← Тафсир

Тафсир · id 36432

أوضح التفاسير

محمد عبد اللطيف الخطيب

Полный текст (5 331 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

﴿لَن يَضُرُّوكُمْ﴾ بكفرهم وكيدهم ﴿إِلاَّ أَذًى﴾ يسيراً ﴿وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأَدُبَارَ﴾ لجبنهم، وضعف باطلهم أمام حقكم

стр. 352

﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُواْ﴾ أي أينما وجدوا. نزلت في اليهود؛ وهي من الآيات البينات، والمعجزات الظاهرات، والمغيبات الواضحات؛ وليس أدل على ذلك من اضطهاد العالم أجمع لهم، وتشتيتهم في سائر الممالك، وتفريق شملهم؛ ولا يغرنك ما هم عليه الآن من ملك اغتصبوه، وحق استلبوه؛ سيرد إلى أهله بقوة السنان والإيمان؛ بعون الله تعالى وستضرب عليهم الذلة - التي كتبها الله تعالى عليهم - والمسكنة - التي أرادها الله لهم - وستحل عليهم اللعنة أينما ثقفوا (انظر آية ٦١ من سورة البقرة) ﴿إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنْ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ﴾ الحبل: السبب والعهد. أي أنهم لا يأمنون على أنفسهم إلا إذا كانوا يدفعون جزية، أو يتملقون مسلماً؛ وهذا نوع من الذلة كتبه الله تعالى عليهم ﴿وَبَآءُوا﴾ رجعوا ﴿بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ﴾ كتبت ﴿الْمَسْكَنَةُ﴾ الذلة والضعف؛ وها هم أولاء تعاونهم شتى الدول بالميرة والذخيرة، والعدة والعدد؛ فلم يزدهم ذلك إلا ذلاً وضعفاً وهواناً ﴿وَيَقْتُلُونَ الأَنْبِيَآءَ﴾ كيحيى وزكريا عليهما السلام

стр. 353

﴿لَيْسُواْ سَوَآءً﴾ أي ليس أهل الكتاب مستوين في الخير والشر ﴿مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ ﴿مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ﴾ أي ﴿لَيْسُواْ سَوَآءً﴾ لأن منهم أمة قائمة بأمرالله؛ يتلون آياته ﴿آنَآءَ اللَّيْلِ﴾ ساعاته

стр. 354

﴿وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَروهُ﴾ أي لن يعدموا ثوابه

стр. 355

﴿مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ﴾ أي مثل ما ينفق الذين كفروا ﴿فِي هِذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ من بر، وصدقة، وصلة رحم ﴿كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ﴾ الصر: برد يضر الحرث والنبات ﴿أَصَابَتْ﴾ تلك الريح ﴿حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ﴾ بارتكاب المعاصي، وتعريض أنفسهم للعقاب ﴿فَأَهْلَكَتْهُ﴾ أي أهلكت الريح ذلك الحرث. وقد وصف تعالى المؤمنين في إنفاقهم - وما يجلبه هذا الإنفاق عليهم من أجر عظيم، وخير عميم - بقوله جل شأنه ﴿مَّثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ﴾ فضاعف تعالى أجر المؤمن المنفق إلى سبعمائة؛ ووعد أيضاً بأن يضاعف له هذه السبعمائة أضعافاً مضاعفة ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَآءُ﴾ هذا مثل المؤمن المنفق؛ أما مثل إنفاق الكافر فقد مثله الله تعالى بالريح التي تعصف بالنبات والأقوات، وتهلك الزرع والضرع ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ﴾ بذلك الجزاء ﴿وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ بالكفر

стр. 356

﴿يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً﴾ بطانة الرجل: خاصته وأصدقاؤه. ومنه بطانة الثوب؛ لملاصقتها له ﴿مِّن دُونِكُمْ﴾ أي من غير دينكم وجنسكم؛ لأن الأجنبي لا يعمل لخيرك، بل يدس ويكيد لك؛ فوجب الابتعاد عنه، والاحتراس منه؛ قال تعالى: ﴿لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ ﴿لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً﴾ أي أنهم لا يقصرون في إفسادكم، وإيصال الضرر بكم ﴿وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ﴾ أي ودوا ضرركم أشد الضرر وأبلغه؛ وهو من العنت: أي المشقة ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَآءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ بما يقذفونكم به من سباب، وما ينطقون به من كفر وهجر ﴿وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ مما بدا من أفواههم

