﴿تَبَارَكَ﴾ تعالى وتنزه وتقدس الله ﴿الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَآءِ بُرُوجاً﴾ وهي اثنا عشر (انظر آية ١٦ من سورة الحجر) ﴿وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً﴾ يضيؤها؛ وهو الشمس ﴿وَقَمَراً مُّنِيراً﴾ ينير الأرض عند طلوعه، ويهدي السائرين والمسافرين.
هذا وقد ولع أقوام باكتشاف القمر؛ ولم تقف أطماعهم عند حد النظر؛ بل أرادوا أن يلجوه، ويسبروا غوره، ويعرفوا ما وراءه. وزعم بعضهم أنه سيرسل صاروخاً يفجر به جزءاً من القمر؛ ليكون هذا التفجير طريقاً إلى اكتشافه.
وما رأينا فيما رأينا ولا سمعنا فيما سمعنا حمقا يعدل هذا الحمق ولا جهلا يوازي هذا الجهل! فإننا لو افترضنا جدلا أن الوصول إلى القمر بالطريق التي يرسمونها، ومن اليسر بالدرجة التي يتوهمونها، فهمل من الحكمة، وهل من السداد أن يحطم الإنسان ما يريد أن يكتشفه وينتفع به؟!
وماذا يكون الحال لو ثبت أن في هذه الكواكب سكاناً عقلاء، وأنت هؤلاء السكان قد بلغوا
стр. 2522
﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً﴾ أي يخلف أحدهما الآخر ﴿لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ﴾ يتذكر؛ فإن فاتته عبادة في أحدهما؛ أدركها في الآخر ﴿أَوْ أَرَادَ شُكُوراً﴾ أو أراد أن يشكر ربه. هذا وشكره تعالى باللسان: أقل مراتب الشكر؛ وإنما يكون الشكر بالعبادة، والصدقة،
⦗٤٤٥⦘ والصيام، والقيام (انظر آية ١٥٢ من سورة البقرة)
стр. 2523
﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْناً﴾ أي متواضعين، هينين؛ بدون كبر، ولا مرح، ولا بطر ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ﴾ بسفههم: قابلوه بحلمهم؛ و ﴿قَالُواْ سَلاَماً﴾ أي قالوا قولاً يسلمون به من الإثم الذي وقع فيه الجاهلون ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً﴾
أي هلاكاً لازماً، ومغرماً لا كسب فيه
стр. 2524
﴿وَالَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُواْ﴾ نفقة على أنفسهم وعيالهم ﴿لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ﴾ أما إذا كان الإنفاق في الصدقات؛ فيستحب الإسراف فيه. قال: «لا سرف في الخير» ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً﴾ أي عدلاً بين الإسراف والتقتير؛ وكفى بالمرء سرفاً: أي ينيل نفسه كل ما تبتغيه
стр. 2525
﴿وَمَن يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثَاماً﴾ أي جزاء الإثم. وأي إثم أشد من الإسراف، والشرك، وقتل النفس، وارتكاب الزنا
стр. 2526
﴿وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً﴾ أي يخلد في العذاب خلوداً أبدياً لا انقضاء له (انظر آية ٩٣ من سورة النساء)
стр. 2527
﴿إِلاَّ مَن تَابَ﴾ عن الإسراف، والعصيان، والقتل؛ قبل أن يدركه الموت وأسبابه ﴿وَآمَنَ﴾ ب الله إيماناً يقينياً ﴿وَعَمِلَ﴾ عملاً ﴿صَالِحاً﴾ وذلك لأن الإيمان لا يتم إلا بالعمل الصالح بعد أن بين الله تعالى الموبقات المهلكات، وذكر جزاءها؛ وهو الخلود في النار: ذكر إثماً من أكبر الآثام وأشدها: وهو شهادة الزور
стр. 2528
﴿وَالَّذِينَ لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ ولا يخفى ما في شهادة الزور من ضياع للحقوق، وإتلاف للأموال، وإفساد للضمائر؛ إلى غير ذلك من إهدار للدماء، وفشو للجرائم وشهادة الزور: من أكبر الكبائر قال: «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قالوا: بلى يا رسولالله. قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين - وكان متكئاً فجلس - وقال: ألا وشهادة الزور، ألا وشهادة الزور، ألا وشهادة الزور» كررها ثلاثاً؛ لمزيد قبحها، وفادح شرها هذا وقد كان قدماء المصريين يحكمون على شاهد الزور بالقتل ﴿وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ﴾ أي بالفحش، وكل ما ينبغي أن يلغى ويطرح. والمعنى: وإذا مروا بأهل اللغو﴾ أي معرضين عنهم
стр. 2529
﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ أي قرىء القرآن، أو ذكروا بما فيه ﴿لَمْ يَخِرُّواْ عَلَيْهَا صُمّاً وَعُمْيَاناً﴾ أي بل يسمعونها، ويتبصرون فيها؛ ليعملوا بها
стр. 2530
﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾
بأن يكونوا طائعين لك ولنا، مشفقين منك وعلينا. وقرة العين: هدوؤها واستقرارها بالاطمئنان؛ أو هو من القر: وهو البرد؛ لأن دمع السرور: بارد، ودمع الحزن: ساخن. ولذا يقال في الدعاء: أقر الله عينك، وأسخن عين عدوك ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً﴾ أي قدوة يقتدي بنا في الخير
стр. 2531
﴿أُوْلَئِكَ﴾ الموصوفون بما ذكر ﴿يُجْزَوْنَ﴾
⦗٤٤٦⦘ على صنيعهم وقولهم هذا ﴿الْغُرْفَةَ﴾ هي واحدة الغرفات؛ وهي أعالي الجنات؛ ومنه قوله تعالى ﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾ وقيل: الغرفة: الدرجة العليا ﴿بِمَا صَبَرُواْ﴾ أي جزاء صبرهم على الطاعات، وعن المعاصي
стр. 2532
﴿قُلْ﴾ يا محمد لكفار مكة ﴿مَا يَعْبَأُ﴾ ما يكترث ﴿بِكُمْ رَبِّي لَوْلاَ دُعَآؤُكُمْ﴾ له في الملمات والشدائد؛ فيكشفها عنكم: إثباتاً لألوهيته وربوبيته؛ وتسجيلاً لعدولكم عن الإيمان إلى الشرك، وكفركم بربكم؛ بعد إنجائكم وإغاثتكم؛ قال تعالى ﴿فَإِذَا رَكِبُواْ فِي الْفُلْكِ دَعَوُاْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ ﴿فَقَدْ كَذَّبْتُمْ﴾ بالقرآن والرسول ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً﴾ أي سوف يكون تكذيبكم هذا لزاماً لكم؛ تجزون به، وتعاقبون عليه أو سوف يكون العذاب ملازماً لكم.
