Полный текст (5 331 стр.). Показаны 2976–3015 · переход к 2981.
стр. 2976
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ التوراة ﴿فَلاَ تَكُن فِي مِرْيَةٍ﴾ شك ﴿مِّن لِّقَآئِهِ﴾ أي من لقاء موسى؛ وقد لقيه ليلة الإسراء: عند العروج به إلى السماء. وقيل: «من لقائه» أي من تلقي موسى الكتاب. وقيل: من لقاء ما لقيه موسى من تكذيب وإيذاء؛ مثل ما لاقيت أنت من تكذيب قومك وإيذائهم
стр. 2977
﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ﴾ أي ممن آمن بموسى من بني إسرائيل ﴿أَئِمَّةً يَهْدُونَ﴾
الناس ﴿بِأَمْرِنَا﴾ بأوامرنا وشرائعنا التي بيناها لهم في التوراة ﴿لَمَّا صَبَرُواْ﴾ على الطاعات، وعن المعاصي؛ وجعل الله تعالى جزاء الصبر: إمامة الناس
стр. 2978
﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ﴾ أو لم يتبين لهم ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِمْ مِّنَ الْقُرُونِ﴾ الأمم ﴿يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ﴾ ويرون ما حل بها من خراب ودمار ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ الإهلاك ﴿لآيَاتٍ﴾ لعبراً ودلالات على قدرتنا، وبطشنا بمن يكفر بنا
стр. 2979
﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ﴾ أيضاً ﴿أَنَّا نَسُوقُ الْمَآءَ إِلَى الأَرْضِ الْجُرُزِ﴾ اليابسة، التي لا نبات بها ﴿فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ﴾ بهائمهم ﴿وَأَنفُسُهُمْ﴾ أي ويأكلون هم من ذلك الزرع أيضاً
стр. 2980
﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ﴾ أي متى هذا الفصل في الحكومة؛ الذي تعدنا به؟ وهو يوم القيامة. وقيل «الفتح» النصر الموعود: يوم بدر، أو يوم فتح مكة
стр. 2981
﴿قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لاَ يَنفَعُ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِيَمَانُهُمْ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ﴾ يمهلون، أو يؤجلون
стр. 2982
﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانتَظِرْ﴾ نزول العذاب الموعود بهم ﴿إِنَّهُمْ مُّنتَظِرُونَ﴾ بك الدوائر.
стр. 2983
سورة الأحزاب
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 2984
﴿ياأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ الخطاب للرسول صلوات الله تعالى وسلامه عليه؛ والمراد به أمته: إذ ليس في البشر جميعاً أتقى منه لمولاه عليه صلوات الله تعالى وتسليماته، أمدنا الله تعالى بنفحة منه؛ تقربنا إليه، وتدنينا من رحمته
стр. 2985
﴿مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ أي لا يجتمع الكفر والإيمان، والضلال والهدى، والمعصية والطاعة؛ في قلب واحد. وما دام الإنسان بقلب واحد - لا يتسع إلا لشيء واحد - فلا يكون إلا مؤمناً أو كافراً، ضالاً أو مهتدياً، عاصياً أو طائعاً. ولا طاقة لإنسان أن يجمع بين الضدين؛ فما جعل الله لرجل من قلبين ﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللاَّئِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ كان الرجل في الجاهلية إذا أراد طلاق امرأته؛ قال لها: أنت علي كظهر أمي ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَآءَكُمْ أَبْنَآءَكُمْ﴾ نزلت في زيدبن حارثة رضي الله تعالى عنه؛ وقد تبناه الرسول؛ فكانوا يقولون: زيد ابن محمد ﴿ذَلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ﴾ ويقضي به ﴿وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ الطريق القويم؛ المؤدي لكل خير
стр. 2986
﴿ادْعُوهُمْ لآبَآئِهِمْ﴾ أي انسبوهم لهم ﴿هُوَ أَقْسَطُ﴾ أعدل ﴿وَمَوَالِيكُمْ﴾ أقرباؤكم ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾ إثم
стр. 2987
﴿النَّبِيُّ أَوْلَى﴾ أحق ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ لأنه ﵊ أب لهم؛ وهو يدعوهم إلى النجاة، وأنفسهم تدعوهم إلى الهلاك ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ في الحرمة والإجلال والتكرمة ﴿وَأُوْلُو الأَرْحَامِ﴾ ذووا القرابات ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ في التوريث؛ كما أمر الله تعالى، وفرض في كتابه ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾ وقد كانوا يتوارثون - في بدء الإسلام - بالإيمان والهجرة؛ فنسخ بتوريث ذوي الأرحام
﴿إِلاَّ أَن تَفْعَلُواْ إِلَى أَوْلِيَآئِكُمْ مَّعْرُوفاً﴾ أي إلا أن تهبوا لأقربائكم الأباعد، أو لعبيدكم، أو توصوا لهم بشيء؛ لا أن يرثوا فيكم؛ فأقرباؤكم - من ذوي الأرحام - أولى بالميراث وأحق
стр. 2988
﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّيْنَ مِيثَاقَهُمْ﴾ عهدهم على الوفاء بما حملوا، وأن يبشر بعضهم ببعض، ويصدق بعضهم بعضاً ﴿وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِّيثَاقاً غَلِيظاً﴾ عهداً عظيماً؛ وما ذاك إلا
стр. 2989
﴿لِّيَسْأَلَ﴾ الله تعالى ﴿الصَّادِقِينَ عَن صِدْقِهِمْ﴾ أي ليسأل الأنبياء عن تبليغهم لأقوامهم، أو عما أجابهم به قومهم. فانظر يا هذا: إذا كان الأنبياء يسألون؛ فكيف بمن عداهم من عامة البشر؟ قال تعالى: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾
стр. 2990
﴿إِذْ جَآءَتْكُمْ جُنُودٌ﴾ وكان ذلك يوم الأحزاب: جاءت قريش، وغطفان، وقريظة، والنضير؛ تجمعوا لحرب المؤمنين ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً﴾ هي الصبا. قال: «نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور» أرسل الله تعالى تلك الريح في ليلة شاتية؛ فأسفت التراب في وجوههم، وقلعت الأوتاد، وقطعت الأطناب؛ فماجت خيل الكافرين بعضها في بعض، وكبرت الملائكة في جوانب المعسكر؛ فانهزموا من غير قتال؛ وذلك قوله تعالى: ﴿وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا﴾ وهم الملائكة عليهم الصلاة والسلام
стр. 2991
﴿إِذْ جَآءُوكُمْ﴾ أي جنود الأعداء ﴿مِّن فَوْقِكُمْ﴾ فوق الوادي؛ وهو أعلاه ﴿وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ﴾ بطن الوادي: من المشرق والمغرب ﴿وَإِذْ زَاغَتِ﴾ شخصت ومالت ﴿الأَبْصَرُ﴾ عن رؤية أي شيء؛ عدا رؤية الأعداء من كل جانب ﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ من شدة الخوف والفزع؛ وهو ارتفاع القلب - من شدة الخفقان - حتى يكاد أن يبلغ الحلقوم؛ فيعتري الخائف عند ذاك ضيق قد يبلغ حد الاختناق ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَاْ﴾ تظنون اليأس من النصر؛ وقد وعدكموه؛ ووعده الحق ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ وقيل: الظن هنا بمعنى اليقين؛ أي تيقن المؤمنون بالنصر، وتيقن الكافرون بهزيمة المؤمنين
стр. 2992
﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ امتحنوا بالصبر على الإيمان ﴿وَزُلْزِلُواْ زِلْزَالاً شَدِيداً﴾ اضطربوا اضطراباً شديداً من شدة الفزع، وخوفوا خوفاً بليغاً؛ ليختبرهم ربهم، ويعلم - علم ظهور - مبلغ تصديقهم، ووثوقهم بوعده
стр. 2993
﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ﴾ الذين أظهروا الإيمان، وأبطنوا الكفران ﴿وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ شك ونفاق ﴿مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ بالنصر ﴿إِلاَّ غُرُوراً﴾ خداعاً وباطلاً
стр. 2994
﴿يأَهْلَ يَثْرِبَ﴾ يا أهل المدينة.
