← Тафсир

Тафсир · id 36432

أوضح التفاسير

محمد عبد اللطيف الخطيب

Полный текст (5 331 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.

стр. 2241

﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا الْحُسْنَى﴾ وهم الذين وعدوا بالعفو والمغفرة؛ لما قدموه من إيمان صادق، وعمل صالح

стр. 2242

﴿لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيَسَهَا﴾ صوتها

стр. 2243

﴿لاَ يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ﴾ الذي يعم سائر العصاة والمشركين؛ مما يرونه من مظاهر الشدة والبطش والقسوة ﴿وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلاَئِكَةُ﴾ مرحبين بهم، قائلين لهم: ﴿هَذَا يَوْمُكُمُ ⦗٣٩٩⦘ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ به في الدنيا

стр. 2244

﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَآءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ﴾ الكاتب. وقيل: «السجل» اسم ملك يطوي كتب الأعمال

стр. 2245

﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ﴾ الكتاب الذي أُنزل على داود ﵇ ﴿مِن بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ التذكير ب الله تعالى ﴿أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ المراد بالأرض: الجنة؛ وذلك كقوله تعالى: «وقالوا الحمد لله الذي أورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء فنعم أجر العاملين»

стр. 2246

﴿إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاَغاً﴾ لتبليغاً كافياً مفهماً

стр. 2247

﴿وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ﴾ يا محمد ﴿إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ أي رحمة للجن والإنس، والوحش والطير؛ رحمة للمؤمنين: بإنجائهم يوم الدين، ورحمة للكافرين: بإنجائهم في الدنيا من نزول العذاب؛ الذي كان يلحق بمكذبي الأمم السابقة

стр. 2248

﴿فَإِن تَوَلَّوْاْ﴾ أعرضوا ﴿فَقُلْ آذَنتُكُمْ﴾ أي أعلمتكم ﴿عَلَى سَوَآءٍ﴾ أي مستوين كلكم في هذا الإعلام، أو أعلمتكم أني على سواء. أي على عدل واستقامة رأي، أو «آذنتكم» بالحرب؛ لا سلم بيننا: إما الإيمان وإما القتل

стр. 2249

﴿وَإِنْ أَدْرِي﴾ وما أدري ﴿أَقَرِيبٌ أَم بَعِيدٌ مَّا تُوعَدُونَ﴾ به من العذاب، أو «ما توعدون» به من القيامة ﴿لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ﴾ أي لعل تأخير العذاب عنكم في الدنيا اختبار لكم ﴿وَمَتَاعٌ﴾ تمتع ﴿إِلَى حِينٍ﴾ انقضاء آجالكم

стр. 2250

﴿وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ﴾ المطلوب منه المعونة والنصر ﴿عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ به أنفسكم؛ من القوة والشجاعة، والانتصار على المؤمنين؛ أو «المستعان» الذي نستعين به ﴿عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ به الله تعالى؛ من الولد والشريك؛ فنقضي على هذه الفرية؛ بالقضاء على مروجيها ومعتقديها

стр. 2251

سورة الحج بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 2252

﴿يأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمْ﴾ خافوه، واحذروا غضبه وبأسه، واخشوا يوماً ترجعون فيه إليه ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ الزلزلة: الإزعاج، والإفزاع. أي اتقوا ربكم لأن زلزلة الساعة شيء مهول

стр. 2253

﴿تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّآ أَرْضَعَتْ﴾ أي تغفل عنه؛ مع أن الطبيعة البشرية: تقتضي تمام الحرص من جانب الأم على وليدها، وتقتضي كامل الشفقة به، والحدب عليه؛ فيذهب جميع ذلك لشدة ما تلقاه في هذا اليوم من الهول، وما تجده من الرعب ﴿وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا﴾ أي تطرح كل حبلى ما في بطنها؛ لشدة ما ترى من الفزع ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى﴾ أي كالسكارى؛ في عدم الوعي، وفي الخلط، وفي التعثر، وفي الذهول ﴿وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ حقيقة؛ ولكنه هول القيامة

стр. 2254

﴿وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ﴾ عات متمرد؛ مستمر في الشر؛ مستمرىء له