стр. 2533
سورة الشعراء
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 2534
﴿طسم﴾ (انظر آية ١ من سورة البقرة)
стр. 2535
﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ﴾ أي قاتلها حزناً وغماً
стр. 2536
﴿إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ السَّمَآءِ آيَةً﴾ أي إن نشأ إيمانهم قسراً: ننزل عليهم من السماء برهاناً وحجة، ومعجزة ظاهرة ﴿فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ أي فتظل رؤساؤهم ومقدموهم، أو جماعاتهم لها منقادين. وجاء في اللغة: العنق: بمعنى الرئيس، أو الجماعة
стр. 2537
﴿وَمَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ﴾ قرآن ﴿مِّنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ﴾ جديد بالنسبة إليهم؛ قديم بالنسبة لمنزله تعالى:
آيات حق من الرحمن محدثة
قديمة صفة الموصوف بالقدم
﴿وَيَضِيقُ صَدْرِي﴾ من تكذيبهم لي ﴿وَلاَ يَنطَلِقُ لِسَانِي﴾ في محاجتهم. قيل: كانت به لثغة تمنعه من الانطلاق في الكلام ﴿فَأَرْسِلْ إِلَى﴾ أخي ﴿هَارُونَ﴾ أي اجعله معي رسولاً إلى فرعون وقومه
стр. 2542
﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنبٌ﴾ هو قتله للقبطي (انظر آية ١٥ من سورة القصص)
стр. 2543
﴿قَالَ﴾ تعالى ﴿كَلاَّ﴾ لا تخافا ﴿فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَآ﴾ بحججنا الدالة على صدقكما ووحدانيتنا ﴿قَالَ﴾ فرعون لموسى؛ حين قال له:
стр. 2544
﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ *
стр. 2545
أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾
стр. 2546
﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً﴾ أراد فرعون أن يذكر موسى بتفضله عليه بالتربية؛ ولم يعلم اللعين أن الله تعالى هو ربه ومربيه
﴿قَالَ فَعَلْتُهَآ إِذاً﴾ أي حينئذٍ
⦗٤٤٧⦘ ﴿وَأَنَاْ مِنَ الضَّالِّينَ﴾ أي لم أكن بعثت، ولم تأتني الرسالة بعد
стр. 2549
﴿فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً﴾ أي علماً غزيراً؛ أستطيع بواسطته الحكم على الأشياء حكماً صحيحاً
стр. 2550
﴿وَتِلْكَ﴾ القالة التي تقولها؛ من أنك ربيتني وليداً، وأبقيتني بينكم سنين من عمري ﴿نِعْمَةٌ﴾ حقيقية ﴿تَمُنُّهَا عَلَيَّ﴾ ولكن ما قيمتها بعد ﴿أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ وأذللتهم؛ وفي ذلك إذلال لي أيضاً؛ لأن كرامة النوع الإنساني لا تتجزأ
стр. 2551
﴿قَالَ﴾ موسى لفرعون ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيءٍ مُّبِينٍ﴾ بمعجزة ظاهرة بينة
стр. 2552
﴿قَالَ﴾ فرعون ﴿فَأْتِ بِهِ﴾ أي بهذا الشيء المبين ﴿إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ في دعواك
стр. 2553
﴿فَأُلْقِيَ﴾ موسى ﴿عَصَاهُ﴾ التي كان ممسكاً بها في يده يتوكأ عليها ﴿فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ﴾ ضخم عظيم
стр. 2554
﴿وَنَزَعَ يَدَهُ﴾ أخرجها من جيبه ﴿فَإِذَا هِيَ بَيْضَآءُ لِلنَّاظِرِينَ﴾ تسطع نوراً يغشى الأبصار؛ وليس بياضاً كبياض البرص
стр. 2555
﴿قَالَ﴾ فرعون ﴿لِلْمَلإِ﴾ الذين ﴿حَوْلَهُ﴾ من شيعته، المؤمنين بربوبيته ﴿إِنْ هَذَا﴾ يعني موسى عليه السلام
стр. 2556
﴿أَرْجِهْ وَأَخَاهُ﴾ أن أرجئهما وأخرهما ﴿وَابْعَثْ فِي الْمَدَآئِنِ حَاشِرِينَ﴾ جامعين
стр. 2557
﴿فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ﴾ لوقت ﴿﴾ هو وقت الضحى من يوم الزينة