← Тафсир

Тафсир · id 36432

أوضح التفاسير

محمد عبد اللطيف الخطيب

Полный текст (5 331 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.

стр. 1961

﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرْضِ﴾ أي جعلنا له مكانة فيها، وملكناها له، وسهلنا سيره فيها ﴿وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ أراده ﴿سَبَباً﴾ أي وسيلة توصله إلى ذلك الشيء الذي أراده وقدرنا وقوعه

стр. 1962

﴿فَأَتْبَعَ سَبَباً﴾ فسلك طريقاً نحو المغرب ﴿وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ أي ذات حمأة. والحمأة: الطين الأسود المنتن. وقرىء «عين حامية» بمعنى حارة؛ والمراد عين سوداء لا ضوء فيها، وذلك رأي العين. أما الشمس فالثابت أنها أعظم وأكبر من الأرض؛ وقد قدروا أنها أكبر من حجم الأرض بأكثر من مليون وأربعمائة وأربعة آلاف مرة ﴿وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْماً﴾ كافرين، جبارين، معتدين ﴿قُلْنَا يذَا الْقَرْنَيْنِ﴾ يؤخذ من هذه الآية أنه كان نبياً يوحى إليه؛ وإن لم يكنه فهو عبد صالح أوحى الله تعالى إليه وحي إلهام ﴿إِمَّآ أَن تُعَذِّبَ﴾ هؤلاء القوم؛ على كفرهم وبغيهم وطغيانهم ﴿وَإِمَّآ أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً﴾ بإسداء النصح والإرشاد. وقيل: ﴿إِمَّآ أَن تُعَذِّبَ﴾ بالقتل والفتك ﴿وَإِمَّآ أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً﴾ بالأسر حتى المتاب ﴿ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ﴾ يوم القيامة ﴿فَيُعَذِّبُهُ عَذَاباً نُّكْراً﴾ شديداً: تنكره الطاقة، ولا تحتمله القوة

стр. 1963

﴿وَأَمَّا مَنْ آمَنَ﴾ ب الله تعالى ﴿وَعَمِلَ﴾ عملاً ﴿صَالِحاً فَلَهُ جَزَآءً الْحُسْنَى﴾ أي الجنة ﴿وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْراً﴾ أي لا نأمره إلا بما يسهل عليه ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ أو سنعلمه ما يقربه إلينا، وييسر له كل صعب

стр. 1964

﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً﴾ سلك طريقاً آخر - غير الطريق الأول - نحو المشرق

стр. 1965

﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَّمْ نَجْعَل لَّهُمْ مِّن دُونِهَا سِتْراً﴾ أي أبنية تسترهم؛ لأن أرضهم لا تحتمل البناء، أو أنهم عرايا؛ لا يلبسون ثياباً تسترهم. قيل: إنهم الزنج ﴿كَذَلِكَ﴾ أي الأمر كما ذكرنا

стр. 1966

﴿وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ﴾ أي بما عند ذي القرنين من الجند والآلة، والميرة والذخيرة، وغير ذلك

стр. 1967

﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً﴾ سلك طريقاً آخر غير الذي سلكه نحو المغرب والمشرق

стр. 1968

﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾ الجبلين؛ من قبل أرمينية وأذربيجان ﴿وَجَدَ مِن دُونِهِمَا﴾ أي أمام السدين. وقيل: من ورائهما ﴿قَوْماً لاَّ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً﴾ أي لا يفهمون ما يقال لهم، ولا يستطيعون أن يفهموا غيرهم؛ يؤيده قراءة من قرأ «يفقهون»

стр. 1969

﴿قَالُواْ﴾ أي قال له الناس الصالحون، القاطنون في هذه الجهات ﴿إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ﴾ قبيلتان اشتهرتا بالفساد والإفساد ﴿مُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ﴾ قيل: إنهم كانوا من أكلة لحوم البشر. وقيل: إنهم كانوا يفسدون بالقتل، والظلم، والبغي، والفساد ﴿فَهَلْ ⦗٣٦٤⦘ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً﴾ جعلا. وفي قراءة «خراجاً»

стр. 1970

﴿قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي﴾ أي ما جعلني متمكناً فيه: من القوة، والحيلة، والمال والعتاد ﴿خَيْرٌ﴾ مما تعرضونه عليَّ من الخراج ﴿فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ﴾ أي بقوتكم البدنية، ومعونتكم الجسمانية ﴿أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً﴾ جداراً، وحاجزاً حصيناً

