← Тафсир

Тафсир · id 36432

أوضح التفاسير

محمد عبد اللطيف الخطيب

Полный текст (5 331 стр.). Показаны 2416–2455 · переход к 2421.

стр. 2416

﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ أي يقذفون العفائف المسلمات: بأن يرموهن بالزنا كيداً وظلماً ﴿وَلاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً﴾ بعد أن ثبت فسقهم وزورهم؛ هذا ولا تقبل شهادتهم - ولو بعد توبتهم - للتأبيد الوارد في الآية «أبداً» أما قوله تعالى:

стр. 2417

﴿إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذلِكَ﴾ فهو استثناء من قوله تعالى: ﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ ولا يعمل الاستثناء فيما قبل ذلك؛ وإلا لتناول الجلد أيضاً؛ وهو حد من حدود الله تعالى؛ لا يسقط بالتوبة

стр. 2418

﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ وذلك بأن يقول أربع مرات: أشهد ب الله أني لمن الصادقين فيما رميت به زوجتي

стр. 2419

﴿وَالْخَامِسَةَ﴾ أي يقول في الخامسة: عليّ لعنة الله تعالى إن كنت من الكاذبين

стр. 2420

﴿وَيَدْرَؤُاْ﴾ يدفع ﴿عَنْهَا الْعَذَابَ﴾ الرجم الذي استحق عليها بشهادة زوجها ﴿أَن تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ بأن تقول أربع مرات: أشهد ب الله أن زوجي لمن الكاذبين. وتقول في الخامسة: وعليّ غضب الله تعالى إن كان من الصادقين وباللعان هذا تحصل الفرقة الأبدية بين الزوجين: فلا يحل أحدهما للآخر أبد الدهر؛ فلا يجتمعان. ولا يتوارثان. وكيف يمسكها وهي بغي؟ أو كيف ترضى به وقد رماها بأقبح ما ترمى به امرأة، وأسوأ ما ينسب إلى حليلة؟

стр. 2421

﴿إِنَّ الَّذِينَ جَآءُوا بِالإِفْكِ﴾ الإفك: أسوأ الكذب؛ وقد كذبوا على أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها، ورموها بما هي منه براء ⦗٤٢٤⦘ ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ﴾ أي تحمل معظم الإثم، وخاض أكثر الخوض. والكبر: الإثم الكبير ومعظم الشيء. وقرىء «كبره» بضم الكاف. والمقصود به عبد الله ابن أُبيبن سلول، وقيل: حسانبن ثابت. ولكنه رضي الله تعالى عنه كذب ما أشيع عنه بقصيدة عصماء نفى بها ما أشيع وأذيع، وأثنى على عائشة رضي الله تعالى عنها بما هي أهل له قال فيها: حصان رزان ما تزن بريبة وتصبح غرثى من لحوم الغوافلحليلة خير الناس ديناً ومنصباً نبي الهدى والمكرمات الفواضلمهذبة قد طيب الله خيمها وطهرها من كل شين وباطل

стр. 2422

﴿لَّوْلا﴾ هلا ﴿إِذْ سَمِعْتُمُوهُ﴾ أي إذ سمعتم الإفك ﴿ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ﴾ الذين سمعوا الإفك ﴿بِأَنْفُسِهِمْ﴾ أي بالمفترى عليها؛ لأن جميع المؤمنين: كالنفس الواحدة ﴿وَقَالُواْ هَذَآ﴾ الذي سمعناه ﴿إِفْكٌ مُّبِينٌ﴾ كذب واضح؛ والإفك: أسوأ الكذب

стр. 2423

﴿لَّوْلاَ جَآءُوا عَلَيْهِ﴾ أي هلا جاء العصبة على هذا الإفك؛ وهو قذف صريح ﴿بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ﴾ يشهدون على صدق ما زعموا

стр. 2424

﴿وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ لكم بتأخير العقوبة في ﴿الآخِرَةَ﴾ بالغفران لمن تاب ﴿لَمَسَّكُمْ﴾ أيها العصبة ﴿فِي مَآ أَفَضْتُمْ﴾ فيما خضتم