стр. 357

﴿هَآأَنْتُمْ أُوْلاءِ تُحِبُّونَهُمْ﴾ وتتخذون منهم بطانة هم ﴿وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ﴾ لأنهم مفطورون على كراهة من عداهم ﴿وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ﴾ بالكتب المنزلة كلها؛ بما في ذلك كتابهم؛ في حين أنهم لا يؤمنون بكتابكم، ولا بكتابهم أيضاً لأنهم لا يعملون بما في كتابهم ﴿وَإِذَا لَقُوكُمْ﴾ نافقوا و ﴿قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ﴾ بأنفسهم ﴿عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾ وعض الأنامل: عادة يفعلها المغيظ المحنق، إذا لم ينل من عدوه منالاً ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ بما في القلوب

стр. 358

﴿إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ﴾ نصر أو غنيمة ﴿تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ﴾ بإخفاق مقصد أو بهزيمة من عدو ﴿يَفْرَحُواْ بِهَا﴾ أرأيتم أيها المؤمنون حال من ننهاكم عن اتخاذهم بطانة لكم، أو أولياء توالونهم من دون المؤمنين؟

стр. 359

﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ أي خرجت غدوة من أهلك. والغدوة: ما بين صلاة الفجر وطلوع الشمس ﴿تُبَوِّىءُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ تنزلهم ﴿مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ مواقف؛ أي ترتب جيوش المؤمنين: ميمنة وميسرة وقلباً وجناحين. وكان ذلك في وقعة أحد

стр. 360

﴿إِذْ هَمَّتْ طَّآئِفَتَانِ﴾ هم بنو سلمة، وبنو حارثة ﴿أَن تَفْشَلاَ﴾ تضعفا عن القتال ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ كافيهما وناصرهما ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ لا على أحد غيره قال تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾

стр. 361

﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ قليلون؛ نصركم - رغم قلتكم وضعفكم - على المشركين رغم كثرتهم وقوتهم

стр. 362

﴿وَيَأْتُوكُمْ مِّن فَوْرِهِمْ﴾ من وقتهم ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ معلمين

стр. 363

﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ﴾ أي هذا الإمداد ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ﴾ فلا تجزع لكثرة العدو ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ يهبه لمن يشاء بلا قدرة ولا قوة، ويمنعه عمن يشاء مع مزيد القدرة ووفور القوة؛ وقد وهبكم النصر على الكافرين مع قلتكم وكثرتهم، وضعفكم وقوتهم

стр. 364

﴿لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ أي ليهلك طائفة منهم ﴿أَوْ يَكْبِتَهُمْ﴾ يغيظهم ويذلهم ويخزيهم ﴿فَيَنقَلِبُواْ خَآئِبِينَ﴾ فيرجعوا منهزمين.

стр. 365

﴿يَآأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا﴾ كلٌ نهي جاء مصحوباً بنداء المؤمنين: ﴿يَآأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ﴾ فهو من المحرمات؛ التي يأثم فاعلها، ويثاب تاركها: ﴿يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ ﴿لاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ ﴿لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ ﴿لاَ تَخُونُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ وأمثال ذلك. وأكل الربا من أفحش الموبقات المنهي عنها؛ خاصة إن كانت ﴿أَضْعَافاً مُّضَاعَفَةً﴾ وهو ما يسميه الربويون بالفوائد المركبة؛ وهو أن يضم المرابي فوائد الدين إلى أصله، ويحتسب الدين وفوائده وفوائد الفوائد؛ وهكذا حتى يتضاعف الدين ﴿أَضْعَافاً مُّضَاعَفَةً﴾ وليس معنى الآية: إباحة الربا إذا لم يكن أضعافاً مضاعفة؛ بل هو حرام قل أو كثر، ضوعف أو لم يضاعف؛ ويأثم فاعله؛ ويكفر مستحله لقوله تعالى:

стр. 366

﴿وَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ الذين لا يطيعون الله فيما أمر، ولا يعبأون بتهديده ووعيده

стр. 367

﴿وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ أي بادروا لفعل ما يوصل إليها؛ من فعل الطيبات، واجتناب المحرمات سارعوا إلى ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ﴾ هذا عرضها فكيف بطولها؟ والمراد بذلك وصفها بالسعة والبسط؛ فشبهها تعالى بأوسع ما علمه الناس وألفوه. أما وصفها الحقيقي: فهو ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب شر ﴿أُعِدَّتْ﴾ هذه الجنة، التي هذا وصفها، وهذه سعتها ﴿لِّلْمُتَّقِينَ﴾ الذين يرجون رحمة ربهم، ويخافون عذابه ووصف الله تعالى المتقين بقوله:

стр. 368

﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ﴾ مما آتيناهم ﴿فِي السَّرَّآءِ وَالضَّرَّآءِ﴾ في اليسر والعسر، في السعة والضيق، في السرور والحزن؛ لا يمنعهم مانع عن الإنفاق والإعطاء؛ أليس هذا أمر ربهم، وتوجيهه لهم؟ ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ يقال: كظم غيظه: إذا حبسه ومنعه ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ إذا صدر منهم ما يستوجب المؤاخذة

стр. 369

﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً﴾ الفاحشة: الفعلة القبيحة، الخارجة عما أمر الله تعالى به. وقيل: الفاحشة: الزنا ﴿أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ﴾ بارتكاب المعاصي، وتعريضها للعقاب ﴿ذَكَرُواْ اللَّهَ﴾ تذكروا أمره ونهيه، وثوابه وعقابه ﴿فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ﴾ طلبوا منه تعالى غفرانها، وعاهدوه على تركها وعدم العودة إليها ﴿وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ﴾ أي لا أحد يغفرها ويمحوها سواه تعالى؛ بشرط الاستغفار، وعدم الإصرار ﴿وَلَمْ يُصِرُّواْ﴾ أي لم يقيموا ﴿عَلَى مَا فَعَلُواْ﴾ من الذنوب التي استوجبت الاستغفار وإلا فالعائد إلى ذنبه، كالمستهزىء بربه ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أن ما يفعلونه من الآثام.

стр. 370

﴿قَدْ خَلَتْ﴾ مضت ﴿مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ﴾ وقائع أو أمم

стр. 371

﴿هَذَا﴾ القرآن ﴿بَيَانٌ لِّلنَّاسِ﴾ يبين لهم ما خفي عليهم ﴿وَهَدَى﴾ هداية لهم يهديهم إلى الطريق القويم، والصراط المستقيم ﴿وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ﴾ يتعظون بما فيه من الآيات، ويعتبرون بما فيه من الحادثات

стр. 372

﴿وَلاَ تَهِنُواْ﴾ من الوهن أي لا تضعفوا ﴿وَلاَ تَحْزَنُواْ﴾ ف الله تعالى معكم ﴿وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ﴾ بالغلبة والنصر على الكافرين

стр. 373

﴿إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ﴾ القرح: واحد القروح؛ وهو كناية عن الغلب والهزيمة يوم أحد ﴿فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ﴾ أي مستهم هزيمة منكرة يوم بدر ﴿وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ أي نصرفها بينهم: فننصر هؤلاء يوماً، وننصر أولئك يوماً آخر. ونفقر هؤلاء، ونغني هؤلاء؛ ثم نغني من أفقرنا، ونفقر من أغنينا كل شيء عندنا بمقدار وتقدير، ونظام وتدبير ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ﴾ علم ظهور ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ﴾ بصبرهم على بلواهم، وشكرهم على نعمائهم

стр. 374

﴿وَلِيُمَحِّصَ﴾ يبتلي ويختبر ﴿وَيَمْحَقَ﴾ يهلك

стр. 375

﴿أَمْ حَسِبْتُمْ﴾ أيها المؤمنون ﴿أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا﴾ لم ﴿يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ على ما أصابهم في سبيله

стр. 376

﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ﴾ تتمنون ﴿الْمَوْتُ﴾ في الجهاد؛ عند ما فاتتكم وقعة بدر التي انتصر فيها المسلمون ﴿فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ﴾ أي رأيتم أسبابه؛ في الجهاد يوم أُحد؛ فلم جبنتم وانهزمتم؟ أليس هو الموت الذي تتمنونه والشهادة التي تنشدونها؟ (انظر آية ٤٢ من سورة الزمر)

стр. 377

﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ﴾ يعرض له ما عرض لسائر الرسل، ويجوز عليه ما جاز عليهم وهو كسائر البشر: يأكل الطعام، ويمشي في الأسواق. ويمرض، ويموت (انظر آية ٤ من سورة القلم) ﴿قَدْ خَلَتْ﴾ مضت ﴿مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ وماتوا حين حان أجلهم ﴿أَفإِنْ مَّاتَ﴾ كباقي مخلوقات الله تعالى ﴿أَوْ قُتِلَ﴾ كسائر المستشهدين في سبيله ﴿انْقَلَبْتُمْ﴾ رجعتم ﴿عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ والمراد: ارتددتم إلى الكفر بعد إيمانكم ﴿وَمَن يَنقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ فيكفر بعد إيمان، ويشك بعد إيقان ﴿فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً﴾ بل يضر نفسه، ويوردها مورد الهلكة

