← Тафсир

Тафсир · id 36432

أوضح التفاسير

محمد عبد اللطيف الخطيب

Полный текст (5 331 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

﴿وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا﴾ من الفضل والرحمة والمغفرة ﴿عَلَى رُسُلِكَ﴾ أي على ألسنة رسلك

стр. 422

﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ﴾ أجاب دعاءهم، قائلاً لهم ﴿أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنْكُمْ مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ وسأجزي كلاً بما فعل ﴿بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ﴾ يستوي في الأعمال الذكور والإناث ﴿لأُكَفِّرَنَّ﴾ لأمحون ⦗٨٩⦘ ﴿ثَوَاباً مِّن عِندِ اللَّهِ﴾ وجزاء لأعمالهم

стр. 423

﴿لاَ يَغُرَّنَّكَ﴾ يا محمد، أو «لا يغرنك» أيها المؤمن ﴿تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِي الْبِلاَدِ﴾ بالأموال والتجارة؛ فهذا

стр. 424

﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ﴾ في الدنيا ﴿ثُمَّ مَأْوَاهُمْ﴾ مرجعهم ﴿جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ الفراش

стр. 425

﴿نُزُلاً﴾ موضع إكرام. والنزل: ما يعد لنزول الضيف وإكرامه. ﴿وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ لِّلأَبْرَارِ﴾ المتقين ﴿وَأَنْ﴾ اليهود والنصارى

стр. 426

﴿لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ ورسوله ﴿وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ من القرآن ﴿وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِمْ﴾ من التوراة والإنجيل.

стр. 427

﴿وَصَابِرُواْ﴾ أي غالبوا الأعداء في الصبر على أهوال القتال، وشدائد الحروب ﴿وَرَابِطُواْ﴾ أي لازموا حدود بلادكم وثغوركم؛ مستعدين للدفاع والكفاح والغزو.

стр. 428

سورة النساء بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 429

﴿يأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ﴾ خافوه واخشوا عقابه ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ آدم ﵇ ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا﴾ أي من جنسها حواء ﴿وَبَثَّ﴾ فرق ونشر ﴿مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَآءً﴾ كثيرة؛ هم سائر الخلق من بني الإنسان ﴿وَاتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ﴾ أي يسأل بعضكم بعضاً ب الله استعطافاً كقولكم: أسألك ب الله أن تفعل كذا. ويسأل بعضكم بعضاً بالأرحام؛ يقول: بحق ما بيننا من الرحم افعل كذا «والأرحام» جمع رحم؛ وهو القرابة. أي واتقوا الأرحام فلا تقطعوها؛ بل صلوا أقرباءكم وبروهم ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ أي مراقباً لأعمالكم، فمجازيكم عليها؛ إن كان خيراً فخير، وإن كان شراً فشر

стр. 430

﴿وَآتُواْ الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ أعطوهم أموالهم، ولا تأكلوها لعجزهم عن مطالبتكم بها ﴿وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الْخَبِيثَ﴾ الحرام؛ أي لا تستبدلوا الأمر الخبيث؛ وهو أكل مال اليتامى ﴿بِالطَّيِّبِ﴾ الحلال؛ وهو المحافظة عليه، ورده لأصحابه ﴿وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَهُمْ﴾ بأن تضموها ﴿إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ وتزعمونها لكم﴾ إثماً

стр. 431

﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ﴾ ألا تعدلوا شأن ﴿الْيَتَامَى فَانكِحُواْ﴾ تزوجوا ﴿مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النِّسَآءِ مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ﴾ انظر مبحث «تعدد الزوجات» بآخر الكتاب ﴿ذلِكَ أَدْنَى﴾ أقرب ﴿أَلاَّ تَعُولُواْ﴾ ألا تجوروا. من عال الحاكم في حكمه: إذا جار. أو ﴿أَلاَّ تَعُولُواْ﴾ بمعنى ألا تميلوا. من عال الميزان عولاً إذا مال. وقيل: المعنى: ذلك أدنى ألا يكثر عيالكم. يؤيده قراءة من قرأ «ألا تعيلوا»