стр. 2425

﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ﴾ أي تتلقونه؛ يؤيده قراءة من قرأ «تتلقونه» والمعنى: «تتلقونه» بأسماعكم؛ فتذيعونه «بألسنتكم» فور سماعه؛ فكأنما تلقيتموه بألسنتكم؛ لا بأسماعكم؛ لسرعة إذاعته. وقرىء «تلقونه» بكسر اللام؛ من الولق: وهو الاستمرار في الكذب ﴿وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَّا لَّيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ وفي هذا دليل قاطع على النهي عن التكلم في الجنايات بالسماع؛ بل يجب أن يكون التكلم عن بينة واضحة، وعن رؤية مثبتة؛ فليست دماء الناس، وأموالهم، وأعراضهم؛ بمثل هذا القدر من الهوان ﴿وَتَحْسَبُونَهُ﴾ أي تحسبون هذا الرمي ⦗٤٢٥⦘ والقذف ﴿هَيِّناً﴾ سهلاً ﴿وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ مستوجب للحد والمقت

стр. 2426

﴿وَلَوْلا﴾ وهلا ﴿إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَّا يَكُونُ لَنَآ﴾ ما يصح ولا يجوز لنا ﴿أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَذَا﴾ أن نتهم أحداً ظلماً؛ بغير دليل ولا بينة ﴿سُبْحَانَكَ﴾ يا ألله؛ تنزهت وتعاليت عن كل قبيح ﴿هَذَا بُهْتَانٌ﴾ زور وباطل ﴿عَظِيمٌ﴾ كبير

стр. 2427

﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ﴾ ينهاكم ﴿أَن تَعُودُواْ لِمِثْلِهِ﴾ أن تقعوا فيما وقعتم فيه

стр. 2428

﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ﴾ أن تذيع ظلماً وزوراً وبهتاناً ﴿فِي الَّذِينَ آمَنُواْ﴾ وليس معنى ذلك أن يتستر الإنسان على ما ظهر من الفواحش وبدا للعيان؛ فذلك واجب المنع بكل لسان، والمحاربة بكل سنان؛ وهو يدخل في باب تغيير المنكر؛ الذي هو إحدى مراتب الإيمان وهذا بعيد كل البعد عمن يتسقط النبأ، فيذيعه على الملأ؛ فأولئك ﴿لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا﴾ بالجلد، والخزي، وسقوط العدالة، وعدم قبول الشهادة ﴿وَالآخِرَةِ﴾ بغضب الرحيم، وبالعذاب الأليم

стр. 2429

﴿وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ اللعين ﴿فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَآءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ وكل صديق سوء أمر بمنكر، وزين معصية: فهو في حكم الشيطان؛ بل هو شر منه؛ ويجب اجتنابه والابتعاد عنه ﴿مَا زَكَا﴾ ما طهر ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَآءُ﴾ يطهر من أراد من دنس الفحش، وذل العصيان

стр. 2430

﴿وَلاَ يَأْتَلِ﴾ ولا يقصر. وقرأ أبو جعفر «ولا يتأل» أي ولا يحلف ﴿أُوْلُواْ الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ﴾ الغنى ﴿أَن يُؤْتُواْ أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ﴾ أي لا يقصر، ولا يحلف هؤلاء ألا يؤتوا الفقراء من أموالهم؛ لذنب جنوه، أو إثم ارتكبوه. قيل: نزلت هذه الآية حينما أقسم كثير من الصحابة - ومنهم أبو بكر - رضي الله تعالى عنهم؛ ألا يعطوا بعض من خاض في الإفك من الفقراء الذين كانوا يعطونهم. فلما نزل قوله تعالى: ﴿وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُواْ أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ قال أبو بكر: بلى؛ أنا أحب أن يغفر الله لي وأعاد ما كان يجريه على الفقراء الذين جاءوا بالإفك. وقد أراد الله تعالى أن يحفز السامع إلا ملازمة الصفح والعفو؛ بقوله: ﴿أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ أي حيث إنكم تحبون الغفران، وتطلبونه من الديان؛ فلم لا تغفرون للإخوان، وتصفحون عما كان؟ وفي قصة الإفك، وما أعقبها: دليل على وجوب إعطاء الفقير ولو عصى، والمسكين ولو أثم إذ أن مقياس العطاء: الحاجة؛ فإذا ما استوى فيها التقي والشقي: وجب تقديم الأول على الثاني

стр. 2431

﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ﴾ أي يوفيهم جزاءهم الذي يستحقونه على أفعالهم