стр. 378

﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ﴾ بإرادتها؛ بل تموت ﴿بِإِذُنِ اللَّهِ﴾ حين ينتهي أجلها المحدد لها فإذا جاء أجلها لا تستأخر ساعة ولا تستقدم ﴿كِتَاباً﴾ مكتوباً عند الله ﴿مُّؤَجَّلاً﴾ أي مؤقتاً بأجل معلوم؛ فلا ينفع الجبن، ولا تنجى الهزيمة ﴿قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ ﴿وَمَن يُرِدِ﴾ بعمله ﴿ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ﴾ ما كتب له ﴿مِنْهَآ﴾ وليس له حظ في ثواب الآخرة ﴿وَمَن يُرِدِ﴾ بعمله ﴿ثَوَابَ الآخِرَةِ﴾ وما أعده الله للمتقين ﴿نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ ما يستحقه من النعيم المقيم

стр. 379

﴿وَكَأَيِّن﴾ وكم ﴿مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ﴾ أي ربانيون؛ وهم العلماء العاملون، والمؤمنون الموحدون: حواريو الأنبياء وخاصتهم ﴿فَمَا وَهَنُواْ﴾ أي فما فتروا، وما انكسرت همتهم، أو ضعفت نفوسهم ﴿وَمَا اسْتَكَانُواْ﴾ وما خضعوا ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ في الحرب، وعلى البأساء والضراء، وعلى الطاعة، وعن المعصية

стр. 380

﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ﴾ أي لم يكن قولهم هذراً ولا لغواً ولا شكاية، ولا تأففاً وتضجراً؛ وإنما طاعة وصبراً؛ ولم يكن قولهم ﴿إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا﴾ تجاوزنا الحد فيما أمرتنا به، ونهيتنا عنه ﴿وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا﴾ في الحرب؛ فلا تزول من مكانها إلا إلى النصر والظفر من هنا نعلم أن واجب الإنسان حين يدعو ربه لدفع ملمة، أو رفع كربة: أن يتجرد من دنياه، ويستغفر من خطاياه، ويتجه إلى مولاه؛ فيستجيب دعاه ألا ترى - هداك الله تعالى إلى مرضاته - إلى قول العزيز الجليل:

стр. 381

﴿فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا﴾ بالنصر والغنيمة والذكر الحسن ﴿وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ﴾ بالجنة والنعيم المخلد، ورضي عنهم وأرضاهم

стр. 382

﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلاَكُمْ﴾ ناصركم ومتولي أموركم

стр. 383

﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ﴾ منكم؛ فلا يستطيعون مقاتلتكم ﴿بِمَآ أَشْرَكُواْ﴾ أي بسبب إشراكهم ﴿بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً﴾ حجة أو برهاناً ﴿وَمَأْوَاهُمُ﴾ مرجعهم. ⦗٨١⦘ ﴿مَثْوَى﴾ مقام

стр. 384

﴿إِذْ تَحُسُّونَهُمْ﴾ تقتلونهم. والحس: القتل والاستئصال ﴿بِإِذْنِهِ﴾ بأمره وإرادته وقدرته ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ﴾ جبنتم وضعفتم ﴿مِّن بَعْدِ مَآ أَرَاكُمْ مَّا تُحِبُّونَ﴾ من النصر والظفر والغنيمة، وانهزام العدو في مواقع عدة ﴿مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا﴾ الغنيمة؛ فترك مراكز القتال؛ ليفوز بها ﴿وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ وثوابها؛ فثبت في مراكزه حتى قتل؛ وفاز بالأجر والشهادة؛ وأنعم بهما من سعادة ﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ﴾ ردكم عن الكفار بالهزيمة ﴿لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾ ليختبركم بالمصائب، وليظهر ثباتكم على الإيمان