стр. 2255

﴿كُتِبَ عَلَيْهِ﴾ أي قضى على هذا الشيطان ﴿أَنَّهُ مَن تَوَلاَّهُ﴾ أي اتبعه، واتخذه إماماً له ومعيناً ﴿فَأَنَّهُ﴾ أي الشيطان ﴿يُضِلُّهُ﴾ عن طريق الحق، ويرديه في الباطل ﴿وَيَهْدِيهِ﴾ يوجهه ﴿إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ إلى ما يوصله إلى جهنم وبئس المصير وهذا كقوله تعالى: ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾

стр. 2256

﴿يأَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ﴾ شك ﴿مِّنَ الْبَعْثِ﴾ يوم القيامة ﴿فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ﴾ أي خلقنا أصلكم آدم ﴿مِّن تُرَابٍ﴾ أي إن كنتم شاكين في البعث، وكيف أننا نعيدكم بعد فنائكم؛ فانظروا في بدء خلقكم: إذ خلقناكم من تراب، ولم تكونوا شيئاً؛ فكيف لا نستطيع إعادتكم كما أنتم الآن؟ ﴿ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ﴾ مني ﴿ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ﴾ ذهب المفسرون إلى أن المراد بها: قطعة دم جامدة والذي أراه أن المراد بالعلقة: واحد الحيوانات المنوية، التي يتخلق منها الجنين بأمر الله تعالى؛ وتجمع على «علق» قال تعالى: ﴿خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ ﴿ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ﴾ قطعة لحم صغيرة؛ قدر ما يمضغ في الفم ﴿مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ أي تامة الخلقة، وغير تامتها ﴿وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَآءُ﴾ أي نثبت في الأرحام ما نشاء ثبوته؛ وما لم نشأ إبقاءه: أسقطته الأرحام. فليس كل من حملت أنتجت ⦗٤٠١⦘ ﴿إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ هو وقت استيفاء الجنين مدته في الرحم ﴿ثُمَّ لِتَبْلُغُواْ أَشُدَّكُمْ﴾ كمال قوتكم؛ وهو ما بين الثلاثين إلى الأربعين (انظر آية ٢١ من سورة الذاريات) ﴿وَمِنكُمْ مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾ أردئه؛ وهو الكبر المؤدي إلى الهرم والخرف ﴿لِكَيْلاَ يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً﴾ أي لينسى ما عرفه، ويجهل ما علمه؛ لذهاب عقله، ومزيد كبره ﴿وَمَن نّعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ﴾ قال عكرمة: من قرأ القرآن: لم يصر إلى هذه الحالة نفعنا الله تعالى بكتابه، وكتبنا من أحبابه، وشفعه فينا، وجعله حجة لنا لا علينا ﴿وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً﴾ ساكنة يابسة ﴿فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَآءَ﴾ بالمطر، أو بالسقيا من ماء المطر نفسه - المنساب في الأنهار والآبار - وذلك بعد وضع البذر ﴿اهْتَزَّتْ﴾ تحركت لطلوع النبات ﴿وَرَبَتْ﴾ انتفخت وارتفعت ﴿وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ من كل صنف حسن، سار للناظرين

стр. 2257

﴿ذلِكَ﴾ المذكور: من قدرة الله تعالى على إنشاء الإنسان أصلاً من تراب، ثم من نطفة؛ ثم تطور النطفة إلى علقة، ثم مضغة؛ ثم إخراجه طفلاً، ثم إنهاء أجله على الصورة التي يريدها الله تعالى له - صغيراً، أو كبيراً، أو بالغاً أرذل العمر - ثم قدرته جل شأنه، وعلا سلطانه؛ على إنزال الماء من السماء على الأرض اليابسة، واهتزازها، وانشقاقها عن أصناف النبات: البهيج المنظر والمخبر؛ كل «ذلك» يدل دلالة قاطعة على أنه تعالى ﴿هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ﴾ كما أنشأ الخلق ابتداء، وأماتهم ﴿يُحْيِي الْمَوْتَى﴾ ويبعثها يوم القيامة للحساب والجزاء؛ فتعالى الله الخالق ما يريد، الفاعل ما يشاء

стр. 2258

﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ﴾ أي لاوياً عنقه: كبراً وخيلاء، أو معرضاً عن ذكر الله تعالى ﴿وَأَنَّ اللَّهَ﴾ في إحيائه وإماتته، ومحاسبته ومعاقبته ﴿لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلعَبِيدِ﴾ ولكن العبيد ﴿كَانُواْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾

стр. 2259

﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ على طرف؛ أي يعبد الله شاكاً في وجوده، أو شاكاً في إحيائه، أو شاكاً في جزائه ﴿فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ﴾ غنى وصحة ﴿اطْمَأَنَّ بِهِ﴾ وسكن إليه ﴿وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ﴾ شر وبلاء وفقر ⦗٤٠٢⦘ ﴿انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾ رجع إلى كفره: يائساً من رحمة الله تعالى؛ وبذلك يكون قد ﴿خَسِرَ الدُّنْيَا﴾ بفوات ما أمله فيها، وأراده منها خسر ﴿الآخِرَةَ﴾ لأن الله تعالى لم يعدها إلا للمتقين؛ و ﴿ذلِكَ﴾ الخسران ﴿هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ الواضح؛ الذي لا خسران بعده

стр. 2260

﴿يَدْعُو﴾ أي يعبد ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ غيره ﴿ذلِكَ هُوَ الضَّلاَلُ الْبَعِيدُ﴾ الكبير

стр. 2261

﴿يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ﴾ أي يدعو من ضره؛ واللام زائدة ﴿أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِ﴾ أي يعبد من دون الله من يحتمل وصول الضرر منه، ولا يستطيع إيصال النفع. أو يطلب رفع ما نزل به؛ ممن لا قدرة له على دفعه عن نفسه ﴿لَبِئْسَ الْمَوْلَى﴾ أي بئس الرب، وبئس السيد؛ ذلك الذي لا يضر ولا ينفع ﴿وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾ أي بئس القريب والصاحب؛ و «العشير» من المعاشرة

стр. 2262

﴿مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ اللَّهُ﴾ أي من كان يظن أن الله لن ينصر رسوله ﵊. أو المراد: من كان قد يئس من روحالله، وقنط من رحمته، وظن أنه تعالى لن ينصره: فليختنق وجاء على لسان العرب «ينصره» بمعنى يرزقه ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ﴾ بحبل ﴿إِلَى السَّمَآءِ﴾ أي إلى السقف؛ لأن كل ما علاك فهو سماء ﴿لْيَقْطَعْ﴾ أي ثم ليختنق ﴿فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ﴾ أي «هل يذهبن كيده» لنفسه بالاختناق؛ الأمر الذي يغيظه: وهو ظنه بأن الله تعالى لن يرزقه، أو بأن الله تعالى لن ينصر رسوله؛ وقد نصره في الدنيا: بنصره، ورفعة شأنه، وإعلاء دينه؛ وفي الآخرة: بالمقام المشهود، والحوض المورود، والشفاعة العظمى

стр. 2263

﴿وَكَذلِكَ أَنزَلْنَاهُ﴾ أي القرآن ﴿آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ واضحات ﴿وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يُرِيدُ﴾ هدايته، أو من يريد أن يهتدي

стр. 2264

﴿وَالَّذِينَ هَادُواْ﴾ اليهود ﴿وَالصَّابِئِينَ﴾ قوم زعموا أنهم على دين نوح ﵇، أو هم كل من صبأ: أي خرج من دين إلى دين آخر ﴿وَالْمَجُوسَ﴾ عبدة النار

стр. 2265

﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ﴾ كل ﴿مَن فِي السَّمَاوَاتِ﴾ من أملاك ﴿وَمَن فِي الأَرْضِ﴾ من إنس وجن ⦗٤٠٣⦘ ﴿وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَآبُّ﴾ كل هؤلاء يسجدلله تعالى. أي يطيعه، ويخضع لأوامره. أو هو سجود على الحقيقة: يتمثل في ظل هذه الأشياء ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ ﴿وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ﴾ أي ويسجد له كثير من الناس؛ وهم المؤمنون ﴿وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ﴾ ﴿حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ أي وجب عليه؛ لكفره، وفسوقه عن أمر ربه ﴿وَمَن يُهِنِ اللَّهُ﴾ يشقه بالكفر ﴿فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ﴾ أي ليس له من مسعد يرتفع به إلى مصاف المؤمنين، ويدفع عنه ما كتبه عليه أحكم الحاكمين وإنما يهن الله تعالى من استوجب الشقاء والمهانة، وارتضى لنفسه خسة الكفر، وذلة الجهل؛ وأبى رفعة الإيمان، وعزة العلم هذا ولا يعقل أصلاً أن المولى الكريم يهين من لا ذنب له، ولا إثم عليه؛ بعد أن رفعه وكرمه ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ وقد اعتاد أكثر المفسرين - سامحهم الله تعالى - على أن يذهبوا في مثل هذه المعاني مذاهب شتى؛ يأباها العدل السماوي، وتنبو عنها الحكمة الإلهية؛ ويتسترون وراء معان فخمة ضخمة؛ هي في الواقع عين الحقيقة، ولب الشريعة. وإلا فمن ذا الذي ينكر أنه تعالى يفعل ما يريد؟ ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ﴾ أو أن الأمر أمره، والخلق خلقه؟ وأن الجميع ملك له وعبيد؟ إن من ينكر هذا أو بعضه؛ فإنه واقع في الكفر لا محالة: لأنه قد أنكر ما لا يصح الإيمان إلا به إنما الذي ننكره، ونحارب من أجله، ونلقى الله تعالى عليه: أنه تعالى ﴿لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلعَبِيدِ﴾ وأنه جل شأنه لا يظلم الناس، ولكن الناس ﴿كَانُواْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ فإذا أهان الله تعالى عبداً؛ فإنما يعاقبه بهذه الإهانة على ظلم نفسه؛ بالرضا بالكفر، والركون إليه قال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُواْ أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾. لذا أتبع الله تعالى ذلك بذكر خصومة المؤمنين والكافرين، وما يؤول إليه حال كل منهم. قال تعالى:

стр. 2266

﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُواْ فِي رَبِّهِمْ﴾ المؤمنون خصم، والكافرون خصم ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ بمحض اختيارهم؛ وليس بدافع خفي من الله تعالى؛ تنهار أمامه قوتهم، وتمحى حياله إرادتهم وهل يستطيع مخلوق أن يدفع إرادة الخالق تعالى؟ أو أن يخرج عما أكرهه عليه، واضطره إليه؟ ﴿قُطِّعَتْ﴾ أي سويت وأعدت ﴿لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارِ﴾ وهو تشبيه لإحاطة النار بهم من كل جانب: إحاطة الثوب بلابسه ﴿يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ﴾ وهو الماء البالغ نهاية الحرارة. عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: لو سقطت نقطة واحدة منه على جبال الدنيا لأذابتها

стр. 2267

﴿يُصْهَرُ بِهِ﴾ أي يذاب بالحميم ﴿مَا فِي بُطُونِهِمْ﴾ من أحشاء، وأمعاء وقلوب، وكلى، وأكباد وخص ما في بطونهم: ⦗٤٠٤⦘ ليظهر مبلغ ما يحيق بهم من آلام لا توصف: فإن الإنسان لا يحتمل أدنى ألم - مهما قل - يلم بما في بطنه؛ فما بالك - عافاني الله تعالى وإياك - بالحميم في الجحيم؛ يصب فوق الرؤوس؛ فيصهر ما في البطون

стр. 2268

﴿وَلَهُمْ مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾ تضرب بها رؤوسهم والمقامع: جمع مقمعة؛ وهي عمود من حديد؛ يضرب به رأس الفيل ليستكين ويحد من هيجانه. وهي مشتقة من القمع

стр. 2269

﴿كُلَّمَآ أَرَادُواْ أَن يَخْرُجُواْ مِنْهَا﴾ أي من النار ﴿مِنْ غَمٍّ﴾ حزن شديد، وهم بالغ نالهم ﴿أُعِيدُواْ فِيهَا﴾ بالضرب بالمقامع يقال لهم ﴿ذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ بما قدمتم

стр. 2270

﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ﴾ بفضله ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ﴾ به وبكتبه ورسله ﴿وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جَنَاتٍ﴾ بساتين: لا آخر لعظمها، ولا حد لبهجتها

стр. 2271

﴿وَهُدُواْ إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ أي هدوا في الدنيا إلى القول الطيب؛ الذي وصلهم إلى هذه الدرجة من النعيم: وهو لا إله إلا الله ﴿وَهُدُواْ إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾ أي إلى طريقالله، الموصل إليه؛ وهو الإيمان