стр. 1971

﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾ وهي القطع الكبيرة من الحديد ﴿حَتَّى إِذَا سَاوَى﴾ بذلك الحديد ﴿بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾ جانبي الجبلين؛ وسد الفرجة التي بين السدين، والتي يتسرب منها يأجوج ومأجوج إلى الذين لجأوا إلى الإسكندر واستصرخوا به؛ وقد سدها بقطع كبيرة متفرقة من الحديد، ووضع حول القطع ناراً؛ ثم ﴿قَالَ انفُخُواْ﴾ على النار ﴿حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَاراً﴾ أي صهر الحديد وجعله كالنار ﴿قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً﴾ نحاساً مذاباً بين ثنايا قطع الحديد

стр. 1972

﴿فَمَا اسْطَاعُواْ﴾ أي فما استطاع يأجوج ومأجوج ﴿أَن يَظْهَرُوهُ﴾ أن يعلوا السد؛ لمزيد ارتفاعه وملاسته ﴿وَمَا اسْتَطَاعُواْ لَهُ نَقْباً﴾ لعظمه وصلابته؛ فلما أتم السد

стр. 1973

﴿قَالَ هَذَا﴾ أي القدرة على بناء هذا السد وإتمامه ﴿رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي﴾ بالعباد والبلاد؛ إذ كف بالسد أذى يأجوج ومأجوج عنهم ﴿فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ رَبِّي﴾ بالقيامة، وخروجهم قبيلها ﴿جَعَلَهُ دَكَّآءَ﴾ أي هدمه وحطمه وأزاله وجعله مستوياً بالأرض

стр. 1974

﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ﴾ أي يوم خروجهم ﴿يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ يختلطون ويضطربون لكثرتهم ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ القرن: ينفخ فيه إسرائيل ﵇، بأمر ربه تعالى ﴿فَجَمَعْنَاهُمْ﴾ أي الخلائق أجمعين، في مكان واحد

стр. 1975

﴿الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَآءٍ عَن ذِكْرِي﴾ أي عن القرآن؛ فهم عمي لا يهتدون به ﴿وَكَانُواْ لاَ يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً﴾ ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ﴾

стр. 1976

﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَن يَتَّخِذُواْ عِبَادِي﴾ من الملائكة، وعيسى، وعزير ﴿مِن دُونِي أَوْلِيَآءَ﴾ يوالونهم بالعبادة؛ مع مساواتهم لهم في الحاجة والعجز ﴿إِنَّآ أَعْتَدْنَا﴾ هيأنا وأعددنا ﴿جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلاً﴾ النزل: المكان المعد لنزول الضيف وإكرامه، أي أن نهاية إكرامهم أن تكون جهنم نزلاً لهم

стр. 1977

﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ كتبه ﴿وَلِقَائِهِ﴾ أي وكفروا أيضاً بالبعث والحساب، والثواب والعقاب ﴿فَحَبِطَتْ﴾ بطلت ﴿أَعْمَالُهُمْ﴾ الصالحة، التي عملوها في الدنيا ﴿فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ﴾ ولا لأعمالهم ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً﴾ بل نتركهم في نهاية الذلة، وغاية المهانة؛ غير ما أعددناه لهم من عذاب أليم، وشر مقيم

стр. 1978

﴿حِوَلاً﴾ تحولاً

стр. 1979

﴿قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ﴾ بمائه الكثير الوفير ﴿مِدَاداً﴾ المداد: الذي يكتب به ﴿لِّكَلِمَاتِ رَبِّي﴾ الدالة على عظمته وربوبيته، وعلمه وحكمته ﴿لَنَفِدَ الْبَحْرُ﴾ فرغ ماؤه في الكتابة ﴿قَبْلَ أَن تَنفَدَ﴾ تنتهي ﴿لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ﴾ بمثل البحر ﴿مَدَداً﴾ لنفد أيضاً ذلك المدد، قبل أن تنفد كلمات الله تعالى وهو تصوير لقدرته تعالى، ومزيد سلطانه وليس المراد حقيقة الكلام؛ من مداد وأقلام؛ إذ أن كلماته تعالى - في تكوينها - لا هجائية؛ بل إرادية، فالمخلوقات الربانية؛ والمبدعات الإلهية: إن هي إلا كلمات بليغة؛ ينطق بها لسان الحال، بما هو أفصح من لسان المقال. وإنلله تعالى كتابين دالين على وجوده وشهوده؛ يقوم كلاهما بالهداية إليه، والتعريف به: أحدهما: كتاباً مخلوقاً؛ وهو الكون وما فيه من عجائب تجل عن الحصر، وغرائب تعز عن الوصف. وثانيهما: كتاباً قديماً محدثاً منزلاً وهو القرآن؛ وفيه ما فيه من لآلىء المعاني، وينابيع الحكم، وبليغ الكلم (انظر آية ٢٧ من سورة القمان).