ويثرب: من أسماء مدينة الرسول صلوات الله تعالى وسلامه عليه ﴿لاَ مُقَامَ لَكُمْ﴾ لا إقامة لكم بيننا ﴿يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾ أي مكشوفة، ينالها العدو لعدم تحصينها
⦗٥١٠⦘ ﴿إِن يُرِيدُونَ﴾ ما يريدون بزعمهم هذا ﴿إِلاَّ فِرَاراً﴾ من الجهاد؛ لكفرهم وجبنهم
стр. 2995
﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِّنْ أَقْطَارِهَا﴾ من نواحيها. أي لو هوجموا ودخلت عليهم هذه البيوت، واحتلها العدو من أولها إلى آخرها ﴿ثُمَّ سُئِلُواْ الْفِتْنَةَ لآتَوْهَا﴾ أي لو سئلوا الردة إلى الكفر، ومحاربة المسلمين؛ لفعلوا ﴿وَمَا تَلَبَّثُواْ بِهَآ﴾ أي ما مكثوا بالفتنة، أو بالمدينة ﴿وَلاَ نَصِيراً﴾ وبعد ذلك يصيبهم الله تعالى بالهلاك، أو بالموت
стр. 2996
﴿وَلَقَدْ كَانُواْ عَاهَدُواْ اللَّهَ مِن قَبْلُ﴾ أن يقاتلوا الكفار، و ﴿لاَ يُوَلُّونَ الأَدْبَارَ﴾ لا يهربون من القتال منهزمين ﴿وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ﴾ الذي عاهدوه من قبل ﴿مَّسْئُولاً﴾ أي يسأل الإنسان عن الوفاء به، ويعاقب على نقضه
стр. 2997
﴿وَإِذاً لاَّ تُمَتَّعُونَ﴾ بالحياة ﴿إِلاَّ قَلِيلاً﴾ ثم يدرككم الموت، فالبعث، فالحساب، فالعقاب
стр. 2998
﴿وَلاَ يَجِدُونَ لَهُمْ مِّن دُونِ اللَّهِ﴾ غيره
стр. 2999
﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ﴾ الذين يعوقون الناس عن الجهاد، وعن نصرة الرسول ﵊، وعن الدخول في الإسلام ﴿وَلاَ يَأْتُونَ الْبَأْسَ﴾ أي القتال
стр. 3000
﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾ بالمعاونة ﴿فَإِذَا جَآءَ الْخَوْفُ﴾ تأزم الموقف، ودارت رحى الحرب ﴿رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ﴾ أملاً في أن توقف القتال ﴿تَدورُ أَعْيُنُهُمْ﴾ من جبنهم وشدة خوفهم ﴿فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ﴾ بانتصاركم على أعدائكم، واطمأنت قلوبهم على أنفسهم: لم يزدهم ذلك إلا حنقاً عليكم، وكراهة لكم؛ و ﴿سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾ أي آذوكم ببذيء الكلام ﴿أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ﴾ لا ينفقون في سبيلالله؛ بل في سبيل الدنيا والحرص عليها. والمعنى أنهم في الأمن: أشح قوم مالاً، وأبسطهم لساناً، وفي الخوف: أجبن قوم حرباً، وأسرعهم هرباً ﴿فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ﴾ أبطلها
стр. 3001
﴿يَحْسَبُونَ الأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُواْ﴾ أي إنهم لجبنهم يظنون أن الأحزاب لم ينهزموا ﴿بَادُونَ فِي الأَعْرَابِ﴾ أي مقيمون في البادية؛ بعيداً عن القتال ﴿يَحْسَبُونَ الأَحْزَابَ لَمْ﴾ وما حل بكم؛ من غير ممارسة للقتال والنزال
стр. 3002
﴿أُسْوَةٌ﴾ قدوة
стр. 3003
﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ﴾ الذين تحزبوا وتجمعوا لقتالهم ﴿قَالُواْ﴾ إن ﴿هَذَا﴾ التجمع والتحزب هو ﴿مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ من الابتلاء والنصر
стр. 3004
﴿فَمِنْهُمْ مَّن قَضَى نَحْبَهُ﴾ أي مات شهيداً ﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِرُ﴾ أي ينتظر الموت على الشهادة؛ لأنهم كانوا يعدون الموت في الجهاد فوزاً عظيماً؛ ويا له من فوز ﴿وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلاً﴾ أي ولم يبدلوا عهدهم الذي عاهدوا الله تعالى عليه؛ من الجهاد في سبيله، والموت دون رسوله
стр. 3005
﴿لِّيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ﴾ في الإيمان، الموفين بالعهد ﴿بِصِدْقِهِمْ﴾ أي بجزاء صدقهم
стр. 3006
﴿وَأَنزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُم﴾ أي عاونوا الأحزاب ﴿مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ يهود بني قريظة ﴿مِن صَيَاصِيهِمْ﴾ حصونهم
стр. 3007
﴿وَأَرْضاً لَّمْ تَطَئُوهَا﴾ هي خيبر؛ وكل أرض تفتح إلى يوم القيامة؛ لم يسبق للمسلمين تملكها
стр. 3008
﴿إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ أي السعادة في الدنيا، وكثرة الأموال ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ﴾ أي أعطكن متعة الطلاق ﴿وَأُسَرِّحْكُنَّ﴾ أطلقكن ﴿سَرَاحاً جَمِيلاً﴾ طلاقاً لا ضرار فيه؛ لأن ما رغبتن فيه من متاع الدنيا ليس عندي
стр. 3009
