Полный текст (5 331 стр.). Показаны 3606–3645 · переход к 3611.
стр. 3606
﴿مَا لَهُمْ مِّن مَّحِيصٍ﴾ من مهرب
стр. 3607
﴿فَمَآ أُوتِيتُمْ مِّن شَيْءٍ﴾ نعمة في هذه الحياة ﴿فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ الزائل الفاني ﴿وَمَا عِندَ اللَّهِ﴾ من نعيم الآخرة ﴿خَيْرٌ﴾ من متاع الحياة الدنيا ﴿وَأَبْقَى﴾ لأنه دائم؛ لا انقطاع له أبداً
стр. 3608
﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ﴾ كبائر الذنوب ﴿وَالْفَوَاحِشَ﴾ الذنوب الفاحشة: كالزنا، والقتل. أو هي كل موجبات الحدود ﴿وَإِذَا مَا غَضِبُواْ هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ أي إذا أغضبهم أحد: عفوا عنه، وتجاوزوا عن ذنبه
стр. 3609
﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ وصف تعالى المؤمنين بأن أمرهم شورى بينهم؛ ليدل على أن أرقى النظم وأسماها: هي النظم الديمقراطية، وأن الاستبداد، في الحكومات ليس من نظام الدين، ولا من شأن المؤمنين وأن الدول التي تسير بالنظم البرلمانية: هي أولى الحكومات بالتقدير والإكبار؛ ولله در القائل:
اقرن برأيك رأي غيرك واستشر
فالحق لا يخفى على إثنينللمرء مرآة تريه وجهه
ويرى قفاه بجمع مرآتين
﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ يتصدقون، وينفقون ابتغاء وجهه تعالى
стр. 3610
﴿وَالَّذِينَ إِذَآ أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ﴾ وقع عليهم الظلم ﴿هُمْ يَنتَصِرُونَ﴾ ينتقمون ممن ظلمهم: غير متجاوزين الحد، ولا مسرفين في الانتقام ﴿وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ لما قال : ﴿وَإِذَا مَا غَضِبُواْ هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ وكانت الآية مطلقة: آمرة بالغفران من غير قيد ولا شرط؛ وربما تغالى الآخذ بها؛ فصار ذليلاً، مهاناً، جباناً: ينال منه عدوه؛ فلا يحرك ساكناً؛ فتهون نفسه عليه. وقديماً قال الشاعر:
إذا أنت لم تعرف لنفسك حقها
هواناً بها؛ كانت على الناس أهونا
لذا ألحقها تعالى بهذه الآية:
стр. 3611
﴿وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ من غير بغي، ولا إسراف ﴿فَمَنْ عَفَا﴾ عمن ظلمه: خشية استفحال الضرر، وكبحاً لجماح الشر، ورجاء أن يعود الباغي عن بغيه، والظالم عن ظلمه ﴿وَأَصْلَحَ﴾ قلبه ومعاملته؛ فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم ﴿فَأَجْرُهُ﴾ فجزاء عفوه وحلمه ﴿عَلَى اللَّهِ﴾ يكافئه عليه في الدنيا والآخرة
стр. 3612
﴿وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِّن سَبِيلٍ﴾ أي إن من أخذ حقه ممن ظلمه، وعاقب بمثل ما عوقب به: ليس لأحد عليه من سبيل لمعاقبته، أو معاتبته وبعد ذلك غلب الحليم الغفار: العفو، والحلم، والصبر، والمغفرة؛ قال تعالى:
стр. 3613
﴿وَلَمَن صَبَرَ﴾ على أذى الغير؛ فلم ينتصر لنفسه، ولم يوسع دائرة الشر، ويذكي نيران العداوة والبغضاء ﴿وَغَفَرَ﴾ تجاوز عن ذنب من أذنب في حقه؛ واستبدل عداوته حباً، وبعده قرباً ﴿إِنَّ ذَلِكَ﴾ الصبر، والحلم، والغفران ﴿لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ أي من الأمور المستحبة، المؤدية إلى الخير دائماً
стр. 3614
﴿وَتَرَى الظَّالِمِينَ﴾ يوم القيامة ﴿لَمَّا رَأَوُاْ الْعَذَابَ﴾ المعد لهم ﴿يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ﴾ رجوع إلى الدنيا ﴿مِّن سَبِيلٍ﴾ يطلبون الرجوع إلى الدنيا ليؤمنوا ﴿وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ﴾
стр. 3615
﴿وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا﴾ أي على النار ﴿خَاشِعِينَ﴾ خاضعين ذليلين؛ من شدة الهول والرعب ﴿يَنظُرُونَ﴾ إلى النار ﴿مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ ذليل؛ كما ينظر المحكوم عليه إلى سيف