стр. 1980

سورة مريم بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 1981

﴿كهيعص﴾ (انظر آية ١ من سورة البقرة)

стр. 1982

﴿ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّآ﴾ أي إن في هذه السورة ذكر رحمة ربك لعبده زكريا

стр. 1983

﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَآءً خَفِيّاً﴾ سراً: لم يسمعه سوى مولاه

стр. 1984

﴿قَالَ رَبِّ إِنَّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي﴾ ضعف لشيخوختي وكبر سني ﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَآئِكَ رَبِّ شَقِيّاً﴾ أي كنت سعيداً بإجابة دعائي فيما مضى؛ فلا تخيب رجائي فيما يأتي

стр. 1985

﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ﴾ الذين يلوني في النسب ﴿مِن وَرَآئِي﴾ من بعدي. وخوفه منهم: إهمالهم للدين، وعدم تمسكهم به، وتضييعهم له؛ كما ضيعته بنو إسرائيل في غيبة موسى، وبعد وفاته ﴿وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً﴾ عقيماً لا تلد؛ لكبر سنها ﴿فَهَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ﴾ من عندك ﴿وَلِيّاً﴾ يلي أمري من بعدي، ويدعو الناس لمعرفتك وعبادتك

стр. 1986

﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ أي يرث ما أوتيناه من علم، ودين، وحكمة ﴿وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً﴾ أي مرضياً عندك في دينه، ومرضياً عند الناس في خلقه

стр. 1987

﴿لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً﴾ أي لم نجعل له نظيراً. وقيل: لم نجعل مسمى بيحيى قبله

стр. 1988

﴿قَالَ رَبِّ إِنَّي﴾ كيف ﴿وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً﴾ عقيماً لا تلد ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيّاً﴾ من عتا: إذا يبس. أي بلغت نهاية السن. قيل: كان عمره وقتذاك مائة وعشرين سنة.

стр. 1989

﴿قَالَ رَبِّ اجْعَل لِي آيَةً﴾ علامة على ذلك ﴿قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاَثَ لَيَالٍ سَوِيّاً﴾ أي بأيامها. وقد كانوا يتقربون إلى الله تعالى بالصوم عن الطعام والكلام، والتفرغ للعبادة؛ ولا يزال - ولن يزال - الصيام والتفرغ للعبادة من موجبات إجابة الدعاء، وتحقق الرجاء

стр. 1990

﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ﴾ وهو موضع الصلاة ﴿فَأَوْحَى﴾ أشار وأومأ ﴿إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُواْ﴾ انقطعوا لعبادة الله تعالى وذكره ﴿بُكْرَةً وَعَشِيّاً﴾ أوائل النهار وأواخره

стр. 1991

﴿بِقُوَّةٍ﴾ بجد واجتهاد ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّاً﴾ أي آتيناه الرشاد والسداد؛ اللذين يؤهلانه لأن يحكم بين الناس. قيل: كان وهو ابن ثلاث سنين يدعوه الصبيان للعب معهم؛ فيقول: ما للعب خلقت

стр. 1992

﴿وَحَنَاناً﴾ أي وآتيناه ﴿مِّن لَّدُنَّا﴾ حناناً؛ وهو الرأفة، والشفقة، والمحبة ﴿وَزَكَاةً﴾ طهارة، وبركة

стр. 1993

﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ﴾ ابنة عمران ﴿إِذِ انتَبَذَتْ﴾ اعتزلت وانفردت ﴿مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِياً﴾ قيل: حاضت؛ فاعتزلت المحراب، وذهبت قبل المشرق