стр. 432

﴿وَآتُواْ النِّسَآءَ صَدُقَاتِهِنَّ﴾ مهورهن. ⦗٩١⦘ ﴿نِحْلَةً﴾ النحلة: العطاء الذي لا يقابله عوض. أو «نحلة» أي عن طيب نفس. أو «نحلة» بمعنى: حقاً لهن، لا مراء فيه؛ لأن النحلة أحد معانيها الدعوى ﴿فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ﴾ أي من المهر بأن تنازلن لكم عن بعضه ﴿فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً﴾ حلالاً لا شبهة فيه؛ لأن كل حق تنازل عنه صاحبه - عن طيب نفس - فهو حلال طيب للمتنازل إليه

стр. 433

﴿وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَآءَ﴾ المبذرون وعديمو الأهلية، أو هم النساء والصبيان أي لا تؤتي ابنك السفيه، ولا امرأتك السفيهة مالك؛ وكان أبو موسى الأشعري يقول: ثلاثة يدعون الله تعالى فلا يستجيب لهم: رجل كانت له امرأة سيئة الخلق فلم يطلقها، ورجل أعطى ماله سفيهاً، ورجل كان له دين على آخر فلم يشهد عليه. والآية في السفهاء عامة بدون تخصيص والسفيه: هو المستحق الحجر؛ لفساده وإفساده وسوء تدبيره؛ فلا تؤتوهم ﴿أَمْوَالَكُمُ﴾ فيتلفونها ويضيعونها؛ وهي ﴿الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ﴾ أي جعلها ﴿قِيَاماً﴾ قواماً لأبدانكم، وسبباً لمعاشكم ويدل على أن المراد بذلك الأبناء والزوجات قوله تعالى: ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً﴾ لأن الإنسان غير مكلف برزق وكسوة سائر السفهاء؛ وإن كان مكلفاً بأن يقول للجميع ﴿قَوْلاً مَّعْرُوفاً﴾ والقول المعروف: أن يقول لهم: إن صلحتم ورشدتم أعطيناكم كذا، وسلمنا إليكم كذا وجعلناكم رؤساء آمرين، لا مرءوسين مأمورين؛ وأمثال ذلك. وقد يكون المراد بقوله تعالى: ﴿أَمْوَالَكُمُ﴾: أموالهم؛ فيكون المراد سائر السفهاء كما قدمنا. وسمى مال السفهاء: أموال المخاطبين: لأن المال مشاع الانتفاع بين الناس، وتجب المحافظة عليه على كل واحد منهم

стр. 434

﴿وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى﴾ أي اختبروا صلاحهم ودينهم وعقلهم ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ﴾ أي سن الزواج؛ وهو بلوغ الحلم. هذا وقد قيدت القوانين الوضعية سن الزواج لمصالح ارتآها المقنن؛ وطاعة الحاكم واجبة ما لم تمس حرمات الله تعالى ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ﴾ وجدتم وعرفتم ﴿مِّنْهُمْ رُشْداً﴾ عقلاً وصلاحاً في التصرفات ﴿فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ ليتصرفوا فيها طبقاً لرغباتهم - في حدود ما أمر الله تعالى - وإلا فالحجر واجب على كل سفيه ﴿وَلاَ تَأْكُلُوهَآ إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَن يَكْبَرُواْ﴾ أي مسرفين ومبادرين أكل أموالهم قبل أن يكبروا ويتسلموها منكم ﴿وَمَن كَانَ﴾ منكم ﴿غَنِيّاً﴾ أيها الأوصياء فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ أي فلا يأخذ أجراً على وصايته ﴿وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ لا يزيد عن أجر إدارة أموال اليتيم فحسب

стр. 435

﴿لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ﴾ حظ مقدر ﴿مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ﴾ من ذلك أيضاً ﴿نَصِيباً مَّفْرُوضاً﴾ فرضه الله تعالى

стр. 436

﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ﴾ قسمة الميراث ﴿أُوْلُواْ الْقُرْبَى﴾ ذوو القربة؛ ممن لا يرث ⦗٩٢⦘ حضر ﴿وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِّنْهُ﴾ من الميراث بقدر ما تطيب به نفوسكم ﴿وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً﴾ ترضية لنفوسهم، وتطييباً لقلوبهم. وهي وصية لأولي القربى: الذين يحزنون ولا يرثون. قال تعالى: ﴿إِن تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ وقد ذهب بعضهم إلى نسخ ذلك الحكم؛ وهو محكم وليس بمنسوخ؛ وقد أجمع على ذلك الصدر الأول من الإسلام: فقد روي عن يحيىبن يعمر رضي الله تعالى عنه: ثلاث آيات محكمات مدنيات؛ تركهن الناس: هذه الآية، وآية الاستئذان ﴿يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لِيَسْتَأْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ وآية التعارف ﴿يأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُواْ﴾ وقيل: على الوارث الإعطاء، وعلى المعطى له قول المعروف