⦗٥٩٧⦘ الجلاد ﴿إِنَّ الْخَاسِرِينَ﴾ حقاً هم ﴿الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ﴾ بوقوعها في الجحيم، والعذاب الأليم خسروا
﴿أَهْلِيهِمْ﴾ وذلك لأن أهلهم إذا كانوا صلحاء: فهم في الجنة، وإذا كانوا غير صلحاء: فهم في النار؛ فلا انتفاع بهم في كلا الحالتين. أو خسروا أهليهم من الحور العين
стр. 3616
﴿اسْتَجِيبُواْ لِرَبِّكُمْ﴾ أجيبوه لما دعاكم إليه ﴿وَمَا لَكُمْ مِّن نَّكِيرٍ﴾ من إنكار؛ أي لا تقدرون أن تنكروا شيئاً مما اقترفتموه؛ إذ أن سمعكم، وأبصاركم، وأيديكم، وأرجلكم وجلودكم؛ ستشهد عليكم بما كسبتم
стр. 3617
﴿فَمَآ أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً﴾ تحفظ أعمالهم، وتلزمهم بما لا يريدون ﴿رَحْمَةً﴾ نعمة، وغنى وصحة ﴿وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾ بلاء، وفقر، ومرض ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ أي بسبب معاصيهم ﴿فَإِنَّ الإِنسَانَ كَفُورٌ﴾ يئوس قنوط: يعدد مصائبه، وينسى أنعم الله تعالى عليه ﴿إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً﴾
стр. 3618
﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ وما فيهما؛ خلقاً، وملكاً، وعبيداً ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ﴾ هو؛ لا ما يشاؤه الناس ﴿يَهَبُ﴾ بفضله ﴿لِمَن يَشَآءُ﴾ أن يهب له ﴿إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ الذُّكُورَ﴾ حسب حاجة الكون والبشرية؛ لا وفق هوى الوالدين؛ وذلك بالقدر الذي يكفل عمار الدنيا، وحفظ النوع الإنساني
стр. 3619
﴿أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً﴾ أو يهب لمن يشاء الصنفين: ذكراناً وإناثاً ﴿وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيماً﴾ لا نسل له ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ﴾ بما يجب أن يكون ﴿قَدِيرٌ﴾ على كل شيء يريده
стр. 3620
﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ﴾ أي وما صح لأحد من البشر ﴿أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْياً﴾ إلهاماً، أو رؤيا في المنام؛ لأنها وحي. قال تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ ... ﴿وَأَوْحَيْنَآ إِلَى أُمِّ مُوسَى﴾ ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن﴾ كتكليم موسى ﵇: سماع بدون رؤية. والمقصود بالحجاب: حجب السامع، لا المتكلم. تعالى الله عن أن يحجبه حاجب، أو يستره ساتر ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ﴾ الرسول: هو جبريل ﵊؛ لأنه رسول الله تعالى إلى أنبيائه (انظر آية ٢٢ من سورة الروم)
⦗٥٩٨⦘ ﴿إِنَّهُ عَلِيٌّ﴾ عظيم، متعالٍ عن صفات المخلوقين ﴿حَكِيمٌ﴾ في صنعه: لا يعمل إلا ما تقتضيه المصلحة، وتستوجبه الحاجة
стр. 3621
﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً﴾ هو القرآن الكريم؛ إذ فيه حياة القلوب من موت الجهل؛ بل هو روح الأرواح أو المراد بالروح: جبريل ﵊ ﴿مِّنْ أَمْرِنَا﴾ أي بأمرنا الذي نوحيه إليك؛ و ﴿مَا كُنتَ تَدْرِي﴾ من قبل أن نوحي إليك ﴿مَا﴾ هو ﴿الْكِتَابُ وَلاَ﴾ ما هو ﴿الإِيمَانُ﴾ والمقصود بالإيمان الذي لم يكن يدريه محمدبن عبد الله؛ صلوات الله تعالى وسلامه عليه - وقد اختاره الله تعالى لهداية العالمين؛ وهو في أصلاب آبائه وأجداده - إنما أريد به شرائع الإيمان، وأحكامه، ومعالمه. وقد تعاضدت الأخبار والآثار على تنزيه الأنبياء عليهم الصلاة والسلام عن النقائص منذ ولدوا، ونشأتهم على التوحيد منذ درجوا، وإحاطتهم بأنواع المنن واللطائف، وإشراق أنوار المعارف وليس محمد بأقل شأناً من يحيى - وقد أوتي الحكم صبياً - ومن عيسى - وقد أوتي الكتاب وجعل نبياً في مهده - ولا من إبراهيم - وقد أوتي رشده من قبل - صلوات الله تعالى وسلامه على سائر أنبيائه ورسله أو المعنى: ﴿مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ﴾ لولا الرسالة ﴿وَلاَ الإِيمَانُ﴾ لولا الهداية ﴿وَلَكِن جَعَلْنَاهُ﴾ أي القرآن ﴿نُوراً﴾ ينير القلوب والنفوس، ويجلو الأبصار والبصائر، ويشرح الصدور؛ فهو نور النور ﴿نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ الذين انقادوا لأمرنا، واستمعوا لكلامنا:
رب إن الهدى هداك وآيا
تك نور تهدي بها من تشاء
﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي﴾ بما به هديت، وترشد إلى ما به رشدت ﴿إِلَى صِرَاطٍ﴾ طريق ﴿مُّسْتَقِيمٍ﴾ واضح، بين الاستقامة
стр. 3622
﴿صِرَاطِ اللَّهِ﴾ دينه القويم ﴿أَلاَ إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ﴾ ترجع: فيقضي فيها بما يشاء، ويحكم فيها بما يريد ﴿أَلاَ لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾.
стр. 3623
سورة الزخرف
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 3624
﴿حم﴾ (انظر آية ١ من سورة البقرة)
стр. 3625
﴿وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ الواضح
стр. 3626
﴿فِي أُمِّ الْكِتَابِ﴾ اللوح المحفوظ ﴿لَدَيْنَا﴾ عندنا ﴿لَعَلِيٌّ﴾ عال على سائر الكتب ﴿حَكِيمٌ﴾ محكم؛ ذو حكمة بالغة
стр. 3627
﴿أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً أَن كُنتُمْ قَوْماً مُّسْرِفِينَ﴾ أي أفنمسك عنكم نزول القرآن إمساكاً؛ لأنكم قوم مسرفون في الكفر وارتكاب المعاصي
стр. 3628
﴿وَمَضَى مَثَلُ الأَوَّلِينَ﴾ أي سلف في القرآن ذكر الأمم السابقة، وما حل بها من التعذيب والتنكيل؛ جزاء كفرهم وتكذيبهم
стр. 3629
﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ مَهْداً﴾ فراشاً؛ كالمهد الذي هو فراش الصبي ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً﴾ طرقاً فيها تمشون، وطرقاً منها تتعيشون
стр. 3630
﴿وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءً بِقَدَرٍ﴾ بتقدير: بقدر حاجتكم إليه؛ ولم ينزله كثيراً فيغرق، ولا قليلاً فيقحط ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ ﴿فَأَنشَرْنَا بِهِ﴾ أحيينا به. ومنه قوله تعالى ﴿كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾ أي الإحياء ﴿بَلْدَةً مَّيْتاً﴾ جدبة؛ لا نبات فيها ﴿كَذَلِكَ﴾ أي مثل إخراج النبات من الأرض الجدبة ﴿تُخْرَجُونَ﴾ من قبوركم يوم القيامة
стр. 3631
﴿وَالَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا﴾ الأصناف كلها ﴿مِّنَ الْفُلْكِ﴾ السفن ﴿وَالأَنْعَامِ﴾ الإبل
стр. 3632
﴿لِتَسْتَوُواْ عَلَى ظُهُورِهِ﴾ أي ظهور السفن والأنعام ﴿ثُمَّ تَذْكُرُواْ﴾ تتذكروا ﴿نِعْمَةَ رَبِّكُمْ﴾ عليكم؛ بتسخير الفلك والأنعام؛ لمزيد نفعكم وراحتكم ﴿وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ أي مطيقين
стр. 3633
﴿وَإِنَّآ إِلَى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ﴾
لراجعون إليه؛ فمجازينا على شكرنا، أو كفرنا
стр. 3634
﴿وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا﴾ بقولهم: عيسى ابن الله، والملائكة بنات الله. لأن الولد جزء من الوالد؛ وهم من عبيده، لا من أبنائه ﴿إِنَّ الإنسَانَ لَكَفُورٌ مُّبِينٌ﴾ بين الكفر
стр. 3635
﴿وَأَصْفَاكُم بِالْبَنِينَ﴾ أي اختصكم بهم
стр. 3636
﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلاً﴾ أي إذا بشر بالأنثى؛ لأنهم كانوا يقولون: الملائكة بنات الله ﴿ظَلَّ﴾ دام ﴿وَجْهُهُ مُسْوَدّاً﴾ من الحزن والحسرة ﴿وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ ممتلىء غيظاً وغماً