стр. 1994

﴿فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِم﴾ ناحيتهم ﴿حِجَاباً﴾ ستراً يسترها عن الناس. قيل: لتغتسل من حيضتها ﴿فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَآ رُوحَنَا﴾ هو جبريل ﵇ ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً﴾ أي كالبشر. والملائكة: أجسام نورانية؛ تتشكل - بأمر الله تعالى - كيف شاءت ﴿سَوِيّاً﴾ أي مستوي الخلقة؛ فلا هو بالكسيح، ولا الأعمى؛ بل حسن الوجه، مستوي الجسم ﴿قَالَتْ﴾ مريم؛ لما رأته معترضاً طريقها ﴿أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّاً﴾ أي إن كنت ممن يتقي الله ويخافه، ويخشى غضبه وعذابه: فلا تتعرض لي بسوء ﴿قَالَ﴾ جبريل: لا تخافي يا مريم، ولا تخشى سوءاً ﴿إِنَّمَآ أَنَاْ رَسُولُ رَبِّكِ﴾ إليك ﴿لأًّهَبَ لَكِ﴾ بأمره وقدرته ﴿غُلاَماً زَكِيّاً﴾ طاهراً مباركاً وقرىء «ليهب لك» أي ربك

стр. 1995

﴿قَالَتْ إِنِّي﴾ كيف ﴿يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي﴾ أنا عذراء ﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ بتزوج

стр. 1996

﴿وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً﴾ زانية

стр. 1997

﴿قَالَ كَذلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ وقوله قضاء وأمر. قيل: لما رأى يوسف النجار مظاهر الحمل على مريم - وقد كان لا يشك في طهرها وصلاحها - سألها قائلاً: هل ينبت زرع بغير بذر؟ قالت مريم: نعم. قال: فهل تنبت شجرة من غير غيث يصيبها؟ قالت: نعم. قال: فهل يكون ولد من غير ذكر؟ قالت: نعم؛ ألم تعلم بأن الله ﵎ أنبت الزرع - يوم خلقه ابتداء - من غير بذر؟ والبذر يومئذٍ إنما صار من الزرع الذي أنبته الله من غير بذر أولم تعلم أن الله تعالى بقدرته أنبت الشجر بغير غيث، وأنه جعل بتلك القدرة الغيث حياة للشجر؛ بعد ما خلق كل واحد منهما وحده؟ أم تقول: لن يقدر الله على أن ينبت الشجر حتى استعان عليه بالماء؛ ولولا ذلك لم يقدر على إنباته؟ أو لم تعلم أن الله ﵎ خلق آدم وزوجه من غير أنثى ولا ذكر؟ قال يوسف: بلى ووقع في نفسه أن الذي بها شيء من الله ﵎ ﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً﴾ علامة للناس؛ دالة على قدرتنا، وتصديقاً لرسالته ﴿وَرَحْمَةً مِّنَّا﴾ بهم؛ لأنه أرسل لهدايتهم وإرشادهم

стр. 1998

﴿فَحَمَلَتْهُ﴾ حملت بعيسى ﵇؛ بعد أن نفخ جبريل في جيب درعها ﴿فَانْتَبَذَتْ﴾ اعتزلت ﴿بِهِ﴾ بحملها ﴿مَكَاناً قَصِيّاً﴾ بعيداً. قيل: كانت مدة الحمل ساعة واحدة

стр. 1999

﴿فَأَجَآءَهَا﴾ ألجاها ﴿الْمَخَاضُ﴾ وجع الولادة ﴿إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ أصلها. قيل: كانت يابسة غير مثمرة ﴿قَالَتْ﴾ حين رأت ما يجر عليها ذلك من الفضيحة ﴿يلَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْياً مَّنسِيّاً﴾ لا يذكرني أحد بخير أو بشر وهنا ظهرت آية الله تعالى، ونزل عيسى ﵊ للوجود؛ ليكون شاهداً على قدرته تعالى، هادياً إلى دينه، مبشراً بخاتم رسله

стр. 2000

﴿فَنَادَاهَا﴾ عيسى ﴿مِن تَحْتِهَآ أَلاَّ تَحْزَنِي﴾ ففزعت مريم وأجابته: وكيف لا أحزن وأنت معي؟ لا ذات زوج فأقول: من زوجي، ولا مملوكة فأقول: من سيدي فقال لها عيسى: أنا أكفيك الكلام. وقيل المنادي جبريل عليه الصلاة واسلام ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً﴾ سيداً كريماً. وقيل: نهر ماء؛ كان منقطعاً وأجراه الله تعالى إرهاصاً لولادة عيسى عليه السلام
следующие страницы →