стр. 437

﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ﴾ بعد موتهم ﴿ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُواْ عَلَيْهِمْ﴾ نزلت هذه الآية في الأوصياء والمعنى: تذكر أيها الوصي ذريتك الضعاف من بعدك؛ وكيف يكون حالهم بعد موتك؛ وعامل اليتامى الذين وكل إليك أمرهم وتربوا في حجرك؛ بمثل ما تريد أن يعامل أبناؤك بعد فقدك

стр. 438

﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً﴾ أي ظالمين لهم ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً﴾ وهذا مشاهد في الدنيا: ترى آكل مال اليتيم؛ وقد انتابته الأمراض الفتاكة المهلكة؛ فهذه قرحة في المصارين تقضّ مضجعه، وهذا سرطان يسري في دمه ويأكل لحمه وهؤلاء أبناؤه وقد فسدوا خلقاً وخلقاً، وعاثوا فساداً وإفساداً، وأهلكوا ماله وأفسدوا حاله؛ جزاءً وفاقاً لما جنته يداه، وعصيانه لمولاه وقد ذهب المفسرون إلى أن المراد بالنار التي يأكلونها في بطونهم: نار الآخرة؛ لأن مآلهم إليها. والقول الذي ذهبنا إليه أولى لما نشاهده، ولقوله تعالى: ﴿وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً﴾ في الآخرة

стр. 439

﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾ أي يعهد إليكم، ويأمركم ﴿فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ أي مثل نصيب الأنثيين. ولا توجد حالة يسوي فيها المشرع بين الذكر والأنثى في الميراث؛ سوى عند وجود الأبوين مع ابن أو بنتين فصاعداً؛ فإن نصيب الأم يكون مساوياً لنصيب الأب؛ فيأخذ كل منهما السدس. وعند وجود إخوة، وإخوة لأم؛ فإنهم جميعاً يستحقون ثلث التركة: يقسم بينهم بالتساوي، لا فرق بين ذكورهم وإناثهم. ولا عبرة بما يدعو إليه غلاة الزنادقة، وأئمة الإلحاد؛ من مساواة المرأة بالرجل في الميراث؛ إذ أن ما يدعون إليه من أكبر الكبائر كيف لا وهو مخالف لما جاء به الكتاب الكريم، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه والميراث من الحقوق التي قررها الله تعالى، وجعلها فريضة محكمة، وتوعد مخالفها والخارج عليها بنار الجحيم؛ والعذاب ⦗٩٣⦘ الأليم:

стр. 440

﴿وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ فليس لإنسان - بالغ ما بلغ - أن يطمعه الشيطان؛ بأن هداه أهدى من هدى الله وليس لإنسان أن يحاول الخروج عما رسمه الله تعالى وأراده لعباده؛ وليس لهوى الإنسان، مكان مع صريح القرآن ﴿وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً *

стр. 441

وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَّمْ يَكُنْ لَّهُنَّ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُنْ لَّكُمْ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم مِّن بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً أَو امْرَأَةٌ وَلَهُ﴾ ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ وقد يقول قائل: إن الله قد جعل الإنسان حراً فيما آتاه وهو وهم يلقيه الشيطان لأوليائه من بني الإنسان؛ فهي حرية مقيدة بما فرضه وقرره واهب المال وقد جعله تعالى فتنة للناس ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿فَمَن شَآءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً﴾ باتباع أحكامه، والتزام أوامره، ومن شاء اتخذ إلهه هواه، وخرج من دنياه بسخط المخلوقين، وغضب رب العالمين وليس معنى ذلك أننا نحرم الوصية المشروعة؛ التي يجب وضعها حيث أمرالله؛ وما شرعها تعالى إلا لزيادة ثواب فاعلها وتنمية أعماله؛ وهي - في حدود الثلث - لذوي القربى من المعوزين، ولذوي الحاجات من الفقراء والعاجزين وقد جاء في الحديث الشريف: أن أحد الصحابة رضوان الله تعالى عليهم منح أحد أولاده بعض ماله، وجاء ليشهد الرسول صلوات الله تعالى وسلامه عليه على ما منح؛ فسأله: «أله إخوة؟» قال: نعم يا رسولالله. قال: «أكلهم أعطيت مثلما أعطيته؟» قال: لا. قال ﵊: «لا أشهد على جور؛ اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم» وقد وضح من ذلك الحديث: أن محاباة بعض الأبناء ظلم وجور؛ وعن ذلك نهى الله تعالى ورسوله ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ﴿آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً﴾ في الدنيا والآخرة؛ ولكن الله يدري ذلك؛ فقسم حيث توجد المصلحة، وتتوفر المنفعة. وهذا يتنافى مع ما يعمله بعض الجهال؛ من إيثار بعض أبنائه بماله، وحرمان البعض الآخر؛ مما يوجب البغضاء والشحناء، ويؤدي إلى ارتكاب الجرائم، ووخيم العواقب ﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَآ﴾ إلى بعض الأقرباء الفقراء؛ كما بينا في الآية السابقة ﴿وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً﴾ الكلالة: الذي لا ولد له ولا والد ﴿غَيْرَ مُضَآرٍّ﴾ أي بشرط أن تكون تلك الوصية للمصلحة؛ لا بقصد الإضرار بالورثة ﴿تِلْكَ﴾ الفرائض التي بيّنها الله تعالى وشرعها ﴿حُدُودُ اللَّهِ﴾ فلا ينبغي تجاوزها ﴿وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾

стр. 442

﴿وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ﴾ هي المساحقة. وقال الأكثرون: هي الزنا، وإنها ⦗٩٤⦘ نسخت بقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾ وسندهم في ذلك قوله تعالى: ﴿فَاسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنْكُمْ﴾ واشتراط الأربعة الشهداء؛ لم يرد إلا في الزنا ﴿فَإِن شَهِدُواْ﴾ بإتيانهن الفاحشة ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ﴾ احبسوهن ﴿فِي الْبُيُوتِ﴾ فلا يختلطن بأحد - رجالاً أو نساء - عقوبة لهن وحفظاً ﴿حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً﴾ طريقاً للخلاص؛ مما هن فيه من الحبس، ومما كن عليه من الإثم وذلك السبيل بالزواج. ويرد على قول من قال: إن هذه الآية نزلت في الزنا وإنها منسوخة؛ يرد على ذلك بقوله تعالى:

стр. 443

﴿وَاللَّذَانَ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ﴾ فخص في الأولى الإناث وحدهن، وفي الثانية الرجال وحدهم؛ فبان لنا من ذلك أنه تعالى إنما عنى في الأولى المساحقة، وفي الثانية اللواط ﴿فَآذُوهُمَا﴾ أي اللائط والملوط به: والإيذاء يكون بالضرب، والتوبيخ، والتشنيع، والتعبير، والهجران، وغير ذلك. وهو دليل أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه؛ في حد اللائط بالتعزير. والتعزير قد يصل إلى حد القتل؛ وقد قضوا في اللائط؛ بأن يلقى من حالق واللواط من الفواحش الذميمة التي يستحق مرتكبها أن يقطع إرباً، ويلقى للكلاب؛ جزاء فعلته التي قبحها الله وتوعد فاعلها عافانا الله تعالى من كل ما يغضبه بمنه وكرمه، وأنجانا من ذل المعصية، ووهبنا عز الطاعة؛ إنه سميع مجيب ﴿فَإِن تَابَا﴾ عن اللواط ﴿وَأَصْلَحَا﴾ أعمالهما ﴿فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَآ﴾ توقفوا عن إذايتهما؛ ما داما قد تابا إلىالله، وأصلحا ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّاباً﴾ قابلاً لتوبة من تاب ﴿رَّحِيماً﴾ بعباده؛ إذا حسنت توبتهم: بدل سيئاتهم حسنات