стр. 3637
﴿أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ أي أو ينسب للرحمن من الولد من هذه صفته؟ وهو أنه «ينشأ» أي يتربى «في الحلية» أي في الترف والزينة؛ وإذا احتاج إلى تقرير دعوى، أو إقامة حجة: كان ﴿فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ أي غير قادر؛ لضعف حجته، وخطل رأيه. وذلك أنهم نسبوا إليه سبحانه الولد؛ مع نسبة أخس النوعين - في نظرهم - وهو البنات؛ تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً
стр. 3638
﴿أَشَهِدُواْ﴾ أحضروا ﴿خَلْقَهُمْ﴾ أي خلق الملائكة؛ فعلموا أنهم إناثاً كما يزعمون. أو هو من الشهادة، لا المشاهدة ﴿سَتُكْتَبُ﴾ في صحائف أعمالهم ﴿شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾ عنها يوم القيامة، ويحاسبون عليها
стр. 3639
﴿وَقَالُواْ﴾ كفراً، وعناداً، ولجاجاً ﴿لَوْ شَآءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ أي لو أراد الله أن يمنعنا عبادة الملائكة لمنعنا. وهي كلمة حق أريد بها باطل؛ إذ أن الله تعالى لو شاء أن يؤمن الناس جميعاً لآمنوا، و ﴿لَّوْ يَشَآءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً﴾ وإنما يكون ذلك الإيمان، وتلك الهداية على سبيل القسر والإلجاء. وقد هدى الله تعالى الناس جميعاً بخلق العقول والأفئدة، وبعث الرسل، وإنزال الكتب؛ فمنهم من استجاب لداعي مولاه: فحباه واجتباه، ومنهم من استحب الغواية على الهداية، واختار الكفر على الإيمان؛ فاستوجب الحرمان والنيران قال تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّواْ الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ ﴿مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾ أي ما لهم من علم بمشيئة الله تعالى وإرادته؛ حتى يتبعوها، ويحتجوا بوقوعها ﴿إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ﴾ يكذبون
стр. 3640
﴿أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَاباً مِّن قَبْلِهِ﴾ أي قبل القرآن؛ قلنا فيه بعبادة الملائكة، أو بيّنا فيه مشيئتنا لذلك ﴿فَهُم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾ أي بهذا الكتاب
стр. 3641
﴿بَلْ قَالُواْ إِنَّا وَجَدْنَآ آبَآءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ على دين.
والأمة: الطريقة التي تقصد، ومنه الأمام
стр. 3642
﴿وَكَذَلِكَ﴾ مثل الذي حدث من قومك؛ من احتجاجهم بهذه الحجج الواهية الواهنة: احتج الأمم السابقة على رسلهم؛ و ﴿مَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ﴾ ينذرها غضب الله تعالى، ويخوفها عقابه ﴿إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَآ﴾ متنعموها، مثل قول هؤلاء ﴿إِنَّا وَجَدْنَآ آبَآءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ ملة وطريقة
стр. 3643
﴿قُلْ﴾ لهم يا محمد مقنعاً ومتلطفاً ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى﴾ بدين أهدى ﴿مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَآءَكُمْ﴾ وهنا يظهر عنادهم، وتتضح نواياهم وخفاياهم؛ ويقولون: ﴿إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ﴾ أنت ومن سبقك من الأنبياء ﴿كَافِرُونَ﴾ لا نؤمن به؛ ولو ظهرت صحته، وبانت هدايته؛ وأصروا على عبادة الأصنام،
⦗٦٠١⦘ دون الملك العلام؛ فهل بعد هذا يجوز لمثلهم أن يقول: ﴿لَوْ شَآءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ لقد بطلت حجتهم، وسقطت معذرتهم؛ واستوجبوا الجحيم؛ والعذاب الأليم
стр. 3644
﴿فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ بالقحط، والمرض، والفقر، والذل، والاستئصال
стр. 3645
﴿إِنَّنِي بَرَآءٌ﴾ أي بريء
следующие страницы →