стр. 2432

﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ﴾ أي إن الخبيثات لا يرغب فيهن إلا الخبيثون. والآية مبنية على قوله تعالى: ﴿الزَّانِي لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾ لأن الخبيثات والخبيثين: هم الزواني ﴿وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ﴾ وهم العفائف؛ فلا يجوز أن يتزوج عفيف إلا عفيفة مثله، ولا أن تتزوج عفيفة إلا عفيفاً مثلها. وهذه هي سنة النفوس الفاضلة، والخلق الكامل هذا ولم تخرج أوامره تعالى، وإرشاداته لخلقه عن أسمى الأخلاق التي تصبو إليها الإنسانية، وتنتظم بها الأسر: فلا يختلط الخبيث بالطيب، ولا يدنس العفيف نفسه بمخالطة البغي، ولا تنزل العفيفة إلى درك الزاني الفاجر ﴿أُوْلَئِكَ﴾ الطيبون والطيبات ﴿مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾ أي مما يقوله فيهم الخبيثون والخبيثات، الوالغون في الأعراض، الطاعنون في الكرامات

стр. 2433

﴿يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُواْ﴾ يعلمنا ربنا آداب الزيارة، وكيف أننا لا نلج بيتاً قبل أن نستأذن أهله في دخوله، ونأنس بهم، ويأنسوا بنا. وانظر - يا من تتوهم أن الحضارة والرقة نأخذهما عن الغربيين - إلى أي حد يعلمنا مربينا تعالى، وإلى أي مدى يؤدبنا قرآنه الكريم، وكتابه الحكيم؛ فيحسن تأديبنا وتربيتنا

стр. 2434

﴿فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ فِيهَآ أَحَداً﴾ من أهلها تستأذنونه وتستأنسون به ﴿فَلاَ تَدْخُلُوهَا﴾ وسواء كانت البيوت مفتوحة الأبواب، أو مغلقتها؛ فقد أغلقها الله تعالى بتحريم دخولها؛ وجعل مفتاحها الإذن من قاطنها، أو مالكها؛ و

стр. 2435

﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾ إثم؛ في ﴿أَن تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ﴾ أي غير معدة للسكن الخاص ﴿فِيهَا مَتَاعٌ لَّكُمْ﴾ وهو كل ما يتمتع به: من إيواء، واتقاء حر أو برد أو هي البيوت المستعملة لخزن البضائع وما شاكلها ويجوز أن يدخل في عموم ذلك الفنادق

стр. 2436

﴿قُلْ لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ﴾ أي لا يتطلعوا بأبصارهم إلى النساء؛ لأن البصر رائد القلب؛ بل هو بريد الزنا؛ بل هو مجلبة لانطماس القلب وغضب الرب فانظر - كفاك الله كيد نفسك وشيطانك - أين تضع بصرك قال الشاعر: وطرفك إن أرسلته لك رائداً لقلبك يوماً: أتعبتك المناظررأيت الذي لا كله أنت قادر عليه، ولا عن بعضه أنت صابر

стр. 2437

﴿وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ المراد بالزينة: مواضعها كالجيد، والمعصم، والساق، وما شاكلها، أو المراد نفس التزين: كالاكتحال، وتخضيب الكفين، ووضع المساحيق على الوجه، وتلوين الشفتين، وما أشبه ذلك ﴿إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ أي إلا المقدار الذي لا يمكن إخفاؤه: كالوجه والكفين؛ بغير زينة، ولا خضاب ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ أي وليضعن ما يتلفعن به على صدورهن؛ والجيب: فتحة الثوب مما يلي العنق؛ ومنه قوله تعالى لنبيه موسى ﵊ ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ﴾ ﴿وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ الخفية؛ وهي ما عدا الوجه والكفين، أو هو كل ما يستحب رؤيته من المرأة، وما يجذب أبصار الرجال إليها؛ فكل ذلك حرام إبداؤه ﴿إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ أزواجهن؛ الذين تملكوهن بكلمة الله ولا يحل لامرأة تؤمن ب الله واليوم الآخر أن تبدي زينتها إلا لبعلها الذي أحلها الله تعالى له، أو لمحرم ممن ذكرهم الله جل شأنه في هذه الآية. وقد ذهب كثير من العلماء إلى حرمة كشف الوجه - إذا خيفت الفتنة - وذلك لأن الزينة منها ما هو خلقي: كالوجه، وما هو كسبي: كالثياب، والحلي، والكحل، والمساحيق، والأصباغ ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ من الإماء دون العبيد؛ ولو كانوا خصياناً ﴿أَوِ التَّابِعِينَ﴾ كالخدم، أو الفقراء؛ الذين يتبعونكم لأجل إطعامهم والتصدق عليهم؛ بشرط أن يكونوا من ﴿غَيْرِ أُوْلِي الإِرْبَةِ﴾ وهم الذين ليس لهم مأرب في النساء: كالشيوخ الصلحاء، والمجبوبين؛ ومن شابههما ﴿وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ﴾ أي ليسمع صوت الخلخال