стр. 444

﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ﴾ يقبلها ويثيب فاعلها ﴿لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾ بجهل منهم عاقبة أمرهم ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ﴾ أي يتوبون سريعاً، ويرجعون إلى مولاهم ومن علامة التوبة النصوح: عدم العود إلى الذنب؛ وإلا فالعائد لذنبه، كالمستهزىء بربه وهذه هي التوبة المتقبلة؛ التي تجعل صاحبها في عداد الطيبين الصالحين

стр. 445

﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ ولا يعبأون بفاطر الأرض والسموات وهم أهل الإصرار على المعاصي ﴿حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ﴾ أي حضرت أسبابه ومقدماته، وأخذ في النزع ﴿قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ﴾ فهذا الغر لا تقبل توبته، ولا ترد غربته، ولا تحمد أوبته فما أشبهه بفرعون - حين أدركه الغرق، وأخذ الموت بتلابيبه - قال: ﴿آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنواْ إِسْرَائِيلَ﴾ فقيل له: ﴿آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ (انظر آية ٩١ من سورة يونس) ﴿وَلاَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا﴾ أعددنا وهيأنا ﴿لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ في جهنم وبئس المصير

стр. 446

﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَآءَ ⦗٩٥⦘ كَرْهاً﴾ أي لا يحل لكم أن تأخذوا نساء مورثكم فتتزوجوهن كأنهن من الميراث المتروك لكم؛ وكان ذلك شأنهم في الجاهلية. وقد يكون المعنى: لا يحل لكم أن ترثوهن أحياء؛ فتأخذوا أموالهن كرهاً ﴿وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ﴾ العضل: الحبس والتضييق ﴿لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَآ آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ من المهر ونحوه ﴿إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ﴾ هي الزنا. وقيل: ما تستحيل معه المعيشة: كالنشوز، وإيذاء الزوج وأهله؛ فهنا فقط يجوز للزوج أن يسترد ما آتاها ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ بالمودة والرحمة اللتان فرضهما الله تعالى بين الأزواج ﴿فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً﴾ وهو حث كريم على العطف وعدم التطليق إلا للضرورة القصوى التي تستحيل معها جنة الحياة الزوجية، إلى جحيم الشحناء والبغضاء

стр. 447

﴿وَإِنْ أَرَدْتُّمُ﴾ أيها الأزواج ﴿اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ﴾ بتطليق وتزوج ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ﴾ أي آتيتم الزوجة المرغوب عنها، المرغوب في تطليقها ﴿قِنْطَاراً﴾ كناية عن كثرة المعطى لها؛ من مهر وهدية ونحوهما ﴿فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً﴾ وصف الله تعالى أخذ المطلق شيئاً مما آتاه لمطلقته بالبهتان - وهو الظلم - وبالإثم المبين - وهو الذنب البين الفادح. وهذا النهي في حالة واحدة: هي رغبة الرجل وحده في التطليق؛ ابتغاء «استبدال زوج مكان زوج» أما في حالة رغبتها هي في الانفصال؛ فيجوز له أخذ كل ما آتاها أو بعضه؛ لقوله تعالى: ﴿فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ نفسها؛ لتخلص من هذا الزوج الذي لا ترغب في البقاء تحت إمرته (انظر آية ٢٢٩ من سورة البقرة)

стр. 448

﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ﴾ هو كناية عن الخلوة الصحيحة ﴿وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً﴾ الميثاق الغليظ: هو ما أمر الله تعالى به من إمساكهن بالمعروف، أو تسريحهن بإحسان، أو هو عقد الزواج، أو هو كناية عن الالتقاء والمجامعة. أو المراد بالإفضاء والميثاق: هو ما بينهما من المودة والمحبة، وما يجب عليهما من ستر المعايب، والمحافظة على السر

стр. 449

﴿وَمَقْتاً﴾ وبغضاً عند الله تعالى:

стр. 450

﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ أي بنات أزواجكم اللاتي ربيتموهن؛ وسميت ربيبة: لتربيته لها. والتحريم يتناول من تربت في الحجر ومن لم تترب فيه؛ لأن الزوجة المدخول بها: يحرم على الزوج أصولها وفروعها. وقد ذهب أهل الظاهر إلى أن الربيبة لا تحرم إلا بشرطين: الدخول بالأم، والتربية في الحجر؛ فإذا انعدم أحد الشرطين؛ لم يوجد التحريم ﴿فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ لا حرج في تزوج الربيبة في حالة طلاق الزوجة، أو موتها قبل الدخول بها؛ والدخول: كناية عن الجماع ﴿وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾ ⦗٩٦⦘ جمع حليلة؛ وهي الزوجة ﴿وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الاخْتَيْنِ﴾ لما في الجمع بينهما من مضارة لهما؛ وإبدال ما بينهما من ود بالغ، إلى حقد شنيع ويحرم أيضاً الجمع بين المرأة وعمتها، أو خالتها، أو ابنة أخيها، أو ابنة أختها؛ لقوله: «لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها وعلى ابنة أخيها ولا على ابنة أختها»

стр. 451

﴿وَالْمُحْصَنَاتُ﴾ المتزوجات ﴿مِّنَ النِّسَآءِ﴾ أي وحرمت عليكم النساء المتزوجات؛ ويتناول التحريم: أن يتعرض لها بوعد، أو أن يعرض نفسه عليها ﴿إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَانُكُمْ﴾ فهن غير محرمات. وهن اللائي سبين في الحرب، ولهن أزواج من الكفار المحاربين؛ فقد أصبحت - بالكفر والسبي - من ملك اليمين؛ حلالاً لمن أخذها؛ بشرط أن يستبرئها؛ وإذا باعها فقد طلقت منه بالبيع. وقيل: «المحصنات» العفائف ﴿إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَانُكُمْ﴾ بالعقد. وقيل: هن نساء أهل الكتاب: لا تحل إلا إذا ملكت بالسبي وقت الحرب ﴿كِتَابَ اللَّهِ﴾ أي كتب الله تعالى تحريم ما حرم، وتحليل ما حلل من ذلك ﴿عَلَيْكُمْ﴾ فلا تحلوا ما حرم، أو تحرموا ما أحل ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَن تَبْتَغُواْ﴾ الحلال ﴿بِأَمْوَالِكُمْ﴾ للمهر أو للثمن ﴿مُّحْصِنِينَ﴾ متزوجين. والإحصان: العفة، وتحصين النفس من الوقوع في الحرام ﴿غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ غير زانين. والمسافحة: الزنا ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ﴾ بالزواج ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ مهورهن ﴿وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ لا إثم، ولا حرج ﴿فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِن بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾ أي في إنقاص جزء من المهر المفروض؛ بشرط التراضي الكامل؛ الذي لا عسف فيه ولا إكراه غناء وسعة

стр. 452

﴿أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ الحرائر العفيفات إمائكم ﴿الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ﴾ أي ليتزوج أحدكم أمة أخيه أو صديقه - ما دامت قد أظهرت إيمانها - والله أعلم بسرائركم ﴿بَعْضُكُمْ مِّن بَعْضٍ﴾ أي إنكم جميعاً بنو آدم؛ قد خلقتم من نفس واحدة؛ فلا داعي أن تستنكفوا من زواج الإماء المؤمنات؛ حيث إنكم في ضيق لا يمكنكم من زواج الحرائر؛ أليس الزواج بالأمة خير من الوقوع في الزنا؟ ﴿فَانكِحُوهُنَّ﴾ تزوجوا الإماء ﴿بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ مواليهن ﴿وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ مهورهن ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ على ما تراضيتم به؛ من غير مطل ﴿مُحْصَنَاتٍ﴾ عفيفات ﴿غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ﴾ زانيات ﴿وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ جمع خدن: وهو الخليل ﴿فَإِذَآ أُحْصِنَّ﴾ زوجن ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ﴾ أي زنين ﴿فَعَلَيْهِنَّ﴾ أي على الإماء من الحد ﴿نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ﴾ الحرائر ﴿ذلِكَ﴾ الذي أبحته لكم من زواج الإماء ﴿لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ﴾ الزنا. وأصل العنت: الضيق والضرر والمشقة ⦗٩٧⦘ ﴿وَأَن تَصْبِرُواْ﴾ عن المعاصي، وعلى الطاعات ﴿خَيْرٌ لَّكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ﴾ لما فرط منكم؛ إن أصلحتم أمور أنفسكم فيما بينكم وبينه ﴿رَّحِيمٌ﴾ بكم؛ لا ينهاكم إلا عما فيه الضرر المحيق بكم، ولا يأمركم إلا بما فيه المصلحة الدنيوية والأخروية لكم