﴿مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ﴾ هي مخالفة الرسول صلوات الله تعالى وتسليماته عليه. وأي فاحشة أبين وأقبح من مخالفته، أو العمل على غير إرادته ﴿يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ أي يكون ضعفي عذاب غيرهن من النساء؛ لأنهن لسن كسائر النساء؛ وكما أن حد العبد نصف حد الحر: يكون عذاب الخاصة ضعف عذاب العامة. وقد قيل: حسنات الأبرار؛ سيئات المقربين فما بالك بأقرب المقربين ولأن إغضاب الرسول ﵊ ليس كإغضاب أحد من الناس. قال تعالى: ﴿لاَّ تَجْعَلُواْ دُعَآءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَآءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً﴾ وقال جل شأنه: ﴿يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَرْفَعُواْ أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلاَ تَجْهَرُواْ لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ﴾ (أنظر الآيات: من ٢ - ٥ من سورة الحجرات)
стр. 3010
﴿وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ﴾ يطع ﴿فَلاَ تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ﴾ أي لا تكلمن الرجال بقول خاضع لين؛ كعادة أكثر النساء؛ وهذا واجب على كل امرأة تؤمن ب الله واليوم الآخر؛ خصوصاً من تعرضت منهن للرئاسة والهداية، وانتصب لها لواء التوجيه والإرشاد
стр. 3011
﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ أي ريبة وفجور
⦗٥١٣⦘ ﴿وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفاً﴾ لا ينكره الذوق والعرف؛ من غير لين، ولا خضوع
стр. 3012
﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ أي اقررن؛ من القرار. أو هو من الوقار؛ تؤيده قراءة من قرأ «وقرن» بكسر القاف ﴿وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾ أي لا تتبرجن مثل تبرج النساء في الجاهلية الأولى. والتبرج: التبختر، وإظهار الزينة والمحاسن ﴿أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ﴾ بهذا الابتلاء، وهذه الأوامر ﴿لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ﴾ القذر والإثم؛ الذي يقع فيه كثير من الناس ﴿أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ بيت النبوة الزكي الطاهر ﴿وَيُطَهِّرَكُمْ﴾ من سائر الدنايا ﴿تَطْهِيراً﴾ كبيراً
стр. 3013
﴿وَاذْكُرْنَ﴾ تذكرن ما اختصكن الله تعالى به من فضل على نساء العالمين، و ﴿مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾ كتابه العظيم، وقرآنه الكريم ﴿وَالْحِكْمَةِ﴾ التي ينطق بها الرسول ﵊؛ من الأحاديث
стр. 3014
﴿وَالْقَانِتِينَ﴾ المطيعين ﴿وَالصَّابِرِينَ﴾ على الطاعات والبلايا، وعن المعاصي ﴿وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ﴾ من الزنا
⦗٥١٤⦘ ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ بالإسلام؛ وهو زيدبن حارثة ﴿وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ بالإعتاق ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نِفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ﴾ لقد تخبط أكثر المفسرين في تأويل هذه الآية، وذهبوا على غير مذهب، وأبعدوا في اتباع الأقاصيص التي حاكها أعداء الدين في الدين، وجاروا ما أذاعه اليهود طعناً في الرسول الكريم، العفيف النظيف؛ عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم فقالوا: إن الرسول الأعظم رأى زينب - وهي في عصمة زيد - فأعجبته وأحبها، ووقعت من قلبه موقعاً كبيراً؛ إلى آخر ما أوردوه من إفك وبهتان يتبرأ منه أحط الفساق؛ فضلاً عن أكرم الخلق على الإطلاق
وخلاصة القول: أن العرب جرت عادتهم ألا يتزوج الرجل امرأة دعيه الذي تبناه. فأراد الله تعالى أن يبطل تلك العادة، ويجعل إباحة الإسلام مكان حرج الجاهلية: فأوحى إلى نبيه بأن يزوج زينب ابنة جحش - بنت عمته - بزيدبن حارثة متبناه؛ وأن يتزوجها بعد طلاقها منه؛ فخطبها لزيد: فأبت، وأبى أخوها عبد الله؛ فنزل قوله تعالى:
стр. 3015
﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ فلما سمعاها قالا: رضينا يا رسولالله. فزوجها لزيد، وأمهرها له؛ فصارت تشمخ بأنفها، وتفخر عليه بنسبها. وتسيء معاملته؛ وكان يشكو ذلك لرسولالله - المرة بعد المرة - فكان ﵊ مع علو مقامه - يغلبه الحياء؛ فيتئد ويتمهل، ولا يعمل في تنفيذ حكم الله تعالى - الذي قضاه وأطلعه عليه - ويقول لزيد
следующие страницы →