стр. 2272

﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَيَصُدُّونَ﴾ يمنعون ﴿عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ دينه ﴿سَوَآءً الْعَاكِفُ فِيهِ﴾ المقيم ﴿وَالْبَادِ﴾ غير المقيم ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾ أي ومن يهم فيه بمعصية ﴿نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ جاء في اللغة: ألحد في الحرم: إذا احتكر الطعام. وقيل: الإلحاد: الحلف الكاذب، أو هو منع الناس عن عمارة المسجد الحرام. وقرىء «ومن يرد» بفتح الياء: من الورود. هذا ولم يؤاخذ الله تعالى أحداً من خلقه على الهم بالمعصية ما لم يرتكبها، ولا بالشروع فيها ما لم يأتها؛ إلا في المسجد الحرام: فإن من يهم فيه بالذنب: كمن يقترفه وذلك لأن الإنسان يجب عليه أن يكون في الحرم طاهر الجسم، نقي القلب، صافي السريرة، خالصاً بكليتهلله، طامعاً في مغفرته، مشفقاً من غضبه وإن من ينتهك حرمة الملك بمعصيته في حماه، وداخل بيته: أجرأ على المعصية ممن يرتكبها بعيداً عنه وحقاً إن من تهجس نفسه بالسوء؛ وهو في داخل الحرم الآمن: لجدير بالجحيم، والعذاب الأليم

стр. 2273

﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا﴾ هيأنا ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ﴾ من الأصنام والأوثان والرجس

стр. 2274

﴿وَأَذِّن﴾ ناد ﴿فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً﴾ أي مشاة على أرجلهم ﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ أي ركباناً. والضامر: البعير، أو الفرس المهزول ﴿يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَميِقٍ﴾ من كل طريق بعيد

стр. 2275

﴿لِّيَشْهَدُواْ﴾ يحضروا ﴿مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ بالتجارة، والتعرف بالناس من شتى الأقطار. وفي هذا من المنافع الاجتماعية ما فيه؛ وقد اهتم الشارع الحكيم باجتماع الناس وتآلفهم، وتبادلهم الأخوة الدينية، والمحبة الخالصة فشرع صلاة الجماعة: ليختلط أهل الحي الواحد، وشرع الجمعة: ليجتمع أهل البلدة، وشرع الحج: ليجتمع أهل الأقطار والأمصار؛ ⦗٤٠٥⦘ ليتعارفوا، ويتحابوا، ويتبادلوا الآراء العامة؛ التي تعود بالنفع على الأمة الإسلامية في سائر أقطار المعمورة ﴿وَأَطْعِمُواْ الْبَآئِسَ﴾ الذي أصابه بؤس وشدة

стр. 2276

﴿ثُمَّ لْيَقْضُواْ تَفَثَهُمْ﴾ التفث في المناسك: قص الأظافر والشارب، وحلق الرأس والعانة، ورمي الجمار، ونحر البدن، وأشباه ذلك. والتفث في اللغة: الوسخ. أي وليزيلوا وسخهم ﴿وَلْيُوفُواْ نُذُورَهُمْ﴾ من الهدايا والضحايا ﴿وَلْيَطَّوَّفُواْ﴾ يطوفوا طواف الإفاضة؛ الذي هو من واجبات الحج ﴿بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ القديم؛ وهو البيت الحرام. وسمي بالعتيق: لأنه أول بيت وضع للناس. قال تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً﴾

стр. 2277

﴿وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ﴾ يجتنب ما لا يحل انتهاكه ﴿إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ تحريمه في قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَآ أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ ﴿فَاجْتَنِبُواْ الرِّجْسَ﴾ القذر. وهو كل ما يستوجب العقاب والعذاب ﴿مِنَ الأَوْثَانِ﴾ الأصنام ﴿وَاجْتَنِبُواْ قَوْلَ الزُّورِ﴾ شهادة الزور. وقول الزور: من أكبر الكبائر، وهو من الموبقات المهلكات وما فشا الزور في قوم: إلا وحل بهم الخراب والدمار

стр. 2278

﴿حُنَفَآءَ للَّهِ﴾ مسلمين ﴿وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَآءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ﴾ أي فكأنما سقط من السماء فتخطفته الطير، ومزقته كل ممزق ﴿أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ﴾ تسقطه وتلقيه ﴿فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ بعيد. أي إنه لا ترجى له نجاة في الحالتين

стр. 2279

﴿ذلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ الشعائر: جمع شعيرة؛ وهي أعمال الحج، وكل شيء فعل تقرباً إلى الله تعالى وتعظيمها: اختيار البدن حسنة سمينة ﴿فَإِنَّهَا﴾ أي تعظيم الشعائر، والقيام بها على أكمل وجه، وأجمل صفة ﴿مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ وهي أرقى مراتب التقوى قال «التقوى ههنا» وأشار إلى صدره الشريف

стр. 2280

﴿ثُمَّ مَحِلُّهَآ﴾ أي مكان وجوب نحرها. والضمير للأنعام
следующие страницы →