стр. 453

﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ الشرائع السليمة ﴿وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ طرق من سبقكم من رسل الله تعالى وأنبيائه، وعباده المؤمنين الصالحين

стр. 454

﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ يغفر ذنوبكم، ويعفو عما سلف من آثامكم ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ﴾ من شياطين الإنس؛ الذين نسوا مولاهم، وجعلوا إلههم هواهم ﴿أَن تَمِيلُواْ﴾ عن الإيمان والحق

стр. 455

﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ بما يسره وأباحه لكم؛ من زواج الأمة - عند تعذر زواج الحرة - وبما رخصه لكم ﴿وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفاً﴾ لا يستطيع الصبر عن النساء

стр. 456

﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ بما لم يبحه الشرع؛ كالغصب، والقمار، والربا، والسرقة، وما شاكل ذلك ﴿إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً﴾ تديرونها بينكم ﴿عَن تَرَاضٍ مِّنْكُمْ﴾ على أن يكون التراضي غير مشوب بإكراه؛ كمن يرى تاجراً في ضيق فينتهز فرصة ضيقه وإفلاسه، ويساومه في بضاعته، بدون ثمنها المعلوم، أو بأقل مما يشتري به مثلها؛ فيقبل البائع مضطراً؛ لحاجته. ويقول المشتري في نفسه: أليس البيع عن تراض؟ أليس من حقي أن أشتري بالثمن الذي أرتضيه؟ ويستحل بذلك ما حرم الله تعالى فليس هذا بالتراضي المطلوب الذي أراده الله تعالى؛ بل هو بالغصب أشبه. وإنما التراضي: أن تكون نفس البائع راضية؛ ونفسه لن تكون راضية وهو خاسر في بيع سلعته؛ أكرهته الظروف على هذا البيع، واضطرته مطامع المشتري إليه فليتق الله من يرغب في جنته، وليتجنب الشبهات في ماله وعرضه ودينه ﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنْفُسَكُمْ﴾ أي لا يقتل بعضكم بعضاً، أو لا تفعلوا ما يوجب قتلها. أو هو على ظاهره بمعنى الانتحار

стр. 457

﴿وَمَن يَفْعَلْ ذلِكَ﴾ بأن يأكل أموال الناس بالباطل، أو يشتري بغير تراض، أو يقتل النفس التي حرم الله تعالى قتلها ﴿عُدْوَاناً﴾ منه على الغير ﴿وَظُلْماً﴾ لهم ﴿فَسَوْفَ نُصْلِيهِ﴾ ندخله ﴿نَاراً﴾ جهنم وبئس المصير

стр. 458

﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ الكبائر: لا تعد، ولا تحد؛ وأكبرها: الشرك بالله، وقتل النفس، وعقوق الوالدين، والزنا، وشرب الخمر، وقول الزور، والفرار يوم الزحف. وقد قالوا: لا صغيرة مع الإصرار، ولا كبيرة مع الاستغفار أي إن الصغائر إذا لازمها المذنب وأصر على إتيانها: فهي كبائر، والكبائر إذا ندم على ارتكابها، واستغفر ربه منها؛ قبله الله تعالى وغفرها له ﴿نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ ⦗٩٨⦘ المراد بالسيئات: الصغائر

стр. 459

﴿وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ أي ألزموا الطاعة، وتمسكوا بأهداب القناعة؛ ولا تطمحوا بأعينكم إلى ما خص الله تعالى به غيركم؛ فهو جل شأنه مالك الملك؛ يعطي من يشاء، ويمنع من يشاء؛ بيده الخير كله وهو حث على عدم الحقد والحسد. وقيل: نزلت حين تمنت النساء مثل أجر الرجال ﴿وَاسْأَلُواْ اللَّهَ مِن فَضْلِهِ﴾ فإن آلاءه لا تعد، وفواضله لا تنفد؛ وهو وحده القادر على تحقيق أمانيكم، وبلوغ آمالكم

стр. 460

﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ وهم الأقرباء الذين ليست لهم فرائض مسماة؛ فيأخذون ما بقي - من الميراث - من أصحاب الفرائض
следующие страницы →