 1963

﴿وَأَمَّا مَنْ آمَنَ﴾ ب الله تعالى ﴿وَعَمِلَ﴾ عملاً ﴿صَالِحاً فَلَهُ جَزَآءً الْحُسْنَى﴾ أي الجنة ﴿وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْراً﴾ أي لا نأمره إلا بما يسهل عليه ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ أو سنعلمه ما يقربه إلينا، وييسر له كل صعب

стр. 1964

﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً﴾ سلك طريقاً آخر - غير الطريق الأول - نحو المشرق

стр. 1965

﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَّمْ نَجْعَل لَّهُمْ مِّن دُونِهَا سِتْراً﴾ أي أبنية تسترهم؛ لأن أرضهم لا تحتمل البناء، أو أنهم عرايا؛ لا يلبسون ثياباً تسترهم. قيل: إنهم الزنج ﴿كَذَلِكَ﴾ أي الأمر كما ذكرنا
следующие страницы →