стр. 2438

﴿وَأَنْكِحُواْ﴾ زوجوا ﴿الأَيَامَى﴾ جمع أيم؛ وهي من ليست بذات زوج: بكراً كانت، أو ثيباً؛ ويطلق الأيم على الذكر والأنثى ﴿وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمائِكُمْ﴾ أي المسلمين من العبيد والإماء

стр. 2439

﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ نِكَاحاً﴾ أي لا يستطيعون الزواج لفقرهم؛ والاستعفاف: الابتعاد عن الزنا، ومواطنه، وأسبابه، ومقدماته؛ ومدافعة الرغبة بالصوم؛ قال: «من استطاع الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإن الصوم له وجاء» ⦗٤٢٨⦘ ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ﴾ يطلبون المكاتبة: وهم العبيد يكاتبون مواليهم على أداء شيء معلوم؛ يتحررون بعد أدائه ﴿وَلاَ تُكْرِهُواْ فَتَيَاتِكُمْ﴾ بناتكم، أو إمائكم، أو من تقومون بأمورهن مقام الولي والكفيل ﴿عَلَى الْبِغَآءِ﴾ الزنا؛ بتركهن بدون تزويج ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً﴾ تعففاً؛ بالزواج الحلال الطيب هذا وقد دأب أكثر الناس اليوم على التباطىء في تزويج بناتهم تباطؤاً أدى إلى الوقوع في الموبقات؛ بحجة عدم صلاحية طالب الزواج تارة، وبالتغالي في المهور تارة أخرى؛ مما يؤدي إلى الانصراف عن الفتيات، والرغبة عنهن، مكان الرغبة فيهن وفي هذا ما فيه من الانحراف، عن الاستعفاف، فليبادر من يتق الله تعالى إلى تزويج بناته؛ متى وجد الكفء لهن، الراغب فيهن، الحافظ لأعراضهن وقيل: إنهم كانوا يكرهونهن على البغاء، لاجتلاب الرخاء؛ كما يفعل بعض من أعمى الله تعالى بصائرهم، وطمس على قلوبهم؛ وساقهم الشيطان إلى مهاوي الضلال، ومهامه الرذيلة ﴿وَمَن يُكْرِههُنَّ فِإِنَّ اللَّهِ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ﴾ لهن ﴿رَّحِيمٌ﴾ بهن ﴿مِّنَ الَّذِينَ خَلَوْاْ﴾ مضوا

стр. 2440

﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ أي منورهما، والهادي فيهما إلى الطريق القويم، والصراط المستقيم ولما كان النور: هو الذي يرشد الإنسان إلى مواطن الضرر والخطر، ويهديه إلى طرق الأمن والسلامة؛ ولولاه لتردى الإنسان في مهاوي البيداء، ومهامه الصحراء ولما كان الله تعالى هو الهادي إلى أقوم الطرق، وأوضح السبل؛ كان وصفه جل شأنه بالنور: هو الجامع لصفاته العلية، الموضح لحاجة الكل إليه، واعتمادهم عليه وإلا فليس بعد النور الإلهي سوى دياجير الظلمات، المبعدة عن الرحمات والجنات فتمسك - يا رعاك الله - بنورالله: يهدك سبل الرشاد والسداد «ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور» ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ﴾ وهي الكوة غير النافذة في الجدار ﴿الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا﴾ في صفائه وبريقها ﴿كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ مضيء؛ نسبة إلى الدر الذي يضيء لشدة لمعانه ﴿يُوقَدُ﴾ ذلك الكوكب الدري ﴿مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ﴾ أي ليست كسائر الشجر؛ بل «من شجرة» بورك فيها وعليها ﴿لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ﴾ أي بينهما؛ فلا يتمكن منها حر ولا برد يضرانها ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا﴾ لشدة صفائها ﴿يُضِيءُ﴾ بنفسه ﴿نُّورٌ عَلَى نُورٍ﴾ ضوء الزيت، وضوء النار. أو هو نور الله تعالى - وهو هدايته للمؤمن - على نور المؤمن - وهو اهتداؤه بنفسه إلى خالقه، واختياره للإيمان. وانصرافه عن داعي الشيطان - وهو النور الذي يبدؤه المؤمن باختياره؛ فيذكيه مولاه تفضلاً وتكريماً منه تعالى لمن أكرم ⦗٤٢٩⦘ نفسه، وسما بروحه؛ فينبثق النور من القلب؛ فتشتعل جذوة الإيمان، وتبعث الأعضاء على الانقياد والعبادة؛ فيصير الإنسان الترابي نورانياً: يأمر الأقدار فتطيعه، ويقسم فيبر الله قسمه، ويرغب فينقاد إليه كل شيء طوعاً وكرهاً بإذن الحنان المنان، الرحيم الرحمن ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ﴾ أي للإيمان به