стр. 385

﴿إِذْ تُصْعِدُونَ﴾ الإصعاد: الذهاب في صعيد الأرض، أو الإبعاد فيه. والصعيد: ما على وجه الأرض من تراب وحجر ونحوهما. والمعنى: تستبقون إلى الهرب في مستوى الأرض، وفي بطون الأودية والشعاب. وقيل: هو من الصعود؛ وأنهم صعدوا هاربين في أُحد ﴿وَلاَ تَلْوُونَ﴾ لا تلتفتون ﴿وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾ يناديكم وأنتم منهزمين: إليَّ عباد الله، إليَّ عباد الله ﴿فَأَثَابَكُمْ﴾ جزاكم ﴿غُمّاً﴾ هزيمة ﴿بِغَمٍّ﴾ أي مقابل غمكم للرسول صلوات الله تعالى وسلامه عليه، ومخالفتكم أمره. أو المعنى: غمكم بالهزيمة في أحد، مقابل غم الكافرين وهزيمتهم ببدر وهو كقوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾

стр. 386

﴿ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّن بَعْدِ الْغَمِّ﴾ والهزيمة ﴿أَمَنَةً نُّعَاساً﴾ أي أنزل تعالى على المؤمنين الأمن، وأزال عنهم الخوف حتى نعسوا ﴿يَغْشَى﴾ هذا النعاس ﴿طَآئِفَةٌ﴾ جماعة ﴿مَّنكُمْ﴾ وهم الذين كانوا مع الرسول في القتال، وعملوا بأمره، ولم تلههم الغنائم عن طاعته: فنعسوا من كثرة ما أمنوا. والنعاس في القتال: أمن من الله ورحمة، وفي الصلاة: من الشيطان ﴿وَطَآئِفَةٌ﴾ أخرى؛ وهم الذين خالفوا أمر الرسول، وانصرفوا إلى الغنائم؛ فتقدم المشركون وأثخنوا المؤمنين. وهذه الطائفة ﴿قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ والمحافظة على حياتهم؛ فهم من حذر الموت، وخشية القتل في شغل ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ﴾ الظن ﴿الْحَقِّ﴾ ويتوهمون أنه تعالى لا ينصر محمداً ﴿ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ الأولى، الذين كانوا يشركون بالله، ولا يعرفون رباً يعتمدون عليه، ويكلون أمورهم إليه ﴿يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِم﴾ من النفاق ﴿مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ﴾ وذلك لأنهم كانوا يبدون للرسول الإسلام - وهم برآء منه - والحرص على الجهاد - وهم بعداء عنه ـ. ⦗٨٢⦘ ﴿لَبَرَزَ﴾ خرج ﴿الَّذِينَ كُتِبَ﴾ قضى ﴿عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ مصارعهم ﴿وَلِيَبْتَلِيَ﴾ يختبر ﴿مَا فِي صُدُورِكُمْ﴾ من إيمان وإخلاص، أو كفر ونفاق ﴿وَلِيُمَحِّصَ﴾ يميز حقيقة ﴿مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾ من حب له، وتفان في سبيله، أو حب للذات، وتفان في الملذات ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ بما في القلوب

стр. 387

﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ﴾ انهزموا ﴿يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ الجيشان: جمع المسلمين، وجمع الكافرين؛ بأحد ﴿إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ﴾ أوقعهم في الزلة ﴿بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ﴾ عملوا من الذنوب.

стр. 388

﴿وَقَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُواْ فِي الأَرْضِ﴾ سافروا فيها، وتعرضوا للمتاعب والأخطار ﴿أَوْ كَانُواْ غُزًّى﴾ جمع غاز ﴿لَّوْ كَانُواْ عِنْدَنَا﴾ في ديارهم ﴿مَا مَاتُواْ﴾ في أسفارهم ﴿وَمَا قُتِلُواْ﴾ في غزواتهم. ونسوا أنهم لو كانوا في بيوتهم وكتب عليهم الموت؛ لسعى إليهم، أو سعوا إليه، وأن قضاء الله تعالى لا يدفع، وأمره لا يرد ﴿لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذلِكَ﴾ القول الذي يقولونه، والتفكير الذي يفكرونه ﴿حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ تحز في نفوسهم ﴿وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ فلا يمنع من الموت قعود، ولا يكون القعود سبباً في الخلود

стр. 389

﴿لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ﴾ لذنوبكم ﴿وَرَحْمَةً﴾ منه لكم ﴿خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ من المال الفاني

стр. 390

﴿وَلَئِنْ مُّتُّمْ﴾ في فراشكم، أو أسفاركم ﴿أَوْ قُتِلْتُمْ﴾ في حربكم وجهادكم ﴿لإِلَى الله تُحْشَرُونَ﴾ فيجزيكم خير ما عملتم
следующие страницы →