стр. 2441

﴿فِي بُيُوتٍ﴾ هي المساجد، أو هو كل بيت يقيم أهله الصلاة فيه، ويذكرون اسمه تعالى ويسبحونه ويقدسونه وهذه البيوت: هي محط نور الله تعالى، ومبعث هدايته ورحمته، والطريق إلى رضائه وجنته؛ وفيها المشكاة، ومنها ينبعث نور المصباح ﴿بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ﴾ أي في الصباح والمساء

стр. 2442

﴿يَخَافُونَ يَوْماً﴾ هو يوم القيامة ﴿تَتَقَلَّبُ﴾ تضطرب ﴿فِيهِ الْقُلُوبُ﴾ من شدة الخوف والرعب، والتردد بين الهلاك والنجاة تتقلب فيه أيضاً ﴿الأَبْصَارِ﴾ حيرى بين الجنة والنار

стр. 2443

﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ﴾ من فضله في الدنيا، ومن نعيمه في الآخرة ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ بلا حد، وبلا مقابل؛ فقد يرزق بالقناطير، جزاء للنزر اليسير، وقد يدخل الجنات، جزاء لصدق الطويات؛ فتعالى المعطي المانع، الضار النافع

стр. 2444

﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَعْمَالُهُمْ﴾ الصالحة؛ التي عملوها في الدنيا - كصلة الرحم، وحسن المعاملة، والصدقة، وأشباه ذلك - فإنها تصير يوم القيامة ﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾ وهو شعاع يرى في الفلاة في وسط النهار ﴿يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَآءً﴾ فيهرع إليه لشدة ظمئه ﴿حَتَّى إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً﴾ مما أراده: لا ماء، ولا ري ﴿وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ﴾ أي عند عمله؛ الذي هو كالسراب، والذي هو في مسيس الحاجة إلى أقل الجزاء عليه؛ وفاته أنه قد جوزي على إحسانه في دنياه؛ تفضلاً وعدلاً من الله فإذا ما طمع في الجزاء عليه يوم القيامة «وجد الله عنده» ﴿فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ﴾ من العذاب؛ جزاء فسقه وكفره

стр. 2445

﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ﴾ أي إن أعمال الكفار «كسراب بقيعة، أو كظلمات» ﴿فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ﴾ عميق، بعيد الغور، كثير الماء ﴿يَغْشَاهُ﴾ أي يغطي هذا البحر العميق ﴿مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ﴾ أي من فوق هذا الموج ﴿مَوْجٌ﴾ آخر ﴿مِّن فَوْقِهِ﴾ أي من فوق هذا الموج؛ الذي هو فوق الموج الأول ﴿سَحَابٌ﴾ غيم؛ فتجتمع من هذه الظلمات، والبحر، والأمواج المتراكبة المتكاثرة، والغيوم المتكاثفة ﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَآ أَخْرَجَ﴾ الناظر، أو الواقع في هذا البحر ﴿يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ لما أحاط به من الظلمات وهو مثل آخر ضربه الله تعالى لأعمال الكفار؛ فمثل أعمالهم بالظلمات؛ لأنها كلها مبنية على الخطإ والزيغ والفساد، ومثل اضطراب قلوبهم، وعدم استقرارها، وتغشيتها بالحيرة والضلالة: بالبحر اللجي ⦗٤٣٠⦘ المتلاطم بالأمواج؛ إلى غير مقصد، وعلى غير هداية، ومثل جهلهم الذي غطى على عقولهم، وران على قلوبهم: بالسحاب ﴿وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً﴾ يسترشد به في الملمات، ويهتدي به في الظلمات ﴿فَمَا لَهُ مِن نُورٍ﴾ يوصله إلى الأمن والنجاة والسلامة

стр. 2446

﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ من ملك وإنس وجن ﴿وَالطَّيْرُ صَآفَّاتٍ﴾ باسطات أجنحتهن بين السموات والأرض؛ فصار التسبيح شاملاً لما في السموات والأرض وما بينهما ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ أي قد علم الله تعالى صلاتهم وتسبيحهم، أو «كل قد علم» كيف يصلي، وكيف يسبح. (انظر آية ٤٤ من سورة الإسراء)

стр. 2447

﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي﴾ يسوق ﴿سَحَاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ﴾ يضم بعضه إلى بعض؛ بعد أن كان متفرقاً ﴿ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَاماً﴾ متراكماً؛ بعضه فوق بعض ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ﴾ المطر. وقيل: البرق ﴿يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ﴾ أي من ثنايا السحاب ﴿فَيُصِيبُ بِهِ﴾ أي بالبرد النازل من السماء ﴿مَن يَشَآءُ﴾ معاقبته: فيتلف به زرعه، ويهلك ضرعه ﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ﴾ أي لمعان برق ذلك السحاب المزجي المتراكم ﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأَبْصَارِ﴾ يعميها فلا ترى شيئاً

стр. 2448

﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ يأتي بأحدهما مكان الآخر، أو ينقص من أحدهما ويزيد في الآخر

стр. 2449

﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَآبَّةٍ مِّن مَّآءٍ﴾ أي من نطفة؛ وذلك لأنها سائلة، وأغلبها ماء. والدابة: كل ما يدب على وجه الأرض من إنسان، أو حيوان أو طير، ونحوه. والدابة إجمالاً: كل مخلوق تدب فيه الحياة. حتى الطير فإنه يخلق من البيضة؛ والبيضة محتوية على ماء الذكر حتماً؛ وإلا فهي غير معدة للإنتاج. وبذلك اقتضت حكمة الحكيم ﴿فَمِنْهُمْ﴾ أي من الدواب ﴿مَّن يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ﴾ كالثعبان ﴿وَمِنهُمْ مَّن يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ﴾ كالإنسان، والطائر ﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ﴾ كالأنعام والحيوان ﴿يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَآءُ﴾ كما شاء ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾ أراده ﴿قَدِيرٌ﴾ على إيجاده؛ وإنما هي أسباب سببها، وأمور رتبها؛ وقد خلق تعالى كل شيء ابتداء من غير ماء ولا نطفة، وسيعيده انتهاء من غير سبب؛ فتعالى الخالق، وجل المبدع المصور

стр. 2450

﴿لَّقَدْ أَنزَلْنَآ آيَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ﴾ حجج واضحات: هي آيات القرآن الكريم ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَآءُ إِلَى صِرَاطٍ﴾ طريق ﴿مُّسْتَقِيمٍ﴾ هو طريق الإسلام؛ الموصل إلى الجنة

стр. 2451

﴿وَيِقُولُونَ﴾ أي يقول المنافقون ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّى﴾ يعرض ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ فيما عرض لهم من خلاف

стр. 2452

﴿إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ مُّعْرِضُونَ﴾ عن هذه الحكومة يأبونها لأن الحق قد جانبهم، والصواب قد باعدهم؛ ولأن الرسول لا يقول إلا حقاً، ولا ينطق إلا صدقاً

стр. 2453

﴿وَإِن يَكُنْ لَّهُمُ الْحَقُّ﴾ أي في جانبهم ﴿يَأْتُواْ إِلَيْهِ﴾ أي إلى الرسول ﵊؛ لعلمهم أنه سيحكم لهم؛ ما دام الحق معهم ﴿مُذْعِنِينَ﴾ طائعين مسرعين

стр. 2454

﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ﴾ المراد بالمرض: الرغبة في اغتيال الحقوق؛ أو المراد به الكفر ﴿أَمِ ارْتَابُواْ﴾ شكوا في صدقه ونبوته ﴿أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ﴾ يجور ويظلم ﴿بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ الكافرون

стр. 2455

﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي الواجب على من يتصف بالإيمان
следующие страницы →